استطلعوا وتحققوا اولاً ....
لا تقدموا على الزواج ابدا دون معرفة بالطرف الاخر

بمن تثقون ؟ وفي ظل اية ظروف ؟ هل يمكن الاطمئنان الى مايقوله الاخرون والوثوق بادعاءاتهم ؟ ابدا ! لان هناك هوة سحيقة بين القول والعمل وهناك كثيرون ممن يعجبك كلامهم ويتحدثون عن التسامح والصفح والحلم والتضحية والايثار ولكنهم يرتكبون الاعمال القبيحة ويمارسون الخيانة ، مثل هؤلاء عطر كلامهم يسحر القلوب ويبعث على الدهشة والاعجاب ولكن اعمالهم تفوح منها رائحة الميتة النتنة ، اذن فيجب ان لا نثق باي كلام وان لا ننخدع باي مظهر جميل وكلام لطيف لان الامام امير الؤمنين عليه السلام يقول : « الطمانينة الى كل احد قبل الاختبار عجز » .
ومن اجل التعرف على الشخص واختباره يجب دراسة ماضيه ومستقبله ومعرفة اصدقائه ومعارفه لان الاصدقاء الحميمين هم بمثابة المراة التي تعكس اخلاق وتصرفات الفرد ، كما يجب التحدث والتحقيق مع الافراد الذين عاشروا هذا الشخص وعاشوا وتعاملوا معه ولا سيما الذين سافروا معه وذلك من اجل معرفة مدى امانة وصدق ووفاء وايمان هذا الشخص الذي نحن بصدده وبعد ذلك يمكننا وبصورة تدريجية ان نثق به ونتعرف عليه وان نزيد من هذه الثقة قليلا بعد كل لقاء يتم بيننا وبينه . واذا ما وثقنا بشخص دون ان نختبره ونتعرف عليه مسبقا فكاننا
مشينا في طريق مظلمة وخطونا باتجاه المستنقع والمجهول والقينا بانفسنا الى التهلكة والضلال وسرنا نحو الضياع . وفي هذا المجال نلفت انتباهكم الى مقتطفات من رسالة طويلة وصلتنا من احد الاخوة وقد اجرينا عليها بعض التغييرات :
الرسالة : أـ . . . في اليوم الاول الذي ذهبنا فيه الى منزلهم لخطبة ابنتهم اعجبتنا اخلاق اهل الفتاة واسلوب تعاملهم وتصرفاتهم . فقد كان كلامهم جميلا وجيدا ولكثرة ما تكلموا عن التسامح والتضحية والايثار والاخلاق الحميدة فقد تصورنا باننا عثرنا على ضالتنا وعلى الفتاة التي نتمناها . وعندما تكلمنا عن المهر والعرف والتقاليد المتبعة في هذا المجال قالوا لنا : ان الزواج ليس بيعا او شراء فالمهر الذي تطلبونه لابنتكم انتم قدموا مثله لابنتنا هذه . . .
. . . بعدها اتفقنا على اقامة حفل عقد القران واقيم هذا الحفل بالفعل بالشكل المطلوب وبكل خير وهناء وكان حفلا كبيرا يبعث على الفخر والاعتزاز . . . وجلس والد العروس الى جانبي وقال لي : انت اصبحت من الان ابني وان رقيك وتقدمك هو مبعث فخر واعتزاز لي وهؤلاء ( يقصد اقاربه الذين كانوا موجودين في حفل عقد القران ) يقولون لي : ان تعيين مهر العروس بثلاثين ليرة ذهبية هو مبلغ قليل يسيء الى سمعتنا بين الاقارب فلا تجعلني خجلا مطاطئ الراس امامهم فهم يقولون لي : اما ان لا تطلب مهرا لابنتك او ان تطلب المهر الذي يرفع من شانك ويليق بمكانتك . وانا لا اريد ان اطلب مهرا وقررت ان يكون مهر ابنتي نسخة من القران الكريم وحسب فقال والدي لوالد العروس : كلا لا يمكن ان يتم الزواج بدون مهر . فقال والد العروس : اذن اسمح لي ان اضيف صفرا واحد الى المبلغ المذكور وبعد انتهاء العقد مباشرة اهب لكم المبلغ باكمله ليعيش الزوجان الشابان مدى العمر بسعادة وهناء وعزة ، واساسا فان المهر ليس امرا مهما ؟!
والد لم يكن موافقا على هذا الامر (زيادة المهر ) ولكنني قبلت وقلت سمعا وطاعة ! اقبل بكل ما تطلبونه ، فاني اريد ان اعيش ، اني مستعد للقيام باي عمل تطلبونه ، . . . نعم ، لقد قبلت لانني لو لم اقبل بذلك لحدثت فضيحة ولحصلت مشكلة وكان من الممكن ان يتوتر الوضع . وعلى هذا الاساس فقد حدد المهر بثلاثمائة ليرة ذهبية ووقعت وثيقة العقد بعد ان قرات صيغة العقد وانتهى الحفل بسعادة وفرح وسرور . . . وانا المسكين لم اكن اعلم بما كان يدور من حولي .

