الأسرة وبناء الفكر
ان وجود مكتبة .. وصحف .. ومجلات ونشرات مختلفة في البيت تساهم بشكل واضح في بناء المادة الفكرية للأبناء .. ولذلك فكثير من الأسر التي لا توفر اجواء المطالعة والمكتبة يعاني ابناؤها من الفقر الفكري ، ولذلك فان بيوت العلماء والمفكرين تخرج علماء ومفكرين ، في حين بيوت الصناع تخرج الصناع ، فالجو العام في البيت له تأثيره الكبير في بناء الفكر المطلوب للأبناء بشكل متكامل .
فبيوت اليابانيين يتكون بالاضافة الى لوازم المطبخ وغرف النوم والأكل من مكتبة ثابتة وعدة رفوف من الكتب في ارجاء مختلفة من البيت يصل في كثير من الأحيان الى مكتبة ثابتة في كل ( حمام) .
ثم لا يكفي ان تكون الأجواء في البيت تدعو الى استلهام الفكر وبنائه ، بل لابد أن يسود هذه الاسرة ذلك النوع من الحوار الهادئ الهادف في مناقشة كثير من الأمور الفكرية الحساسة والتي تدعم وترسخ عن طريق الحوار الهادف بين الأبناء من جهة والآباء من جهة اخرى ، وهذا ما نلاحظه في كثير من الأسر التي تدعم بالحوار لتجد ان الأبناء يتمتعون بنضوج فكري في كثير من الأحيان ، ولا يخفى أهمية الحوار في بناء الفكر وترسيخ وتثبيت الكثير من العطاءات الفكرية الهامة في الأبناء ..
وهكذا فان الأسرة لها تأثير كبير في بناء الفكر في ابنائها بل ان للوالدين اثراً فكرياً على الفرد قد يستمر حتى بعد استقلاله التام ، ويعود ذلك الى عدة اسباب :
(1) صعوبة اقتلاع الأفكار بعد رسوخها ايام الصبا ، ويبدو ان رسوخ الأفكار يتطاول في بعض الأحيان على التغيير ، الا ان ذلك تطاول ناشىء من غفلة الشخص ، واستهانة بإعادة النظر في سابقياته التي اكتسبها ايام الطفولة ، مما يدل على ان استمرار الوالدين ليس حتميا ، بالاضافة الى انه يذهب فريق من علماء النفس الى ان الانسان لا يمر عليه وقت الا وكان يرتاب من سابقياته ، كالأيام الأولى من الشباب حيث تعصف به مشاعر استقلالية عنيفة تدعوه الى التجرد من افكاره السابقة.
(2) ان احترام الانسان لوالديه يستمر بعد أيام الطفولة ، ويكون هو السبب في نشوء حسن التقليد لديه ، ويكون هو ايضا السبب في استمراره بالرغم من ان احترام احد لا يفرض عليه اتباعه فرضاً حتمياً.
ان التخلص من افكار احد يستتبع ـ بالطبع ـ تخطئة هذا الشخص ، وحب الآباء لايدع الفرد يخطئ والديه ، فالحب هذا مصدر استمرار اتباع الوالدين والملاحظة ، ان السبب لا يوجب حتمية الاتباع إذ انها جميعاً ناشئات العواطف والغفلة والاحترام مما لا يذهب بقدرة الانسان على التفكير الحر .
« واذا قيل لهم تعالوا الى ما انزل الله والى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا اولو كان آباؤهم لايعلمون شيئاً ولا يهتدون »(1) .
ان كلمة حسبنا في هذه الآية ذات دلالة بليغة على ان سبب اعتماد الناس على آبائهم هو الاتباع الثقافي ، اذ ان افكار الآباء تجعلهم مكتفين ـ في زعمهم ـ عن اتعاب البحث (2) .
فاذا كان الفكر والثقافة التي تغذي الأسرة ابنائها ثقافة رسالية ، فان رسوخها بالاضافة الى رساليتها يكون اثر الوالدين واضحا في تثبيتها .
كان الامام على (ع) يلقي خطبة الجمعة في المسجد في المسلمين ، وعند عودته الى المنزل يجد ان الحسن والحسين (ع) يحفظان الخطبة ، ويقومان بنقل الخطبة الى والدتهما فاطمة (ع) ، فأراد الامام معرفة الطريقة التي استطاع بها الحسنان ( ع) التوصل لذلك ، فكانت النتيجة أن الحسن والحسين (ع) كانا يذهبا الى المسجد ، ويعودان قبل مجيء الامام علي (ع) ويرويان الخطبة لأمهما فاطمة الزهراء (ع) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة المائدة ، الآية : 104 .
(2) المنطق الاسلامي للعلامة السيد تقي المدرسي ص 215 ـ 216 .
المصدر : كتاب / بناء الاسرة الفاضلة / عبد الله احمد