واقع الصداقة والأصدقاء


قد يحسب الناس أن الصديق هو من يحسن مجاملتهم ويظهر البشاشة والتودد إليهم ، ويعتبرونه خلاً وفياً وصديقاً حميماً ، فإذا اختبروه في واقعة اسفر عن صديق مزيف ، وخل مخادع عاطل من خلال الصداقة الحقة وواقعها الأصيل .
ومن هنا كثرت شكايات الأدباء قديماً وحديثاً من تنكر الأصدقاء وجفائهم وخذلانهم رغم ما يكنونه لهم من حب وإخلاص .
وأغلب الظن أن سبب تلك المأساة أمران :
الأول : الجهل بواقع الصداقة والأصدقاء وعدم التمييز بين الخصائص وخلال الواقعيين من المزيفين منهم .
الثاني : اتصاف أغلب الأصدقاء بنقاط الضعف الشائعة في الأوساط الاجتماعية من التلون والخداع وعدم الوفاء التي سرعان ما يكشفهما محك الاختبار . وقد أوضح أمير المؤمنين (ع) واقع الأصدقاء وابعاد صداقتهم فيما رواه أبو جعفر الباقر (ع) فقال :
«قام رجل بالبصرة إلى أمير المؤمنين (ع) فقال :
يا أمير المؤمنين أخبرنا عن الأخوان .
فقال (ع) : الأخوان صنفان : أخوان الثقة ، وأخوان المكاشرة .
فأما أخوان الثقة : فهم الكف والجناح ، والأهل والمال ، فإذا كنت من أخيك على حد الثقة ، فابذل له مالك ، وبدنك ، وصاف من صافاه وعاد من عاداه ، واكتم سره وعيبه ، واظهر منه الحسن ، واعلم أيها السائل أنه أقل من الكبريت الأحمر .
وأما أخوان المكاشرة : فإنك تصيب لذتك منهم ، فلا تقطعن ذلك منهم ، ولا تطلبن ما وراء ذلك من ضميرهم ، وابذل لهم ما بذلوا لك من طلاقة الوجه ، وحلاوة اللسان» (2) .
وقال الصادق (ع) : «لا تكون الصداقة إلا بحدودها ، فمن كانت فيه هذه الحدود أو شيء منها فانسبه إلى الصداقة ، ومن لم يكن فيه شيء منها ، فلا تنسبه إلى شيء من الصداقة :
فأولها : ان تكون سريرته وعلانيته لك واحدة .
والثانية : أن يرى زينك زينه وشينك شينه .
والثالثة : أن لا تغيره عليك ولاية ولا مال .
والرابعة : أن لا يمنعك شيئاً تناله مقدرته .
والخامسة : وهي تجمع هذه الخصال أن لا يسلمك عند النكبات» (3) .
وقال بعض الحكماء : المودات ثلاث :
مودة في الله عز وجل لغير رغبة ولا رهبة ، فهي التي لا يشوبها غدر ولا خيانة .
ومودة مقارنةً ومعاشرة ، ومودة رغبة أو رهبة .
وهي : شر المودات ، وأسرعها انتقاضاً .
وقال مهيار الديلمي :
ما أنا من صبغـة أيامكـم ولا الـذي ان قلبوه انقلبـا
ولا ابن وجهين ألم حاضراً مـن الصديق وألوم الغيبـا
قلبي للأخوان شطوا أو دنوا وللهوى ساعف دهـر أو نبا
من عاذري من متلاش كلما أذنـب يوماً وعذرت أذنـبا
يضحك في وجهي ملء فمه وإن أغب وذكر اسمي قطبا
يطير لي حمامـة فإن رأى خصاصة دب ورائي عقربا
ما أكثر النـاس وما أقلهـم وما أقل في القليل النجبـا


اختيار الصديق

للصديق أثر بالغ في حياة صديقه وتكييفه فكرياً وأخلاقياً ، لما طبع عليه الإنسان من سرعة التأثر والانفعال بالقرناء والأخلاء ، ما يخفره على محاكاتهم والاقتباس من طباعهم ونزعاتهم .
من أجل ذلك كان التجاوب قوياً بين الأصدقاء ، وكانت صفاتهم سريعة العدوى والانتقال ، تنشر مفاهيم الخير . والصلاح تارة ، ومفاهيم الشر والفساد أخرى ، تبعاً لخصائصهم وطبائعهم الكريمة أو الذميمة ، وإن كانت عدوى الرذائل أسرع انتقالاً وأكثر شيوعاً من عدوى الفضائل .
فالصديق الصالح : رائد خير ، وداعية هدى ، يهدي إلى الرشد والصلاح .
والصديق الفاسد : رائد شر ، وداعية ضلال ، يقود إلى الغي والفساد . وكم انحرف أشخاص كانوا مثاليين هدياً وسلوكاً ، وضلوا في متاهات الغواية والفساد ، لتأثرهم بالقرناء والأخلاء المنحرفين .
وهذا ما يحتم على كل عاقل أن يتحفظ في اختيار الأصدقاء ، ويصطفي منهم من تحلى بالخلق المرضي والسمعة الطيبة والسلوك الحميد .

