محرمات النكاح
حرمت عليكم امهاتكم وبناتكم واخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الاخ وبنات الاخت وامهاتكم اللاتي أرضعنكم واخواتكم من الرضاعة وامهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الاختين إلا ما قد سلف إن الله كان غفوراً رحيماً(23) والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم واحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما استمتعتم به منهن فآتوهن اجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة إن الله كان عليماً حكيماً(24) ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض فانكحوهن باذن أهلهن واتوهن اجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات اخدان فاذا احصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ذلك لمن خشى العنت منكم وأن تصبروا خير لكم والله غفور رحيم(25) يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم. (26) والله يريد ان يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيماً(27) يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا(28)
بيان
آيات محكمة تعد محرمات النكاح وما احل من نكاح النساء، والآية السابقة عليها المبينة لحرمة نكاح ما نكح الآباء وإن كانت بحسب المضمون من جملتها إلا أن ظاهر سياقها لما كان من تتمة السياق السابق أوردناها في جملة الآيات السابقة مع كونها بحسب المعنى ملحقة بها.
وبالجملة جملة الآيات متضمنة لبيان كل محرم نكاحي من غير تخصيص أو تقييد، وهو الظاهر من قوله تعالى بعد تعداد المحرمات: واحل لكم ما وراء ذلكم الآية، ولذلك لم يختلف أهل العلم في الاستدلال بالآية على حرمة بنت الابن والبنت وام الأب أو الام وكذا على حرمة زوجة الجد بقوله تعالى: ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم الآية، وبه يستفاد نظر القرآن في تشخيص الأبناء والبنات بحسب التشريع على ما سيجيء إن شاء الله.
قوله تعالى: (حرمت عليكم امهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم و خالاتكم وبنات الأخ وبنات الاخت) هؤلاء هن المحرمات بحسب النسب وهي سبعة أصناف، والام من اتصل إليها نسب الإنسان بالولادة كمن ولدته من غير واسطة أو بواسطة كوالدة الأب أو الام فصاعدة، والبنت من اتصل نسبها بالانسان بسبب ولادتها منه كالمولودة من صلبه بلا واسطة، وكبنت الابن والبنت فنازلة. والاخت من اتصل نسبها بالإنسان من جهة ولادتهما معاً من الأب أو الام أو منهما جميعاً بلا واسطة، والعمة اخت الاب وكذا اخت الجد من جهة الأب أو الام، والخالة اخت الام وكذا اخت الجدة من جهة الأب أو الام.
والمراد بتحريم الامهات وما يتلوها من الأصناف حرمة نكاحهن على ما يفيده الإطلاق من مناسبة الحكم والموضوع كما في قوله تعالى: حرمت عليكم الميتة الدم (المائدة: 3) أي أكلهما: وقوله تعالى: فإنها محرمة عليهم (المائدة: 26) أي سكنى الأرض، وهذا مجاز عقلي شائع، هذا.
ولكنه لا يلائم ما سيأتي من قوله تعالى: (إلا ما ملكت أيمانكم) فإنه استثناء من الوطء دون علقة النكاح على ما سيجيء، وكذا قوله تعالى: أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين على ما سيجيء فالحق أن المقدر هو ما يفيد معنى الوطء دون علقة النكاح، وإنما لم يصرح تأدباً وصوناً للسان على ما هو دأب كلامه تعالى.
واختصاص الخطاب بالرجال دون أن يقال: حرم عليهن أبناؤهن الخ أو يقال: مثلاً: لا نكاح بين المرأة وولدها إلخ لما أن الطلب والخطبة بحسب الطبع إنما يقع من جانب الرجال فحسب.
وتوجيه الخطاب إلى الجمع مع تعليق الحرمة بالجمع كالامهات والبنات إلخ تفيد الاستغراق في التوزيع أي حرمت على كل رجل منكم امه وبنته إذ لا معنى لتحريم المجموع على المجموع، ولا لتحريم كل ام وبنت لكل رجل مثلاً على كل رجل لأوله إلى تحريم أصل النكاح فمآل الآية إلى أن كل رجل يحرم عليه نكاح امه وبنته واخته الخ.
قوله تعالى: « وامهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة » شروع في بيان المحرمات بالسبب، وهي سبع ست منها ما في هذه الآية، وسابعتها ما يتضمنه قوله: ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء الآية.
والآية بسياقها تدل على جعل الامومة والبنوة بين المرأة ومن أرضعته وكذا الاخوة بين الرجل واخته من الرضاعة حيث ارسل الكلام فيها إرسال المسلم فالرضاعة تكون الروابط النسبية بحسب التشريع، وهذا مما يختص بالشريعة الإسلامية على ما ستجيء الإشارة إليه.
وقد صح عن النبي صلى الله عليه وآله فيما رواه الفريقان أنه قال: إن الله حرم من الرضاعة ما حرم من النسب ولازمه أن تنتشر الحرمة بالرضاع فيما يحاذي محرمات النسب من الأصناف، وهي الام والبنت والاخت والعمة والخالة وبنت الأخ وبنت الاخت، سبعة أصناف.
وأما ما به يتحقق الرضاع وماله في نشره الحرمة من الشرائط من حيث الكم والكيف والمدة وما يلحق بها من الأحكام فهو مما يتبين في الفقه، والبحث فيه خارج عن وضع هذا الكتاب. وأما قوله: وأخواتكم من الرضاعة فالمراد به الأخوات الملحقة بالرجل من جهة إرضاع امه إياها بلبن أبيه وهكذا.
قوله تعالى: (وأمهات نسائكم) سواء كانت النساء أي الأزواج مدخولاً بهن أو غير مدخول بهن فإن النساء إذا اضيفت إلى الرجال دلت على مطلق الأزواج، والدليل على ذلك التقييد الآتي في قوله تعالى: من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن الآية.
قوله تعالى: « وربائبكم اللاتي في حجوركم » إلى قوله: « فلا جناح عليكم » الربائب جمع الربية وهي بنت زوجة الرجل من غيره لأن تدبير أمر من مع المرأة من الولد إلى زوجها فهو الذي يربها ويربيها في العادة الغالبة وإن لم يكن كذلك دائماً.
وكذلك كون الربيبة في حجر الزوج أمر مبني على الغالب وإن لم يجر الأمر عليه دائماً، ولذلك قيل: إن قوله: اللاتي في حجوركم قيد مبني على الغالب فالربيبة محرمة سواء كانت في حجر زوج أمها أو لم يكن، فالقيد توضيحي لا احترازي.
ومن الممكن أن يقال: إن قوله: اللاتي في حجوركم اهـ إشارة إلى ما يستفاد من حكمة تشريع الحرمة في محرمات النسب والسبب على ما سيجيء البحث عنه، وهو الاختلاط الواقع المستقر بين الرجل وبين هؤلاء الأصناف من النساء والمصاحبة الغالبة بين هؤلاء في المنازل والبيوت فلو لا حكم الحرمة المؤبدة لم يمكن الاحتراز من وقوع الفحشاء بمجرد تحريم الزنا (على ما سيجيء بيانه).
فيكون قوله: « اللاتي في حجوركم » مشيراً إلى أن الربائب لكونهن غالباً في حجوركم وفي صحابتكم تشارك سائر الأصناف في الاشتمال على ملاك التحريم وحكمته.
وكيفما كان ليس قوله: اللاتي في حجوركم قيداً احترازياً يتقيد به التحريم حتى تحل الربيبة لرابها إذا لم تكن في حجره كالبنت الكبيرة يتزوج الرجل بأمها، والدليل على ذلك المفهوم المصرح به في قوله تعالى: « فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم » حيث ذكر فيه ارتفاع قيد الدخول لكون الدخول دخيلاً في التحريم، ولو كان الكون في الحجور مثله لكان من اللازم ذكره، وهو ظاهر.
وقوله: فلا جناح عليكم أي في أن تنكحوهن حذف إيثاراً للاختصار لدلالة السياق عليه.
قوله تعالى: « وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم »الحلائل جمع حليلة قال في المجمع: والحلائل جمع الحليلة، وهي بمعنى المحللة مشتقة من الحلال والذكر حليل، وجمعة أحلة كعزيز وأعزة سميا بذلك لأن كل واحدة منهما يحل له مباشرة صاحبه، وقيل هو من الحلول لأن كل واحد منهما يحال صاحبه أي يحل معه في الفراش، انتهى.
والمراد بالأبناء من اتصل بالإنسان بولادة سواء كان ذلك بلاواسطة أو بواسطة ابن أو بنت، وتقييده بقوله: « الذين من أصلابكم » احتراز عن حليلة من يدعى ابناً بالتبني دون الولادة.
