الأسرة وبناء القدرات
نشرت الصحف الكويتية خبر مفاده ان طفلاً لم يبلغ العاشرة من عمره يحفظ كمية هائلة من الشعر يمثل عدة دواوين ، لابد انه ابن لأديب او شاعر يميل وراثياً إلى الحفظ .. ولكن الخبر يقول ان قصة هذا الطفل بدأت عندما بدأ بحفظ بعض القصائد للمتنبي ، فكان ان لفت اهتمام ابيه ، فاتفق معه بأن يحفظ كل يوم قصيدة من قصائد المتنبي على ان يأخذ تشجيعاً له خمسة دنانير عن كل قصيدة ، فما كان من الطفل الا ان بدأ بالحفظ حتى انهى حفظ ديوان المتنبي في فترة قصيرة ، واتم حفظه لديوان آخر ، وهكذا وبتشجيع الأب للولد استطاع ان ينمي قدرته على الحفظ ، ولكن بعد ان توقفت الخمسة دنانير بعد فترة قصيرة لخلخلة الميزانية ضعف اندفاع الطفل .
ان اهتمام الأب بتنمية قدرة هذا الابن ووضع الحوافز المادية والمعنوية ادت الى تفجير طاقة الفرد وتوجيهها .
فإذا كانت الثقة بالقدرات التي يملكها الفرد أول الطريق في بقاء وتفجير قدرات الفرد فإن وضع الفرد في الأسرة وتعامل الأسرة مع الفرد بصورة طبيعية تدفعه لأن يثق بنفسه في البداية ثم بقدراته ، فكثير من الأسر تنمي في الفرد الثقة من خلال التعامل معه كإنسان مسؤول ، في حين ان كثير من الأسر الأخرى تقتل الثقة في نفس الفرد ، فكيف له ان يثق بقدراته .
ثم ان الشعور بالحاجة يفجر القدرة ، والأسرة تقوم بهذا الدور ، وهو ان تشعر الفرد بالمسؤولية ولابد ان يتحول هذا الشعور بالمسؤولية الى حاجة نفسية وهدف اجتماعي ، وحينما تكون الحاجة النفسية عميقة ، والهدف الاجتماعي واضحاً ، تتحرك الامكانات والقدرات مـن القدرة الى الفعـل (1) .
ان الانضباط ينمي القدرة ، والأسرة مدرسة الانضباط حيث فيها يتعلم الفرد طاعة القيادة ( الأب ) ، وفيه يقول الله عزوجل « فلا تقل لهما اف ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريما » (2) ويتعلم الفرد في الأسرة الكثير من ضوابط السلوك ، والتنظيم في الوقت والجهد ، واذا كانت القدرة تنمو كلما ارتفع مستوى الانضباط فان الأسرة المسلمة هي مركز الانضباط الأول .
واذا كانت القدرة تكتمل بفضل التعاون ، فان الفرد في الأسرة المسلمة يمارس التعاون بشكل عملي وقبل خروجه الى الحياة العملية ، فتعاونه مع والديه واخوته وجيرانه كلها تساهم في تعميق هذا المفهوم في ذهنه ، ولذلك فان الفرد يكون انطوائيا وأنانياً بفضل ماكان يمارس بحقه في أسرته .
كما ان القدرة تنمو وتصقل مع التواضع ، فان الفرد يعرف التواضع بشكل واضح في أسرته المسلمة التي تعوده على عدم الترفع على الآخرين ، فاذا كان التواضع يعني احترام اراء الآخرين فأنا مجبول على ذلك من خلال احترامي لوالدي ، واذا كان التواضع يتمثل في استشارة الآخرين فالفرد في الأسرة المسلمة يستشير والده واخوته في كثير من أمور حياته كذهابة في رحلة مع اصدقائه مثلا ، واذا كان من التواضع تقبل النقد البناء فكثير من تصرفات الفرد تنتقد في الأسرة المسلمة اذا خرجت عن الاطار المرسوم لها .
ان كثيرا من الأسر تساهم في اكتشاف وتفجير طاقات افرادها ،في حين ان هناك أسر اخرى تقتل تلك القدرات ، وتقبرها في مهدها .. وتنتمي الأسرة المسلمة الى النوع الأول وتنبذ النوع الثاني .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نشرة بناء الشخصية ( بناء القدرات ) 17 ص 14 ، 15 .
(2) سورة الإسراء ، الآية : 23 .
المصدر : كتاب / بناء الاسرة الفاضلة / عبد الله احمد