تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 502

الحياة ولذتها، وقلوت الدنيا وزهرتها، فلا ضحكت سني إن ضحكت وقد ابتليتم بصروف الردى، ولا قرت عيني إن سررت ونساؤكم أسرى يسار بها إلى العدى.
أيقر طرفي ورؤوسكم يسار بها إلى الطغاة؟ أم يسكن وجدي وعيالاتكم يساق بها إلى البغاة؟ أم ترقد مقلتي ومنازلكم نافذة لحمالكم (1)؟ أم تبرد غلتي ومحاريبكم خالية من صلواتكم؟
فها أنذا أستنبط بأكف لوعتي ينابيع أدمعي، وأستخرج بأيدي حسرتي زفراتي من أضلعي، وانظم نثراً من سليم طبعي، وانثر دراً، من قويم صنعي، ويروي لساني عن جريح جناني، وبياني عن صحيح إيماني:
مصابكم في بحار الحزن ألقاني وهد ركني وأجرى دمعي القاني
وصرت من دهري الجاني حليف جوى إلى البكاء بدم الأجفان ألجاني
غريق إنسان عيني بالدموع سوى جليل رزئكم في الخلق انساني
مررت بالأربع اللاتي بكم شرفت فعادني عيد أشجان فأبكاني
ناديتها أين من كانوا بحار ندى ما ان لهم بالسخا والجود من ثان
(1) كذا في الأصل.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 503

كانوا مصابيح ظلماً الضلالة ما أثناهم عن مقال الحق من ثان
كم فيك قد قطعوا طيب المنام وواصلوا الظلام بتسبيح وقرآن؟
وفي عراصك كم أحيوا بجودهم آمال قوم بإفضال وإحسان؟
كانوا بدوردجى لا بل شموس ضحى يهدى بنور هداهم كل حيران
أعلام حق رقوا بالصدق منزلة ما نالها غيرهم قاص ولا داني
بحار علم ولا حد لساحلها بحار حلم وإخلاص بإيمان
كانت منازلهم كنز الفقير وأمـ ـن المستجير وكهف الخائف العاني
فأصبحت بعدهم قفراء موحشة يروى لسان الصدى عنها بتحناني
إن البدور التي كانت مطالعها منازلي هدمتها البعد أركاني
وصرت خالية من بعد انسهم يجاوب البوم مني نعب غربان
أضحت مدارس ذكر الله دارسة في أربعي فلهذا الحزن أوهاني


تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 504

إلى الحسين شهيد الطف أندب أم لمسلم حين أذري الدمع أوهاني؟
أوقفت فكري على الربع الذي ظعنوا عنه وأخلوه من أهل وسكان
والوجد يقلقني والشوق يحرقني والدمع يغرقني من فيض أجفاني
وقلت والحزن يطويني وينشرني والكرب يظهر في سري وإعلاني
يا ربع أين الاولى كانوا حماتك من ريب الزمان ومن هضم وعدوان
ومن ألفتهم كانت غيوث سخا بعارض من سماء الجود هتان
ومن هم في الندى كالشمس تحيي ما على البسيطة من نبت وحيوان
غنا الفقير وأمن المستجير ومن سموا بمجد وإخلاص وعرفان
أعلام علم علت ما أمها بشر إلا تنزه عن جهل ونقصان
أجابني الربع أوداني الزمان بهم وكل شيء سوى رب العلى فان
أخنت عليهم صروف الدهر فانقلبوا بالبعد نائين عن أهل وأوطان


تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 505

في الله اوذوا وباعوا أنفساً طهرت من ذي الجلال بجنات ورضوان
واستشعروا حبنا من حسن صبرهم في الله لم يصرعوا من فقد معواني
قلوبهم جعلوها للدروع وقا من وقع حرب بني حرب وسفيان
كانت مجالس غاداني مكارمهم وهم محال ساداتي وأعياني
فشتت البين شملاً كان مجتمعاً وهدني وبسهم الحزن أصماني
مأواهم في سويدا القلب ما برحوا وفي سواد عيوني كل أحياني
يهزني ذكرهم في خلوتي حزناً كما يهز الصبا غصناً من الباني
فأرسل الطرف لي أطفي ضرام جوى إطفاؤه بغزير الدمع أعياني
وددت لو كنت ترباً ضم أعظمهم قد عظم الله من مثواهم شاني
وصرت أسموا على البيت الحرام بما اوتيت إذ خير أهل الأرض سكان
فيا لها غصة لا تنقضي وجوى لا ينطفي وقضاء جر حرماني


تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 506

كانوا شموساً وأرجائي مشارقها وحسن معناهم روحي وريحاني
حتى إذا غربت عني محاسنهم هد البعاد بكف البين بنياني
يا لائمي لا تلمني إن بكيت دماً عليهم بعويل طول أزماني
أو حرمت مقلتي طيب المنام أو الـ ــفؤاد مني لم يسمح بسلواني
فإن من عمروا ربعي بجودهم وشادني مجدهم فخراً وأعلاني
آل الرسول وأولاد البتول وأبـ ـواب الوصول إلى حور وولدان
نجل الكرام مصابيح الظلام مجا ديح الأنام وأعلا نجل عدنان
بفضلهم صحف الله الاولى نطقت كما أتى مدحهم في آي فرقان
أخنى الزمان عليهم فانثنوا وهم ما بين مخترم بالقتل ظمآني
وبين معتقل بالأسر يرسف في قيوده بين غدارٍ وخوان
ما ان له مستجيب ان شكا برحا من مستشيط بتقريع وعدوان


تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 507

كم من وليد لهم قبل الفطام سقي من كأس حتف بكف الموت ملآن؟
ونسوة منهم عنفاً تساق بها إلى زنيم لفرط البغي جذلان
فكم رؤوس لهم فوق الرماح غدت تهدى إلى شر موصوف بطغيان؟
من عصبة نشأوا في الكفر كم نصبوا الوجوه منهم لأنصاب وأوثان؟
أصحاب بدر واحد والذي نصروا وداً ونسراً بإشراك وبهتان
كم أزمعوا حرب خير المرسلين واعلا العالمين بفرسان وركبان
أولاد آكلة الأكباد أخبث من نشأ على الكفر من شيب وشبان
وعترة الطلقاء القاسطين ومن لم يخلصوا دينهم يوماً بإيمان
كلا ولا اعتقدوا الاسلام مذ كفروا حقاً ولا اتخذوه دين ديان
كلا ولا أسلموا طوعاً بلى قهروا فاستسلموا حذراً من فتك سلطان
حتى إذا وجدوا عوناً يمد لهم حبل الضلالة من رجس وشيطان


تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 508

أبدوا نفاقاً به ضاقت صدورهم وأظهروا الغدر مقروناً بشتان
وأقبلت نحو صفين صفوفهم بصافنات عليها شر فرسان
ليكتموا نعمة الله التي ظهرت ويبدلوا شكرها بغياً بكفران
بحرب أولى الورى منهم بأنفسهم بنص ذكر وتصديق ببرهان
ونص أكرم مبعوث وأشرف منـ ــعوت بصدق وتبليغ وتبيان
وأظهروا شبهة منهم مدلسة في حربه باخترام الرجس عثمان
وهكذا بوحي من سمومهم أردوا فتاة بأمسى رهن أكفان
وسادة من ذويه في الطفوف ثووا أكرم بهم خير سادات وفتيان
تجملوا بلباس الصبر لم يهنوا في الله ما شأنهم في جدهم شان
صلى عليهم إله العرش ما طلعت شمس وما أودعت روح بجثمان
ومثلها لعنات للذين بغوا عليهم ما شدت ورق بأغصان


تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 509


المجلس العاشر

في فضل زيارته صلوات الله عليه، وما صدر في فضله من الأحاديث النبوية، وإجابة الدعاء لدى تربته الشريفة


واصدر المجلس بالخطبة الموسومة بـ «تحفة الزوار ومنحة الأبرار» قلتها بإذن الله في المشهد الشريف.
الحمد لله الذي أظهر دين الاسلام ونشر أعلامه، وأشهر شرع الايمان وبين أحكامه، وجعل أسباب حججه، وبيناته متصلة إلى يوم القيامة، وأسس بنيانه على عرفان درجتي النبوة والإمامة، وأوضح برهانه بمقال سيد الخلق وكلمة الله التامة، محمد سيد المرسلين وشفيع المذنبين يوم الطامة.
شيد الله به الرسالة، وأيد بالمعجز مقاله، وأعلى على كل جلال جلاله ومقامه، فهو صلى الله عليه وآله أكرم وارث وموروث، وأفضل مرسل ومبعوث، إلى الخاصة والعامة.
أيده الله بوصيه سيد الأوصياء، وصفيه قدوة الأصفياء، وبعاضده في الشدة والرخاء، رب الرئاسة العامة, أميرالمؤمنين، ومبير الظالمين، ونصير المظلومين، ذي الامامة والزعامة. صاحب الغدير، وصائم الهجير، وبدر الحق

تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 510

المنير، إذا أبدى الباطل ظلامه.
جعل الله سبطي نبي الرحمة ولديه، وسيدي شباب أهل الجنة، وفرعي جميع الامة فرعيه، وحبه بداء الايمان وختامه، الأئمة الأطهار من ولده، والعترة الأخيار من عده، والملائكة الأبرار من جنده، حين أظهر الحق ببدر وحنين وأقامه.
نحمد ربنا إذ جعلنا من المستمسكين بعروة عصمته، السالكين واضح طريقته، لا نقدم عليه من لا يعادل شسع نعله، ولا نؤخره عمن ليس له فضل كفضله ولا أصل كأصله، بل نعتقده بعد سيد المرسلين، أفضل أهل السماوات وأهل الأرضين، ونقدمه بعد خاتم النبيين، على جميع الأنبياء والأولياء الصديقين، بل وعلى الصافين الحافين، وحملة العرش من الملائكة المقربين.
حبه مفاتيح أبواب الجنان، وبغضه مقاليد دركات النيران، لا إيمان إلا حبه، ولا قربى إلا قربه، ولا عترة إلا عترته، ولا ذرية إلا ذرية، جل أن يدرك وصف الواصفين سيداً البتولة الزهراء عرسه، والأئمة النجباء غرسه، ونفس سيد الأنبياء نفسه، وسرة البطحاء فضله وجنسه.
حد شجاعته تام وما سواه ناقص، ورسم شهامته في أعلى مقام إذ غيره ناكص، فروا ولم يفر، وغيروا ولم يغير، وبدلوا ولم يبدل، وخذلوا ولم يخذل، قياس من ساماه في الفخر عقم، وأساس من جاراه في المجد سقم، يقتطف رؤوس الأبطال اقتطافاً، ويختطف نفوس الشجعان اختطافاً، بدر الدجى في كفه زحل إذا مشى بين الصفين، وشمس الضحى في دارة الحمل إذا قضى بين الخصمين.

تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 511


علم يهتدي المهتدون بواضح مبادئه، وعالم يقتدي المقتدون بساطع أنواره، فارس النهار والليل، ومنكس الأبطال عن صهوات الخيل، راهب العرب إذا جن الظلام، وكاشف الكرب عن وجه سيد الأنام، طاهر النسب، ظاهر الحسب، ضراب القلل، بطل السهل والجبل، حليف الكتاب، أليف المحراب، خواض الغمرات، شديد العزمات.
خلفاء الله على عباده ورتبه، وامناؤه في بلاده عترته، مشاهدهم معارج الدعوات، وضرائحهم مصاعد الحسنات، تحن قلوب المؤمنين إلى زيارتها حنين الطير إلى أوكارها، وتتشوق نفوس المخلصين إلى وفادتها واعتمادها، جعلها الله أشرف بقاع الأرض، وسبب النجاة في الحساب والعرض، والهجرة إليها أفضل أعمال الثقلين، لا سيما مرقد أبي عبدالله الحسين، الذي هدم ركن الايمان بوفاته، وقصم حبل الاسلام بفواته، فهو مهبط ملائكة الله المقربين، ومختلف أرواح الأنبياء والمرسلين.
مسجده أفضل مسجد أسس على التقوى من أول يوم، ومشهده أشرف مشهد بنيانه من أولياء الله أشرف قوم، إن يكن البيت الحرام قبلة للأنام ومعدناً للبركات، فلكربلاء بحلول سبط المصطفى في تربتها مرجحات، شمخت الكعبة فخراً إذ منحت رفعة تعلو على هامة السماك الأعزل والمشتري، فخوطبت بلسان التأديب: قري كعبة فلولا أرض يقال لها كربلا لما خلقتك، فأطيلي وأقصري.
شرف الكعبة بمولد سيد الوصيين كان مقدار ساعة، وشرف كربلاء بضريح سبط خاتم النبيين إلى قيام الساعة، إن يكن الطواف بالكعبة به تمام الحج والعمرة، فالطواف بضريحه يعدل ثوابه ثواب ذلك ألف ألف مرة، إن تكن

تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 512

الكعبة قبلة جباه المسلمين، فكربلا وجهة قلوب المؤمنين، إن تكن الصلاة في المقام عزيمة وفريضة، فبغير ولايته وولاية آبائه وأبنائه لا تعادل عند الله جناح بعوضة، إن يكن البيت العتيق عتيق من الطوفان والغرق، فمقامه صلوات الله عليه لما اجري عليه الماء جار وما انطلق، إن تكن أفئدة من الناس تهوي الى البيت الحرام، فقلوب المؤمنين تحن إلى زيارته على الدوام.
جعل الله التوفيق زمام عصابة من أوليائه تقودها به إليه، ومغناطيس نفوس خلاصة من أصفيائه يتهافتون شوقاً عليه، لا تأخذهم في وفادته لومة لائم، ولا تثني عزائمهم عن زيارته مخافة ناصب ولا غاشم، بذلوا أنفسهم وأموالهم ليستظلوا بظلال تلك العواطف والمراحم، وهجروا أبناءهم وديارهم هجرة إلى الله ورسوله لينالوا الزلفى من تلك الجوائز والمكارم ، زجوا القلوص من كل فج عميق ، وحثحثوا الركاب من كل مرمى سحيق، تركوا الأطفال كاليتامى، والحلائل كالأيامى، تلفح وجوههم الهواجر بسمومها ورياحها، وتهزل أجسامهم المغاور بغدوها ورواحها، تبسط الملائكة أجنحتها لمواطىء أقدامهم، وتبارك عليهم في صلواتها في مسيرهم ومقامهم، لهم معقبات من بين أيديهم ومن خلفهم يحفظونهم من أمر الله بالغدو والآصال، ولو لا ذلك لاصطلمتهم أكف الناصبة اولي الجحود والضلال، حتى إذا لاحت لهم من جانب طور كربلاء أنوار ذلك الجناب، وأشرقت عليهم شموس العرفان من تلك القباب، اديرت كؤوس السرور على نفوسهم وقلوبهم، إذ فازوا بنيل المنى من وليهم ومطلوبهم ومحبوبهم.
لما شربوا من شراب حبة بالكأس الروية صرفاً، زادهم العناية الإلهية توفيقاً وعرفاناً ولطفاً، نادى فيهم المنادي لما دنا من النادي، وغنى لهم الحادي

تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 513

لما ترنم الشادي، وأنشد بشأن حالهم مفصحاً، وغرد ببيان مقالهم موضحاً:
طور جمال حسنكم لما بدا لاح لقلب صبكم نور الهدى
بدا كبرق من سجاف مزنه فجدد العهد بكم وأكدا
وحقكم لا حلت عن عهدي وإن اتهم فيكم لائمي وأنجدا
يروم مني سلوة ولا أرى ان يسلوني عن هواكم رشدا
كيف سلوي وهواكم مفزعي إذا عرى خطب رماني واعتدى
حبكم لي جنة وجنة في هذه الدنيا وفي الاخرى غدا
سعت إليكم قدمي ولو على رأسي سعيت كأن حظي أسعدا
إن تطردوني فإلى من ألتجي؟ أو تبعدوني فبمن أرمي العدا؟
يا كربلا سقا ثراك مسبل يكسو الربا ربر جداً وعسجداً
فيك ثوى أشرف من مشى على وجه الثرى سبط النبي أحمدا
خير الورى جداً واماً وأباً ومنصباً ومنسباً ومحتدا
وتربة ومهجعاً ومصرعاً ومعبداً ومسجداً ومشهداً
أملاك عرش الله حقاً علموا بفضله فاتخذوه مسجدا
قد جعل الله لهم من عرشه إلى ثراه مهبطاً ومصعداً
تهوي إليه عصبة ما وجدت من دون آل أحمد ملتحدا
يلومهم في قصدهم قوم شروا ببغيهم دين الضلال بالهدى
حتى إذا ما شاهدوا مشهده ولاح نور الله منه وبدا
وأقبلوا تحفهم ملائك بإذن ذي العرش يفون العددا
قاموا على الباب فنودوا طبتم بما صبرتم فادخلوه سجدا
وعفروا الخد على أعتابه شكراً تنالوا رفعة وسؤددا
يا زائري سبط النبي دينكم دين الهدى وغير دينكم سدى
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 514

