وتمخض العصر الحديث عن ضلالات ومباديء غزت الشرق الإسلامي ، وسممت أفكاره ومشاعره . وكان ذلك بتخطيط وكيد من أعداء الإسلام ، لإطفاء نوره الوهاج . واستجاب الأغرار والبلهاء لتلك المفاهيم الوافدة ، المناقضة لدينهم وشريعتهم ، وطفقوا يحاكونها ، وينادون بها كأنها من صميم مبادئهم . وانطمست تلك الصورة الإسلامية التي كانت بالأمس القريب تشع بالجمال والنور والمثالية ، وخلفتها صور مسيخة شوهاء يستبشعها الضمير المسلم ، ويستنكرها واقع الإسلام ، وغدا يستشعر الغربة والوحشة في ربوعه وبين اتباعه ومعتنقيه . وراحت المفاهيم الجاهلية الأولى تحتل مواقعها من مشاعر المسلمين وضمائرهم ، لتحيلها قفراً يباباً من قيم الإسلام ومثله الرفيعة .
وانطلقت حناجر ، وصرت أقلام أجيرة ، تطالب بالمزيد من تلك الأعراف الجاهلية ، لتشيع مفاهيمها الدارسة من جديد ، في المحيط الإسلامي ، وعلى حساب المرأة المسلمة ، والتغاير على حقوقها وتحريرها ومساواتها بالرجل ، ونحو ذلك من صور الدعايات المدجلة .
لقد عز على دعاة التحرر أن يروا المرأة المسلمة محصنة بالصون والحجاب ، عصية الطلب ، بعيدة المنال . فأغروها بالسفور والتبرج ، ليستزلوها من علياء برجها وخدرها . واستجابت المرأة لتلك الدعوة الماكرة وراحت تنظي حجابها وتبرز جمالها ومفاتنها ، تستهوي العيون والقلوب ، دونما تحرج أو استحياء .
وما خدعت المرأة المسلمة وغرر بها في تاريخها المديد بمثل ذلك الخداع والتلبيس ، متجاهلة عما يترصدها من جراء ذلك من الأخطار والمزالق .
ليس الحجاب كما يصوره المتحللون تخلفاً ورجعية ، وإنما هو حشمة وحصانة ، تصون المرأة من التبذل والاسفاف ، ويقيها تلصص الغواة والداعرين ، وتجنبها مزالق الفتن والشرور .
وحسب المسلمين أن يعتبروا بما أصاب الأمم الغربية من ويلات السفور والتبرج ، واختلاط الجنسين ، ما جعلها في وضع سيء وحالة مزرية ، من التسيب الخلقي . وغدت تعاني ألوان المآسي الأخلاقية والصحية والاجتماعية .
لقد أحدث التبرج والاختلاط في الأوساط الغربية مضاعفات أخلاقية
خطيرة ، تثير الفزع والتقزز . فأصبحوا لا يستنكرون الرذائل الجنسية ، ولا يستحيون من آثامها ومعائبها . وراح الوباء الخلقي يجتاحهم ويفتك بهم فتكاً ذريعاً ، حتى انطلقت صيحات الغيارى منهم معلنة بالتذمر والاستنكار ، ومنذرة بالخطر الرهيب .
فقد صور (بول بيودر) انهيار الأخلاق في بلاده حيث قال : «لم يعد الآن من الغريب الشاذ وجود العلاقات الجنسية بين الأقارب في النسب ، كالأب والبنت ، والأخ والأخت في بعض الاقاليم الفرنسية ، وفي النواحي المزدحمة في المدن» .
وجاء في تقرير (اللجنة الأربعة عشرية) المعنية بالفحص عن مكامن الفجور : «ان كل ما يوجد في البلاد الأمريكية من المراقص والنوادي الليلية ، ومجالي الزينة ، وأماكن التدريم ، وحجرات التدليك ، ومراكز تمويج الشعر ، قد أصبح جلها مواطن للفجور ودوراً للبغاء ، بل هي أقبح منها وأشنع ، لما يرتكب فيها من الرذائل التي لا تصلح للذكر» .
ومما يخمنه القاضي (لندسي) الأمريكي : «أن خمساً وأربعين في المائة من فتيات المدارس يدنسن أعراضهن قبل خروجهن منها ، وترتفع هذه النسبة كثيرا في مراحل التعليم التالية» .