قوله تعالى: : « وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف » المراد به بيان تحريم نكاح أخت الزوجة ما دامت الزوجة حية باقية تحت حبالة الزوجية فهو أوجز عبارة وأحسنها في تأدية المراد،وإطلاق الكلام ينصرف إلى الجمع بينهما في النكاح في زمان واحد، فلا مانع من أن ينكح الرجل إحدى الاختين ثم يتزوج بالاخرى بعد طلاق الاولى أو موتها، ومن الدليل عليه السيرة القطعية بين المسلمين المتصلة بزمان النبي صلى الله عليه وآله.
وأما قوله: (إلا ما قد سلف) فهو كنظيره المتقدم في قوله: (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف) ناظر إلى ما كان معمولاً به بين عرب الجاهلية من الجميع بين الاختين، والمراد به بيان العفو عما سلف من عملهم بالجمع بين الاختين قبل نزول هذه الآية دون ما لو كان شيء من ذلك في زمان النزول بنكاح سابق فإن الآية تدل على منعه لأنه جمع بين الاختين بالفعل كما يدل عليه أيضاً ما تقدم نقله من أسباب نزول قوله: (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم) الآية حيث فرق النبي صلى الله عليه وآله بعد نزول الآية بين الأبناء وبين نساء آبائهم مع كون النكاح قبل نزول الآية.
ورفع التحريم ـ وهو الجواز ـ عن نكاح سالف لا يبتلى به بالفعل، والعفو عنه من حيث نفس العمل المنقضي وإن كان لغواً لا أثر له لكنه لا يخلوا ن الفائدة من حيث آثار العمل الباقية بعده كطهارة المولد واعتبار القرابة مع الاستيلاد ونحو ذلك.
وبعبارة اخرى لا معنى لتوجيه الحرمة أو الإباحة إلى نكاح سابق قد جمع بين الاختين إذا ماتتا مثلاً أو ماتت إحداهما أو حل الطلاق بهما أو بإحداهما لكن يصح رفع الإلغاء والتحريم عن مثل هذا النكاح باعتبار ما استتبعه من الأولاد من حيث الحكم بطهارة مولدهم، و وجود القرابة بينهم وبين آبائهم المولدين لهم وسائر قرابات الآباء، المؤثر ذلك في الإرث والنكاح وغير ذلك .
وعلى هذا فقوله: « إلا ما قد سلف » استثناء من الحكم باعتبار آثاره الشرعية لا باعتبار أصل تعلقه بعمل قد انقضى قبل التشريع، ومن هنا يظهر أن الاستثناء متصل لا منقطع كما ذكره المفسرون.
ويمكن أن يرجع الاستثناء إلى جميع الفقرات المذكورة في الآية من غير أن يختص بقوله: « وأن تجمعوا بين الاختين » فإن العرب وإن كانت لا ترتكب من هذه المحرمات إلا الجميع بين الاختين، ولم تكن تقترف نكاح الامهات والبنات وسائر ما ذكرت في الآية إلا أن هناك امماً كانت تنكح أقساما لمحارم كالفرس والروم وسائر الامما لمتمدنة وغير المتمدنة يوم نزول الآيات على اختلافهم فيه، والإسلام يعتبر صحة نكاح الامم غير المسلمة الدائر بينهم على مذاهبهم فيحكم بطهارة مولدهم، ويعتبر صحة قرابتهم بعد الدخول في دين الحق، هذا. لكن الوجه الأول أظهر.
قوله تعالى: « إن الله كان غفوراً رحيماً » تعليل راجع إلى الاستثناء، وهو من الموارد التي تعلقت فيها المغفرة بآثار الأعمال في الخارج دون الذنوب والمعاصي.
قوله تعالى: « والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم » المحصنات بفتح الصاد اسم مفعول من الإحصان وهو المنع، ومنه الحصن الحصين أي المنيع يقال: أحصنت المرأة إذا عفت فحفظت نفسها وامتنعت عن الفجور قال تعالى: التي أحصنت فرجها (التحريم: 12) أي عفت ويقال: أحصنت المرأة ـ بالبناء للفاعل والمفعول ـ إذا تزوجت فأحصن زوجها أو المتزوج إياها من غير زوجها، ويقال: أحصنت المرأة إذا كانت حرة فمنعها ذلك من أن يمتلك الغير بضعها أو منعها ذلك من الزنا لأن ذلك كان فاشياً في الإماء.
والظاهر أن المراد بالمحصنات في الآية هو المعنى الثاني أي المتزوجات دون الأول والثالث لأن الممنوع المحرم في غير الأصناف الأربعة عشر المعدود في الآيتين هو نكاح المزوجات فحسب فلا منع من غيرها من النساء سواء كانت عفيفة أو غيرها، و سواء كانت حرة أو مملوكة فلا وجه لأن يراد بالمحصنات في الآية العفائف مع عدم اختصاص حكم المنع بالعفائف ثم يرتكب تقييد الآية بالتزويج، أو حمل اللفظ على
إرادة الحرائر مع كون الحكم في الإماء أيضاً مثلهن ثم ارتكاب التقييد بالتزويج فإن ذلك أمر لا يرتضيه الطبع السليم.
فالمراد بالمحصنات من النساء المزوجات وهي التي تحت حبالة التزويج، وهو عطف على موضع امهاتكم، والمعنى: وحرمت عليكم كل مزوجة من النساء ما دامت مزوجة ذات بعل.
وعلى هذا يكون قوله: « إلا ما ملكت أيمانكم » رفعاً لحكم المنع عن محصنات الإماء على ما ورد في السنة أن لمولى الأمة المزوجة أن يحول بين مملوكته وزوجها ثم ينالها عن استبراء ثم يردها إلى زوجها.
وأما ما ذكره بعض المفسرين أن المراد بقوله: « إلا ما ملكت أيمانكم » إلا ما ملكت أيمانكم بالنكاح أو بملك الرقبة من العفائف فالمراد بالملك ملك الاستمتاع و التسلط على المباشرة ففيه أولا أنه يتوقف على أن يراد بالمحصنات العفائف دون المزوجات وقد عرفت ما فيه. وثانياً أن المعهود من القرآن إطلاق هذه العبارة على غير هذا المعنى، وهو ملك الرقبة دون التسلط على الانتفاع ونحوه.
وكذا ما ذكره بعض آخر أن المراد بما ملكته الأيمان الجواري المسببات إذا كن ذوات أزواج من الكفار، وأيد ذلك بما روي عن أبي سعيد الخدري: أن الآية نزلت في سبي أو طاس حيث أصاب المسلمون نساء المشركين، وكانت لهن أزواج في دار الحرب فلما نزلت نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وآله: ألا لاتوطأ الحبالى حتى يضعن ولا غير الحبالى حتى يستبرأن.
وفيه مضافاً إلى ضعف الرواية أن ذلك تخصيص للآية من غير مخصص، فالمصير إلى ما ذكره.
قوله تعالى: (كتاب الله عليم) أي الزموا حكم الله المكتوب المقضي عليكم وقد ذكر المفسرون أن قوله: (كتاب الله عليكم) منصوب مفعولاً مطلقاً لفعل مقدر، والتقدير: كتب الله كتاباً عليكم ثم حذف الفعل واضيف المصدر إلى فاعله و
اقيم مقامه، ولم يأخذوا لفظ عليكم اسم فعل لما ذكره النحويون أنه ضعيف العمل لا يتقدم معموله عليه، هذا.
قوله تعالى: « واحل لكم ما وراء ذلكم » ظاهر التعبير بما الظاهرة في غير اولى العقل، وكذا الإشارة بذلكم الدال على المفرد المذكر، وكذا قوله بعده: أن تبتغوا بأموالكم اهـ أن يكون المراد بالموصول واسم الإشارة هو المقدر في قوله: حرمت عليكم امهاتكم المتعلق به التحريم من الوطء والنيل أو ما هو من هذا القبيل، والمعنى: واحل لكم من نيلهن ما هو غير ما ذكر لكم، وهو النيل بالنكاح في غير من عد من الأصناف الخمسة عشر أو بملك اليمين، وحينئذ يستقيم بدلية قوله: أن تبتغوا بأموالكم من قوله وأحل لكم ما وراء ذلكم كل الإستقامة.
وقد ورد عن مفسريه في هذه الجملة من الآية تفاسير عجيبة في قول بعضهم: إن معنى قوله: « وأحل لكم ما وراء ذلكم »أحل لكم واراء ذات المحارم من أقاربكم. وقول بعض آخر: إن المراد: أحل لكم ما دون الخمس وهي الأربع فما دونها أن تبتغوا بأموالكم على وجه النكاح. وقول بعض آخر: إن المعنى احل لكم ما وراء ذلكم مما ملكت أيمانكم. وقول بعض آخر: معناها احل لكم ما وراء ذات المحارم والزيادة على الأربع أن تبتغوا بأموالكم نكاحاً أو ملك يمين.
وهذه وجوه سخيفة لا دليل على شيء منها من قبل اللفظ في الآية. على أنها تشترك في حمل لفظة ما في الآية على اولى العقل، ولا موجب له كما عرفت آنفاً. على أن الآية في مقام بيان المحرم من نيل النساء من حيث أصناف النساء لا من حيث عدد الأزواج فلا وجه لتحميل إرادة العدد على الآية. فالحق أن الجملة في مقام بيان جواز نيل النساء فيما سوى الأصناف المعدودة منهن في الآيتين السابقتين بالنكاح أو بملك اليمين.
قوله تعالى: « أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين » بدل أو عطف بيان من قوله: « ما رواء ذلكم » يتبين به الطريق المشروع في نيل النساء ومباشرتهن، وذلك أن الذي يشمله قوله: « واحل لكم ما وراء ذلكم » من المصداق ثلاثة: النكاح
وملك اليمين والسفاح وهو الزنا فبين بقوله: « أن تبتغوا بأموالكم » اهـ المنع عن السفاح وقصر الحل في النكاح وملك اليمين ثم اعتبر الابتغاء بالأموال وهو في النكاح المهر والأجرة ـ ركن من أركانه ـ وفي ملك اليمين الثمن ـ وهو الطريق الغالب في تملك الإماء ـ فيؤول معنى الآية إلى مثل قولنا: احل لكم فيما سوى الأصناف المعدودة أن تطلبوا مباشرة النساء ونيلهن بإنفاق أموالكم في اجرة المنكوحات من النساء نكاحاً من غير سفاح أو انفاقها في ثمن الجواري والإماء.
ومن هنا يظهر أن المراد بالإحصان في قوله: « محصنين غير مسافحين » إحصان العفة دون إحصان التزوج وإحصان الحرية فإن المراد بابتغاء الأموال في الآية أعم مما يتعلق بالنكاح أو بملك اليمين ولا دليل على قصرها في النكاح حتى يحمل الإحصان على إحصان التزوج، وليس المراد بإحصان العفة الاحتراز عن مباشرة النساء حتى ينافي المورد بل ما يقابل السفاح أعني التعدي إلى الفحشاء بأي وجه كان بقصر النفس في ما أحل الله، وكفها عما حرم الله عن الطرق العادية في التمتع المباشري الذي اودع النزوع إليه في جبلة الإنسان وفطرته.
وبما قدمناه يظهر فساد ما ذكره بعضهم: أن قوله (أن تبتغوا بأموالكم) اهـ بتقدير لام الغاية أو ما يؤدي معناها، والتقدير لتبتغوا ا هـ أو إرادة أن تبتغوا اهـ.
وذلك أن مضمون قوله: أن تبتغوا اهـ بوجه عين ما اريد بقوله: « ما وراء ذلكم » لا أنه أمر مترتب عليه مقصود لأجله. وهو ظاهر.
وكذا ما يظهر من كلام بعضهم: أن المراد بالمسافحة مطلق سفح الماء وصبه من غير أن يقصد به الغاية التي وضع الله سبحانه هذه الداعية الشهوية الفطري في الإنسان لأجلها، وهي غرض تكوين البيت وإيجاد النسل والولد، وبالمقابلة يكون الإحصان هو الازدواج الدائم الذي يكون الغرض منه التولد والتناسل، هذا.
وإن لست أرى هذا القائل إلا أنه اختلط عليه طريق البحث فخلط البحث في ملاك الحكم المسمى بحكمة التشريع بالبحث عن نفس الحكم فلزمه ما لا يسعه الالتزام به من اللوازم.
وأحد البحثين وهو البحث عن الملاك عقلي، والآخر وهو البحث عن الحكم الشرعي وماله من الموضوع والمتعلق والشرائط والموانع لفظي يتبع في السعة والضيق البيان اللفظي من الشارع. وإنا لا نشك أن جميع الأحكام المشرة تتبع مصالح وملاكات حقيقية، وحكم النكاح الذي هو أيضاً أحدها يتبع في تشريعه مصلحة واقعية وملاكاً حقيقياً، وهو التوالد والتناسل، ونعلم أن نظام الصنع والإيجاد أراد من النوع الإنساني البقاء النوعي ببقاء الأفراد ما شاء الله، ثم احتيل إلى هذا الغرض بتجهيز البنية الإنسانية بجهاز التناسل الذي يفصل أجزاءاً منه فيربيه ويكونه إنساناً جديداً يخلف الإنسان االقديم فتمتد به سلسلة النوع من غير انقطاع، واحتيل إلى تسخير هذا الجهاز للعمل والإنتاج بإيداع القوة الشهوانية التي يحن بها أحد القبيلين ـ الذكر والانثى ـ من الأفراد إلى الآخر، وينجذب بها كل إلى صاحبه بالوقوع عليه والنيل، ثم كمل ذلك بالعقل الذي يمنع من إفساد هذا السبيل الذي يندب إليه نظام الخلقة.
وفي عين أن نظام الخلقة بالغ أمره وواجد غرضه الذي هو بقاء النوع لسنا نجد أفراد هذه الاتصالات المباشرية بين الذكر والانثى ولا أصنافها موصلة إلى غرض الخلقة دائماً بل إنما هي مقدمة غالبية، فليس كل ازدواج مؤدياً إلى ظهور الولد، ولا كل عمل تناسلي كذلك، ولا كل ميل إلى هذا العمل يؤثر هذا الأثر، ولا كل رجل أو كل امرأة، ولا كل ازدواج يهدي هداية اضطرارية إلى الذواق فالاستيلاد، فالجميع امور غالبيه.
فالتجهز التكويني يدعو الإنسان إلى الازدواج طلباً للنسل من طريق الشهوة، والعقل المودوع فيه يضيف إلى ذلك التحرز وحفظ النفس عن الفحشاء المفسد لسعادة العيش، الهادم لأساس البيوت، القاطع للنس.
وهذه المصلحة المركبة أعني مصلحة الاستيلاد والأمن من دبيب الفحشاء هي الملاك الغالبي الذي بني عليه تشريع النكاح في الإسلام غير أن الأغلبية من أحكام الملاك، وأما الأحكام المشرعة لموضوعاتها فهي لا تقبل إلا الدوام.
فليس من الجائز أن يقال: إن النكاح أو المباشرة يتبعان في جوازهما الغرض والملاك المذكور وجوداً وعدماً فلا يجوز نكاح إلا نكاح بنية التوالد، ولا يجوز نكاح العقيم ولا نكاح العجوز التي لا ترى الحمرة، ولا يجوز نكاح الصغيرة، ولا يجوز نكاح الزاني ولا يجوز مباشرة الحامل ، ولا مباشرة من غير إنزال، ولا نكاح من غير تأسير بيت، ولا يجوز ... ولا يجوز.
بل النكاح سنة مشروعة بين قبيلي الذكر والانثى لها أحكام دائمية، وقد اريد بهذه السنة المشروعة حفظ مصلحة عامة غالبية كما عرفت فلا معنى لجعل سنة مشروعة تابعة لتحقق الملاك وجوداً وعدماً، والمنع عما لا يتحقق به الملاك من أفراده أو أحكامه.
قوله تعالى: « فما استمتعتم به منهن فآتوهن اجورهن فريضة » كأن الضمير في قوله (به) راجع إلى ما يدل عليه قوله: واحل لكم ما وراء ذلكم (وهو النيل أو ما يؤدي معناه، فيكون (ما) للتوقيت، وقوله (منهن) متعلقاً بقوله: (استمتعتم) والمعنى: مهما استمتعتم بالنيل منهن فآتوهن اجورهن فريضة.
ويمكن أن يكون ما موصولة، واستمتعتم صلة لها، وضمير به راجعاً إلى الموصول وقوله (منهن) بياناً للموصول والمعنى: ومن استمتعتم به من النساء إلخ.
والجملة أعنى قوله: فما استمتعتم الخ تفريع لما تقدمها من الكلام ـ لمكان الفاء ـ تفريع البعض على الكل أو تفريع الجزئي على الكلي بلا شك فإن ما تقدم من الكلام أعني قوله (أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين) كما تقدم بيانه شامل لما في النكاح وملك اليمين، فتفريع قوله: فما استمتعتم به منهن فآتوهن اجورهن عليه يكون من تفريع الجزء على الكل أو تفريع بعض الأقسام الجزئية على المقسم الكلي.