قد هيأ الله لكم من أمركم بزروة المقتول ظلماً رشدا
تصافحون الرسل الكرام والأملاك في حضرته والشهدا
صاروا لكم خوان صدق عنده وهم لكم يوم القيامة شهدا
أسماؤكم في صحف المجد غدت معرفة وخبراً ومبتدا
اوبوا بخير ما يؤوب وافد به من الخلق على من وفدا
وجاهدوا وصابروا ورابطوا من خالق الحق عناداً واغندا

فطربوا لنغمة الحادي شكراً، وأظهروا لله حمداً وشكراً، ولما أطربهم بلبل ذلك الدوح بشهي نغمته، وحركهم محرك الحي بفصيح كلمته، أقبلت الملائكة الكرام تزفهم بأنواع التوقير والتعظيم، وتبشرهم بمغفرة من ربهم ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم، خالدين فيها أبداً إن الله عنده أجر عظيم. (1)
حتى إذا وقفوا بتلك الأعتاب، وقرعوا ببذل الاخلاص ذلك الباب، وكشف لهم عن وجه الحبيب النقاب، وارتفع الحجاب عن ذلك الجناب، ناداهم رب الأرباب، ومعتق الرقاب: « أني لا اضيع عمل عامل منكم من ذكر أو انثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا واخرجوا من ديارهم واوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لاكفرن عنهم سيئاتهم ولادخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثواباً من عند الله والله عنده حسن الثواب» (2) وقيل لهم نيابة عن رب العالمين: « ادخلوها بسلام آمنين» (3).
(1) إقتباس من الآيتين: 21 و 22 من سورة التوبة.
(2) سورة آل عمران: 195.
(3) سورة الحجر: 46.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 515


فأقبلوا يسافهون مسامع زعام ذلك المقام بشفاههم، وينفثون ثرى مواطىء الأقدام بجفونهم وجباههم، طالبين نظرة من محجوب جماله، سائلين قطرة من زلال إفضاله، قد أخضبوا النجاد بواكف عبراتهم، وأشرفوا البلاد بتصاعد زفراتهم، يعجون إلى الله من ذنوبهم عجيج الثكلى، ويضجون ضجيج شدة البلوى.
ولما أحرزوا الأرباح في متجر عبادتهم، وفازوا بالنجاح من قبول زيارتهم، وضعت تيجان العرفان على هامات هممهم، وافرغت خلع الأعطاف على أعطاف كرمهم، واحبروا من جوائز الغفران بما لا عين رأت ولا اذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ولا حصر بحد ولا قدر، وقيل لهم: ارجعوا فقد حمد الله سعيكم وشكر، وغفر لكم ما تقدم من ذنبكم وما تأخر.
فأبوا مغفورة ذنوبهم، مستورة عيوبهم، قد أظلهم الله بظل رحمته، ونظر إليهم بعين عنايته، يباهي بهم ملائكة أرضه وسمائه، وأرواح أنبيائه وأوليائه، قد أثبت أسماءهم في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة، بأيدي سفرة كرام بررة، « ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطأون موطئاً يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلاً إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون وادياً إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون» (1)

الدعاء للزائرين من المؤمنين

اللهم إن هذه العصابة الزائرة من أوليائك المؤمنين، والجماعة الحاضرة
(1) سورة التوبة: 121 و 122.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 516

من أصفيائك المخلصين، قد هجروا أوطانهم هجرة إليك، وفارقوا بلدانهم اعتماداً عليك، وأنفقوا أموالهم ثقة بما في يديك، وناديتهم إلى زيارة سبط نبيك فأجابوا بلبيك اللهم لبيك، قد نصبوا أنفسهم لاحتمال الأذى من العصابة الناصبة، ووطنوا أسماعهم لاستماع الهجر من الطائفة المارقة الكاذبة، يقاسون في مسيرهم من أعداء الله ما الموت أيسر من (1) بعضه، ويتحملون الأذى في ذات الله ممن خف ميزانه يوم حسابه وعرضه، يعيرهم بنو الزناة بوفادتهم على وليك وابن أوليائك، ويوبخهم نجل البغاة بتوجههم إلى صفيك وابن أصفيائك، ويستحلون أنفسهم وأموالهم، ويغرون بهم سفهاءهم وجهالهم، قد اعتقدوا أذى المؤمنين من أفضل الطاعات، والوقيعة في أعراض الصالحين من أكل القربات، وتكرار غيبتهم في لهواتهم أحلى من مكرر القند والضرب، والتجسس على عوراتهم أفخر ما يقتنى ويكتسب.
اللهم إن علماءهم وأعلامهم وامراءهم وحكامهم ووعاظهم وخطباءهم قد طغوا في البلاد، فأكثروا فيها الفساد، فصب عليهم من قهرك سوط عذاب، وكن لهم يا رب بالمرصاد.
اللهم العن جبتهم وطاغوتهم، وودهم وسواعهم، ولا تهم وعزاهم، وذكرهم وانثاهم، ومبدأهم ومنتهاهم، وارم بلادهم بالخميس يتلوه الخميس، والعساكر يحقرها العساكر، وسلط عليهم من لا يرحم صراخهم بتضرعهم، ولا تقبل عشارهم بتوجههم، فيسومهم الخسف، ويذيقهم الحتف، ويفل غربهم، ويذل صحبهم، ويثقل أغلالهم، ويسلب مالهم، ويذبح أطفالهم، ويستبيح نساءهم، ويستعبد أبناءهم، فإنهم قد أهانوا أولياءك، وأغروا أعداءك،
(1) لفظ «من» أثبتناه لاقتضاء السياق.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 517