وقال (جورج رائيلي اسكات) في كتابه (تاريخ الفحشاء) وهو يشير إلى حالة بلاده في الغالب «وقد بلغ عدد هؤلاء العاهرات غير المحترفات في هذه الأيام مبلغاً لم يعهد قط فيما قبل ، فأولئك يوجدن في كل طبقة من طبقات المجتمع من الدنيا والعليا . . . وقد أصبح تعاطي الفجور وعدم التصون بل اتخاذ الأطوار السوقية ، معدوداً عند فتاة العصر ، من أساليب العيش المستجدة» .
وقد سرت عدوى هذا التفسخ الخلقي إلى الصبية والصبايا من أولئك الأقوام ، لتأثرهم بالمحيط الفاسد والمثيرات الجنسية .
يقول الدكتور (راديت هوكو) في كتابه (القوانين الجنسية) : «انه ليس من الغريب الشاذ حتى في الطبقات المثقفة المترفة ، أن بنات سبع أو ثماني سنين
منهم ، يخادن لداتهن من الصبية ، وربما تلوثن معهم بالفاحشة» .
وقد جاء في تقرير طبيب من مدينة (بالتيمور) : «أنه قد رفع إلى المحاكم في تلك المدينة أكثر من ألف مرافعة في مدة سنة واحدة ، كلها في ارتكاب الفاحشة مع صبايا دون الثانية عشرة من العمر» .
ولم تقف الفوضى الخلقية عند هذا الدرك السافل ، فقد تفاقمت حتى أصبحت العلاقات الجنسية الطبيعية . . . لا تشبع نهمهم الجنسي ، فراحوا يتمرغون في مقاذر الشذوذ الجنسي وانحرافاته النكراء . وعاد من المألوف لديهم أن يتزوج الفتى فتىً مثله ، بتشجيع من القانون ، ومرأى ومسمع من الناس ، وهم يباركون هذا العرس !!
ويقول الدكتور (هوكر) : «انه لا تزال تحدث في مثل هذه المدارس والكليات ودور التربية للممرضات ، والمدارس الدينية ، من تسافح الولدين من الجنس الواحد فيما بينهما ، وقد تلاشى أو كاد . . ميلهم الطبيعي إلى الجنس المخالف» .
والآن فلنسائل الببغاوات من دعاة التحرر والتبرج ، أهذا الذي ينشدوه لأنفسهم وأمتهم الإسلامية . . . أم إنهم لا يفقهون ما ينادون به ويدعون إليه ؟
إن كل داعية إلى التبرج والاختلاط هو بلا ريب ، معول هدام ، في كيان المجتمع الإسلامي ، ورائد شر ودعارة لأمته وبلاده .
«إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا ، لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة ، والله يعلم وأنتم لا تعلمون» (النور : 19) .
وكان من الطبيعي لأمة شاع فيها الفساد ، وتلاشت فيها قيم الدين والأخلاق ، أن تعاني نتائج شذوذها وتفسخها ، فتنهار صحتها كما انهارت أخلاقها من قبل .
وهذا ما حدث فعلاً في الأوساط الغربية ، حيث استهدفتها الأمراض
الزهرية ، وكبدتها خسائر فادحة في الأرواح والأموال . وجاءت تقارير أطباء الغرب معلنة أبعاد تلك الأمراض ومآسيها الخطيرة في أرقى تلك الأمم وأكثرها تشدقاً بالحضارة والمدنية .
قال الدكتور الفرنسي (ليريد) : «انه يموت في فرنسا ثلاثون ألف نسمة بالزهري وما يتبعها من الأمراض الكثيرة ، في كل سنة . وهذا المرض هو أفتك الأمراض بالأمة الفرنسية بعد حمى الدق» .
وجاء في دائرة المعارف البريطانية ج 23 ص 45 : «انه يعالج في المستشفيات الرسمية هناك (أي القطر الأمريكي) مائتا ألف مريض بالزهري ومائة وستون ألف مصاب بالسيلان البني في كل سنة بالمعدل . وقد اختص بهذه الأمراض الجنسية وحدها ستمائة وخمسون مستشفى ، على أنه يفوق هذه المستشفيات الرسمية نتاج الأطباء غير الرسميين الذين يراجعهم 61 % من مرضى الزهري و 89 % من مرضى السيلان» .
وجاء في كتاب القوانين الجنسية :
انه «يموت في أمريكا ما بين ثلاثين وأربعين ألف طفل بمرض الزهري الموروث وحده ، في كل سنة . وان الوفيات التي تقع بسبب جميع الأمراض ـ عدا السل ـ يربو عليها جملة عدد الوفيات الواقعة من مرض الزهري وحده» .
