(فضيلة بإزائها رذيلة)
كلّ فضيلة بإزائها رذيلة هي ضدّها.
ولما كانت أصول الفضائل أربعة ، فلعلّك في باديء الرأي تحكم بأنّ أجناس الرذائل كذلك ، وهي الجهل الجبن والشره والجور ، وليس كذلك.
فإن الفضيلة اعتدال القوّة كونها على الوسط من الافراط والتفريط ، فهي كنقطة معيّنة على المركز متى تعدّيت عنها صارت رذيلة ، والثبات عليها كالحركة على الخطّ المستقيم الذي هو أقصر الخطوط الواصلة بين نقطتي المركز والمحيط وهو واحد ، وارتكاب الرذيلة كالانحراف عنه والخطوط المنحنية غير متناهية لعدم تناهي أطراف النقطة ، ولذا غلبت دواعي الشر على دواعي الخير .
روي أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله خطّ يوماً لأصحابه خطّاً وقال : هذا سبيل الله ، ثم خطّ خطوطاً عن يمينه وعن شماله وقال : هذه سبل على كلّ سبيل منها شيطان يدعو إليه ، ثمّ تلا هذه الآية :
«أنّ هذا صراطي مستقيماً فاتّبعوه ولا تتّبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله» (1) .
لكن الوسط الحقيقي صعب ، والثبات عليه أوصعب ، ولذا لما نزل «فاستقم كما أمرت» (2) قال صلى الله عيله وآله : « شيّبتني سورة هود » (3) ، بل قيل : إنّ الصراط الموصوف بأنّه أدقّ من الشعر وأحدّ من السيف إشارة إليه ، ولذا امرنا بالدعاء له في قولة تعالى : « إهدنا الصراط المستقيم ». (4)
فإنّ لكلّ من هذه الأخلاق الأربعة طرفا (5) افراط وتفريط ، وهما مذمومان ، والوسط في غاية البعد عنهما.
ولذا قال النبيّ صلّى الله عليه وآله « خير الأمور أوسطها ». (6)
ومثاله : الخطّ الهندسي بين الظلّ والشمس لا من الظلّ ولا من الشمس.
والتحقيق أنّ كمال الآدمي ـ كما عرفت ـ في التشبّه بالمجرّدات وهم منفكّون عن هذه الأوصاف المتضادّة والانفكاك الكلّي ممتنع باليسبة إلى الانسان في أيّام حياته ، فكلّف بما يشبهه أعني الوسط ، فإن الماء الفاتر لا حار ولا بارد ، والعودي ليس بأبيض ولا أسود ، والبخل والتدبير من صفات الانسان ، فالمقتصد السخي لا بخيل ولا مبذّر ، فالصراط المستقيم هو الوسط الحقيقي بين الطرفين الذي لا ميل له إلى أحد الجانبين ، وهو أدّق من الشعر ، والذي يطلب غاية البعد من الطرفين يطلب الوسط ، فلو فرض حلقة حديدة محاطة بالنار وقعت فيها تملة وهي تهرب بطبعها من الحرارة ، فلا تهرب الا إلى المركز لأنه غاية بعدها عن المحيط المحرق وهو الوسط ولا عرض لتلك النقطة ، فإذن الصراط المستقيم الذي لا عرض له أدقّ من الشعر ، ولذا خرج عن الطاقة البشريّة الوقوف عليه ، فلا جرم يرد أمثالنا النار.
«وان منكم الا واردها كان على ربّك حتكماً مقضيّاً» (7) .
قال تعالى : «ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كلّ الميل» (8) .
فمن استقام في هذا العالم على الصراط المستقيم الذي حكاه الله عزّوجلّ لنبيّه بقوله : «وانّ هذا صراطي مستقيماً فاتّبعوه» (9) مرّ على صراط الآخرة من غير ميل.
وفي الخبر : يمرّ المؤمن على الصراط كالبرق الخاطف.
ولعلّ ما أشرنا إليه في توجيه تجسّد الأعمال يؤكد ذلك ويحقّقه ، ولا ينافيه ما أجمع عليه علماء الشيعة من جسميّة الصراط ، لأنّ إرادة المعاني الكلّية من الألفاظ أوفق بمقتضى الحكمة ، فالقلم اسم لما ينقش به الصور على الألواح أعم من أن يكون الانتقاش محسوساً أم معقولاً وآلته قصباً أم حديداً أم غيرهما ، واللوح خشباً أم قرساطاً أم غيرهما ، والميزان اسم لما يوزن به الأشياء سواء وزنت به الأجرام والأثقال كذي الكفّتين أو المواقيت كالا سطرلاب أو الدوائر كالفرجار أو الأمدة كالشاقول أو الخطوط كالمسطر أو الشعر كالعروض أو العلم كالمنطق أو كل الأشياء كالعقل ، وعلى هذا القياس سائر الألفاظ.
