المجالس السنية ـ الجزء الخامس 276

المجلس السابع والثلاثون بعد المائتين

حج هشام بن عبد الملك في خلافة أخيه الوليد ومعه رؤساء أهل الشام فجهد ان يستلم الحجر فلم يقدر من ازدحام الناس فنصب له منبر فجلس عليه ينظر الى الناس وأقبل علي بن الحسين عليهما السلام وهو أحسن الناس وجهاً وانظفهم ثوبا وأطيبهم رائحة فطاف بالبيت فلما بلغ الحجر الأسود تنحى الناس كلهم واخلوا له الحجر ليستلمه هيبة واجلالا له فغاظ ذلك هشاماً وبلغ منه فقال رجل لهشام من هذا أصلح الله الأمير قال لا أعرفه وكان به عارفاً ولكنه خاف ان يرغب فيه أهل الشام ويسمعوا منه فقال الفرزدق وكان حاضراً أنا أعرفه فسلني يا شامي قال ومن هو قال :
هذا الذي تـعرف البطحاء وطأته والبيت يعرفـه والحل والـحرم
هذا ابـن خـير عـباد الله كـلهم هـذا التقي النـقي الطاهر العلم
هذا ابـن فاطمة ان كنـت جاهله بجـده أنبـياء الله قـد ختـموا
وليـس قولك مـن هـذا بضائره العرب تعرف من أنكرت والعجم
اذا رأتـه قـريـش قـال قائـلها الـى مكارم هـذا يـنتهي الكرم
يـكاد يـمسكه عـرفان راحـته ركن الحطيم اذا مـا جاء يسـتلم
الله شـرفـه قـدمـا وعـظـمه جرى بـذاك لـه في لوحة القلم
أي الـخلائق ليست فـي رقـابهم لأولـيـة هـذا أولــه نـعـم
من يـشكر الله يشـكر أوليـة ذا فالدين من بيت هـذا نـاله الأمم
ينمى الى ذروة الدين التي قصرت عنها الأكـف وعن ادراكها القدم

المجالس السنية ـ الجزء الخامس 277

مـن جده دان فـضل الأنبياء له وفـضل أمـته دانـت له الأمـم
مشتقة مـن رسـول الله نبعـته طابـت مغارسـه والخيم والشيم
ينشق ثوب الدجى عن نور غرته كالشمس تنجاب عن اشراقها الظلم
مـن معشر حبهم دين وبغضـهم كفـر وقـربهم منـجى ومعتصم
مـقـدم بعـد ذكر الله ذكـرهم في كـل بـدء ومخـتوم به الكلم
ان عـد أهل التقى كانوا أئـمتهم أو قيل مـن خير الأرض قيل هم
لا يسـتطيع جـواد بعض جودهم ولا يدانيـهم قـوم وان كـرموا
يستدفـع الـشر والبلـوى بحبهم ويسترب بـه الاحـسان والنـعم

قال فغضب هشام فحبسه بعسفان بين مكة والمدينة فقال :
ايحـبسني بين المدينـة والتي اليها قلوب الناس يهوي منيبها
يقلب رأساً لم يكن رأس سيد وعيناً له حولاء باد عـيوبها

فبعث اليه هشام فأخرجه ووجه اليه علي بن الحسين عليه السلام عشرة آلاف درهم وقال أعذر يا أبا فراس فلو كان عندنا في هذا الوقت أكثر من هذا لوصلناك به فردها وقال ما قلت ذلك الا لله وما كنت لأرزأ عليه شيئاً فقال له علي قد رأى الله مكانك فشكرك ولكنا أهل بيت أنفذنا شيئاً ما نرجع فيه فأقسم عليه فقبلها . هذه فضائل علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام وهذه صفاته وأحواله فمثل هذا الامام في عظم شأنه وجلالة قدره يصبح أسيراً تارة لعبيد الله بن زياد وابن مرجانة وتارة ليزيد بن معاوية وهو امام أهل البيت الطاهر الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً والذي جعل الله ودهم أجر الرسالة . ولما أرسله ابن زياد مع السبايا الى يزيد بالشام أمر به فغل بغل الى عنقه حتى أدخل على يزيد بن معاوية بتلك الحال .