وألحدوا في آياتك، وكذبوا ببيناتك.
عالمهم منافق، وواعظهم مارق، وسراجهم غاسق، وتقيهم فاسق، عشاهم من رشاهم، وملبوسهم من تلبيسهم، وحللهم من حليهم، ومزراتهم من مزواريهم (1) وسرابيلهم من أكاريبهم.
ذئاب بل ذباب، وسباع بل كلاب، يتهافتون على جمع الحطام، ويتهالكون على أكل الحرام.
« ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالاً في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم» (2)، « رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجراً كفاراً» (3).
اللهم وأفرغ على زوار سبط سيد الأنبياء، وقرة عين سيدة النساء، صبراً جميلاً، وامنحهم فرجاً قريباً، واخلفهم فيمن خلفوا، واخلف عليهم ما أنفقوا، واجعل البر والتقوى شعارهم، والسلامة من كل الأسواء دثارهم، واجعل لهم معقبات من بيد أيديهم ومن خلفهم يحفظونهم من أمرك، واكبت أعداءهم بشدة بطشك وقهرك.
اللهم إنك آتيت لهم بكل درهم أنفقوه في زيارتهم عشرة آلاف مدينة في جنتك، وأعددت لهم ما لا عين رأت سمعت في جوار رحمتك، فصل على محمد وآل محمد، وزدهم من فضلك يا واسع الرحمة، وأتمم عليهم من
(1) كذا في الأصل.
(2) سورة يونس: 88.
(3) سورة نوح: 26 و 27.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 518

جودك هذه النعمة، وأبلغهم مأمنهم، وأوصلهم موطنهم، مغفورة ذنوبهم، مستورة عيوبهم، معصومين في حلهم وارتحالهم، محفوظين في عيالهم وأطفالهم.
اللهم ومن أحللت به قضاءك منهم قبل وصول وطنه، وجرعته كؤوس المنون قبل ورود عطنه، فصل على محمد وآل محمد، وارحم غربته، وصل وحدته، وآنس وحشته، بجوار نبيك سيد المرسلين، وأخيه علي أميرالمؤمنين، وآلهما الأئمة الطاهرين، برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم وأنا عبدك المسكين، الضارع المستكين، حططت رحلي بفنائك، وألقيت كلي على وليك وابن أوليائك، متخداً حضرته الشريفة موطناً ومنزلاً، لا اريد منها بدلاً، ولا ألقى عنها حولاً، حين ذرفت السن على السبعين، وخلفت الاخوان والأهلين.
اللهم فكما ختمت عمري بمجاورته، وأهلتني للكون في حضرته، وجعلت لي عندك قدم صدق بملازمته، وأثبت اسمي في جرائد الموسومين بخدمته، والمخلصين في محبته، ازين المنابر بذكر مناقبه ومناقب آبائه، واسر المحاضر بنشر مرابته ومراتب أبنائه، فصل على محمد وآل محمد، واجعل حضرته الشريفة موطن حياتي ومماتي، وكفر بملازمتها سيئاتي، وضاعف بمجاورتها حسناتي، واجعل ثراها موضعاً لقبري بعد وفاتي، وأحيني فيها سعيداً، وأمتني شهيداً، ولا مبدلاً، ولا ضالاً ولا مضلاً، بل مستمسكاً بعروتك الوثقى، سالكاً طريقة نبيك المصطفى، وأخيه وليك المرتضى، وآلهما الأئمة النجباء، إنك على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير.