وأول من اتخذ الحائر وطنا ودار اقامة من العلويين ولم يتحولوا منها كما مر آنفا هو تاج الدين ابراهيم المجاب بأعقابه ، من ولده محمد الثاني الحائري في شوال سنة (247) هجـ (2) حتى يومنا هذا . وأما معرفة أول بناء أقيم على الرمس الأقدس بعد شهادته سلام الله عليه ، ومن قام به ، وفي أي تاريخ . وصورة البناء . لم يتحقق خبره لما لم يصرح به في مصدر ثقة يعول عليه .
وقد حدثني المتغمد بالرحمة السيد حسن الصدر الكاظمي نقلا عن تسلية المجالس لمحمد بن أبي طالب ، ( انه اتخذ على الرمس الأقدس لعهد الدولة المروانية مسجدا ) . الا أنني لم أقف ليومي هذا على أي أثر لهذا الكتاب (3) .
كان لحركة الشيعة في استعراضهم لجند الشام بعين الوردة بزعامة سليمان بن صرد الخزاعي واستماتتهم بطلب ثأر الحسين ، واعادتهم الكرة تحت لواء ابراهيم الأشتر واستقصائهم للجندي الأموي مع زعيمهم ابن زياد مستهونين غير محتفين بكل ما سامهم معاوية من خطوب وخسف ، وما أذاقهم من مر العذاب وصنوف التنكيل بغارات بسر بن ارطأة وصلب وقتل وسمل في ولاية زياد بن أبيه وسمرة بن جندب ، وابن زياد . مما خلف أثرا عميقا سيئا في نفوس آل مروان ودويا هائلا . فبعد أن تسنى لعبد الملك ابن مروان وصل حلقات فترة الحكم الذي دهم دور حكم آل أمية بموت يزيد باقصائه آل الزبير عن منصة الحكم والامرة ، أراد أن يستأصل الثورة من جذورها ، لذلك اتبع سياسة القسوة والشدة تجاه أهل العراق ، وضغط ما لا مزيد عليه لمستزيد ، خصوصا في ولاية الحجاج بن يوسف .
ونهج خلفاؤه عين خططه دون أي شذوذ مع تصلب بالغ كأبن هبير ،
فترى مما تقدم أن من المستحيل افساحهم المجال بأن يشيد بناء على قبر الحسين (ع) ويكون موضعا للتعظيم والتقدير . مما يتنافى وسياستهم المبنية على الكراهية لآل البيت ، والتنكيل بشيعتهم .
وان سلمنا بتحقق خبر الحسين بن أبي حمزة الثمالي على سبيل استدراك لورود لفظ الباب ، من الممكن أن نقول ( أي وجود بناء ) في الفترة بين سنة أربع وستين لاحدى وسبعين ، ونلتزم بتغاضي المروانيين من التعرض لهم ، وبقائه ليوم ورود الحسين بن بنت أبي حمزة الثمالي لزيارة الضريح الأقدس .
وورد خبر لا يوثق به ولا يعول عليه ، من أن المختار بن أبي عبيدة الثقفي بنا على القبر الشريف وأقام حوله قرية (6) . وقيل ان سكينة بنت الحسين (ع) أقامت بناء على الرمس الأقدس أمد اقترانها بمصعب في ولايته للكوفة ففي أمد الفترة لسنة ست وستين عندما أم التوابون ( عند مسيرهم للتلاقي مع جند عين الورده ) التربة الزاكية . وازدحموا على القبر
ومما يؤيد وجود بناء بسيط ( بل له بعض الشأن ) على القبر الشريف في زمن ورود الحسين بن بنت أبي حمزة للزيارة ما جاء من الأفاظ في الزيارات الواردة عن الصادق سلام عليه لجده الحسين (ع) (9) حيث يقول في خبر . . . . بعد الغسل بحيال قبره الشريف في الفرات . فتتوجه الى القبر حتى تدخل الحير من جانبه الشرقي وتقول . . . . ثم اذا استقبلت لقبر . . .ٌثم أجلس عند رأسه الشريف . . . . ثم تحول عند رجليه . . . ثم تحول عند رأس علي بن الحسين . . . . ثم تأتي قبور الشهداء (10) وفي خبر المفضل بن عمر عن الصادق سلام الله عليه : اذا أتيت باب الخير
فخلاصة القول ان المستفاد من هذه الزيارات هو وجود بناء ذو شأن على قبره في عصر الصادق سلام الله عليه .
ومع هذا فقد كان الأمويون يقيمون على قبره المسالح لمنع الوافدين اليه من زيارته . ولم يزل القبر بعد سقوط بني امية وهو بعيد عن كل انتهاك وذلك لانشغال الخلفاء العباسيين بادارة شؤون الملك . ولظهورهم بادئ الأمر مظهر القائم بارجاع سلطة الهاشميين . وهو غير خفي ان القائمين بالدعوة كانوا من أهل خراسان ، وأكثر هؤلاء ان لم نقل كلهم كانوا من أنصار آل البيت .
ولما رسخت قدم العباسيين في البلاد وقمعوا الثورات جاهروا بمعاداة شيعة علي (ع) . ولكنها كانت خفيفة الوطأة أيام السفاح ، فتوارد الزائرون
ولما جاء دور المأمون وتمكن من سرير الخلافة تنفس الشيعة الصعداء واستنشقوا ريح الحرية . ولم يتعرض لذلك . وكان المأمون يتظاهر بحبه لآل البيت حباً جماً حتى انه استعاض بلبس السواد وهو شعار العباسيين بلبس الخضرة وهو شعار العلويين وأوصى بالخلافة من بعده لعلي الرضا
وبقي الحال على هذا المنوال والشيعة في حالة حسنة حتى قام حول قبره الشريف سوقا واتخذت دورا حوله وأخذ الشيعة بالتوافد الى قبره للسكنى بجواره الى أن كان من المغنية الشهيرة التي قصدت من سامراء في شعبان زيارة قبره الشريف ، وكانت تبعث بجواريها الى المتوكل قبل أن يلي الخلافة يغنين له اذا شرب وقد بعث اليها بعد استخلافه ، فأخبر بغيبتها . فأسرعت بالرجوع عندما أبلغها الخبر بطلب المتوكل لها . فبعثت اليه بجارية وكان يألفها فقال لها أين كنتم . قالت : خرجت مولاتي الى الحج وأخرجتنا معها . فقال الى أين حججتم في شعبان . قالت : الى قبر الحسين (ع) فأستطير غضبا (20) وفيه من بغض آل أبي طالب ما هو غني عن البيان . فبعث بالديزج بعد أن استصفى أملاك المغنية ـ وكان الديزج يهوديا قد أسلم ـ الى قبر الحسين وأمره بحرث قبره الشريف ومحوه وهدم كل ما حوله من الدور والأسواق فمضى لذلك وعمل بما أمر به وقد حرث نحو ماءتي جريب من جهات القبر . فلما بلغ الحفرة لم يتقدم
وقد نالت الشيعة شيء من الحرية على عهد المنتصر . وكان هذا محبا لآل البيت مقربا لهم رافعا مكانتهم معظما قدرهم . ومن حسناته اليهم انه شيد قبر الحسين (ع) . ووضع ميلا عاليا يرشد الناس اليه (24) . وذلك في عام السابع والأربعين بعد المائتين . ولم يهدم بناء المنتصر ظلما لعدم تعرض أخلافه له . لما ظهر من الوهن في دولتهم ، وانحلال أمرهم وتسلط الأتراك عليهم ، وانشغالهم بأنفسهم ، وفي خلافة المسترشد ضاقت الأرض على رحبها على الشيعة . وذلك عندما أمر بأخذ جميع ما اجتمع من هدايا
وكان البناء الذي شيد في عهد المنتصر قد سقط في ذي الحجة سنة ثلاث وسبعين ومائتين (26) . فقام الى تجديده محمد بن زيد القائم بطبرستان في خلافة المعتضد بالله العباسي (27) لسنة ثلاث وثمانين ومائتين (28) . وقد أخذ حال القبر الشريف منذ تشييد المنتصر اياه بالعروج الى مدراج العمران يوما بعد يوم حيث أمن الناس من اتيانه واتخاذ الدور عند رمسه .
وقد زار القبر عضد الدولة بن بويه سنة ( 370 هـ ) بعد أن بالغ في تشييد الأبنية حول الضريح وزخرفتها (29) وكان آل بويه يناصرون الشيعة . وقد استحفل التشيع على عهدهم حتى ان معز الدولة أمر سنة 352 باقامة المآتم في عاشوراء ، وكان ذلك أول مأتم اقيم في بغداد .
هذا وكان اكمال بناء الحرم في سنة سبع وستين وسبعمائة . وقد أمر بتشييده السلطان اويس الايلكاني ، وأتمه وأكمله ولده السلطان حسين (33) .
وقد كان في حواشي الكاشي المعرق الموجود في جنبتي هذا الايوان ، الشرقي والغربي : كتيبة تنص على اسم الباني وتأريخ بنائه . ولكن مع مرور الزمن تلف واندرس أثره ، ومع شديد الأسف لم يسع أحد بعد
وعندما أرادوا دفن ميرزا موسى الوزير فيه (36) عملوا موضعيه الكتيبة
| اي نمو دار حريمت حرم عرش برين | ظل دركاهت خركه زده برعليين | |
| قدسيان بسته بفرمان تواز عرش كمر | آسمان سوده در ايوان توبر فرش جبين | |
| بوده دارلت شاهنشه اقليم شهود | بيشكا رانت فرمان ده سرحد يقين | |
| ظل خركاه تو را قبله كند روح القدس | خاك دركاه تو را سجده برد حور العين | |
| از ازل تاج شهادة جه نهادي برسر | شد تراملك شفاعت همه د رزير نكين | |
| از بهاي كهر باك تو اين توده خاك | كعبه دين شود وشد سجده كه أهل زمين |
| قصة طور كليم الله فاخلع نعليك | همه از خاك درت مظهر آيات مبين | |
| عكس از شمسه ايوان توشد شمس فلك | بر تو اوبر همه كون مكان كشت مكين | |
| ساكنان حرم وجلال ملكوت | هه برخاك رهت بايد خاك نشين |
| بهر فراشي حجابت هر شام وسحر | قيصر أز روم كمر بندى وفقفور أز جين |
| اين همان وادى دوروا تش شوق | صه جه موسى باميد قبسي خاك نشين | |
| اندرين عهد همايون از فو ظفر | رايت دولت اسلام بر از جرخ برين | |
| شاه شاهان جهان ظل خدا كهف زمان | خسرو ملك ملل بادشاه دولت ودين | |
| شهر بازيكه زأواز كوي سخطش | تا اب درشده در جحمه كوه طنين | |
| مير فرخنده نزادى زد راوكه بود | افتاب فلك ورفعت كوه وتمكين | |
| داشت جون كوهري آراسته نور صفا | كرد اين صفه ايوان صفارا ترين | |
| دولت ناصرى وسعى امام ملت | أندرين عهد بود محيي آثار جنين | |
| افتخار فضلا قبله أرباب فلاح | بيشواى دو جهان بادشاه شرع مبين | |
| انكه از بندكي صاحب روضه باك | شده برخا جكي علم ازل صدر تشين | |
| جون زفيض كف موسى شد اين طور صفا | . . . . . . . . . . |
| كلك قلزم بي تاريخ سخنور شده وكفت | با كف موسى آراسته طور سنين |
هذا وقام السلطان مراد الرابع العثماني سنة ثمان وأربعين وألف بتعمير وتجديد القبة السامية ، وجصصها من الخارج (37) .
وفي سنة 1135 هـ نهضت زوجة نادر شاه وكريمة حسين الصفوي الى تعمير المسجد المطهر وأنفقت على ذلك عشرين ألف نادري .
وقام أغا محمد خان ( الخصي ) مؤسس الدولة القاجارية في ايران ، بتذهيب القبة السامة للسنة السابعة بعد المائتين والالف الهجرية (38) وقد نظم بهذه المناسبة الميرزا سليمان خان المشهور بصباحي الشاعر ، مؤرخا هذا التذهيب بقوله :
| كلك صباحي از اين تاريخ أونوشت | در كبند حسين علي زيب بافت زر |
| بحمد الله كه از عون الهي | نموده خدمة شاه شهيدان | |
| شه كشور ستان خاقان اعظم | مراد بن سليم ابن سليمان |
وفي سنة 1259 هـ : قام محمد علي شاه ـ ملك أود ـ سلطان الهند بتذهيب الايوان الشريف وصياغة بابه بالفضة . ويوجد اليوم على الفردة اليمنى من باب الفضة في ايوان الذهب : ( هو الله الموفق المستعان ، قد أمر بصنع هذا الباب المفتوح لرحمة الملك المنان ، وباتمام تذهب هذا الايوان الذي هو مختلف ملائكة الرحمن ، وبحفر الحسينية وبناء قناطرها ، التي هي معبر أهل الجنان ـ وعلى الفردة الثانية ، الجانب الايسر تتمته ، وتعمير بقعة قدوة الناس مولانا وسيدنا أبوالفضل العباس ، السلطان بن السلطان ، والخاقان بن الخاقان ، السلطان الأعظم والخاقان الأكرم ، سلطان الهند ، محمد على شاه تغمده الله بغفرانه ، وأسكنه فسيح جناته ، وكان ذلك في سنة 1259 هـ ألف ومائتين وتسعة وخمسين ) .
وقام بعد ذلك امراء الأكراد البختيارية الى تزيين المسجد والأروقة . وقد وسع الضلع الغربي من الصحن الشريف ، وجدد بناءه المتغمد برحمته المرحوم الشيخ عبد الحسين الطهراني (40) ( شيخ العراقين ) من قبل شاه
| بنائي ناصر الدين شاه بنا كرد | زخاك أوست بائين كاخ خضرا | |
| نه صحن وكنبدي جرخي مكوكب | زنور أو منور روي غبرا | |
| براي كشوار عرش يعني | حسين بن علي دلبند زهرا | |
| بناي سال أو جابر همي كوي | أز ايوان شكست كسرى |
| لله اليوان سما رفعة | فطاول العرش به الفرش | |
| قال لسان الغيب تأريخه | أنت لأملاك السما عرش |
ولم يحدث بعد ذلك مايهم ذكره سوى ما جددت انشاءه ادارة الأوقاف في العهد الأخير ، في القسم الغربي من الصحن لظهور الصدع فيه .
وفي المشهد الحسيني عدة نقوش وكتابات تدل على تواريخ اصلاحه والزيارات فيه . ففي أعلى عمود وسط الضلع الجنوبي من شبكة الفولاد المنصوبة على قبر الحسين عليه السلام ، ما يقابل الوجه الشريف . هذه العبارة : ( من بكى وتباكى على الحسين فله الجنة صدق الله ورسوله ، صلى الله عليه وآله وسلم سنة 1185 هـ ) .
