بحث علمي في الإرث

1 ـ ظهور الإرث : كأن الإرث أعني تملك بعض الأحياء المال الذي تركه الميت من أقدم السنن الدائرة في المجتمع الإنساني، وقد خرج عن وسع ما بأيدينا من تواريخ الامم والملل الحصول على مبدء حصوله، ومن طبيعة الأمر أيضاً ذلك فإنا نعلم بالتأمل في طبيعة الإنسان الاجتماعية أن المال وخاصة لو كان ممالا يد عليه يحن إليه الإنسان ويتوق إليه نفسه لصرفه في حوائجه، وحيازته وخاصة فيما لا مانع عنه من دؤوبه الأولية القديمة، والانسان في ما كونه من مجتمعه همجياً أو مدنياً لا يستغني عن اعتبار القرب والولاية (المنتجين للأقربية والأولية) بين أفراد المجتمع الاعتبار الذي عليه المدار في تشكل البيت والبطن والعشيرة والقبيلة ونحو ذلك فلا مناص في المجتمع من كون بعض الأفراد أولى ببعض كالولد بوالديه والرحم برحمه، والصديق بصديقه، والمولى بعبده، وأحد الزوجين بالآخر، والرئيس بمرؤوسه حتى القوي بالضعيف وإن اختلفت المجتمعات في تشخيص ذلك اختلافاً شديداً يكاد لا تناله يد الضبط.
ولازم هذين الأمرين كون الإرث دائراً بينهم من أقدم العهود الاجتماعية.
2 ـ تحول الارث تدريجياً : لم تزل هذه السنة كسائر السنن الجارية في المجتمعات الإنسانية تتحول من حال إلى حال وتلعب به يد التطور والتكامل منذ أول ظهورها غير أن الأمم الهمجية لما لم تستقر على حال منتظم تعسر الحصول في تواريخهم على تحوله المنتظم حصولاً يفيد وثوقاً به.
والقدر المتيقن من أمرهم أنهم كانوا يحرمون النساء والضعفاء الارث وإنما كان يختص بالأقوياء وليس إلا لأنهم كانوا يعاملون مع النساء والضعفاء من العبيد والصغار معاملة الحيوان المسخر والسلع والأمتعة التي ليس لها إلا أن ينتفع بها الإنسان دون أن تنتفع هي بالإنسان وما في يده أو تستفيد من الحقوق الاجتماعية التي لا تتجاوز النوع الإنساني.
ومع ذلك كان يختلف مصداق القوي في هذا الباب برهة بعد برهة فتارة مصداقة رئيس الطائفة أو العشيرة، وتارة رئيس البيت، وتارة اخرى أشجع القوم وأشدهم بأساً، وكان ذلك يوجب طبعاً تغير سنة الإرث تغيراً جوهرياً.
ولكون هذه السنن الجارية لا تضمن ما تقترحه الفطرة الانسانية من السعادة المقترحة كان يسرع إليها التغير والتبدل حتى أن الملل المتمدنة التي كان يحكم بينهم القوانين أو ما يجري مجراها من السنن المعتادة الملية كان شأنهم ذلك كالروم واليونان، وما عمر قانون من قوانين الإرث الدائرة بين الامم حتى اليوم مثل ما عمرت سنة الإرث الإسلامية فقد حكمت في الأمم الإسلامية منذ أول ظهورها إلى اليوم ما يقرب من أربعة عشر قرناً.
3 ـ الوراثة بين الامم المتمدنة : من خواص الروم أنهم كانوا يرون للبيت في نفسه استقلالاً مدنياً يفصله عن المجتمع العام ويصونه عن نفوذ الحكومة العامة في جل ما يرتبط بأفراده من الحقوق الاجتماعية فكان يستقل في الأمر والنهي والجزاء والسياسة ونحو ذلك.
وكان رب البيت هو معبوداً لأهله من زوجة وأولاد وعبيد؛ وكان هو المالك من بينهم ولا يملك دونه أحد مادام أحد أفراد البيت؛ وكان هو الولي عليهم القيم بأمرهم باختياره المطلق النافذ فيهم، وكان هو يعبد رب البيت السابق من أسلافه.