المجالس السنية ـ الجزء الخامس 278

يا غـيرة الله اغضـبي لنـبيه وتزحزحي بالبيض عن اغمادها
من عصبة ضاعت دماء محمد وبنـيه بيـن يزيـدها وزيادها
صفات مـال الله مـلء أكفها وأكـف آل الله فـي أصفـادها
المجلس الثامن والثلاثون بعد المائتين

روي عن الصادق «ع» انه قال : كان علي بن الحسين عليهما السلام اذا دخل شهر رمضان لا يضرب عبداً له ولا امة وكان اذا اذنب العبد والامة يكتب عنده اذنب فلان أذنبت فلانة يوم كذا وكذا ولا يعاقبه حتى اذا كان آخر ليلة من شهر رمضان دعاهم وجمعهم حوله ثم اظهر الكتاب ثم قال يا فلان فعلت كذا وكذا ولم اؤدبك اتذكر ذلك فيقول بلى يا ابن رسول الله حتى يأتي على آخرهم ويقررهم جميعاً ثم يقوم وسطهم ويقول لهم ارفعوا اصواتكم وقولوا يا علي بن الحسين ان ربك قد احصى عليك كلما عملت كما احصيت علينا كلما عملنا ولديه كتاب ينطق عليك بالحق لا يغادر صغيرة ولا كبيرة مما اتيت الا احصاها كما لديك كتاب ينطق بالحق علينا لايغادر صغيرة ولا كبيرة مما اتيناها الا احصاها وتجد كلما عملت لديه حاضراً كما وجدنا كلما عملنا لديك حاضراً فاذكر يا علي بن الحسين ذل مقامك بين يدي ربك الحكم العدل الذي لا يظلم مثقال حبه من خردل ويأتي بها يوم القيامة وكفى بالله حسيباً وشهيداً فاعف واصفح يعف عنك المليك ويصفح فانه يقول وليعفوا وليصفحوا الا تحبون ان يغفر الله لكم وهو ينادي بذلك على نفسه ويلقنهم وهم ينادون معه وهو

المجالس السنية ـ الجزء الخامس 279

واقف بينهم يبكي وينوح ويقول رب : انك امرتنا ان نعفو عمن ظلمنا وقد ظلمنا انفسنا فنحن قد عفونا عمن ظلمنا كما امرت فاعف عنا فانك اولى بذلك منا ومن المأمورين وامرتنا ان لا نرد سائلا عن ابوابنا وقد اتيناك سؤالا ومساكين وقد انخنا بفنائك وببابك نطلب نائلك ومعروفك وعطاءك فامنن بذلك علينا ولا تخيبنا فانك اولى بذلك منا ومن المأمورين إلهي كرمت فأكرمني اذ كنت من سؤالك وجدت بالمعروف فاخلطني بأهل نوالك يا كريم (ثم) يقبل عليهم ويقول قد عفوت عنكم فهل عفوتم عني ما كان مني اليكم من سوء ملكة فاني مليك سوء لئيم ظالم مملوك لملك كريم جواد عادل محسن متفضل فيقولون قد عفونا عنك يا سيدنا وما اسأت فيقول «ع» لهم قولوا (اللهم اعف عن علي بن الحسين كما عفا عنا فاعتقه من النار كما اعتق رقابنا من الرق) فيقولون ذلك فيقول «ع» (اللهم آمين رب العالمين) اذهبوا فقد عفوت عنكم واعتقت رقابكم رجاء للعفو عني وعتق رقبتي فيعتقهم فاذا كان يوم الفطر اجازهم بجوائز تصونهم وتغنيهم عما في ايدي الناس .
امثل هذا الامام الذي هذه صفاته وهذا ورعه وكرمه وخوفه وهو لم يهم بمعصية وكان سيد اهل زمانه في علمه وفضله وعبادته وزهده يحمل اسيراً مع عماته واخواته ومن تخلف من اهل بيته الى الد عي ابن الدعي عبيه الله بن زياد وابن مرجانة بالكوفة ويحمل مغلولا بغل من الكوفة الى يزيد بن معاوية بالشام ومعه عماته واخواته حتى ادخل على يزيد مع عماته واخواته واهل بيته وهم مقرنون في الحبال فلما وقفوا بين يديه وهم على تلك الحال قال له علي بن الحسين «ع» انشدك الله يا يزيد ما ظنك برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لو رآنا على هذه الصفة فلم يبق في القوم احدا الا وبكى فامر يزيد باحبال فقطعت وامر بفك الغل عن زين العابدين «ع»