ويؤكّد ذلك ما في الأخبار الكثيرة من إنّ للقرآن ظهراً وبطناً وأنّ أدنى ماللامام أن يفتي على سبعة وجوه ، والتتبّع في الأخبار والاطلّاع على طريقة العترة الطاهرة صلوات الله عليهم في محاوراتهم مع الناس وأجوبة مسائلهم يكشف عن ذلك ، كيف لا ، وكلام الحكيم لابدّ وأن يكون على وجه ينتفع به كافة الناس على قدر عقولهم ومراتب فهمهم وإدراكهم ، فالصراط الذي أمر الله تعالى باتّباعه بقوله : «وأنّ هذا صراطي مستقيماً فاتّبعوه» وبالدعاء له في قوله : «إهدنا الصراط المستقيم» (10) لا يراد منه الجسر المحسوس الممدود على متن جهنّم. والذي يمكن حمله عليه لاينافي حمله على هذا أيضاً ، فأيّ مانع من إرادة الجميع حتّى يتطابق العقل والنقل.
ثم إنّك قد عرفت انّ الاعتدال الحقيقي في الفضائل متعذّر لايمكن وجدانه ولا الثبات عليه ، فلا يحكم بحصول فضيلة لصاحبها من حيث إنها حقيقية ، بل لكونها قريبة إليها ، ولا يمكن في حقه ما هو أقرب منها فهي الفضيلة الاضافية ، ولها عرض وسطها الحقيقية التي لا عرض لها وطرفا افراطها وتفريطها الخارجان عنها من الفضيلة الاضافية ، وكلّما قربت إلى الحقيقيّة كانت أكمل.
ثمّ أنّ الرذائل وإن كانت غير متناهية على ما ذكرنا الا أنه ليس لجميعها ولا لا غلبها أسماء معيّنة ، وليس على صاحب الصناعة حصرها وضبطها ، بل عليه بيان القواعد الكلّية ، والمعيار فيها أنّ بأزاء كلّ فضيلة رذيلتان من طرف الافراط والتفريط ، فأجناسها ثمانية. اثنان منها بإزاء الحكمة ، وهما الجربزة أو السفسطة في الافراط ، أعني استعمال الفكر فيما لا ينبغي والبله أو الجهل في التفريط ، أعني تعطيل القوّة الفكرية وترك استعمالها فيما ينبغي فإن حقيقة الحكمة هي العلم يحقائق الموجودات على ما هي عليه ، فيتوقّف على اعتدال العاقلة ، فمع الحدّة الخارجة عنه يستخرج أشياء دقيقة غير مطابقة للواقع ، فتخرج عن موضوع الحكمة ، ومع البلادة لاينتقل إلى بعضها ، فلا يكون حكمة.
واثنان بإزاء الشجاعة وهما التهوّر في الافراط أي الاقدام على ما يجب الحذر عنه ، والجبن في التفريط أي الحذر عمّا ينبغي الاقدام عليه.
واثنان بإزاء العفّة وهما الشره في الافراط ، أي الانهماك في الشهوات الغير المحمودة عقلاً وشرعاً ، والخمود في التفريط ، أي سكون النفس عن طلب الضروري منها.
وإثنان بإزاء العدالة وهما الظلم في الافراط ، أي التصرّف في حقوق الناس من غير حقّ ، والاتظلام في التفريط أي تمكين الظالم من الظلم عليه والانقياد له على وجه التذلّل ، والحقّ أنّ طرف افراط العدالة بالمعنى الذي أو ضحناه سابقاً هو طرف افراط كلّ من سوابقها وطرف تفريطها كذلك أيضاً.
وأمّا التصرّف في حقوق الناس فيرجع إلى أحدها وتمكين الظالم ـ إلى آخره ـ في الحقيقة ظلم على نفسه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الأنعام : 153 ، والرواية في الكشاف : ج2 ، ص80 ، ذيل الآية.
(2) هود : 112.
(3) مجمع البيان : 5/199.
(4) الحمد : 6.
(5) كذا ، والصحيح ، طرفي.
(6) المحجة البيضاء : 5/102 ، وفيه « أوساطها ».
(7) مريم : 71.
(8) النساء : 129.
(9) الأنعام : 153.
(10) الحمد : 6.
المصدر : كتاب / كشف الغطاء / العلامة محمد حسن القزويني