الأسرة وبناء العلاقات
توجه احدهم الى الامام الصادق (ع) شاكياً قائلاً : ان اخوتي وبني عمي قد ضيقوا على الدار والجأوني منها الى بيت ، ولو تكلمت اخذت ما في ايديهم .
فاجابه الصادق (ع) : « اصبر فان الله سيجعل لك فرجاً » .
قال : فانصرفت ووقع الوباء سنة احدى وثلاثين ومائة فماتوا والله كلهم فما بقي منهم احد . فقال : فخرجت فلما دخلت عليه .
قال :« ما حال اهل بيتك » .
فقلت : قد ماتوا والله كلهم ما بقي منهم احد .
فقال (ع) : « هو بما صنعوا بك وبعقوقهم اياك وقطع رحمهم بتروا » (1) .
لقد شدد الإسلام على الأسرة المسلمة وعلاقاتها بالأفراد والأسر الآخرين ولذلك كانت العقوبات والمحن مرتبطة بقطع الروابط والصلات بين الأفراد والأسرة في المجتمع ويشير الى اهمية ذلك امير المؤمنين (ع) : « ان اهل البيت يجتمعون ويتواسون وهم فجرة فيرزقهم الله وان اهل البيت ليتفرقون ويقطع بعضهم بعضا فيحرمهم الله وهم اتقياء » (2) .
وكان لابد ان تكون العلاقات بين الأفراد في الأسرة الواحدة على تلك الصورة من القوة والمتانة والترابط .
ان الأسرة في علاقاتها تتجاوز افرادها لتصل الى الجار ، ولتكون العلاقة مع الجار كعلاقة الأسرة بافرادها ، فالرسول الأعظم (ص ) كتب بين المهاجرين والأنصار .. ومن لحق بهم من أهل يثرب « ان الجار كالنفس غير مضار ولا اثم وحرمة الجار على الجار كحرمة أمه » (3) .
هكذا يركز الإسلام في الأسرة كيفية بناء الفرد لعلاقاته مع اسرته ومع من جاوره من الأفراد والأسر ، ليصل الى اربعين دارا من كل جانب ، وكان هذا جواب الصادق (ع) عندما سئل عن حد الجار .
وما اوضحه الرسول الكريم (ص) : « كل اربعين دار جيران من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله » (4) .
وهكذا يتعلم الفرد في الأسرة كيف ينمي علاقته ، فاذا كان المستلزم الأول في بناء العلاقات مع الآخرين هو الشعور بالمسؤولية فإن الآسرة المسلمة هي التي تربي فيه عملياً ذلك الشعور . واذا كانت الأخلاق من الأمور الهامة في بناء العلاقات فان الأسرة المسلمة تقوم بتعويد الفرد وتعليمه معنى الالتزام ، واحترام الوقت ، وآراء الآخرين ، والعمل الجماعي المنضبط ، والجدية في ذلك ، وممارسته تلك الأمور الأخلاقية وغيرها ممارسة عملية ، فتنمي في الفرد تقبله للآخرين ، وتقبل الأفراد الآخرين له .
يحكي أحد الأخصائيين النفسانيين قصة من واقعه يقول : استرجعت بعض المعلومات في ذهني وتذكرت صديقاً قديماً كان أنجح مني في علاقاته مع الآخرين ، وكان الشيء الذي يميزه عني هو قوة بيانه وطلاقة لسانه ، ولم اكن ادرك حينها لماذا لم اكن طليقاً مثله ، ولكني ادركت الآن السبب ، لقد كان ذلك الصديق يحصل على تلك السمة من أسرته التي كانت تتعامل معه بطريقة تدعوه للانطلاق وحرية الكلام ، في حين أني لا انسى انني انتقدت يوماً احدى الماكولات على المائدة وكانت عبارة عن هدية فما كان من أسرتي الا ان انهالوا علي قذفاً وتوبيخاً ، الأمر الذي دعاني أتجرع الصمت في كثير من الأمور التي تحتاج الى حديث ومبادرة أو نقد او مجاملة .. ، انها الأسرة تبني في الفرد الشعور والقدرة ببناء العلاقات بدرجات متفاوتة بين فرد وآخر ..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الكافي : ج 2 ص 346 باب قطيعة الرحم ح 3 .
(2) الكافي : ج 2 ص 347 باب قطيعة الرحم ح 7 .
(3) الكافي : ج 2 ص 666 باب حق الجوار ح 2 .
(4) الكافي : ج 2 ص 666 باب حق الجوار ح 1 وص 669 باب حق الجار ح 1 .
المصدر : كتاب / بناء الاسرة الفاضلة / عبد الله احمد