المجالس السنية ـ الجزء الخامس 280

ليـس هـذا لـرسول الله يا امة الطغيان والبغي جزا
جزروا جزر الاضاحي نسله ثم ساقوا اهله سوق الاما
المجلس التاسع والثلاثون بعد المائتين

قال ابن الاثير في تاريخه قال الشافعي : بلغني ان عبد الملك بن مروان قال للحجاج ما من احد الا وهو عارف بعيوب نفسه فعب نفسك ولا تخبأ منها شيئاً قال يا امير المؤمنين انا لجوج حقود فقال له عبد الملك اذاً بينك وبين ابليس نسب فقال ان الشيطان اذا رآني سالمني (قال) حبيب بن ابي ثابت قال علي «ع» لا تموت حتى تدرك فتى ثقيف قيل له يا امير المؤمنين ما فتى ثقيف قال ليقالن له يوم القيامة اكفنا زاوية من زوايا جهنم رجل يملك عشرين او بضعاً وعشرين سنة لا يدع لله معصية الا ارتكبها حتى لو لم تبق الا معصية واحدة وبينه وبينها باب مغلق لكسره حتى يرتكبها يقتل بمن اطاعه من عصاه (وقيل) احصي من قتله الحجاج صبراً بغير حرب فكانوا مائة الف وعشرين الفاً «قال» عمر بن عبد العزيز لو جاءت كل امة بخبيثها وجئنا بالحجاج لغلبناهم (قال) عاصم سمعت الحجاج يقول للناس والله لو امرتكم ان تخرجوا من هذا الباب فخرجتم من هذا حلت لي دماءكم ولا اجد احداً يقرأ على قراءة ابن مسعود (وهو احد القراء السبعة من الصحابة) الا ضربت عنقه ولأحكنها من المصحف ولو بضلع خنزير (وقال) ابن ابي الحديد كان اهل النسك والصلاح والدين يتقربون الى الحجاج ببغض علي «ع» وموالاة

المجالس السنية ـ الجزء الخامس 281

اعدائه حتى ان انساناً وقف للحجاج وصاح ايها الامير ان اهلي عقوني فسموني علياً واني فقير بائس واني الى صلة الامير محتاج فتضاحك له الحجاج وقال لطف ما توسلت به قد ولتك موضع كذا مثل الحجاج كان ابن زياد فانه بعد ان افنى آل رسول الله قتلا يوم كربلاء لم يرق قلبه لعلي بن الحسين عليهما السلام كفيل نساء آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبناته حين ادخلوا عليه بالكوفة حتى امر بقتله فقال يا غلمان خذوه فاضربوا عنقه فتعلقت به عمته زينب عليها السلام وذلك حين عرض عليه علي بن الحسين عليهما السلام فقال من انت فقال علي بن الحسين فقال اليس قد قتل الله علي بن الحسين فقال له علي قد كان لي اخ يسمى عليا قتله الناس قال بل الله قتله فقال علي بن الحسين الله يتوفى الانفس عند موتها فغضب ابن زياد وقال وبك جرأة لجوابي وفيك بقية للرد علي اذهبوا به فاضربوا عنقه فتعلقت به عمته زينب وقالت يا ابن زياد حسبك من دمائنا واعتنقته وقالت لا والله لا افارقه فان قتلته فاقتلني معه فنظر ابن زياد اليها واليه ساعة ثم قال عجباً للرحم والله اني لاظنها ودت اني قتلتها معه دعوه فاني اراه لما به اي هو شديد المرض (وفي رواية) ان علي بن الحسين عليه السلام قال لعمته اسكتي يا عمه حتى اكلمه ثم اقبل عليه فقال ابالقتل تهددني يا ابن زياد اما علمت ان القتل لنا عادة وكرامتنا الشهادة .
أ آل رسـول الله لابنـي سمية وهند على الاقتاب تـسبى وتؤسر
ولا مـن رجال المسلمـين مغير لشـيء ولا فيـهم لـذلك منـكر
فمالـت على ابنائـه الغـر امة تصلي لدى ذكـر اسمه حين يذكر
اهم يا لقومي في الورى خير امة وقد قتلوا ابـن المصطفى وتجبروا
اذلك اجـر المصـطفى وجزاؤه على الفعل منكم حين يجزي ويؤجر