وكل هذه الخسائر والمآسي تدفعها الأمم الغربية الداعرة . . ضريبة من صحتها وحياتها جزاءاً وفاقاً ، على تفسخها وتمرغها في مقاذر الجنس ومباءته .
وكان حتماً مقضياً على تلك الأمم المتحللة أن تعاني ـ إلى جانب خسائرها الأخلاقية والصحية ـ عللاً اجتماعية خطيرة .
فقد جنت على حياتها الأسرية والاجتماعية ، بإغفالها مباديء العفة والوفاء ، واستهتارها بشرائط الزوجية الصالحة . وطفق الزوجان منهم يهيمان في متاهات الغواية والفساد ، تنطلق الزوجة خليعة متجملة بأبهى مظاهر الجمال ،
وبواعث الفتنة والإغراء ، وينطلق الزوج هائماً في مراتع التبذل والإسفاف . وسرعان ما ينزلق هذا أو تلك في مهاوي الرذيلة ، حينما تستهوي بهما شخصية جذابة أروع جمالاً وأشد إغراءاً من شريك حياته ، فيزور عنه طالباً صيداً جديداً ، ومتعة جديدة ، بين فتيان الهوى وفتياته السائحات . فتزعزع بذلك كيان الأسرة ، وانفرط عقدها ، ووهت العلائق الزوجية ، وغدت تنفصم لأتفه الأسباب . كما شهدت بذلك تقارير الخبراء .
وقد كتب القاضي (لندسي) في بلدة (دنور) سنة 1922 :
«اعقب كل زواج تفريق بين الزوجين ، وبإزاء كل زواجين عرضت على المحكمة قضية الطلاق . وهذه الحال لا تقتصر على بلدة دنور ، بل الحق أن جميع البلدان الأمريكية على وجه التقريب تماثلها في ذلك قليلاً أو كثيراً» .
ويمضي في كتابته فيقول : «إن حوادث الطلاق والتفريق بين الزوجين لا تزال تكثر وتزداد ، وان اطردت الحال على هذا ـ كما هو المرجو ـ فلا بد أن تكون قضايا الطلاق المرفوعة إلى المحاكم في معظم نواحي القطر على قدر ما يمنح فيها من الامتيازات للزواج» .
وهكذا توالت على الأمم الغربية أعراض الشذوذ واختلاطاته المقيتة فقد زهد الكثيرون منهم في الحياة الزوجية ، وآثروا العزوبة إشباعاً لهوسهم الجنسي وتحرراً من قيود الزواج وتكاليفه .
فقد جاء في مقال نشرته جريدة (بدترويت) :
«إن ما قد نشأ بيننا اليوم من قلة الزواج ، وكثرة الطلاق ، وتفاحش العلاقات غير المشروعة بين الرجال والنساء ، يدل كله على أننا راجعون القهقرى إلى البهيمية . فالرغبة الطبيعية في النسل إلى التلاشي ، والجيل المولود ملقى حبله على غاربه ، والشعور بكون تعمير الأسرة والبيت لازماً لبقاء المدنية ، والحكم المستقل يكاد ينتفي من النفوس ، وبخلاف ذلك أصبح الناس ينشأ فيهم الاغفال عن مآل المدينة والحكومة وعدم النصح لهما» .
ولو تحرينا مرد تلك المآسي التي اجتاحت الغرب لرأيناه ماثلاً في التبرج
والخلاعة والاختلاط ، وشيوع المثيرات الجنسية ، كالأفلام الداعرة والقصص الخلاعية والاغاني المخنثة ، التي مسخت القيم الأخلاقية وأشاعت الاسفاف والتهتك في المجتمع الغربي ، كما شهد بذلك القوم أنفسهم .
وقد كتب (أميل بوريسي) في تقريره الذي قدمه إلى الجلسة العامة الثانية لرابطة منع الفواحش :
«هذه الفوتوغرافات الداعرة المتهتكة تصيب أحاسيس الناس بأشد ما يمكن من الهيجان والاختلال ، وتحث مشتريها البؤساء على المعاصي والإجرام التي تقشعر من تصورها الجلود . وإن أثرها السيء المهلك في الفتية والفتيات لما يعجز عنه البيان . فكثير من المدارس والكليات قد خربت حالتها الخلقية والصحية لتأثير هذه الصور المهيجة ، ولا يمكن ان يكون للفتيات على الأخص شيء أضر وأفتك من هذه» .