وهذا النوع من التفريع كثير الورود في كلامه تعالى كقوله عز من قائل: « أياماً معدودات فمن كانت منكم مريضاً أو على سفر الآية » (البقرة: 184) وقوله: « فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج الآية » (البقرة: 196) وقوله لا إكراه في الدين
قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله الآية (البقرة 256) إلى غير ذلك.
والمراد بالاستمتاع المذكور في الآية نكاح المتعة بلا شك فإن الآية مدنية نازلة في سورة النساء في النصف الأول من عهد النبي صلى الله عليه وآله بعد الهجرة على ما يشهد به معظم آياتها، وهذا النكاح أعني نكاح المتعة كانت دائرة بينهم معمولة عندهم في هذه البرهة من الزمان من غير شك ـ وقد أطبقت الأخبار على تسلم ذلك ـ سواء كان الإسلام هو المشرع لذلك أو لم يكن فأصل وجوده بينهم بمرئي من النبي ومسمع منه لا شك فيه، وكان اسمه هذا الاسم ولا يعبر عنه إلا بهذا اللفظ فلا مناص من كون قوله: « فما استمتعتم به منهن » محمولاً عليه مفهوماً منه هذا المعنى كما أن سائر السنن والعادات والرسوم الدائرة بينهم في عهد النزول بأسمائها المعروفة المعهودة كلما نزلت آية متعرضة لحكم متعلق بشيء من تلك الأسماء بإمضاد أورد أو أمر أو نهي لم يكن بد من حمل الأسماء الواردة فيها على معانيها المسماة بها من غير أن تحمل على معانيها اللغوية الأصلية.
وذلك كالحج والبيع والربا والربح والغنيمة وسائر ما هو من هذا القبيل فلم يمكن لأحد أن يدعي أن المراد بحج البيت قصده، وهكذا. وكذلك ما أتى به النبي صلى الله عليه وآله من الموضوعات الشرعية ثم شاع الاستعمال حتى عرفت بأساميها الشرعية كالصلاة والصوم والزكاة وحج التمتع وغير ذلك لامجال بعد تحقق التسمية لحمل ألفاظها الواقعة في القرآن الكريم على معانيها اللغوية الأصلية بعد تحقق الحقيقة الشرعية أو المتشرعية فيها.
فمن المتعين أن يحمل الاستمتاع المذكور في الآية على نكاح المتعة لدورانه بهذا الاسم عندهم يوم نزول الآية سواء قلنا بنسخ نكاح المتعة بعد ذلك بكتاب أو سنة أو لم نقل فإنما هو أمر آخر.
وجملة الأمر أن المفهوم من الآية حكم نكاح المتعة، وهوالمنقول عن القدماء من مفسري الصحابة والتابعين كابن عباس وابن مسعود وابي بن كعب وقتادة و
مجاهد والسدي وابن جبير والحسن وغيرهم، وهو مذهب أئمة أهل البيت عليه السلام.
ومنه يظهر فساد ما ذكره بعضهم في تفسير الآية أن المراد بالاستمتاع هو النكاح فإن إيجاد علقة النكاح طلب للتمتع منها هذا، وربما ذكر بعضهم أن السين والتاء في استمتعتم للتأكيد، والمعنى: تمتعتم.
وذلك لأن تداول نكاح المتعة (بهذا الاسم) ومعروفيته بينهم لا يدع مجالاً لخطور هذا المعنى اللغوي لذهن المستمعين.
على أن هذا المعنى على تقدير صحته وانطباق معنى الطلب على المورد أو كون استمتعتم بمعنى تمتعتم لا يلائم الجزاء المترتب عليه أعني قوله: (فآتوهن اجورهن) فإن المهر يجب بمجرد العقد، ولا يتوقف على نفس التمتع ولا على طلب التمتع الصادق على الخطبة وإجراء العقد والملاعبة والمباشرة وغير ذلك بل يجب نصفه بالعقد ونصفه الآخر بالدخول.
على أن الآيات النازلة قبل هذه الآية قد استوفت بيان وجوب إيتاء المهر على جميع تقاديره فلا وجه لتكرار بيان الوجوب، وذلك كقوله تعالى: وآتوا النساء صدقاتهن نحلة الآية (النساء 4) وقوله تعالى: وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً الآيتان (النساء: 20) وقوله تعالى: لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتدر قدره ـ إلى أن قال ـ : وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم الآيتان (البقرة: 238).
وما احتمله بعضهم أن الآية أعني قوله (فما استمتعتم به منهن فآتوهن اجورهن فريضة) مسوقة للتأكيد يرد عليه أن سياق ما نقل من الآيات وخاصة سياق ذيل قوله: (وإن أردتم استبدال) الآيتين أشد وآكد لحنا من هذه الآية فلا وجه لكون هذه مؤكدة لتلك.
وأما النسخ فقد قيل: إن الآية منسوخة بآية المؤمنين: والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين ومن ابتغى وراء ذلك
فاولئك هم العادون (المؤمنون: 7) وقيل منسوخة بآية العدة: يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن (الطلاق: 1) والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء الآية (البقرة: 228) حيث إن انفصال الزوجين إنما هو بطلاق وعدة وليسا في نكاح المتعة. وقيل: منسوخة بآيات الميراث: ولكم نصف ما ترك أزواجكم الآية (النساء: 12) حيث لا إرث في نكاح المتعة، وقيل منسوخة بآية التحريم: (حرمت عليكم امهاتكم وبناتكم) الآية فإنها في النكاح وقيل: منسوخة بآية العدد: فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع الآية (النساء: 3) وقيل: منسوخة بالسنة نسخها رسول الله صلى الله عليه وآله عام خيبر وقيل: عام الفتح، وقيل: في حجة الوداع. وقيل: ابيحت متعة النساء ثم حرمت مرتين أو ثلاثاً، وآخر ما وقع واستقر عليه من الحكم الحرمة.
أما النسخ بآية المؤمنون ففيه أنها لا تصلح للنسخ فإنها مكية وآية المتعة مدنية، ولا تصلح المكية لنسخ المدنية. على أن عدم كون المتعة نكاحاً والمتمتع بها زوجة ممنوع، وناهيك في ذلك ما وقع في الاخبار النبوية وفي كلمات السلف من الصحابة والتابعين من تسميتها نكاحاً، والإشكال عليه بلزوم التوارث والطلاق و غير ذلك سيأتي الجواب عنه.
وأما النسخ بسائر الآيات كآبة الميراث وآية الطلاق وآية العدد ففيه أن النسبة بينها وبين آية المتعة ليست نسبة الناسخ والمنسوخ بل نسبة العام والمخصص أو المطلق والمقيد فإن آية الميراث مثلاً يعم الأزواج جميعاً من كل دائم ومنقطع والسنة تخصصها بإخراج بعض أفرادها وهو المنقطع من تحت عمومها، وكذلك القول في آية الطلاق وآية العدد. وهو ظاهر. ولعل القول بالنسخ ناش من عدم التمييز بين النسبتين.
نعم ذهب بعض الاصوليين فيما إذا ورد خاص ثم عقبه عام يخالفه في الإثبات والنفي إلى أن العام ناسخ للخاص. لكن هذا مع ضعفه على ما بين في محله غير منطبق على مورد الكلام، وذلك لوقوع آيات الطلاق (وهي العام) في سورة البقرة، وهي أول سورة مدنية نزلت قبل سورة النساء المشتملة على آية المتعة، وكذلك آية
العدد واقعة في سورة النساء متقدمة على آية المتعة. وكذلك آية الميراث واقعة قبل آية المتعة في سياق واحد متصل في سورة واحدة فالخاص أعني آية المتعة متأخر عن العام على أي حال.
وأما النسخ بآية العدة فبطلانه أوضح فإن حكم العدة جار في المنقطعة كالدائمة وإن اختلفتا مدة فيؤول إلى التخصيص أيضاً دون النسخ.
وأما النسخ بآية التحريم فهو من أعجب ما قيل في هذا المقام أما أولاً فلأن مجموع الكلام الدال على التحريم والدال على حكم نكاح المتعة كلام واحد مسرود متسق الأجزاء متصل الأبعاض فكيف يمكن تصور تقدم ما يدل على المتعة ثم نسخ ما في صدر الكلام لذيله؟ وأما ثانياً فلأن الآية غير صريحة ولا ظاهرة في النهي عن الزوجية غير الدائمة بوجه من الوجوه، وإنما هي في مقام بيان أصناف النساء المحرمة على الرجال ثم بيان جواز نيل غيرها بنكاح أو بملك يمين، ونكاح المتعة نكاح على ما تقدم. فلا نسبة بين الأمرين بالمباينة حتى يؤول إلى النسخ.
