الأسرة وبناء النفس والعاطفة


« ونحن لو عدنا الى مجتمعنا الذي نعيش فيه وزرنا السجون ودور البغاء ومستشفيات الأمراض العقلية ، ثم دخلنا المدارس واحصينا الراسبين من الطلاب والمشاكسين منهم والمتطرفين في السياسة والذاهبين بها الى أبعد الحدود ، ثم درسنا من نعرفهم من هؤلاء جميعاً لوجدنا ان معظمهم حرموا من الاستقرار العائلي ، ولم يجد معظمهم بيتاً هادئاً فيه أب يحنو عليهم ، وام تدرك معنى الشفقة فلا تفرط في الدلال ولا تفرط في القسوة ، وفساد البيت أوجد هذه الحالة من الفوضى الاجتماعية وأوجد هذا الجيل الحائر الذي لا يعرف هدفاً ولا يعرف له مستقراً » (1) .
ان انحراف الأفراد وجنوحهم ، واهتزاز وعدم استقرار شخصياتهم ، انما يعود الى تلك التربية النفسية في البيت ، فان احترام الفرد في الأسرة والتعامل معه كوحدة انسانية لها مشاعرها الخاصة ينشئ تلك الشخصية القوية ، والتي تستطيع ان تواجه كافة ضغوط الحياة ، ومنها التغلب على تلك العقد النفسية كعقدة الحقارة والخوف والانهزامية والسلبية ، او بتعبير أدق عدم التأثر بمثل لك العقد بأي شكل من الأشكال ، ولذلك كان احياء شخصية الطفل واحترامه والامتناع عن تحقيره واهانته هو الطريق لبناء نفسية الفرد القوية والى ذلك يشير الرسول (ص )« اكرموا اولادكم واحسنوا آدابهم » (2) .
فعدم استقامة العائلة عبارة عن عدم سلامة وأمن البيت الذي يربى فيه الأولاد اما بالكبت ، او بالتنازع ، او بالمزيد من العطف ، فان كل ذلك يوجب عدم استقامة النفس مما ينتهي بالآخر الى الانحرافات الروحية ، قالوا : ولذا نجد كثرة الانحرافات النفسية عند الايرلنديين لقسوة الأمهات في تربية اولادهم ، وعند اليهود لتكثير الأمهات من العطف ، واللطف بأولادهم ، وعند الايطاليين لتشديد الآباء على الأولاد ، وعند جماعة من الأميركيين لكثرة المنازعات بين الأخوة والأخوات .
وفي كثير من البلاد الغربية يقع الأولاد أوائل بلوغهم بين تناقض متطلبات العائلة منهم ، مثلا : من ناحية يريد الأبوان من البالغين الاستقلال في ادارة امورهم الاقتصادية وغيرها ، بل وحتى الجنسية ومن ناحية اخرى يربطون الأولاد بالبيت وبالطاعة للأبوين ، ومن الطبيعي ان يقع التناقض بين الاستقلال واللاإستقلال .
وكذلك الحال يكون مع الأولاد الذين يريد الآباء منهم الطاعة ، ولا يقومون بكل حوائجهم ولو عدم تزويجهم ، وبذلك يحدث الانفصام والعقد النفسية ، فاللازم اما اعطاء الحاجة ـ ولو النواقص منها ـ في قبال الطاعة واما ترك الأولاد ليقوموا بحوائج انفسهم باستقلال من غير تطلب الطاعة منهم .
فالطاعة لا تكون الا في قبال الحاجة ، فاذا اختل الميزان اختلت الصحة النفسية بما اوجب الانحراف ، وهذه هي حالة الحكومات في قبال الشعوب ، فاللازم اما اعطاء حاجاتهم في قبال تطلب الطاعة منهم ، واما تركهم وشأنهم لتحصيل حاجاتهم بأنفسهم بدون تطلب الطاعة ، وانما يكون شأن الحكومة حينئذ المراقب لئلا يطغى بعضهم على بعض .