المجالس السنية ـ الجزء الخامس 282

المجلس الاربعون بعد المائتين

كان سعيد بن جببر من خيار التابعين الموالين لأهل البيت عليهم السلام وكان يأتم بعلي بن الحسين زين العابدين عليه السلام وكان علي بن الحسين «ع» يثنى عليه ولاجل ذلك قتله الحجاج قال ابن قتيبة في الامامة والسياسة وغيره ارسل عبد الملك بن مروان خالد بن عبد الله القسري والياً على مكة وكتب معه قد برئت الذمة من رجل آوى سعيد بن جبير وحلف خالد لا يجده في دار احد الا قتله وهدم داره ودور جيرانه فاخبره رجل انه مختف في واد من اودية مكة فارسل في طلبه فقال له الرسول انما امرت باخذك بالله من ذلك فالحق بأي بلد شئت وانا معك قال يؤخذ أهلك وولدك قال فاني اكلهم الى الله قال سعيد لا يكون هذا فأتى به الى خالد فشده وثاقاً وارسله الى الحجاج فقيل له ان الحجاج كان قد شعر به فاعرض عنه فلو تركته لكان ازكى من كل عمل فقال والله لو علمت ان عبد الملك لا يرضى عني الا بنقض الكعبة حجراً حجراً لنقضتها فلما قدم على الحجاج قال ما اسمك قال سعيد قال ابن من قال ابن جبير قال بل انت شقي ابن كسير قال امي اعلم باسمي قال شقيت وشقيت امك قال الغيب يعلمه غيرك قال لأوردنك حياض الموت قال اصابت اذا امي اسمي قال لابدلنك بالدنيا ناراً تلظى قال لو اعلم ان ذلك بيدك لا تخذتك الهاً قال فما قولك في محمد قال نبي الرحمة قال فما قولك في الخلفاء قال لست عليهم بوكيل قال ايهم اعجب اليك قال ارضاهم لخالقه قال فأيهم ارضاهم لخالقه قال علم ذلك عند من يعلم سرهم ونجواهم قال فما قولك في علي افي الجنة