نعم ربما قيل: إن قوله تعالى: (واحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين) حيث قيد حلية النساء بالمهر وبالإحصان من غير سفاح، ولا إحصان في النكاح المنقطع ـ ولذلك لا يرجم الرجل المتمتع إذا زنا لعدم كونه محصناً ـ يدفع كون المتعة مرادة بالآية.
لكن يرد عليه ما تقدم أن المراد بالإحصان في قوله (محصنين غير مسافحين) هو إحصان العفة دون إحصان التزوج لكون الكلام بعينه شاملاً لملك اليمين كشموله النكاح، ولو سلم أن المراد بالإحصان هو إحصان التزوج عاد الأمر إلى تخصيص الرجم في زنا المحصن بزنا المتمتع المحصن بحسب السنة دون الكتاب فإن حكم الرجم غير مذكور في الكتاب من أصله.
وأما النسخ بالسنة ففيه ـ مضافاً إلى بطلان هذا القسم من النسخ من أصله لكونه مخالفاً للأخبار المتواترة الآمرة بعرض الأخبار على الكتاب وطرح ما خالفه، والرجوع إلى الكتاب ـ ما سيأتي في البحث الروائي.
قوله تعالى: (ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات) اهـ الطول الغنى والزيادة في القدرة، وكلا المعنيين يلائمان الآية، والمراد بالمحصنات الحرائر بقرينة مقابلته بالفتيات، وهذا بعينه يشهد على أن ليس المراد بها العفائف، وإلا لم تقابل بالفتيات بل بها وبخير العفائف، وليس المراد بها ذوات الأزواج إذ لا يقع عليها العقد ولا المسلمات وإلا لاستغنى عن التقييد بالمؤمنات.
والمراد بقوله (فمما ملكت أيمانكم) ما ملكته أيمان المؤمنين غير من يريد الازدواج وإلا فتزوج الإنسان بملك يمين نفسه باطل غير مشروع، وقد نسب ملك اليمين إلى المؤمنين وفيهم المريد للتزوج بعد الجميع واحداً غير مختلف لاتحادهم في الدين، واتحاد مصالحهم ومنافعهم كأنهم شخص واحد.
وفي تقييد المحصنات وكذا الفتيات بالمؤمنات إشارة إلى عدم جواز تزوج غير المؤمنات من كتابية ومشركة، ولهذا الكلام تتمه ستمر بك إن شاء الله العزيز في أوائل سورة المائدة.
ومحصل معنى الآية أن من لم يقدر منكم على أن ينكح الحرائر المؤمنات لعدم قدرته على تحمل أثقال المهر والنفقة فله أن ينكح من الفتيات المؤمنات من غير أن يتحرج من فقدان القدرة على الحرائر، ويعرض نفسه على خطرات الفحشاء ومعترض الشقاء.
فالمراد بهذا النكاح هو النكاح الدائم، والآية في سياق التنزل أي إن لم يمكنكم كذا فيمكنكم كذا، وإنما قصر الكلام في صورة التنزل على بعض أفراد المنزل عنه أعني على النكاح الدائم الذي هو بعض أفراد النكاح الجائز لكون النكاح الدائم هو المتعارف المتعين بالطبع في نظر الإنسان المريد تأسيس البيت وإيجاد النسل وتخليف الولد، ونكاح المتعة تسهيل ديني خفف الله به عن عباده لمصلحة سد طريق الفحشاء، وقطع منابت الفساد.
وسوق الكلام على الجهة الغالبة أو المعروفة السابقة إلى الذهن وخاصة في مقام تشريع الأحكام والقوانين كثير شائع في القرآن الكريم كقوله تعالى: « فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام اخر » (البقرة 185) مع أن العذر
لا ينحصر في المرض والسفر، وقوله تعالى: وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً (النساء: 43) والأعذار وقيود الكلام كما ترى مبنية على الغالب المعروف، إلى غير ذلك من الآيات.
هذا على ما ذكروه من حمل الآية على النكاح الدائم، ولا يوجب ذلك من حيث اشتماله على معنى التنزل والتوسعة اختصاص الآية السابقة بالنكاح الدائم وكون قوله: فما استمتعتم به منهن اهـ غير مسوق لبيان حكم نكاح المتعة كما توهمه بعضهم لأن هذا التنزل والتوسعة واقع بطرفيه (المنزل عنه والمنزل إليه) في نفس هذه الآية أعنى قوله: فمن لم يجد منكم طولاً الخ.
على أن الآية بلفظها لا تابى عن الحمل على مطلق النكاح الشامل للدائم والمنقطع كما سيتضح بالكلام على بقية فقراتها.
قوله تعالى: (والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض) لما كان الإيمان المأخوذ في متعلق الحكم أمراً قلبياً لا سبيل إلى العلم بحقيقته بحسب الأسباب، وربما أوهم تعليقاً بالمتعذر أو المتعسر، وأوجب تحرج المكلفين منه يبين تعالى أنه هو العالم بإيمان عباده المؤمنين وهو كناية عن أنهم إنما كلفوا الجري على الاسباب الظاهرية الدالة على الإيمان كالشهادتين والدخول في جماعة المسلمين والإتيان بالوظائف العامة الدينية فظاهر الإيمان هو الملاك دون باطنه.
وفي هداية هؤلاء المكلفين غير المستطيعين إلى الازدواج بالإماء نقص وقصور آخر في الوقوع موقع التأثير والقبول، وهو أن عامة الناس يرون لطبقة المملوكين من العبيد والإماء هواناً في الأمر وخسة في الشأن ونوع ذلة وانكسار فيوجب ذلك انقباضهم وجماح نفوسهم من الاختلاط بهم والمعاشرة معهم وخاصة بالازدواج الذي هو اشتراك حيوي وامتزاج باللحم والدم.
فأشار سبحانه بقوله (بعضكم من بعض) إلى حقيقة صريحة يندفع بالتأمل فيها هذا التوهم الفاسد فالرقيق إنسان كما أن الحر إنسان لا يتميزان في ما به يصير الإنسان واجداً لشؤون الإنسانية، وإنما يفترقان بسلسلة من أحكام موضوعة يستقيم
بها المجتمع الإنساني في إنتاجه سعادة الناس، ولا عبرة بهذه التميزات عند الله، والذي به العبرة هو التقوى الذي به الكرامة عند الله. فلا ينبغي للمؤمنين أن ينفعلوا عن أمثال هذه الخطرات الوهمية التي تبعدهم عن حقائق المعارف المتضمنة سعادتهم وفلاحهم فإن الخروج عن مستوى الطريق المستقيم وإن كان حقيراً في بادي أمره لكنه لا يزال يبعد الإنسان من صراط الهداية حتى يورده أودية الهلكة.
ومن هنا يظهر أن الترتيب الواقع في صدر الآية في صورة الاشتراط والتنزل أعني قوله: (ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت أيمانكم ا هـ) إنما هو جري في الكلام على مجرى الطبع والعادة، وليس إلزاماً للمؤمنين على الترتيب بمعنى أن يتوقف جواز نكاح الأمة على فقدان الاستطاعة على نكاح الحرة بل لكون الناس بحسب طباعهم سالكين هذا المسلك خاطبهم أن لو لم يقدروا على نكاح الحرائر فلهم أن يقدموا على نكاح الفتيات من غير انقباض، ونبه مع ذلك على أن الحر والرق من نوع واحد بعض أفراده يرجع إلى بعض.
ومن هنا يظهر أيضاً فساد ما ذكره بعضهم في قوله تعالى في ذيل الآية (وأن تصبروا خير لكم) أن المعنى وصبركم عن نكاح الإماء مع العفة خير لكم من نكاحهن لما فيه من الذل والمهانة والابتذال. هذا، فإن قوله: (بعضكم من بعض) ينافي ذلك قطعاً.
قوله تعالى: (فانكحوهن بإذن أهلهن) إلى قوله: (أخدان) المراد بالمحصنات العفائف فإن ذوات البعولة لا يقع عليهن نكاح، والمراد بالمسافحات ما يقابل متخذات الأخذان، والأخدان جمع خدن بكسر الخاء وهو الصديق، يستوي فيه المذكر والمؤنث والمفرد والجمع، وإنما اتي به بصيغة الجمع للدلالة على الكثرة نصاً فمن يأخذ صديقاً للفحشاء لا يقنع بالواحد والاثنين فيه لأن النفس لا تقف على حد إذا اطيعت فيما تهواه.
وبالنظر إلى هذه المقابلة قال من قال: إن المراد بالسفاح الزنا جهراً وباتخاذ الخدن الزنا سراً، وقد كان اتخاذ الخدن متداولاً عند العرب حتى عند الأحرار و الحرائر لا يعاب به مع ذمهم زنا العلن لغير الإماء.