ولكن ليتك كنت تعلم ما كان يجري من حولك ، ليتك كنت تعلم بان المهر هو مبلغ من المال يهديه العريس للعروس ليثبت بذلك صدقه ووفاءه في تنفيذ التعهدات التي التزم بها في عقد الزواج وبالطبع هناك اسباب اخرى لوجوب تحديد المهر . صحيح ان المهر يحدد بموافقة الزوجين ورضاهما وانهما يستطيعان الاتفاق على اي مبلغ ( او اي شيء كالعقار او السيارة او اثاث المنزل او اي شيء اخر ) (1) كمهر يقدمه الشاب للفتاة ، ولكن كان عليك ان تنتبه الى هذه النقطة المهمة وهي ان الاتفاق على مهر ( صداق) باهظ وغال ـ والوثوق بكلام شخص لم تكن قد اختبرت صدقه وامانته ـ يلقي على عاتقك عبئا ثقيلا ومرهقا . الى جانب ذلك فان غلاء المهر يسبب في اغلب الاحيان الشؤم للحياة الزوجية وللزوجين .يقول الرسول صلى الله عليه واله وسلم : ( خير الصداق ايسره ) (2) . ويقول الصادق عليه السلام : ( . . . اما شؤم المراة فكثرة مهرها وعقوق زوجها ) (3) . فالمهر ليس مجرد شيء شكلي يسجل فقط في وثيقة الزواج ، من دون ان تكون له اهمية ، بل انه بمجرد اجراء العقد ـ عقد الزواج بين الشاب والفتاة ـ فان مبلغ المهر يصبح ملكا للزوجة تستطيع التصرف فيه كيفما شاءت ومتى شاءت . . . المهر هو دين بذمة الزوج (العريس) ولذلك فان العريس يجب ان يوافق ويوقع على مبلغ المهر الذي يستطيع ان يدفعه لزوجته . ويقول امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام : (لا
تغالوا بمهور النساء فتكون عداوة ) (4) .
ب ـ . . . ولكن بعد فترة انقلبت الامور راسا على عقب وبدات التصرفات القبيحة الشائنة والاحقاد تلقي بظلالها السوداء القاتمة على حياتي واني الان اتمنى من الله الموت ، وليس لدي امل اخر . وخلافا لما كان عليه الوضع في الايام الاولى (لزواجنا) لم يعد هناك كلام عن الصفح والتضحية والايثار والايمان بالله والاعتقاد بالقبر ويوم القيامة بل حل محله العداء والكذب والسباب والشتائم والتحلل الخلقي وو . . والان وبعد نكثهم لكل ما تعهدوا والتزموا به فان (اهل زوجتي ) قدموا شكوى ضدي يطالبون بمهر ابنتهم . . . يا للاسف فاني وثقت بهم واردت ان احقق السعادة لابنتهم ولكنهم كانوا قد خططوا لشقائي وتدمير حياتي . فهل يجدر بهم ان يتعاملوا بهذا الشكل مع شخص وثق بهم بكل صدق واخلاص ؟ ! وقد علمت فيما بعد انهم فعلوا نفس الشيء مع خطيب ابنتهم السابق وانا المسكين لم اكن اعلم بذلك . . . فاي قانون هذا الذي يفرض على شاب بان يدفع ثلاثمائة ليرة ذهبية ( الليرة الذهبية الواحدة حوالي عشرة غرامات من الذهب ) كمهر لامراة لم يتزوجها سوى لمدة شهر واحد ؟! فقد كنت اتصور بان المهر لايدفع الا اذا اراد الرجل ان يطلق زوجته ؟! كنت اتصور بانهم صادقون في كلامهم وانهم سيهبون ويتنازلون لي عن مبلغ المهر باكمله ! اني لم اتزوج من هذه المراة لكي اطلقها ! من اين اتي بثلاثمائة ليرة ذهبية ؟ ، ما هذه المصبية التي حلت بي ؟ . . . ؟ لعل بامكانكم ان تساعدوني . . . هل من الممكن ان . . . ؟
اخانا العزيز ! يجب ان نبني اعمالنا وتصرفاتنا في هذه الحياة على اساس العلم والمعرفة وليس على اساس الخيال وسراب التمنيات ، فالنبي صلى الله عليه واله وسلم يؤكد على هذه النقطة ويقول في وصية له لابن مسعود : « يا ابن مسعود اذا عملت عملا فاعمل بعلم وعقل واياك وان تعمل عملا بغير تدبير وعلم » يقول الله تبارك وتعالى
في القران الكريم : « ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة انكاثا » (5) اي ان عملكم اذا لم يكن مستندا الى الوعي والدقة والتفكير فانه يكون هشا وضعيفا سرعان ما تنفصم عراه وينهار وينتشر منه غبار الندم والاسف وليتك لو تحققت وتدبرت اكثر في امر هذا الزواج وليتك لو احترمت راي والدك بعدم الموافقة على تعديل المهر ، ولو انك فعلت ذلك لما كنت قد وقعت في هذه المصيدة وهذا الفخ الخطر ، حيث ان « التدبير قبل الفعل يؤمن العثار » (6)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المترجم .
(2) كنز العمال ، حديث 44707 .
(3) بحار الانوار ، ج76 ، ص 150 باب 26 ح 6 .
(4) وسائل الشيعة ، طبعة بيروت ، ج 21 ، ص 253 .
(5) بحار الانوار ، ج 77 ، ص 110 باب 5 والاية من سورة النحل ، رقم 92 .
(6) غرر الحكم ودرر الكلم للامدي . ص 73 رقم 1519 ط الاعلمي.