وما يقابل الزوايا الأربعة من القبر الشريف عبارة : ( واقفه الموفق بتوفيقات الدارين ، ابن محمد تقي خان اليزدي محمد حسين سنة 1222 هـ ) .
ويستفاد من أبيات منظومة بالفارسية فوق شباك المقبرة الشمالية المقابلة للضريح : انه بمباشرت الحاج عبد الله ابن القوام على نفقة الحاج محمد صادق التاجر الشيرازي الأصفهاني الأصل قد قام بتكميل تعمير سرداب الصحن الحسيني وتطبيق الأروقة الثلاثة الشرقي والشمالي والغربي بالكاشي في سنة ألف وثلثمائة الهجرية .
( النهرين ) : فرعان يشتقان من عمود الفرات ويتصلان ببعضهما في قرية نينوى في جوار الحاير الحسيني ويتجهان الى الشمال الشرقي الى الكوفة معا على سبيل توحيد وتفرد ، وللفارق يعرفان بنهري كربلاء ، يتوضح على ضوء ما سرده أبو الفرج في المقاتل (1) ونورد بين قوسين ما تفرد بايراده صاحب الدر النظيم (2) :
قال أبو الفرج : لما قتل زيد بن علي دفنه ابنه يحيى ، تفرق عنه الناس ولم يبق معه الا عشرة نفر ، قال سلمة بن ثابت . قلت له : أين تريد ، قال : أريد النهرين ومعه الصياد العبدي . قلت : ان كنت تريد النهرين فقاتل هاهنا حتى تقتل . قال : أريد نهري كربلا ( وظننت انه يريد أن يتشطط الفرات ) فقلت له النجاء قبل الصبح . فخرجنا فلما
وذكر ابن كثير في البداية (3) عن محمد بن عمرو بن الحسن قال : كنا مع الحسين بنهري كربلاء .
وأورد ابن شهر آشوب في المناقب : مضى الحسين قتيلا يوم عاشوراء بطف كربلاء بين نينوى والغاضرية من قرى النهرين (4) قال الطبري (5) بعد مهادنة أهل الحيرة لخالد بن الوليد في مفتتح الفتح وخضوع الدهاقين لأداء جزية وضريبة وزع بينهم العمال . ولتمهيد الأمن أقام مخافر عهد بعمالة النهرين الى بشر بن الخصاصية فاتخذ بشر الكويفة ببابنورا قاعدة لعمالته .
وذكر عند حوادث سنة 278 هـ (6) ابتداء أمر القرامطة : وردت الأخبار بحركة قوم يعرفون بالقرامطة بسواد الكوفة . فكان ابتداء أمرهم قدوم رجل من خوزستان ، ومقامه بموضع يقال له النهرين يظهر الزهد والتقشف ويسف الخوص ويأكل من كسبه ويكثر الصلاة ، اذا قعد اليه انسان ، ذكره أمر الدين وزهده في الدنيا ، وأعلمه ان الصلاة المفروضة
ذكر المسعودي في التنبيه والاشراف (7) : وكاتب البريد ابن خرداذبه في المسالك (8) : اذا جاز عمود الفرات هيت والأنبار ( يقابل الثاني الأول في الضفة الغربية ) فيتجاوزهما فينقسم قسمين ، منها قسم يأخذ نحو المغرب قليلا المسمى ( بالعلقمي ) الى أن يصير الى الكوفة .
وآثار العلقمي الباقي منه اليوم ـ على ما وقفت عليه ـ اذا انتهى الى شمال ضريح عون اتجه الى الجنوب ، حتى يروى الغاضرية لبني أسد ـ والغاضرية على ضفته الشرقية ـ وبمحاذاة الغاضرية شريعة الامام جعفر ابن محمد ( سلم ) على الشاطئ الغربي من العلقمي . وقنطرة الغاضرية تصل بينه وبين الشريعة ثم ينحرف الى الشمال الغربي . فيقسم الشرقي من مدينة كربلاء بسفح ضريح العباس ( سلم ) اذ استشهد ما يلي مسناته . فاذا جاوزه انعطف الى الجنوب الشرقي من كربلاء مارا بقرية نينوى وهناك يتصل النهران ( نينوى والعلقمي ) فيرويان ما يليهما من ضياع وقرية شفيه فيتمايلان بين جنوب تارة وشرق اخرى ، حتى اذا بلغا خان الحماد ـ منتصف الطريق بين كربلاء والغري ـ اتجها الى الشرق تماما . وقطعا شط الهندية بجنوب برس أو حرقه ـ وأثرهما هناك مرئي ومشهود ـ
ذكر ان مجراه في العصور القديمة كان يتصل ببطائح البصرة ، وان سابور ذي الأكتاف اتخذ حافتيه قاعدة للذب عن غزو العرب لتخوم المملكة . وشمل بعناية أخلافه من ملوك الساسانية لموقعه الدفاعي .
بلغ من ازدهار العمران الذي حف بجانبيه شأواً حتى أن ذكروا : أفلتت سفينة وانحدرت مع جري الماء يومين فامتلأت بأنواع صنوف أثمار حافيته .