وإذا كان هناك مال يرثه البيت كما إذا مات بعض الأبناء فيما ملكه بإذن رب اليبت اكتساباً أو بعض البنات فيما ملكته بالازدواج صداقاً وأذن لها رب البيت أو بعض الأقارب فإنما كان يرثه رب البيت لأنه مقتضى ربوبيته وملكه المطلق للبيت وأهله.
وإذا مات رب البيت فإنما كان يرثه أحد أبنائه أو إخوانه ممن في وسعه ذلك وورثه الأبناء فإن انفصلوا وأسسوا بيوتاً جديدة كانوا أربابها وإن بقوا في بيتهم القديم كان نسبتهم إلى الرب الجديد (أخيهم مثلاً) هي النسبة السابقة إلى أبيهم من الورود تحت قيمومته وولايته المطلقة.
وكذا كان يرثه الأدعياء لأن الإدعاء والتبني كان دائراً عندهم كما بين العرب في الجاهلية.
وأما النساء كالزوجة والبنت والام فلم يكن يرثن لئلا ينتقل مال البيت بانتقالهن إلى بيوت اخرى بالازدواج فإنهم ما كانوا يرون جواز انتقال الثروة من بيت إلى آخر، وهذا هو الذي ربما ذكره بعضهم فقال: إنهم كانوا يقولون بالملكية الاشتراكية الاجتماعية دون الانفرادية الفردية وأظن أن مأخذه شيء آخر غير الملك الاشتراكي فإن الأقوام الهمجية المتوحشة أيضاً من أقدم الأزمنة كانوا يمتنعون من مشاركة غيرهم من الطوائف البدوية فيما حازوه من المراعي والأراضي الخصبة وحموه لأنفسهم وكانوا يحاربون عليه ويدفعون عن محمياتهم وهذا نوع من الملك العام الاجتماعي الذي مالكه هيئة المجتمع الإنساني دون أفراده، وهو مع ذلك لا ينفي أن يملك كل فرد من المجتمع شيئاً من هذا الملك العام اختصاصاً.
وهذا ملك صحيح الاعتبار غير أنهم ما كانوا يحسنون تعديل أمره والاستدرار منه، وقد احترمه الإسلام كما ذكرناه فيما تقدم قال تعالى: « خلق لكم ما في الأرض جميعاً » (البقرة: 29) فالمجتمع الإنساني وهو المجتمع الإسلامي ومن هو تحت ذمته هو المالك لثروة الأرض بهذا المعنى ثم المجتمع الإسلامي هو المالك لما في يده من الثروة ولذلك لا يرى الإسلام إرث الكافر ومن المسلم.
ولهذا النظر آثار ونماذج في بعض الملل الحاضرة حيث لا يرون جواز تملك الأجانب شيئاً من الأراضي والأموال غير المنقولة من أوطانهم ونحو ذلك.
ولما كان البيت في الروم القديم ذا استقلال وتمام في نفسه كان قد استقر فيه هذه العادة القديمة المستقرة في الطوائف والممالك المستقلة.
وقد كان قد أنتج استقرار هذه العادة أو السنة في بيوت الروم مع سنتهم في التزويج من منع الازدواج بالمحارم أن القرابة انقسمت عندهم قسمين: أحدهما القرابة الطبيعية وهي الاشتراك في الدم، وكان لازمها منع الازدواج في المحارم وجوازه في غيرهم، والثاني القرابة الرسمية وهي القانونية ولازمها الإرث وعدمه والنفقة والولاية وغير ذلك فكان الأبناء أقرباء ذوي قرابة طبيعية ورسمية معاً بالنسبة إلى رب البيت ورئيسه وفي ما بينهم أنفسهم، وكانت النساء جميعاً ذوات قرابة طبيعية لا رسمية فكانت المرأة لا ترث والدها ولا ولدها ولا أخاها ولا بعلها ولا غيرهم. هذه سنة الروم القديم.
وأما اليونان فكان وضعهم القديم في تشكل البيوت قريباً من وضع الروم القديم، وكان الميراث فيهم يرثه أرشد الأولاد الذكور، ويحرم النساء جميعاً من زوجة وبنت واخت، ويحرم صغار الأولاد وغيرهم غير أنهم الروميين ربما كانوا يحتالون لإيراث الصغار من أبنائهم ومن أحبوها وأشفقوا عليها من زوجاتهم وبناتهم وأخواتهم بحيل متفرقة تسهل الطريق لإمتاعهن بشيء من الميراث قليل أو كثير بوصية أو نحوها وسيجيء الكلام في أمر الوصية.