وفي بعض الأمم يتجلى التضاد في العائلة بمظاهر اخرى ، مثلاً : الأب يريد المجازات للمسيء من الأولاد ، لكن الأم تمنع ذلك ، فيقع الطفل بين هذين النقيضين ، او يرد ألاب انهاء الدارسة للأولاد ليساعدوه في عمله ومزرعته ، وتريد الأم عكس ذلك ، أو تريد الأم زواج البنت ، ويريد الأب عدم زواجها لأجل خدمة البيت ، اوغير ذلك ، لون آخر من ألوان التضاد ، تسيب الأولاد في الدار ، وارادة الانضباط منهم لدى الذهاب الى السفر ، او الى الضيافة او عند حلول الضيف لديهم .
والحاصل : انه كلما يوجب الازدواجية يوجب انفصام الشخصية مما ينجز بالآخرة الى الأمراض والعقد النفسية .. وحيث ان النفس والجسم يتبادلان المرض ، ولذاقيل : ( العقل السليم في الجسم السليم ) فاذا مرضت النفس وتعقدت اوجبت بالاضافة الى انحراف خط سير الحياة للمريض ولمن يرتبط به ، تأثير المرض النفسي الى جسمه .
ولذا اعتاد علماء الطب ( النفسي والجسمي ) فحص صور المرض الجسمي في النفس ، فان لم يوجد هناك مرض ، استوجده في الأعضاء ، والأجهزة البدنية (3) .
وعلى الوالدين ان يسعيا للنفوذ الى اعماق قلب طفلهما حتى يرى المائل بالشكل الذي يريانه ، قد يسمع الأطفال ان حديثا يدور حولهم وان الحديث يتناول ذكرهم ومعايبهم وتأويل سذاجتهم الى شيء من البلادة والحمق .. عند ذلك يدركون ان الكبار يحقرونهم ويوجهون اللوم والتقريع نحوهم دون ان يفهموا روحياتهم في حين ان هؤلاء الأطفال الأبرياء لا يعلمون السبب في توبيخهم وتأنيبهم ...
ولذلك يقول الامام الحسن العسكري (ع) : « جرأة الولد على والده في صغره تدعو الى العقوق في كبره » (4) .
ان عدم احترام الفرد وتحقيره في اسرته تولد ذلك النوع من الأفراد المليئين بالرواسب والعقد النفسية .
خرج المأمون العباسي للصيد يوما فمر اثناء الطريق برهط من الأطفال يلعبون ، ومحمد بن علي واقف معهم لم يتجاوز عمره آنذاك احدى عشر سنة ، فلما رآه الأطفال فروا بينما وقف الامام الجواد (ع) في مكانه ولم يفر ، هذا الامر أثار تعجب المأمون فسأله :
لماذا لم تلحق بالأطفال حين هربوا ؟
فقال له : « يا امير المؤمنين لم يكن الطريق ضيق لأوسعه عليك بذهابي ولم يكن لي جريمة فأخشاها ، وظني بك حسن ، انك لا تضر من لا ذنب له فوقفت ».
لقد تعجب المأمون من هذه الكلمات الحكيمة والمنطق الموزون والنبرات المتزنة للطفل . فسأله : ما اسمك ؟
قال : « محمد » .
قال : محمد ابن من ؟
قال : « ابن علي الرضا » .. عند ذلك ترحم المأمون على الامام الرضا (ع) ثم ذهب لشأنه (5) .
ان شخصية الامام الجواد (ع) تدل على تلك التربية التي تلقاها في حجر والده الامام الرضا (ع) ، وتلك النفسية العالية ، فلا الخوف من السلطان وجنوده او التحدث مع الكبار بتلك الصورة لتهز من كيانه وثقته بنفسه ، وليس غريبا الأثر الكبير للأسرة في الجانب النفسي والعاطفي والروحي على افرادها ، ومحاولة الدقة في التعامل مع افراد الأسرة في محاولة لتجنب الوقوع في اوحال الأمراض النفسية العديدة ، ولذلك فالاهتمام بكل امر له تأثير على هذا الجانب وحتى وان كان هذا التأثير في الطعام والمأكول فكثير من الأطعمة لها تأثير مباشراً او غير مباشر في نفسية وروحية افراد الأسرة ( وليس هناك شك في ان الشعور يتأثر بكمية الطعام وصنفه ) (6) .