خلال الصديق المثالي

وأهم تلك الخلال وألزمها فيه هي :
1 ـ أن يكون عاقلاً لبيباً مبرءاً من الحمق . فإن الأحمق ذميم العشرة مقيت الصحبة ، مجحف بالصديق ، وربما أراد نفعه فأضره وأساء إليه لسوء تصرفه وفرط حماقته ، كما وصفه أمير المؤمنين (ع) في حديث له فقال :
«وأما الأحمق فإنه لا يشير عليك بخير ولا يرجى لصرف السوء عنك ولو أجهد نفسه ، وربما أراد منفعتك فضرك ، فموته خير من حياته وسكوته خير من ، نطقه ، وبعده خير من قربه» (4) .
2 ـ أن يكون الصديق متحلياً بالإيمان والصلاح وحسن الخلق ، فإن لم يتحل بذلك كان تافهاً منحرفاً يوشك أن يغوي أخلاءه بضلاله وانحرافه .
انظر كيف يصور القرآن ندم النادمين على مخادنة الغاوين والمضللين وأسفهم ولوعتهم على ذلك :
«ويوم يعض الظالم على يديه يقول : يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا ، يا ويلتا ليتني لم أتخذ فلاناً خليلاً ، لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولاً» (الفرقان : 27 ـ 29) .
وعن الصادق (ع) عن آبائه قال : قال رسول الله (ص) .
«المرء على دين خليله ، فلينظر أحدكم من يخالل» (5) .
وعن أبي جعفر (ع) عن أبيه عن جده (ع) قال :
قال أمير المؤمنين (ع) : «مجالسة الأشرار تورث سوء الظن بالأخيار ، ومجالسة الأخيار تلحق الأشرار بالأخيار ، ومجالسة الأبرار للفجار تلحق الأبرار بالفجار ، فمن اشتبه عليكم أمره ، ولم تعرفوا دينه ، فانظروا إلى خلطائه ، فإن كانوا أهل دين الله ، فهو على دين الله ، وإن كانوا على غير دين الله فلا حظ له من دين الله ، ان رسول الله (ص) كان يقول :
«من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يواخين كافراً ، ولا يخالطن فاجراً ، ومن آخى كافراً ، أو خالط فاجراً كان كافراً فاجراً» (6) .
وهكذا يحذر اهل البيت عليهم السلام من مخادنة أنماط من الرجال اتسموا بأخلاق ذميمة وسجايا هابطة باعثة على النفرة وسوء الخلة .
وعن أبي عبد الله عن أبيه عليهم السلام قال : قال لي أبي علي بن الحسين (ع) :
«يا بني انظر خمسة فلا تصاحبهم ، ولا تحادثهم ، ولا ترافقهم ، فقلت : يا ابه من هم عرفنيهم . قال :
إياك ومصاحبة الكذاب فإنه بمنزلة السراب يقرب لك البعيد ويبعد لك القريب .
وإياك ومصاحبة الفاسق فإنه بايعك بأكلة أو أقل من ذلك .
وإياك ومصاحبة البخيل فانه يخذلك في ماله أحوج ما تكون إليه .
وإياك ومصاحبة الأحمق فإنه يريد أن ينفعك فيضرك .
وإياك ومصاجبة القاطع لرحمه فإني وجدته ملعوناً في كتاب الله عزوجل في ثلاث مواضع . . . الخبر» (7) .
وقال أبو العتاهية :
أصحب ذو العقل وأهل الدين فالمرء منسوب إلى القرين

وقال أبو نؤاس :
ولقد نهزت مع الغواة بدلوهم واسمت سرح اللهو حيث أساموا
وبلغت ما بلغ امرؤ بشبابـه فـإذا عصـارة كـل ذاك أثـام

3 ـ أن يكون بين الصديقين تجاوب عاطفي ورغبة متبادلة في الحب والمؤاخاة ، فذلك أثبت للمودة وأوثق لعرى الإخاء ، فإن تلاشت في أحدهما نوازع الحب والخلة وهت علاقة الصداقة وغدا المجفو منها الحريص على توثيقها عرضة للنقد والازدراء .
قال أمير المؤمنين (ع) : «زهدك في راغب فيك نقصان عقل (حظ) ورغبتك في زاهد فيك ذل نفس» (1).
وقال الشهيد الأول رحمه الله :
غنينا بنا عن كل من لا يريـدنا وإن كثرت أوصافه ونعوته
ومن صد عنا حسبه الصد والقلا ومن فاتنا يكفيه أنا نفوتـه
وقال الطغرائي :
جامل أخاك إذا استربت بوده وانظر به عقب الزمان العائد
فإن استمر به الفساد فخلـه فالعضو يقطع للفساد الزائـد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) البحار كتاب العشرة ص 51 عن أمالي ابن الشيخ الطوسي .
(2) الوافي ج 3 ص 104 عن الكافي .
(3) الوافي ج 3 ص 104 عن الكافي .
(4) البحار . كتاب العشرة . ص 56 عن الكافي .
(5) البحار . كتاب العشرة . ص 52 عن أمالي أبي علي بن الشيخ الطوسي .
(6) البحار . كتاب العشرة . ص 53 عن كتاب صفات الشيعة للصدوق .
(7) الوافي ج 3 ص 105 عن الكافي .