وأما الهند ومصر والصين فكان أمر الميراث في حرمان النساء منه مطلقاً وحرمان ضعفاء الأولاد أو بقاؤهم تحت الولاية والقيمومة قريبا مما تقدم من سنة الروم واليونان.
وأما الفارس فإنهم كانوا يرون نكاح المحارم وتعدد الزوجات كما تقدم ويرون التبني، وكانت أحب النساء إلى الزوج ربما قامت مقام الابن بالادعاء وترث كما يرث الابن والدعي بالسوية وكانت تحرم بقية الزوجات، والبنت المزوجة لا ترث حذراً من انتقال المال إلى خارج البيت، والتي لم تزوج بعد ترث نصف سهم الابن؛ فكانت الزوجات غير الكبيرة والبنت المزوجة محرومات، وكانت الزوجة الكبيرة والابن والدعي والبنت غير المزوجة بعد مرزوقين.
وأما العرب فقد كانوا يحرمون النساء مطلقاً والصغار من البنين ويمتعون أرشد الأولاد ممن يركب الفرس ويدفع عن الحرمة، فإن لم يكن فالعصبة.
هذا حال الدنيا يوم نزلت آيات الإرث، ذكرها وتعرض لها كثيرة من تواريخ آداب الملل ورسومهم والرحلات وكتب الحقوق وأمثالها من أراد الاطلاع على تفاصيل القول أمكنة أن يراجعها.
وقد تلخص من جميع ما مر أن السنة كانت قد استقرت في الدنيا يومئذ على حرمان النساء بعنوان أنهن زوجة أو أم أو بنت أو أخت إلا بعناوين اخرى مختلفة، وعلى حرمان الصغار والأيتام إلا في بعض الموارد تحت عنوان الولاية والقيمومة الدائمة غير المنقطعة.
4 ـ ماذا صنع الاسلام والظرف هذا الظرف ؟ : قد تقدم مراراً أن الإسلام يرى أن الأساس الحق للأحكام والقوانين الإنسانية هو الفطرة التي فطر الناس عليها ولا تبديل لخلق الله ، وقد بنى الإرث على أساس الرحم التي هي من الفطرة والخلقة الثابتة ، وقد ألغى إرث الأدعياء حيث يقول تعالى : « وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم » «الأحزاب :5» .
ثم أخرج الوصية من تحت عنوان الإرث وأفردها عنواناً مستقلاً يعطى به ويؤخذ وإن كانوا يسمون التملك من جهة الإيصاء إرثاً ، وليس ذلك مجرد اختلاف في التسمية فإن لكل من الوصية والإرث ملاكاً آخر وأصلاُ فطرياً مستقلاً فملاك الإرث هو الرحم ولا نفوذ لإرادة المتوفى فيها أصلاً ، وملاك الوصية نفوذ إرادة المتوفى بعد وفاته (وإن شئت قل : حين ما يوصي) في ما يملكه في حياته واحترام مشيته ، فلوا دخلت الوصية في الإرث لم يكن ذلك إلا مجرد تسمية .
وأما ما كان يسميها الناس كالروم القديم مثلاً إرثاً فلم يكن لاعتبارهم في سنة الإرث أحد الأمرين إما الرحم وإما احترام إرادة الميت بل حقيقة الأمر أنهم كانوا يبنون الإرث على احترام الإرادة وهي إرادة الميت بقاء المال الموروث في البيت الذي كان فيه تحت يد رئيس البيت وربه أو إرادته انتقاله بعد الموت إلى من يحبه الميت ويشفق عليه فكان الإرث على أي حال يبتني على احترام الإرادة ولو كان مبتنياً على أصل الرحم واشتراك الدم لرزق من المال كثير من المحرومين منه ، وحرم كثير من المرزوقين .
ثم إنه بعد ذلك عمد إلى الإرث وعنده في ذلك أصلان جوهريان :
أصل الرحم وهو العنصر المشترك بين الإنسان وأقربائه لا يختلف فيه الذكور والإناث والكبار والصغار حتى الأجنة في بطون أمهاتهم وإن كان مختلف الأثر في التقدم والتأخر ، ومنع البعض للبعض من جهة قوته وضعفه بالقرب من الإنسان والبعد منه ، وانتفاء الوسائط وتحققها قليلاً أو كثيراً كالولد والأخ والعم . وهذا الأصل يقضي باستحقاق أصل الإرث مع حفظ الطبقات المتقدمة والمتأخرة .