المجالس السنية ـ الجزء الخامس 283

هو ام في النار قال لو دخلت الجنة فرأيت اهلها علمت من فيها ولو دخلت النار فرأيت اهلها علمت من فيها قال فأي رجل انا يوم القيامة قال انا اهون على الله من ان يطلعني على الغيب قال ابيت ان تصدقني قال بل لم ارد ان اكذبك قال مالك لم تضحك قط قال كيف يضحك مخلوق من طين والطين تأكله النار ومنقلبه الى الجزاء ويصبح ويمسي في الابتلاء قال فأنا اضحك قال كذلك خلقنا الله اطواراً قال هل رأيت اللهو قال لا اعلمه فدعا الحجاج بالعود والناي فلما ضرب بالعود ونفخ في الناي بكى سعيد قال الحجاج ما يبكيك قال اما هذه النفخة فذكرتني يوم النفخ في الصور واما هذا العود فنبت بحق وقطع لغير حق قال قاتلك قال قد فرغ من تسبب موتي قال انا احب الى الله منك قال لا يقدم احد على ربه حتى يعرف منزلته منه قال كيف لا وانا مع امام الجماعة وانت مع امام الفرقة والفتنة قال ما انا بخارج عن الجماعة ولا راض بالفتنة قال كيف ترى ما نجمع لامير المؤمنين قال لم اره فدعا بالذهب والفضة والكسوة والجوهر فوضع بين يديه قال هذا حسن ان قمت بشرطه قال ما شرطه قال ان تشتري له به الامن من الفزع الاكبر يوم القيامة ولا ينفعه الا ما طاب منه قال اترى جمعنا طيباً قال برأيك جمعته وانت اعلم بطيبه قال اتحب ان لك شيئاً منه قال لا احب ما لا يحب الله قال ويلك قال الويل لمن زحزج عن الجنة فأدخل النار قال اذهبوا به فاقتلوه قال اني اشهدك ان لا اله الا الله وحده لا شريك له وان محمداً عبده ورسوله فلما ادبر ضحك قال الحجاج ما يضحك قال عجبت من جرأتك على الله وحلم الله عليك قال اضربوا عنقه قال حتى اصلي ركعتين فاستقبل القبلة وهو يقول وجهت وجهي للذي فطر السموات والارض حنيفاً مسلما وما انا من المشركين قال اصرفوه عن القبلة الى قبلة النصارى الذين تفرقوا فانه من

المجالس السنية ـ الجزء الخامس 284

حزبهم فصرف عن القبلة فقال اينام تولوا فثم وجه الله ثم قال اللهم لا تترك له ظلمي واطلبه بدمي واجعلني آخر قتيل يقتله من امة محمد صلى الله عليه وآله وسلم فضربت عنقه . (وكم من قتيل وشهيد وسجين وشريد على ايدي بني امية واتباعهم امثال سعيد بن جبير لم يكن لهم ذنب الا حب اهل بيت نبيهم وليس ذلك بعجيب من قوم حاربوا الاسلام بما استطاعوا فكانت في ايديهم رايات الكفار مقابل راية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في جميع المواقف فلما ظهر امر الله وهم كارهون دخلوا في الاسلام كرها واسروا النفاق فلما امكنتهم الفرصة وثبوا على اهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلى كل من احبهم ووالاهم فاوسعوهم قتلا وحبساً وتشريداً يريدون ليطفئوا نور الله بافواههم وبأبى الله الا ان يتيم نوره فوثبوا على ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ووصيه وخليفته في امته ونازعوه حقه وبغوه الغوائل وجرعوه الغصص وسفكوا دماء المسلمين حتى قتل صلوات الله عليه بسيف ابن ملجم مظلوماً مقهوراً ووثبوا على ابنه من بعده وريحانة رسول الله الحسن بن علي حتى اضطروه بفسادهم وبغيهم الى ترك حقه وقتلوه شهيداً بالسم وجيشوا الجيوش على اخيه الحسين بن علي احد ريحانتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسبطيه فاخرجوه عن حرم جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعن حرم الله وقتلوه بارض كربلاء غريباً ظامياً وحيدا صابراً محتسباً كل هذا وهم يدعون انهم على دين الاسلام :
افتدعي الاسلام قوم حاربت آل الـنبي ولـم تـراع وصاتاً
ضربوا بسيف محمد ابناءه ضرب الغرائب عدن بعد ذيادها

المجالس السنية ـ الجزء الخامس 285

المجلس الواحد والاربعون بعد المائتين

في منتخب الطريحي حكي عن الشعبي الحافظ لكتاب الله تعالى انه قال استدعاني الحجاج في يوم عيد الأضحى فقال لي أي يوم هذا فقلت هذا يوم الأضحية قال بم يتقرب الناس في مثل هذا اليوم فقلت بالأضحية والصدقة وأفعال البر والتقوى فقال لي اعلم اني قد عزمت ان أضحي برجل حسيني قال الشعبي فبينما هو يخاطبني اذ سمعت من خلفي صوت سلسلة وحديد فخشيت أن التفت فيستخفني واذا قد مثل بين يديه رجل علوي وفي عنقه سلسلة وفي رجليه قيد من حديد فقال له الحجاج الست فلان بن فلان العلوي فقال نعم أنا ذلك الرجل فقال له أنت القائل ان الحسن والحسين من ذرية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال ما قلت ولا أقول ولكني أقول ان الحسن والحسين ولدا رسول الله على رغم أنفك يا حجاج قال وكان متكئاً فاستوى جالساً وقد اشتد غيظه وغضبه وانتفخت أوداجه ثم قال للرجل يا ويلك ان لم تأتني بدليل من القرآن يدل على ذلك قتلتك شر قتلة وان أتيتني بما يدل على ذلك أعطيتك هذه البدرة التي بيدي وخليت سبيلك (قال الشعبي) وكنت حافظاً كتاب الله كله فلم يخطر على بالي آية تدل على ذلك فحزنت وقلت في نفسي يعز علي والله ذهاب هذا الرجل العلوي قال فابتدأ الرجل يقرأ الآية فقال بسم الله الرحمن الرحيم فقطع وهي قوله تعالى «قل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم» فقال العلوي هي والله حجة مؤكدة معتمدة ولكني آتيك

المجالس السنية ـ الجزء الخامس 286

بغيرها ثم ابتدأ يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم «ومن ذريته داود وسليمان وأيوب وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين وزكريا ويحيى» وسكت فقال له الحجاج فلم لا قلت وعيسى أنسيت عيسى فقال نعم صدقت يا حجاج فبأي شيء دخل عيسى في صلب نوح وليس له أب فقال له الحجاج انه دخل في صلبه من حيث أمه فقال العلوي وكذلك الحسن والحسين دخلا في صلب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من حيث أمهما فاطمة الزهراء قال فبقي الحجاج ساكتاً كأنما القم حجراً ثم قال له الحجاج ما الدليل على ان الحسن والحسين امامان فقال العلوي يا حجاج لقد ثبتت لهما الامامة بشهادة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حقهما لأنه قال في حقهما ولداي هذان امامان فاضلان ان قاما وان قعدا تميل عليهما الأعداء فيسفكون دمهما ويسبون حرمهما ولقد شهد النبي لهما بالامامة أيضاً حيث قال ابني هذا يعني الحسين امام ابن امام أخو امام أبو ائمة تسعة فقال الحجاج يا علوي كم عمر الحسين في دار الدنيا فقال ستاً وخمسين سنة فقال له وفي أي يوم قتل قال يوم العاشر من شهر عاشوراء بين الظهر والعصر فقال له ومن قتله فقال لقد جند الجنود ابن زياد بامر يزيد فلما اصطفت العساكر لقتاله قتلوا حماته وأنصاره وأطفاله وبقي فريداً وحيداً يستغيث فلا يغاث ويستجير فلا يجار يطلب جرعة من الماء ليطفي بها حر الظمأ فبينما هو واقف اذ جاء سنان فطعنه بسنانه ورماه خولي بسهم فوقع في لبته وسقط عن ظهر الجواد الى الأرض يخور في دمه فجاءه شمر فاحتز رأسه بحسامه ورفعه فوق قناته فقال الحجاج خذ هذه البدرة لا بارك الله لك فيها فأخذها العلوي وهو يقول هذا من عطاء الله لا من عطائك يا حجاج ثم ان العلوي بكي وجعل يقول :
صلى الاله ومن يحف بعرشه والطيبون على النبي الناصح

المجالس السنية ـ الجزء الخامس 287

وعـلى قرابته الـذين تهضـموا بالنائبات وكل خطب فادح
طلبوا الحقوق فابعدوا عن دارهم وعوى عليهم كل كلب نابح
المجلس الثاني والاربعون بعد المائتين

