الشباب والناشئة

أثر الأخوة وحصادها
إن المسلمين لم يصلوا إلى ما وصلوا إليه أمس من النصر والظفر ، ولم ينجحوا ذلك النجاح الباهر إلا بتآخيهم وتعاونهم . فقد هدم الرسول الأعظم ( ص ) عندما جاء إلى المدينة النظام الطبقي الذي كان سائداً يومذاك بين جميع العرب وأحل محله اخوة صادقة ومودة حقة ، وتعاوناً كاملاً ، فصار المسلمون إخواناً متحابين ، وأخلاء متواصلين حيث قال ( ص ) : تآخوا في الله أخوين أخوين . فاختار كل مسلم اخاً له يساكنه ، ويؤاكله ، ويؤازره ، ويطلعه على سره ونجواه ، فكان حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه و آله وزيد بن حارثة مولى رسول الله ( ص ) أخوين ، وكان أبوبكر بن ابي قحافة و خارجة بن زيد أخوين ، و كان بلال مولى أبي بكر و ابو رويحة الخثعمي أخوين ، و هكذا عقد الرسول ( ص ) الأخوة بين كل اثنين اثنين من المسلمين . آخى ( ص ) بين المهاجرين ثم آخى بين المهاجرين و الانصار ، و اختار ( ص ) علي بن ابي أبي طالب ( ع ) أخاً له في الدنيا والآخرة . ( ولذلك كان علي ( ع ) يقول ـ كما يحدثنا النسائي : ( أنا عبد الله وأخو رسوله وأنا الصديق الأكبر ) (1) .
لقد كان عقد التآخي بين المسلمين من أكبر الأعمال التي قامت بها السياسة النبوية ، وانها من اظهر الشواهد على عظمة الرسول ( ص ) وبعد نظره وقوة حكمته ، فكان كل رجلين عقدت بينهما الاخوة أصبحا يتعاهد كل منهما الآخر ويتفقده ، ويمد إليه يد المعونة كالأخ الشقيق المؤازر لأخيه ، فكان حصاد تلك الأخوه وأثرها شد اعضاد المسلمين وتراصهم واجتماعهم متكاتفين على بناء الدين الحنيف ، وعلى ذلك أقيمت دعائم العقيدة وأشيدت صروحها .
لقد ارتفع بتلك الأخوة الوحيدة في بابها الوحشة عن المهاجرين القادمين من مكة ، وتمثلت الأخوة في المسلمين بأروع مظاهرها ، واراد الأنصار مشاطرة المهاجرين أموالهم كسعد بن الربيع فإنه أراد أن يشاطر عبد الرحمان بن عوف أمواله فأبى عبد الرحمان ذلك . لقد آثر الأنصار إخوانهم الم
إن هذا الروح الأخوي الصادق هو الذي ساد به المسلمون في أول تأريخهم وسيطروا وغزوا وانتصروا وحلقوا في سماء العزة والكرامة وكانوا خير امة اخرجت للناس . هاجرين على أنفسهم وكانوا يرون كل ذلك قليلاً بالنسبة لما وجب عليهم لاخوانهم قال تعالى : « والذين تبوؤا الدار والايمان من قلبهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على انفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئـك هـم المفلحـون » (1) . وحيث استبدل المسلمون اليوم ذلك الروح الأخوي البناء بروح عدائي فتاك تغير وجه تأريخهم ، وفقدوا عزتهم وقوتهم ، وظهروا أمام أعدائهم ـ مع عددهم وعدتهم ـ مظهر الشاة أمام الذئب .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) التكامل في الإسلام ص 118 ج 1 .
(2) سورة الحشر : آية 9 .


المصدر : كتاب / تعاليم إسلامية / عبد الأمير الجمري