وأصل اختلاف الذكر والأنثى في نحو وجود القرائح الناشئة عن اختلاف في تجهيزهما بالتعقل والإحساسات فالرجل بحسب طبعه إنسان التعقل كما أن المرأة مظهر العواطف والإحساسات اللطيفة الرقيقة ، وهذا الفرق مؤثر في حياتيهما التأثير البارز في تدبير المال المملوك ، وصرفه في الحوائج ، وهذا الأصل هو الموجب للاختلاف في السهام في الرجل والمرأة وإن وقعا في طبقة واحدة كالابن والبنت ، والأخ والاخت في الجملة على ما سنبينه .
واستنتج من الأصل الأول ترتب الطبقات بحسب القرب والبعد من الميت لفقدان الوسائط وقلتها وكثرتها فالطبقة الاولى هي التي تتقرب إلى الميت بلا واسطة وهي الابن والبنت والأب والأم ، والثانية الأخ والاخت والجد والجدة وهي تتقرب إلى الميت بواسطة واحدة وهي الأب أو الأم أوهما معاً ؛ والثالثة العم والعمة والخال والخالة ، وهي تتقرب إلى الميت بواسطتين وهما أب الميت أو أمه أو جدته ، وعلى هذا القياس ؛ والأولاد في كل طبقة يقومون مقام آبائهم ويمنعون الطبقة اللاحقة وروعي حال الزوجين لاختلاط دمائهما بالزواج مع جميع الطبقات فلا يمنعهما طبقة ولا يمنعان طبقة .
ثم استنتج من الأصل الثاني اختلاف الذكر والأنثى في غير الام والكلالة المتقربة بالام بأن للذكر مثل حظ الانثيين .
والسهام الستة المفروضة في الإسلام (النصف والثلثان والثلث والربع والسدس والثمن) وإن اختلفت ، وكذا المال الذي ينتهي إلى أحد الوراث وإن تخلف عن فريضته غالباً بالرد أو النقص الوارد وكذا الأب والام وكلالة الام وإن تخلفت فرائضهم عن قاعدة «للذكر مثل حظ الانثيين» ولذلك يعسر البحث الكلي الجامع في باب الإرث إلا أن الجميع بحسب اعتبار النوع في تخليف السابق للاحق يرجع إلى استخلاف أحد الزوجين للآخر واستخلاف الطبقة المولدة وهم الآباء والمهات للطبقة المتولدة وهم الأولاد ، والفريضة الإسلامية في كل من القبيلين أعني الأزواج والأولاد للذكر مثل حظ الانثيين .
وينتج هذا النظر الكلي أن الإسلام يرى اقتسام الثروة الموجودة في الدنيا بالثلث والثلثين فللانثى وللذكر ثلثان هذا من حيث التملك لكنه لا يرى نظير هذا الرأى في الصرف للحاجة فإنه يرى نفقة الزوجة على الزوج ويأمر بالعدل المقتضي للتساوي في المصرف ويعطي للمرأة استقلال الإرادة والعمل فيما تملكه من المال لا مداخلة للرجل فيه ، وهذه الجهات الثلاث تنتج أن للمرأة أن تتصرف في ثلثي ثروة الدنيا (الثلث الذي تملكها ونصف الثلثين اللذين يملكهما الرجل) وليس في قبال تصرف الرجل إلا الثلث .
5 ـ علام استقر حال النساء واليتامى في الاسلام ؟ : أما اليتامى فهم يرثون كالرجل الأقوياء ، ويربون وينمى أموالهم تحت ولاية الأولياء كالأب والجد أو عامة المؤمنين أو الحكومة الإسلامية حتى إذا بلغوا النكاح واونس منهم الرشد دفعت إليهم أموالهم واستووا على مستوى الحياة المستقلة ، وهذا أعدل السنن المتصورة في حقهم .
وأما النساء فإنهن بحسب النظر العام يملكن ثلث ثروة الدنيا ويتصرفن في ثلثيها بما تقدم من البيان ، وهن حرات مستقلات فيما يملكن لا يدخلن تحت قيمومة دائمة ولا مؤقتة ولا جناح على الرجال فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف .
فالمرأة في الإسلام ذات شخصية تساوي شخصية الرجل في حرية الإرادة والعمل من جميع الجهات ، ولا تفارق حالها حال الرجل إلا في ما تقتضيه صفتها الروحية الخاصة المخالفة لصفة الرجل الروحية وهي أن لها حياة إحساسية وحياة الرجل تعقلية فاعتبر للرجل زيادة في الملك العام ليفوق تدبير التعقل في الدنيا على تدبير الإحساس والعاطفة ، وتدورك ما ورد عليها من النقص باعتبار غلبتها في التصرف . وشرعت عليها وجوب إطاعة الزوج في أمر المباشرة وتدورك ذلك بالصداق ، وحرمت القضاء والحكومة والمباشرة للقتال لكونها امور أيجب بناؤها على التعقل دون الإحساس ، وتدورك ذلك بوجوب حفظ حماهن والدفاع عن حريمهن على الرجال، ووضع على عاتقهن أثقال طلب الرزق والإنفاق عليها وعلى الأولاد وعلى الوالدين ولها حق حضانة ألاولاد من غير إيجاب ، وقد عدل جميع هذه الأحكام بامور اخرى دعين إليها كالتحجب وقلة مخالطة الرجال وتدبير المنزل وتربية الأولاد .
وقد أوضح معنى امتناع الإسلام عن إعطاء التدابير العامة الاجتماعية كتدبير الدفاع والقضاء والحكومة للعاطفة والإحساس ووضع زمامها في يدها، النتائج المرة التي يذوقها المجتمع البشري إثر غلبة الإحساس على التعقل في عصرنا الحاضر، وأنت بالتأمل في الحروب العالمية الكبرى التي هي من هدايا المدنية الحاضرة، وفي الأوضاع العامة الحاكمة على الدنيا، وعرض هذه الحوادث على العقل والإحساس العاطفي تقف على تشخيص ما منه الإغراء وما إليه النصح والله الهادي.
على أن الملل المتمدنة من الغربيين لم يألوا جهداً ولم يقصروا حرصاً منذ مئات السنين في تربية البنات مع الأبناء في صف واحد، وإخراج ما فيهن من استعداد الكمال من القوة إلى الفعل، وأنت مع ذلك إذا نظرت في فهرس نوابغ السياسة ورجال القضاء والتقنين وزعماء الحروب وقوادها (وهي الخلال الثلاث المذكورة: الحكومة، القضاء القتال) لم تجد فيه شيئاً يعتد به من أسماء النساء ولا عدداً يقبل المقايسة إلى المئآت والالوف من الرجال، وهذا في نفسه أصدق شاهد على أن طباع النساء لا تقبل الرشد والنماء في هذه الخلال التي لا حكومة فيها بحسب الطبع إلا للتعقل وكلما زاد فيها دبيب العواطف زادت خيبة وخسراناً.
وهذا وأمثاله من أقطع الأجوبة للنظرية المشهورة القائلة أن السبب الوحيد في تأخر النساء عن الرجال في المجتمع الإنساني هو ضعف التربية الصالحة فيهن منذ أقدم عهود الإنسانية، ولو دامت عليهن التربية الصالحة الجيدة مع ما فيهن من الإحساسات والعواطف الرقيقة لحقن الرجال أو تقدمن عليهم في جهات الكمال.
وهذا الاستدلال أشبه بالاستدلال بما ينتج نقيض المطلوب فإن اختصاصهن بالعواطف الرقيقة أو زيادتها فيهن هو الموجب لتأخرهن فيما يحتاج من الامور إلى قوة التعقل وتسلطه على العواطف الروحية الرقيقة كالحكومة والقضاء، وتقدم من يزيد عليهن في ذلك وهم الرجال فإن التجارب القطعي يفيد أن من اختص بقوة صفة من الصفات الروحية فإنما تنجح تربيته فيما يناسبها من المقاصد والمآرب، ولازمه أن تنجح تربية الرجال في أمثال الحكومة والقضاء ويمتازوا عنهن في نيل الكمال فيها، وأن تنجح تربيتهن فيما يناسب العواطف الرقيقة ويرتبط بها من الامور كبعض شعب صناعة الطب والتصوير والموسيقي والنسج والطبخ وتربيته الأطفال وتمريض المرضى وأبواب الزينة ونحو ذلك، ويتساوى القبيلان فيما سوى ذلك.