فقوله (فانكحوهن بإذن أهلهن) إرشاد إلى نكاح الفتيات مشروطاً بأن يكون بإذن مواليهن فإن زمام أمرهن إنما هو بيد الموالي لا غير، وإنما عبر عنهم بقوله (أهلهن) جرياً على ما يقتضيه قوله قبل: (بعضكم من بعض) فالفتاة واحدة من أهل بيت مولاها ومولاها أهلها.
والمراد بإتيانهن اجورهن بالمعروف توفيتهن مهور نكاحهن وإتيان الاجور إياهن إعطاؤها مواليهن، وقد أرشد إلى الإعطاء بالمعروف عن غير بخس ومماطلة وإيذاء.
قوله تعالى: (فإذا احصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب) قرىء احصن بضم الهمزة بالبناء للمفعول وبفتح الهمزة بالبناء للفاعل، و هوالأرجح.
الإحصان في الآية إن كان هو إحصان الازدواج كان أخذه في الشرط لمجرد كون مورد الكلام في ما تقدم ازدواجهن، وذلك أن الامة تعذب نصف عذاب الحرة إذا زنت سواء كانت محصنة بالازدواج أولا من غير أن يؤثر الإحصان فيها شيئاً زائداً.
وأما إذا كان إحصان الإسلام كما قيل ـ ويؤيده قراءة فتح الهمزة ـ تم المعنى من غير مؤونة زائدة، وكان عليهن إذا زنين نصف عذاب الحرائر سواء كن ذوات بعولة أولا.
والمراد بالعذاب هو الجلد دون الرجم لأن الرجم لا يقبل الانتصاف وهو الشاهد على أن المراد بالمحصنات الحرائر غير ذوات الأزواج المذكورة في صدر الآية. واللام للعهد فمعنى الآية بالجملة أن الفتيات المؤمنات إذا أتين بفاحشة وهو الزنا فعليهن نصف حد المحصنات غير ذوات الأزواج، وهو جلد خمسين سوطاً.
ومن الممكن أن يكون المراد بالإحصان إحصان العفة، وتقريره أن الجواري يومئذ لم يكن لهن الاشتغال بكل ما تهواه أنفسهن من الأعمال بما لهن من اتباع أوامر مواليهن وخاصة في الفاحشة والفجوز وكانت الفاحشة فيهن ـ لو اتفقت ـ بأمر من مواليهن في سبيل الاستغلال بهن والاستدرار من عرضهن كما يشعر به النهي الوارد في قوله تعالى: ولا تكروهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصناً (النور: 33). فالتماسهن
الفجور واشتغالهن بالفحشاء باتخاذها عادة ومكسباً كان فيما كان بأمر مواليهن من دون أن يسع لهن الاستنكاف والتمرد، وإذا لم يكرهن الموالي على الفجور فالمؤمنات منهن على ظاهر تقوى الإسلام، وعفة الإيمان، وحينئذ إن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب، وهو قوله تعالى: فإذا احصن فإن أتين بفاحشة الخ.
ومن هنا يظهر أن لا مفهوم لهذه الشرطية على هذا المعنى وذلك أنهن إذا لم يحصن ولم يعففن كن مكرهات من قبل مواليهن مؤتمرات لأمرهم كما لا مفهوم لقوله تعالى: ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصناً (النور: ـ 33) حيث إنهن إن لم يردن التحصن لم يكن موضوع لإكراههن من قبل الموالي لرضاهن بذلك فافهم.
قوله تعالى: (ذلك لمن خشي العنت منكم) العنت الجهد والشدة والهلاك، وكأن المراد به الزنا الذي هو نتيجة وقوع الإنسان في مشقة الشبق وجهد شهوة النكاح وفيه هلاك الإنسان. والإشارة على ما قيل: إلى نكاح الجواري المذكور في الآية، وعليه فمعنى قوله (وأن تصبروا خير لكم) أن تصبروا عن نكاح الإماء أو عن الزنا خير لكم. ويمكن أن يكون ذلك إشارة إلى وجوب نكاح الإماء أو وجوب مطلق النكاح لو استفيد شيء منهما من سابق سياق الآية والله أعلم.
وكيف كان فكون الصبر خيراً إن كان المراد هو الصبر عن نكاح الإماء إنما هو لما فيه من حقوق مواليهن وفي أولادهن على ما فصل في الفقه، وإن كان المراد الصبر عن الزنا إنما هو لما في الصبر من تهذيب النفس وتهيئة ملكة التقوى فيها بترك اتباع هواها في الزنا من غير ازدواج أو معه، والله غفور رحيم يمحو بمغفرته آثار خطرات السوء عن نفوس المتقين من عباده ويرحمهم برحمته.
قوله تعالى: (يريد الله ليبين لكم) إلى آخر الآية بيان وإشارة إلى غاية تشريع ما سبق من الأحكام في الآيات الثلاث والمصالح التي تترتب عليها إذا عمل بها فقوله: يريد الله ليبين لكم أي أحكام دينه مما فيه صلاح دنياكم وعقباكم، وما في
ذلك من المعارف والحكم وعلى هذا فمعمول قوله: يبين محذوف للدلالة على فخامة أمره وعظم شأنه، ويمكن أن يكون قوله: يبين لكم، وقوله: ويهديكم متنازعين في قوله: سنن الذين اهـ.
قوله تعالى: (ويهديكم سنن الذين من قبلكم) أي طرق حياة السابقين من الأنبياء والامم الصالحة، الجارين في الحياة الدنيا على مرضاة الله، الحائزين به سعادة الدنيا والآخرة، والمراد بسننهم على هذا المعنى سننهم في الجملة لاسننهم بتفاصيلها وجميع خصوصياتها فلا يرد عليه أن من أحكامهم ما تنسخه هذه الآيات بعينها كازدواج الإخوة بالأخوات في سنة آدم، والجمع بين الاختين: في سنة يعقوب عليه السلام وقد جمع عليه السلام بين الاختين ليا ام يهودا وراحيل ام يوسف على ما في بعض الأخبار. هذا.
وهنا معنى آخر قيل به، وهو أن المراد الهداية إلى سنن جميع السابقين سواء كانوا على الحق أو على باطل، يعني أنا بينا لكم جميع السنن السابقة من حق وباطل لتكونوا على بصيرة فتأخذوا بالحق منها وتدعوا الباطل.
وهذا معنى لا بأس به غير أن الهداية في القرآن غير مستعمل في هذا المعنى، و إنما استعمل فيما استعمل في الإيصال إلى الحق أو إرادة الحق كقوله: « إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء » (القصص: 56) وقوله: « إنا هديناه السبيل إما شـاكراً وإما كفـوراً» (الإنسان: 3) والأوفق لمذاق القرآن أن يعبر عن أمثال هذه المعاني بلفظ التبيين والقصص ونحو ذلك.
نعم لو جعل قوله يبين اهـ وقوله: ويهديكم اهـ متنازعين في قوله: (سنن الذين من قبلكم) وقوله: ويتوب عليكم اهـ أيضاً راجعاً إليه، وآل المعنى إلى أن الله يبين لكم سنن الذين من قبلكم، ويهديكم إلى الحق منها، ويتوب عليكم فيما ابتليتم به من باطلها كان له وجه فإن الآيات السابقة فيها ذكر من سنن السابقين والحق والباطل منها، والتوبة على ما قد سلف من السنن الباطلة.
قوله تعالى: (ويتوب عليكم والله عليم حكيم) التوبة المذكورة هو رجوعه إلى عبده بالنعمة والرحمة، وتشريع الشريعة، وبيان الحقيقة، والهداية إلى طريق الاستقامة.
كل ذلك توبة منه سبحانه كما أن قبول توبة العبد ورفع آثار المعصية توبة.
وتذييل الكلام بقوله: والله عليم حيكم ليكون راجعاً إلى جميع فقرات الآية، ولو كان المراد رجوعه إلى آخر الفقرات لكان الأنسب ظاهراً أن يقال: والله غفور رحيم.
قوله تعالى: (والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين) الخ كأن تكرار ذكر توبته للمؤمنين للدلالة على أن قوله: « ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيماً » إنما يقابل من الفقرات الثلاث في الآية السابقة الفقرة الأخيرة فقط إذ لو ضم قوله: ويريد الذين الخ إلى الآية السابقة من غير تكرار قوله: والله يريد الخ افاد المقابلة في معنى جميع الفقرات ولغى المعنى قطعاً.
والمراد بالميل العظيم هتك هذه الحدود الإلهية المذكورة في الآيات بإتيان المحارم، وإلغاء تأثير الأنساب والأسباب، واستباحة الزنا والمنع عن الأخذ بما سنه الله من السنة القويمة.
قوله تعالى: (يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفاً) كون الإنسان ضعيفاً لما ركب الله في القوى الشهوية التي لا تزال تنازعة في ما تتعلق به من المشتهيات، وتبعثه إلى غشيانها فمن الله عليهم بتشريع حلية ما تنكسر به سورة شهوتهم بتجويز النكاح بما يرتفع به غائلة الحرج حيث قال: واحل لكم ماوراء ذلكم وهو النكاح وملك اليمين فهداهم بذلك سنن الذين من قبلهم، وزادهم تخفيفاً منه لهم لتشريع نكاح المتعة إذ ليس معه كلفة النكاح وما يستتبعه من أثقال الوظائف من صداق ونفقة وغير ذلك.
وربما قيل: إن المراد به إباحة: نكاح الإماء عند الضرورة تخفيفاً. وفيه: أن نكاح الإماء عند الضرورة كان معمولاً به بينهم قبل الإسلام على كراهة وذم، والذي ابتدعته هذه الآيات هو التسبب إلى نفي هذه الكراهة والنفرة ببيان أن الأمة كالحرة إنسان لا تفاوت بينهما، وأن الرقية لا توجب سقوط صاحبها عن لياقة المصاحبة والمعاشرة.
وظاهر الآيات ـ بما لا ينكر ـ أن الخطاب فيها متوجه إلى المؤمنين من هذه الأمة فالتخفيف المذكور في الآية تخفيف على هذه الامة، والمراد به ما ذكرناه.
وعلى هذا فتعليل التخفيف بقوله: (وخلق الإنسان ضعيفاً) مع كونه وصفاً مشتركاً بين جميع الامم ـ هذه الامة والذين من قبلهم ـ وكون التخفيف مخصوصاً بهذه الامة إنما هو من قبيل ذكر المقتضي العام والسكوت عما يتم به في تأثيره فكأنه قيل: إنا خففنا عنكم لكون الضعف العام في نوع الإنسان سبباً مقتضياً للتخفيف لولا المانع لكن لم تزل الموانع تمنع عن فعلية التخفيف وانبساط الرحمة في سائر الامم حتى وصلت النوبة إليكم فعمتكم الرحمة، وظهرت فيكم آثاره فبرز حكم السبب المذكور وشرع فيكم حكم التخفيف وقد حرمت الامم السابقة من ذلك كما يدل عليه قوله: ربما ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا (البقرة: 286) وقوله: هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج (الحج: 78).
ومن هنا يظهر أن النكتة في هذا التعليل العام بيان ظهور تمام النعم الإنسانية في هذه الامة.
(بحث روائي)
عن النبي صلى الله عليه وآله: إن الله حرم من الرضاعة ما حرم من النسب. وعنه صلى الله عليه وآله: الرضاع لحمة كلحمة النسب.
وفي الدر المنثور أخرج ما لك وعبدالرزاق عن عائشة قالت: كان فيما انزل من القرآن عشر رضعات معلومات فنسخن بخمس معلومات فتوفي رسول الله صلى الله عليه وهن فيما يقرأ من القرآن.
أقول: وروي فيه عنها ما يقرب منه بطرق اخرى، وهي من روايات التحريف مطروحة بمخالفة الكتاب.
وفيه أخرج عبدالرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في سننه من طريقين عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه قال: إذا نكح الرجل
المرأة فلا يحل له أن يتزوج امها دخل بالابنة أو لم يدخل، وإذا تزوج الام فلم يدخل بها ثم طلقها فإن شاء تزوج الابنة.
اقول: وهذا المعنى مروي من طرق الشيعة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام. وهو مذهبهم وهو المستفاد من الكتاب كما مر في البيان المتقدم وقد روي من طرق أهل السنة عن علي عليه السلام: أن ام الزوجة لا بأس بنكاحها قبل الدخول بالبنت، وأنها بمنزلة الربيبة، وأن الربيبة إذا لم تكن في حجر زوج امها لم تحرم عليه نكاحها. وهذه امور يدفعها المروي عنهم عليهم السلام من طرق الشيعة.
وفي الكافي بإسناده عن منصور بن حازم قال: كنت عند أبي عبدالله عليه السلام فأتاه رجل فسأله عن رجل تزوج امرأة فماتت قبل أن يدخل بها أيتزوج بامها؟ فقال أبو عبدالله عليه السلام: قد فعله رجل منا فلم ير به بأساً، فقلت جعلت فداك ما تفتخر الشيعة إلا بقضاء علي عليه السلام في هذا في المشيخة (1) التي أفتاه ابن مسعود أنه لا بأس به بذلك.
ثم أتى علياً عليه السلام فسأله فقال له علي عليه السلام: من أين يأخذها؟ (2) فقال من قول الله عزوجل: « وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم » فقال علي عليه السلام: إن هذه مستثناة وهذه مرسلة. فقال أبوعبدالله عليه السلام للرجل: أما تسمع ما يروي هذا عن علي عليه السلام؟
فلما قمت ندمت وقلت: أي شيء صنعت؟ يقول: قد فعله رجل منا ولم ير به بأساً، وأقول أنا: قضى علي عليه السلام فيها! فلقيته بعد ذلك وقلت: جعلت فداك مسألة الرجل إنما كان الذي قلت كان زلة مني فما تقول فيها؟ فقال: يا شيخ تخبرني أن علياً عليه السلام قضى فيها، وتسألني ما تقول فيها؟
أقول: وقصة قضائه عليه السلام في فتوى ابن مسعود على ما رواه في الدر المنثور عن سنن البيهقي وغيره: أن رجلاً من بني شمخ تزوج امرأة ولم يدخل بها ثم رأى امها
فأعجبته فاستفتى ابن مسعود فأمره أن يفارقها ثم يتزوج امها ففعل و ولدت له أولاداً، ثم أتى ابن مسعود المدينة فقيل له لا تصلح فلما رجع إلى الكوفة قال للرجل: إنها عليك حرام ففارقها.
لكن لم ينسب القول فيه إلى علي عليه السلام بل ذكر: أنه سأل عنه أصحاب النبي صلى الله عليه وآله، وفي لفظ: أنه سأل عنه عمر وفي بعض الروايات: فاخبر أنه ليس كما قال، وأن الشرط في الربائب.
وفي الاستبصار بإسناده عن إسحاق بن عمار بن جعفر عن أبيه: أن علياً عليه السلام كان يقول: الربائب عليكم حرام مع الامهات اللاتي دخلتم بهن في الحجور وغيرالحجور سواء، والامهات مبهمات دخل بالبنات ام لم يدخل، فحرموا وأبهموا ما أبهم الله.
أقول: وقد عزي إليه عليه السلام في بعض الروايات من طرق أهل السنة اشتراط الحجور في حرمة الربائب لكن الروايات المأثورة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام تدفعه، وهو الموافق لما يستفاد من الآية كما تقدم.
والمبهمات من البهمة وهي كون الشيء ذا لون واحد لا يختلط به لون آخر ولا يختلف في لونه سمي به من طبقات النساء المحرمة من كانت حرمة نكاحها مرسلة غير مشروطة، وهي الامهات والبنات والأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الاخت وما كان من الرضاعة، وامهات النساء، وحلائل الأبناء.
وفيه بإسناده عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن الرجل تكون له الجارية فيصيب منها. أله أن ينكح ابنتها؟ قال: لا هي كما قال الله تعالى: وربائبكم اللاتي في حجوركم.
وفي تفسير العياشي عن أبي عون قال سمعت أبا صالح الحنفي قال: قال علي عليه السلام ذات يوم: سلوني، فال ابن الكوا أخبرني عن بنت الاخت من الرضاعة، وعن المملوكتين الاختين، فقال: إنك لذاهب في التيه سل عما يعنيك أو ينفعك، فقال ابن الكو إنما نسألك عما لا نعلم وأما ما نعلم فلا نسألك عنه، ثم قال: أما الاختان المملوكتان أحلتهما آية وحرمتهما آية، ولا احله ولا احرمه، ولا أفعله أنا ولا واحد من أهل بيتي.
وفي التهذيب بإسناده عن معمر بن يحيى بن سالم قال: سألنا أبا جعفر عليه السلام عما يروي الناس عن أميرالمؤمنين عليه السلام عن أشياء لم يكن يأمر بها ولا ينهى إلا نفسه وولده فقلت: كيف يكون ذلك؟ قال: قد أحلتها آية وحرمتها آية اخرى. فقلنا: الأول أن يكون إحداهما نسخت الاخرى أم هما محكمتان ينبغي أن يعمل بهما؟ فقال: قد بين لهم إذ نهى نفسه وولده. قلنا: ما منعه أن يبين ذلك للناس؟ قال: خشي أن لا يطاع، فلو أن أميرالمؤمنين ثبتت قدماه أقام كتاب الله كله والحق كله.
أقول: والرواية المنقولة عنه عليه السلام هي التي نقلت عنه عليه السلام من طرق أهل السنة كما رواها في الدر المنثور عن البيهقي وغيره عن علي بن أبي طالب قال في الاختين المملوكتين. أحلتهما آية، وحرمتهما آية، ولا آمر ولا أنهى، ولا احل ولا احرم، ولا أفعله أنا ولا أهل بيتي.
وروى فيه أيضاً عن قبيصة بن ذؤيب أن رجلاً سأله عليه السلام عن ذلك فقال: لو كان إلى من الأمر شيء ثم وجدت أحداً فعل ذلك لجعلته فكالاً.
وفي التهذيب بإسناده عن عبدالله بن سنان قال: سمعت أباعبدالله عليه السلام يقول: إذا كانت عند الإنسان الاختان المملوكتان إحداهما ثم بدا له في الثانية فليس ينبغي له أن ينكح الاخرى حتى تخرج الاولى من ملكه يهبها أو يبيعها، فإن وهبها لولده يجزيه.
وفي الكافي وتفسير العياشي عن محمد بن مسلم قال سألت أباجعفر عليه السلام عن قوله عزوجل: والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم قال: هو أن يأمر الرجل عبده وتحته أمته فيقول له: اعتزل امرأتك ولا تقربها ثم يحبسها عنه حتى تحيض ثم يمسها فإذا حاضت بعد مسه إياها ردها عليه بغير نكاح.
وفي تفسير العياشي عن ابن مسكان عن أبي بصير عن أحدهما عليهما السلام في قول الله: والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم قال: هن ذوات الأزواج إلا ما ملكت أيمانكم إن كنت زوجت أمتك غلامك نزعتها منه إذا شئت، فقلت: أرأيت إن زوج غير غلامه؟ قال: ليس له أن ينزع حتى تباع فإن باعها صار بضعها في يد غيره فإن شاء المشتري فرق، وإن شاء أقر.
وفي الدر المنثور أخرج أحمد وأبو داود والترمذي ـ وحسنه ـ وابن ماجة عن فيروز الديلمي: أنه أدركه الإسلام وتحته اختان، فقال له النبي صلى الله عليه وآله: طلق أيتهما شئت.
وفيه أخرج ابن عبدالبر في الاستذكارعن أياس بن عامر قال: سألت علي بن أبي طالب فقلت: إن لي اختين مما ملكت يميني اتخذت إحداهما سرية وولدت لي أولاداً ثم رغبت في الاخرى فما أصنع؟ قال: تعتق التي كنت تطأ ثم تطأ الاخرى.
ثم قال: إنه يحرم عليك مما ملكت يمينك ما يحرم عليك في كتاب الله من الحرائر إلا العدد أو قال: إلا الأربع، ويحرم عليك من الرضاع ما يحرم عليك في كتاب الله من النسب.
أقول: ورواه بطرق اخر غير هذا الطريق عنه.
وفي صحيحي البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا يجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها.
أقول: وهذا المعنى مروي بغير الطريقين من طرق أهل السنة، لكن المروي من طرق أئمة أهل البيت خلاف ذلك، والكتاب يساعده.
وفي الدر المنثور أخرج الطيالسي وعبدالرزاق والفا يابي وابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطحاوي وابن حيان والبيهقي في سننه عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث يوم حنين جيشاً إلى أوطاس فلقوا عدوا فقاتلوهم فظهروا عليهم وأصابوا لهم سبايا فكأن ناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله تحرجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين فأنزل الله في ذلك: (والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم) يقول: إلا ما أفاء الله عليكم، فاستحللنا بذلك فروجهن.
أقول: وروي ذلك عن الطبراني عن ابن عباس.
وفيه أخرج عبد بن حميد عن عكرمة: أن هذه الآية التي في سورة النساء: (والمحصنات من النساء إلا ما ملكت ايمانكم) نزلت في امرأة يقال لها معاذة، وكانت تحت شيخ من بني سدوس يقال له: شجاع بن الحارث، وكان معها ضرة لها قد ولدت
لشجاع أولاداً رجالاً، وإن شجلتاً انطلق يمير أهله من هجر، فمر بمعاذة ابن عمر لها فقالت له: احملني إلى أهلي فإنه ليس عند هذا الشيخ خير، فاحتملها فانطلق بها فوافق ذلك جيئة الشيخ، فانطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله وأفضل العرب، إني خرجت أبغيها الطعام في رجب، فتولت وألطت بالذنب، وهي شر غالب لمن غلب، رأت غلاما واركاً على قتب، لها وله أرب، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله علي علي، فإن كان الرجل كشف بها ثوباً فارجموها، وإلا فرد إلى الشيخ امرأته، فانطلق مالك بن شجاع وابن ضرتها فطلبها فجاء بها، ونزلت بيتها.
اقول: وقد مر مراراً أن أمثال هذه الأسباب المروية للنزول وخاصة فيما كانت متعلقة بأبعاض الآيات وأجزائها تطبيقات من الرواة وليست بأسباب حقيقية.
في الفقية سئل الصادق عليه السلام عن قول الله عزوجل: والمحصنات من النساء قال: هن ذوات الأزواج، فقيل: والمحصنات من الذين اوتوا الكتاب من قبلكم قال: هن العفائف.
اقول: ورواه العياشي أيضاً عنه عليه السلام.
وفي المجتمع في قوله تعالى: ومن لم يستطع منكم طولاً أي من لم يجد منكم غنى قال: وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام.
وفي الكافي عن الصادق عليه السلام قال: لا ينبغي أن يتزوج الحر المملوكة اليوم، إنما كان ذلك حيث قال الله عزوجل: ومن لم يستطع منكم طولاً، والطول المهر، ومهر الحرة اليوم مهر الامة أو أقل.
اقول: الغنى أحد مصاديق الطول كما تقدم، والرواية لا تدل على أزيد من الكراهة.
وفي التهذيب بإسناده عن أبي العباس البقباق قال: قلت لأبي عبدالله عليه السلام: يتزوج الرجل الأمة بغير علم أهلها؟ قال: هو زنا إن الله تعالى يقول: فانكحوهن بإذن أهلهن.
وفيه بإسناده عن أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: سألت الرضا عليه السلام يتمتع بالأمة
بإذن أهلها؟ قال: نعم إن الله عزوجل يقول: فانكحوهن بإن أهلهن.
وفي تفسير العياشي عن محمد بن مسلم عن أحدهما عليه السلام قال: سألته عن قول الله في إلاماء (فإذا احصن) وما إحصانهن؟ قال: يدخل بهن. قلت: فإن لم يدخل بهن ما عليهن حد؟ قال: بلى.
وفيه عن حريز قال: سألته عن المحصن فقال: الذي عنده ما يغنيه.
وفي الكافي بإسناده عن محمد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام قال: قضى أميرالمؤمنين عليه السلام في العبيد والإماء إذا زنا أحدهم أن يجلد خمسين جلدة إن كان مسلماً أو كافراً أو نصرانياً، ولا يرجم ولا ينفى.
وفيه بإسناده عن أبي بكر الحضرمي عن أبي عبدالله عليه السلام عن عبد مملوك قذف حراً قال: يجلد ثمانين، هذا من حقوق الناس فأما ما كان من حقوق الله عزوجل فإنه يضرب نصف الحد.
قلت: الذي من حقوق الله عزوجل ما هو؟ قال: إذا زنا أو شرب خمراً فهذا من الحقوق التي يضرب عليها نصف الحد.
وفي التهذيب بإسناده عن بريد العجلي عن أبي جعفر عليه السلام في الأمة تزني قال: تجلد نصف الحد كان لها زوج أو لم يكن.
وفي الدر المنثور أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال:المسافحات المعلنات بالزنا المتخذات أخدان ذات الخليل الواحد. قال: كان أهل الجاهلية يحرمون ما ظهر من الزنا ويستحلون ما خفي، يقولون: أما ما ظهر منه فهو لؤم، وأما ما خفي فلا بأس بذلك فأنزل الله: ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن.
أقول: والروايات فيما تقدم من المعاني كثيرة اقتصرنا منها على انموذج يسير.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لعل الصحيح: الشمخي لما في بعض أخبار أهل السنة أنه كان رجلاً من بنى شمخ، أو الصحيح في الشمخية التي أفتى ابن مسعود.
(2) نسخة الوافي: من أين أخذ بها.
المصدر : الميزان في تفسير القرآن