ونستنتج من هذا العرض السالف : أن الشريعة الإسلامية ، إنما أمرت المرأة المسلمة بالحجاب ، ونهتها عن التبرج والاختلاط المريب ، حرصاً على كرامتها وصيانتها من دوافع الإساءة والتغرير ، ووقاية للمجتمع الإسلامي من المآسي والارزاء التي حاقت بالأمم الغربية ، ومسخت أخلاقها وضمائرها وأوردتها موارد الشقاء والهلاك .
انظر كيف أهاب الإسلام بالمرأة المسلمة أن تتحصن بالحجاب ، وتتوفى به مزالق الفتن والشرور : «يا أيها النبي قل لازواجك وبناتك ، ونساء المؤمنين ، يدنين عليهن من جلابيهن ، ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين» (الأحزاب : 59) .
هذه هي إحدى الآيات الكريمة الناطقة بوجوب الحجاب ، والمحرضة عليه ، بأسلوب جاد صريح ، حيث خاطب الله عزوجل رسوله الأعظم : «يا أيها النبي قل لأزواجك ، وبناتك ، ونساء المؤمنين . . . يدنين عليهن من
جلابيبهن» وذلك بإسدال الجلباب ـ وهو ما تستتر به المرأة من ملحفة أو ملاءة ـ على وجوههن وأبدانهن .
ثم بين سبحانه علة الحجاب وجدواه : «ذلك أنى أن يعرفن ، فلا يؤذين» حيث أن الحجاب يستر محاسن المرأة ومفاتنها ، ويحيطها بهالة من الحصانة والمنعة ، تقيها تلصص الغواة والداعرين وتحرشاتهم الإجرامية العابثة لصون النساء وكرامتهن .
ويمضي القرآن الكريم في تركيز مبدأ الحجاب والحث عليه في آيات متتالية ، وأساليب بلاغية فذة :
«يا نساء النبي لستن كأحد من النساء ، ان اتقيتن ، فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض ، وقلن قولاً معروفاً . وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى» (الأحزاب : 32 ـ 33) .
وهنا يخاطب الله عزوجل ، زوجات النبي (ص) : «يا نساء النبي لستن كأحد من النساء» في الشرف والفضل ، فأنتن أرفع شأناً وأسمى منزلة منهن ، لشرف انتمائكن لرسول الله (ص) «ان اتقيتن» معصية الله تعالى ورسوله ، وفي هذا الشرط إشعار لهن أن انتسابهن إلى الرسول (ص) فحسب لا يوجب تفوقهن على غيرهن من النساء ، إلا بتحليهن بتقوى الله عزوجل ، الذي هو مفتاح الفضائل ، وقوام حياة الإيمان .
«فلا تخضعن بالقول ، فيطمع الذي في قلبه مرض» فلا تخاطبن الأجانب بأسلوب لين رقيق يستثير نوازع القلوب المريضة بالدنس والفجور .
«وقلن قولاً معروفاً» مستقيماً مشعراً بالحشمة والترفع والوقار . ثم أمرهن بالاستقرار في بيوتهن ، ونهاهن عن التبرج وإظهار المحاسن والزينة للأجانب ، كما كن يظهرنها النساء الجاهليات «وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى» . وفي ذلك ضمان لعفاف المرأة وكرامتها ، وصيانتها من مزالق الخطيئة ، وخوالج الشك والارتياب .
وهكذا يواصل القرآن الكريم غرس الفضيلة والعفة في نفوس المؤمنين
بمثله العليا ، وآدابه الرفيعة :
«قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ، ويحفظوا فروجهم ، ذلك أزكى لهم ، إن الله خبير بما يصنعون . وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ، ويحفظن فروجهن ، ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ، وليضربن بخمرهن على جيوبهن ، ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن ، او آبائهن ، او آباء بعولتهن أو ابنائهن ، أو أخوانهن ، أو بني أخوانهن ، أو بني اخواتهن ، او نسائهن ، أو ما ملكت أيمانهن ، أو التابعين غير أولي الأربة من الرجال ، أو الطفل الذي لم يظهروا على عورات النساء . ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن» (النور : 30 ـ 31) .
أمر الله تعالى في هذه الآية الكريمة النبي (ص) أن يصدع بآداب القرآن ووحي السماء ، ويوجه المؤمنين على ضوئهما توجيهاً هادفاً بناءاً .