على أن تأخرهن فيما ذكر من الامور لو كان مستنداً إلى الاتفاق والصدفة كما ذكر لا نتقض في بعض هذه الأزمنة الطويلة التي عاش فيها المجتمع الإنساني وقد خمنوها بملايين من السنين كما أن تأخر الرجال فيما يختص من الامور المختصة بالنساء كذلك ولو صح لنا أن نعد الامور اللازمة للنوع غير المفكة عن مجتمعهم وخاصة إذا ناسبت اموراً داخلية في البنية الإنسانية من الاتفاقيات لم يسع لنا أن نحصل على خلة طبيعية فطرية من خلال إلإنسانية العامة كميل طباعة إلى المدنية والحضارة، وحبه للعلم، وبحثه عن أسرار الحوادث ونحو ذلك فإن هذه صفات لازمة لهذا النوع وفي بنية أفراده ما يناسبها من القرائح نعدها لذلك صفات فطرية نظير ما نعد تقدم النساء في الامور الكمالية المستظرفة وتأخرهن في الامور التعقلية والامور الهائلة والصعبة الشديدة من مقتضى قرائحهن، وكذلك تقدم الرجال وتأخرهم في عكس ذلك.
فلا يبقى بعد ذلك كله إلا انقباضهن من نسبة كمال التعقل إلى الرجال وكمال الإحساس والتعطف إليهن، وليس في محله فإن التعقل والإحساس في نظر الإسلام موهبتان إلهيتان مودعتان في بنية الإنسان لمآرب إلهية حقة في حياته لا مزية لإحداهما على الاخرى ولا كرامة إلا للتقوى، وأما الكمالات الاخر كائنة ما كانت فإنما تنمو وتربو إذا وقعت في صراطه وإلا لم تعد إلا أوزاراً سيئة.
6 ـ قوانين الارث الحديثة: هذه القوانين والسنن وإن خالف قانون الإرث الإسلامي كما وكيفاً على ما سيمر بك إجمالها غير أنها استظهرت في ظهورها واستقرارها بالسنة الإسلامية في الإرث فكم بين موقف الإسلام عند تشريع إرث النساء في الدنيا وبين موقفهن من الفرق.
فقد كان الإسلام يظهر أمراً ما كان الدنيا تعرفه ولا قرعت أسماع الناس بمثله. ولا ذكرته أخلاف عن أسلافهم الماضين وآبائهم الأولين، وأما هذه القوانين فإنها أبديت وكلف بها امم حينما كانت استقرت سنة الإسلام في الإرث بين الامم الإسلامية في معظم المعمورة بين مئات الملايين من الناس توارثها الأخلاف من أسلافهم في أكثر من عشرة قرون، ومن البديهيات في أبحاث النفس أن وقوع أمر من الامور في الخارج ثم ثبوتها واستقرارها نعم العون في وقوع ما يشابهها وكل سنة سابقة من السنن الاجتماعية مادة فكرية للسنن اللاحقة المجانسة بل الاولى هي المادة المتحولة إلى الثانية فليس لباحث اجتماعي أن ينكر استظهار القوانين الجديدة في الإرث بما تقدمها من الإرث الإسلامي وتحوله إليها تحولاً عادلاً أو جائراً.
فمن أغرب الكلام ما ربما يقال ـ قاتل الله عصبية الجاهلية الاولى ـ : إن القوانين الحديثة إنما استفادت في موادها من قانون الروم القديمة. وأنت قد عرفت ما كانت عليه سنة الروم القديمة في الإرث، وما قدمته السنة الإسلامية إلى المجتمع البشري، وأن السنة الإسلامة متوسطة في الظهور والجريان العملي بين القوانين الرومية القديمة وبين القوانين الغربية الحديثة وكانت متعرقة متعمقة في مجتمع الملايين ومئات الملايين من النفوس الإنسانية قروناً متوالية متطاولة، ومن المحال أن تبقى سدى وعلى جانب ومن التأثير في أفكار هؤلاء المقننين.
وأغرب منه أن هؤلاء القائلين يذكرون أن الإرث الإسلامي مأخوذ من الإرث الرومي القديم!.