ذكر هارفي بوتر في التاريخ القديم ان بخت نصر الملك البابلي حفر نهراً من أعالي الفرات حتى أوصله الى البحر لتقارب الوصف ، من الممكن أن يكون هذا النهر هو ( العلقمي ) (9) ولنفس الغاية لبعد أمد جريه اختار فوهته من أعالي الفرات لارتفاع مستوى الماء هناك ـ المتدفق وسرعة الجري ـ ولبعد عمود الفرات عن ارواء آخر حدود الريف في العصور القديمة من التاريخ في الدور البابلي أو الكلداني . اذ كان مجراه يشق عاصمتهم بابل . كان بطبيعة الحال حفر مثل هذا النهر من الضروري ومما لا مناص منه لنطاق مدى العمران .
والعلقم بالفتح والسكون يطلق على كل شجر مر ( الحنظل ) . وما عداه من غير فارق ، والعلقمة المراره . يخال لي لشدة ما كان العرب يكابدون من مرارة ماء آبار الجزيرة ، حتى تخوم الجزيرة ، ومياه عيون
اطلقت على جملة الضياع التي اتخذت على النهرين ، العلقمي ونهر نينوى في الدور الاسلامي من مبتدأ فوهة أو صدر ( العلقمي ) ما يلي هيت بـ ( الفلوجة العليا ) فاذا انحدر مجراه لحدود كربلاء ( الفلوجة الوسطى ) ولحدود اتصاله بالكوفة بـ ( الفلوجة السفلى ) وهذه الفلاليج الثلاثة ، كل واحد منها في الدور الكسروي متمماً لأستان بهقباذات الثلاثة . ففيما بين نهري دجلة والفرات ، أستان بهقباذ الأعلى ، ثم الأوسط ، ثم الاسفل . كان قسط هذا النهر من التفقد والعناية قد بلغ نصاب الكفاية ، يتمايل بنشوة نظارة العمران وساكني حافتيه في هناء ورغد عيش ، حتى أن انتكست الخلافة العباسية ، وحل بكيانها الضعف والوهن ، لشغب الأتراك وتلاعبهم بنصب وخلع وقتل ثلاثة من الخلفاء ، وهم المستعين والمعتز والمهتدى .
وانحل نظام الأمن وسادت الفوضى أنحاء البلاد لقيام الفتن والثورات وتعاقبها ـ واحدة تلو الأخرى دون أيما انفكاك ـ وقد بلغ الضعف بالدولة الى درجة أن أصبح من المستحيل امكان قضائها على ثورة الزنج ولم تتمكن من اخماد ثورتهم الا بعد خطوب وتكبد خسائر فادحة ما يقارب الثلاث
والقرامطة يحصدون بالسيف رقاب الوافدين أثناء سيرهم الى الحج ، وفي نفس الحرم والكعبة ارتكبوا من فضائع القتل والنهب والاستهانة بقدسية البيت ، ما بلغ صداه عالم الأكوان (13) .
فأبانت هذه الحوادث عن مدى ضعف الدولة وعن أقصى مراتب عجزها وذلك لدوران محور سياستها على رأي النساء والحاشية خدم دار الخلافة . فكان أن تمزقت وحدة الامبراطورية الشاسعة المترامية
كان الاسلام منذ رفع مناره وأخذ بالتوسع والفتوح على عهد الراشدين والأمويين والعباسيين : شامخ الذرى منيع الجانب عزيزاً . . . يجيب الرشيد قيصر على ظهر كتابه : الجواب ما تراه (15) . وعندما طرق سمع المعتصم تهكم العلج على المتأوهة بوا معتصماه في حصن عمورية ـ سيفنيك على خيل بلق ـ فيخرج لفوره دون أي توان على رأس حملة بينها سبعون ألف فارس على خيل بلق ، ويدك دكا بسنابكها بر الأناضول ويهدد منيع أركان حصن عمورية لاغاثتها (16) .
والواثق يعمل السيف في سكان الجزيرة وأحيائها . وينقل أسراهم
فبسقوط عظمة الدولة العباسية ، تمزق امبراطوريتها قضى على حياة عز الاسلام أبدياً ، وفق الحديث الذي أخرجه الامام أبي داود في كتاب السنن (17) « لا يزال الاسلام عزيزا الى اثنى عشر خليفة كلهم من قريش » . ختم بقطع النيابة الخاصة بالسفير الرابع علي بن محمد السمري عن الامام الثاني عشر المهدي محمد بن الحسن العسكري (ع) (18)
فبطبيعة الحال لتوالي الفتن والمحن وتخلي القرى الآهلة من قاطنيها على حافتي هذا النهر والفروع المتشعبة منه : أن العناية بهذا النهر وتفقده ما كان ينتابه من عوارض متتالية ، حتى أصبح العامر من ضياعه في حكم الموات ، كما أعرب عن وصفه الوصاف بعد قرنين في ( تاريخ الحضرة ) .
ولما كان العلقمي يروي كربلاء وساكنيه وجوه الاشراف من العلويين والمنقطعين في جوار الحسين (ع) ولم تبق وسيلة للاهتمام بشأنه غير تبرع أهل الفضل بالبذل ، ولا بد من أن بني بوية في القرن الرابع لتشيعهم وعنايتهم بشؤون المشاهد المشرفة ، كانوا السبب الوحيد لبقاء حياة هذا النهر حتى منتصف القرن الخامس اذ أن الامام ابن الجوزي يحدثنا في ( المنتظم (20) في حوادث سنة 451 فيقول : خرج البساسيري الى زيارة المشهد بالكوفة على أن ينحدر من هناك الى واسط واستصحب معه غل في زورق العمال في حفر النهر المعروف بالعلقمي ويجريه الى المشهد بالحائر وفاء بنذر كان عيله .
ويقول مؤلف تاريخ آل سلجوق في حوادث سنة 479 هـ وصل عماد الدولة سرهنك ساوتكين الى واسط ومنها الى النيل في شهر رمضان ، وزار المشهدين الشريفين وأطلق بهما للاشراف مالا جزيلا ، وأسقط
ويحدثنا السيد الطقطقي في الآداب السلطانية ص 301 ، عند ذكر مؤيد الدين ابن العلقمي وزير الخليفة المصتعصم بالله وقيل لجده العلقمي لانه حفر النهر المسمى بالعلقمي وهو النهر الذي برز الامر الشريف السلطاني لحفره وسمي الغازاني . فعليه قاوم العلقمي كوارث الاعفاء والدروس حتى آخر القرن السابع ، ثم أصبح أثرا بعد حين . وفي حبر كان يحدثنا العلامة الحسن بن يوسف في الخلاصة ص 58 عند ذكر عبد الغفار يقول : ( هو من أهل الجازية (22) قرية من قرى النهرين ) . وقفت بنفسي على دارس رسوم هذه القرية قبيل الحرب العامة لسنة 1914 م وموقعه يقع في الشمال الشرقي من مدينة كربلاء على آخر حدود ضيعة الوند ، يشاهد بظهر طلولها خزف وبعض زجاج مبعثر ، وفيما يليه آثار حصن على التقريب ينوف أبعاد أعلامه المائة متر في مثله منسوب لبني أسد وبلغني ان آجر هذا الحصن ذراع بغدادي مربع وبين طلول الجازية والحصن أثر مجرى نهر دارس . لم أبحث هل هو نفس العلقمي أو أحد شعبه . ويخال لي أن الكائنة التي وقعت لقاضى القضاة على ما بسطه التنوخي في الفرج بعد الشدة ، كان بجوار هذا الحصن يقول أبو السائب : فلما انصرفت من الزيادة أريد قصر ابن هبير قيل أن الأرض مسبعة وأشير علي أن ألحق قرية فيها حصن سمي كي آوي اليها قبل المساء وكنت ماشيا فأسرعت وأتعبت نفسي الى أن لحقت القرية فوجدت باب
نهر نينوى كان يتفرع من عمود الفرات ما يقارب الحصاصة وعقر بابل وموقعه اليوم ـ على التقريب ـ بين شمال سدة الهندية وجنوب قضاء المسيب من نهر سورى ثم يشق ضيعه أم العروق ، ويجري جنوب كرود أبو حنطة ( أبو صمانه ) ، وتقاطع مجراه باقيا ليومنا هذا . ويعرف بـ ( عرقوب نينوى ) . ومن المحتمل ان البابليين هم الذين حفروا نهر نينوى مع تشكيل قرية نينوى باسم عاصمة الاشوريين في أدوار حضارتهم ولعدم ورود ذكر هذا النهر حتى عرضا ، يخال لي توغل دثوره في مستهل أيام الشغب .
غازان خان هو من آل جنكيز . والخامس من ملوك التتر الذين حكموا العراق بعد أن أسقطوا الخلافة العباسية .
قطع عليه الامير نوروز عهدا ـ أحد الامراء الكبار ووالي أقليم خراسان ـ قبيل تسنمه العرش بأن يشد أزره ويعضده لارتقاء سدة الخلافة ولكن بشرط أن يعتنق الدين الاسلامي . فأعلن غازان اعتناقه للدين الاسلامي بعد أن تمهد له الامر مع من اتبعوه من المغول لسنة أربع وتسعين وستمائة للهجرة . وعلى أثر ( رؤياه ) بعد اسلامه الذي آخا
ويقول مؤلف ( تاريخ المغول ) (25) في الوصاف : اهتز اللواء الملكي المؤيد بالنصر يوم الخميس وانتهز اجتياز طف الفرات على الطريق الذي هو من مستحدثات أيام الدولة الغازانية . وضياعه الموات فيما مضى كان يطلق عليه بالعلقمي . ولاستحداثه وجريان الفرات فيه لنضارة خضرته طغى نطاق الفكر في التقدير جرى الوادي فطم على القرى . وحاز اللواء الملكي زيارة حائر الحسين المقدس . ثم اتجه على طريق الفرات الى الانبار وهيت .
اجتاح ملوك المغول الوثنيون ( أسلاف غازان ) العراق فحلوا بها الخراب والدمار وأحالوا نضارة مروجها الخضراء الى فيافي قاحلة جرداء وأخليت معالمها من المتعاهدين الذين أبادتهم بربرية المغول . وأصبح العمران أثرا بعد حين . وتركت منظومة الري وأهملت المجاري لعدم وجود من يبذل الجهود ويهمه استمرار بقائها لاوراء المدن العطشى . وعلى الاخص لمثل نهر العلقمي لطول مجراه . لذلك أمر غازان بتجديد نهر
وكان العمود المنحصر بالفرد للفرات على أثر اضمحلال الفروع التي كانت تأخذ منه وتصب في دجلة ، كنهر عيسى وفوهته من الصقلا . وبه تقريبا مع نهر السراط الذي كان يتفرع منه . فبعد أن كانا يرويان دار السلام أو ـ مدينة المنصور ـ والاراضى المحيطة بهما يصبان في دجلة داخل بغداد . ثم نهر صرر . ينصب ازاء المدائن . ونهر الملك ويصب فيما بين النعمانية والمدائن . ثم نهر سورى الذي انحصر به المجرى . وأصبح المندفع الاعظم لمائه . وكان موقع جسره نفس قضاء المسيب الحاليٍ . وفي الشرقي منه على بعد ميلين كان موقع قصر ابن هبيرة ـ على ما رواه ابن واضح في البلدان (27) ـ على فرع يأخذ مائه من الفرات سمي بنهر النيل أو صراط . وآثار هذا القصر باقية الى يومنا هذا في الجزيرة . في نفس القضاء بمقربة من ضريح ابن القاسم ، يطلق عليه بتل هبيرة .
ويتفرع من نهر سورى أو شط الحلة ، نهر النيل الذي حفره
وكان نهري سورى والنيل يحدثان عند افتراق مجارهما واتصالهما شبه جزيرة بيضوية الشكل . ثم يصبان في بطائح أو أهوارالكوفة .
ولم يزل عمود الفرات على جريانه صوب شط الحلة حتى بعد الالف ومائتين وثمانية الهجرية . اذ حفر نهر الهندية ، بتبرع المتغمد بالرحمة آصف الدولة ، ملك أود ـ الهندي بقصد أرواء ساحة الغري الاقدس . وقد صادف الماء مستوى أخفض من مجراه الطبيعي (28) .
فعلى أثر تشييد السدة الموجودة اليوم ارتوت أراضى الحلة وكربلاء واستمر بها جري الماء طول أيام السنة .
حتى ورد العراق سليمان القانوني العثماني فاتحا أبان حكم الشاه طهماسب الصفوي الاول سنة احدى وأربعين وتسعمائة .
قال نظمي زادة في ( كلشن خلفاء ) (28) : في 28 جمادي الاول سنة 941 هـ قصد الملك المحمود الصفات لزيارة العتبات العاليات ، واتجه نحو كربلاء والنجف ، وزار مرقد سيد الشهداء المنور ، ونال قصب سبق مرامه ،
| شاه اقبال قرين خسرودين شاه صفي | انكه خاك قد مش زبور أفسر امد |
اطلق على هذا النهر حسب منطوق الوثائق القديمة لبعض الحدائق
أنفق السيد كاظم الرشتي من فضله مصرف تجديد انشاء المسجد الواقع في القسم الشرقي من الصحن الحسيني وبتبرع زوجة محمد شاه القاجاري ملك ايران أنفذ ( نهر الرشتية ) الى الزرازة وبطيحة أو هور أبو دبس ، ولتبرع أحد المحسنين من رجال حاشية الشاه عباس الاول الصفوي أبان احتلال الدولة الصفوية للعراق ( 1033 ـ 1042 هـ ) جدد صدرا لهذا النهر .
وعلى أثر التغيير الذي طرأ على مجرى عمود الفرات باحداث الهندية بأمر آصف الدولة الهندي (34) أشكل علينا معرفة الفوهة الاصلية لنهر الحسينية . وكذلك موقعه الذي اختير له من الفرات عند حفره بأمر سليمان القانوني سنة 941 هـ ومن المحتمل أن تكون فوهته بمقربة من مأخذ وفوهة نهر نينوى القديم على التقريب .
الطف : بالفتح والفاء المشددة ، ما أشرف من الجزيرة على ريف العراق .
يحدث الاصمعي : يطف لك ، أي ما دنا وأمكن وطف الفرات : الشاطئ منه (1) ، مع شمول لفظة لكل ساحل ماء ، وجمعه طفوف (2) . اطلق على سبيل العلمية على الساحل الغربي من عمود الفرات حتى آخر حدود الريف ما يتاخم الجزيرة عرضا ، من الانبار حتى بطائح البصرة طولا ويضاف اليه في بعض مواقعه طف كربلاء ، ونينوى ، وشقران (3) وسفوان (4) .
وعلى أثر تعاقب من حكموا العراق من ملوك مختلفين في اللغة كالكلذانية الاولى والثانية ، وملوك الفرس الاعاجم ، والعرب في الدور الجاهلي ثم الاسلامي ، حسب لغتهم ، أطلقوا على المدن والقرى والضياع والانهار ، في كل دور وطبقة ، أسماء أو تحوير لاسمائها الاصلية بحسب
استان ، بهقباذ الاعلى ، الاوسط ، الاسفل . صراط جاماسب ضيزن آباد نيرس ، ( آري فارسى ) .
طف ، حيرة ـ غري ، قادسية ، عذيب خفان ، سنداد ، قطقطانة ، قصر بني مقاتل ، انبار ، عين التمر ، عربي لدور التنوخيين آل نصر المناذرة ملوك الحيرة .
والمسلمون بدورهم أطلقوا أقساس مالك ، كوفة ، بصرة ، سوق حكمة ، سواد ، جرف ، حاير ، غاضرية ، حزن غاضرة ، حصاصة ، طسوج النهرين على المواقع التي اشتهرت به .
وعلى بعض الاسماء الدراجة بتعريب أو تخفيف كبرس لبورسيبا . ( قصر اللغات ) ومن الممكن لكربلاء من كور بابل .
وقد اقتصر ابن النديم في فهرسته على اللغة البابلية أو الكلدانية (5) : ( النبطي أفصح من السرياني ، والذي يتكلم به أهل القرى سرياني ، مكسور وغير مستقيم اللفظ ، وقيل الذي يستعمل في الكتب أو القراءة هو الفصيح ) . من غير أن يلم بصور مفردات حروفه . ومن الممكن ان رسم خط الأسفيني البابلي والهيرغلوفي المصري ، أهملا وانقرضا على أثر سقوط بابل ومصر على أيد داريوس من ملوك الطبقة الثانية الكلدانية .
وعند تحري الجغرافيين لتدوين أسماء المواقع ، اقتصروا على وجوه الاشتقاقات على اللغة العربية دون العطف على المعاني للغات الادوار الغابرة
الحاير بعد الالف ياء مكسورة وراء ، هو في الاصل حوض طبيعي لانخفاضه يجتمع فيه مياه الامطار فيركد فيه لما لا يرى مخرجا أخفض من مستواه ، وعند هبوب الرياح يتحرك الماء بطبيعة الحال اذ يرجع أقصاه الى أدناه ينتهي الى المحل الذي ابتدأ منه أولا فيتحير فيه . أو بالهبوب يتحرك بحركة دورية على نفسه مطمئن الوسط مرتفع الجوانب .
وذكروا في جمعه حوران ، ونفى أبو القاسم برواية الحموي في المعجم من أن يكون له جمع على أنه اسم علم لموضع قبر الحسين (ع) (8) .
وليومنا لم يطرأ على وضعه الطبيعي الذي وضعوه أي تغيير ، سوى ارتفاع مستواه وقاعدته عما كان عليه يوم ضمت تربتها أجداث الجثث
بلغني عند تبليط الصحن الاقدس وبناء أسرابه في العقد العاشر من خاتمة القرن الثالث عشر الهجري ، شوهد في القسم الجنوبي قطعة من حصن قائم لاحد أدوار تطور البناء يقارب شرفاته مستوى التبليط تقريبا .
لم يغب عن ذاكرة الحسين (ع) مع حراجة موقفه وتكابده لاهوال غير مستطاعة من عطف النظر حتى الى ما بعد مصرعه لئلا يدع سبيلا لغرض الأشلاء الى الضياع والتلف . اختار مركزاً في وسط مستوى هذا الحوض وعلمه بفسطاط يقاتلوا أمامه ولنقل الاشلاء من مصارعهم في ساحة المعركة اليه . أمر فتيانه بحمل ولده ( علي ) من مصرعه حتى وضعوه بين هذا الفسطاط . وحمل بنفسه الزكية جسد ابن أخيه القاسم وألقاه مع ولده وحوله القتلى من أهل بيته الهاشميين بجانب دون جانب أنصاره . ولولا عطفه كان من المستحيل تمايزهم خاصة بعد أن اقتطفت الرؤوس من الاجساد ورفعت على الرماح . وأمام هذا الفسطاط في نفس الحوض شاهده عبد الله بن عمار البارقي بمفرده وهو راجل ، فشد عليه رجاله ومن يمينه وشماله ، حمل عليهم أن يذعروا قال : ما رأيت مكسورا وقيل مكثورا قط قتل ولده وأهل بيته وأصحابه أربط جأشاً ولا أمضى جانبا وأجرا مقداما قبله ولا بعده مثله . وكانت الرجالة تنكشف عنه يمينا وشمالا انكشاف المعزا اذا شد فيها الذئب . وفي عين المحال برزت السيدة زينب تقول ( ليت السماء تطابقت ) وأشارت الى ابن سعد : أيقتل أبوعبد الله وانت تنظر إليه ، سالت دموعه على خده ولحيته وأدار طرفه وهو يتقي الرمية ويفترس العورة ويشد على الخيل حتى ضربه زرعة بن شريك على حبل عاتقه وكفه اليسرى . وانفرجوا عنه فصار ينوء ويكبو . أن بلغ مقتله من محل مصرعه .