«قل» يا محمد «للمؤمنين يغضوا من أبصارهم» بأن ينقصوا من نظراتهم وتطلعاتهم نحو النساء الأجنبيات ، لما في ذلك من ضروب الأخطار والأضرار . فكم نظرة طامحة إلى الجمال أورثت حسرة طويلة ، واسترقت صاحبها بأسر الحب وعناء الهيام .
| وأنت إذا أرسلت طرفك رائداً | لقلبـك يوماً اتعبتك المناظــر | |
| رأيت الذي لا كله أنت قـادر | عليه ولا عن بعضه أنت صابر |
وقد تزج النظرة الآثمة في مهاوي الرذيلة والفساد :
| نظـرة فابتسـامة فسـلام | فكـلام فموعـد فلقـاء |
ثم أمر المؤمنين بحفظ الفروج بعد أمرهم بغض الأبصار «ويحفظوا فروجهم» عن الآثام الجنسية أو يستروها عن الناظر المحترم ، وقد أوصد الله تعالى بهذين الأمرين ـ غض الأبصار وحفظ الفروج ـ اخطر منافذ الشرور الخلقية وبوائقها العارمة ، وحصن المؤمنين بالعفة والنزاهة «ذلك أزكى لهم» أطهر لنفوسهم وأخلاقهم ، وأنفع لدينهم ودنياهم .
ثم عمد إلى توعية الضمائر ، وتصعيد قيمها الأخلاقية بالإيحاء النفسي بهيمنة الله سبحانه عليهم ورقابته لهم «إن الله خبير بما يصنعون» بأبصارهم
وفروجهم وجميع أعمالهم .
ثم عطف الله تعالى على النساء المؤمنات ، فأمرهن بما أمر به الرجال المؤمنين من غض الأبصار وحفظ الفروج ، لاتحاد الجنسين ، وتساويهما في الغرائز والميول ، وانجذاب كل منهما نحو الآخر .
وخص النساء بتوجيهات تنظم سلوكهن ، وتذكي فيهن مشاعر الحشمة والعزة والوقار : «ولا يبدين زينتهن» لا يظهرن مواضع الزينة لغير المحارم ، «إلا ما ظهر منها» كالثياب او الوجه والكفين ، «وليضربن بخمرهن على جيوبهن» وليسدلن الخمر والمقانع على نحورهن وصدورهن تستراً من الأجانب .
ثم رخصهن في إبداء زينتهن للمحارم ، ومن يؤمن من الافتتان والإغراء منهن وعليهن ، لنفرة الطباع من ذلك «ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن ، أو آبائهن ، أو آباء بعولتهن ، أو أبنائهن ، أو أبناء بعولتهن ، أو إخوانهن ، او بني أخوانهن ، او بني اخواتهن ، أو ما ملكت أيمانهن» وهم الإماء . «أو التابعين غير أولي الأربة من الرجال» وهم الذين يتبعون الناس طمعاً في برهم ونوالهم من لا يهفو إلى النساء ، ولا حاجة له فيهن ، كالبله من الرجال او الشيوخ العاجزين الصلحاء .
«أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء» وأريد به جميع الأطفال الذين لا يعرفون عورات النساء لسذاجتهم ، وضعف غريزتهم الجنسية .
«ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن» للاعلام عن خلخالها أو اسماع صوته .
«وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون» (النور : 31) . تسعدون في الدارين .
وهكذا جاءت أحاديث أهل البيت عليهم السلام تحض على العفاف ، وغض الأبصار عن النظرة المحرمة ، فضلاً عن الاختلاط ، سيان في ذلك الرجال والنساء .
قال الصادق (ع) : «النظرة سهم من سهام إبليس مسموم ، وكم نظرة أورثت حسرة طويلة» .
وقال (ع) : «أول النظرة لك ، والثانية عليك ، والثالثة فيها الهلاك» .
وقال (ع) : «نهى رسول الله (ص) أن يدخل الرجل على النساء إلا بإذن أوليائهن» .
وعن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام قالا : «ما من أحد إلا وهو يصيب حظاً من الزنا ، فزنا العين النظر ، وزنا الفم الغيبة ، وزنا اليدين اللمس ، صدق الفرج ذلك أم كذب» .
وقال الصادق (ع) : «من نظر إلى امرأة فرفع بصره إلى السماء ، لم يرتد إليه بصره حتى يزوجه الله من الحور العين» .
وعنه ، عن أبيه عليهما السلام قال : قال رسول الله (ص) : «كل عين باكية يوم القيامة إلا ثلاثة أعين : عين بكت من خشية الله ، وعين غضت عن محارم الله ، وعين باتت ساهرة في سبيل الله» .