وفي حديث عن الامام الرضا ( ع) : « ان الله تبارك وتعالى لم يبح اكلاً ولا شرباً الا لما فيه من المنفعة والصلاح ولم يحرم الا ما فيه الضرر والتلف والفساد » (7) .
وعندما سأل ابن عبد الله في قوله « فلينظر الانسان الى طعامه » (8).
قال : « علمه الذي يأخذه عمن يأخذه » (9) .
ان الاهتمام بالطعام المعنوي لا يقل اهمية عن الطعام المادي ، فتلك الجرعات من العواطف والألفاظ التي لها تأثيراَ كبيراً على نفسية الأفراد في الأسرة لابد من مراعاتها كمراعاة الطعام المأكول وفي ذلك يقول الامام الحسن (ع) :
« عجبت لمن يتفكر في مأكوله كيف لا يتفكر في معقوله ، فيجنب بطنه ما يؤذيه ويردع صدره ما يرديه » (10) .
وكذلك كان الاسلام يركز الاهتمام باليتيم في محاولة تعويض هذا الفرد شيئا ما من الحنان الأبوي الذي فقده لذا يقول الرسول الأعظم (ص) :
« خير بيوتكم بيت فيه يتيم تحسن اليه وشر بيوتكم بيت يساء اليه » (11) .
« ومن عال يتيماً حتى يستغني اوجب الله بذلك الجنة » (12) .
« وانه جيء بمقدار من العسل الى بيت المال فأمر الامام علي (ع) باحضار الأيتام ، ففي حين انه كان يقسم العسل على المستحقين كان بنفسه يطعم الأيتام من العسل . فقيل له يا امير المؤمنين مالهم يلعقونها ،فقال : ان الامام ابو اليتامى وانما العقتهم هذا برعاية الآباء » (13) .
فحرمان الفرد من الحنان والحب والعطف الأبوي له تأثير كبير في بناء ومسيرة الشخصية الانسانية ( ان حرمان الطفل من أبيه ـ وقتياً كان أم دائمياً ـ يثير فيه كآبة وقلقاً مقرونين بشعور الاثم والضغينة ومزاجاً عاتياً منفرداً وخواراً في النفس وفقداناً لحس العطف العائلي ) (14) .
ولذلك كان على الأسرة ان تهتم بجميع الميول الداخلية والمثل الانسانية للفرد وتعمل على ارضاء كل منها في مورده ، وبالمقدار المناسب له . وبذلك يكتسب الفرد شخصية متكاملة متزنه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) البيت والمدرسة .
(2) الوسائل : ج 15 ص 195 الباب 83 من ابواب احكام الاولاد ح 9 .
(3) الفقه الاجتماع .. الامام الشيرازي .
(4) تحف العقول : ص 363 .
(5) بحار الأنوار : ج 50 ص 91 ح 6 .
(6) الإنسان ذلك المجهول : ص 232 .
(7) بحار الأنوار : ج 62 ص 166 .
(8) سورة عبس ، الآية : 24 .
(9) الكافي ج1 ص 50 باب في النوادر ح 8 .
(10) سفينة البحار : ج 2 ص 84 . في مادة ( طعم ) .
(11) مستدرك الوسائل : ج1 ص 148 الباب 78 من ابواب ما يتعلق بأبواب الدفن .
(12) الكافي : ج 7 ص 51 باب صدقات البني .. ح 7 .
(13) بحار الأنوار : ج 9 ص 536 .
(14) أثر الأسرة والمجتمع في الأحداث الذين هم دون الثالثة عشر ص 37 .


المصدر : كتاب / بناء الاسرة الفاضلة / عبد الله احمد