والجملة فالقوا بين الحديثة الدائرة بين الملل الغربية وإن اختلفت في بعض الخصوصيات غير أنها كالمطبقه على تساوي الرجال والنساء في سهم الإرث فالبنات والبنون سواء، والامهات والآباء سواء في السهام وهكذا.
وقد رتبت الطبقات في قانون فرنسا على هذا النحو: (1) البنون والبنات. (2) الآباء والامهات والاخوة والاخوات. (3) الأجداد والجـدات. (4) الأعمام والعمات والأخوال والخالات، وقد أخرجوا علقة الزوجية من هذه الطبقات وبنوها على أساس المحبة والعلقة القلبية لا يهمنا التعرض لتفاصيل ذلك وتفاصيل الحال في سائر الطبقات من أرادها فليرجع إلى محلها.
والذي يهمنا هو التأمل في نتيجة هذه السنة الجارية وهي اشتراك المرأة مع الرجل في ثروة الدنيا الموجودة بحسب النظر العام الذي تقدم غير أنهم جعلوا الزوجة تحت قيمومة الزوج لاحق لها في تصرف مالي في شيء من أموالها الموروثة إلا بإذن زوجها، وعاد بذلك المال منصفاً بين الرجل والمرأة ملكاً، وتحت ولاية الرجل تدبيراً وإدارة: هناك جميعاًت منتهضة يبذلون مساعيهم لإعطاء النساء الاستقلال وإخراجهن من تحت قيمومة الرجال في أموالهن ولو وفقوا لما يريدون كانت الرجال والنساء متساويين من حيث الملك ومن حيث ولاية التدبير والتصرف.
7 ـ مقايسة هذ السنن بعضها الى بعض: ونحن بعد ما قدمنا خلاصة السنن الجارية بين الامم الماضية وقرونها الخالية إلى الباحث الناقد نحيل إليه قياس بعضها إلى البعض والقضاء على كل منها بالتمام والنقص ونفعه للمجتمع الإنساني وضرره من حيث وقوعه في صراط السعادة ثم قياس ما سنه شارع الإسلام إليها والقضاء بما يجب أن يقضي به.
والفرق الجوهري بين السنة الإسلامية والسنن غيرها في الغاية والغرض، فغرض الإسلام أن تنال الدنيا صلاحها، وغرض غيره أن تنال ما تشتهيها، وعلى هذين
الأصلين يتفرع ما يتفرع من الفروع قال تعالى: « وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون » (البقرة: 216) وقال تعالى: « وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً » (النساء: 19.)
8 ـ الوصية: قد تقدم أن الإسلام أخرج الوصية من تحت الوراثة وأفردها عنواناً مستقلاً لما فيها من الملاك المستقل وهو احترام إرادة المالك بالنسب إلى ما يملكه في حياته، وقد كانت الوصية بين الامم المتقدمة من طرق الاحتيال لدفع الموصي ماله أو بعض ماله إلى غير من تحكم السنة الجارية بإرثه كالأب ورئيس البيت ولذلك كانوا لا يزالون يضعون من القوانين ما يحدها ويسد بنحو هذا الطريق المؤدي إلى إبطال حكم الإرث ولا يزال يجري الأمر في تحديدها هذا المجرى حتى اليوم.
وقد حدها الإسلام بنفوذها إلى ثلث المال فهي غير نافذة في الزائد عليه، وقد تبعته في ذلك بعض القوانين الحديثة كقانون فرنسا غير أن النظرين مختلفان، ولذلك كان الإسلام يحث عليها والقوانين تردع عنها أو هي ساكتة.
والذي يفيده التدبر في آيات الوصية والصدقات والزكاة والخمس ومطلق الإنفاق أن في هذه التشريعات تسهيل طريق أن يوضع ما يقرب من نصف رقبة الأموال والثلثان من منافعها للخيرات والمبرات وحوائج طبقة الفقراء والمساكين لتقرب بذلك الطبقات الختلفة في المجتمع، ويرتفع الفواصل البعيدة من بينهم، وتقام به أصلاب المساكين مع ما في القوانين الموضوعة بالنسبة إلى كيفية تصرف المثرين في ثروتهم من تقريب طبقتهم من طبقة المساكين، ولتفصيل هذا البحث محمل آخر سيمر بك إن شاء الله تعالى.


المصدر : الميزان في تفسير القرآن