كان زيد بن علي بن الحسين عليهم السلام عين أخوته بعد أخيه أبي جعفر الباقر عليه السلام وأفضلهم وكان عابداً ورعاً فقيهً سخياً شجاعاً وظهر بالسيف يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويطلب بثارات الحسين «ع» وكان سبب خروجه مضافاً الى طلبه بدم الحسين «ع» انه دخل على هشام بن عبد الملك وقد جمع له هشام أهل الشام وأمر أن يتضايقوا في المجلس حتى لا يتمكن من الوصول الى قربه فقال له زيد انه ليس من عباد الله أحد فوق ان يوصى بتقوى الله ومن عباده أحد دون أن يوصي بتقوى الله وأنا أوصيك بتقوى الله فاتقه فقال له هشام ما فعل أخوك البقرة فقال سماه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم باقر العلم وأنت تسميه بقرة لشد ما اختلفتما في الدنيا ولتختلفان في الآخرة فقال له هشام أنت المؤهل نفسك للخلافة الراجي لها وما أنت وذاك لا أم لك وانما أنت ابن أمة فقال له يزيد : اني لا أعلم أحداً أعظم منزلة عند الله من نبي بعثه وهو ابن أمة فلو كان ذلك يقصر عن منتهى غاية لم يبعث وهو اسماعيل بن ابراهيم عليهما السلام فالنبوة أعظم منزلة عند الله أم الخلافة يا هشام وبعد فما يقصر برجل أبوه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو ابن علي بن أبي طالب «ع» فوثب هشام من مجلسه ودعا قهرمانه وقال لا يبيتن

المجالس السنية ـ الجزء الخامس 288

هذا في عسكري فخرج زيد وهو يقول انه لم يكره قوم قط حد السيوف الا ذلوا فحملت كلمته الى هشام فعرف انه يخرج عليه فأرسل معه من يخرجه على طريق الحجاز ولا يدعه يخرج على طريق العراق فلما رجع عنه الموكلون به بعد أن أوصلوه الى طريق الحجاز رجع الى العراق حتى أتى الكوفة وأقبلت الشيعة تختلف اليه وهم يبايعونه حتى أحصى ديوانه خمسة عشر الف رجل من أهل الكوفة سوى أهل المدائن والبصرة وواسط والموصل وخراسان والري وجرجان والجزيرة فحاربه يوسف بن عمرو الثقفي فلما قامت الحرب انهزم أصحاب زيد وبقي في جماعة يسيرة فقاتلهم أشد القتال وهو يقول متمثلا :
فذل الحياة وعز الممات وكـلا أراه طـعامـاً وبـيلا
فان كان لا بد من واحد فسيري الى الموت سيراً جميلا

وحال المساء بين الصفين وانصرف زيد وهو مثخن بالجراح وقد أصابه سهم في جبهته وطلبوا من ينزع السهم فأتي بحجام فاستكتموه أمره فأخرج النصل فمات من ساعته فدفنوه في ساقية ماء وجعلوا على قبره التراب والحشيش وأجري الماء على ذلك وحضر الحجام وقيل عبد سندي مواراته فعرف الموضع فلما أصبح مضى الى يوسف فدله على موضع قبره فاستخرجه يوسف بن عمرو وبعث برأسه الى هشام وبعثه هشام الى المدينة فنصب عند قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوماً وليلة (ولما) قتل بلغ ذلك من الصادق «ع» كل مبلغ وحزن عليه حزناً عظيما وفرق من ماله في عيال من أصيب معه من أصحابه الف دينار وكتب هشام الى يوسف ابن عمرو ان اصلبه عريان فصلبه في الكناسة فنجت العنكبوت على عورته من يومه ومكث أربع سنين مصلوبا حتى مضى هشام وبويع

المجالس السنية ـ الجزء الخامس 289

الوليد بن يزيد فكتب الوليد الى يوسف بن عمرو أما بعد فاذا أتاك كابي فاعمد الى عجل أهل العراق فاحرقه ثم انسفه في اليم نسفاً فأنزله وحرقه ثم ذراه في الهواء .
وكما خذل زيد بن علي ونكثت بيعته خذل جده أمير المؤمنين «ع» من قبله حتى الجاوه الى قبول الحكومة يوم صفين ثم قتلوه وهو يصلي في محرابه ثم خذلوا ولده الحسن وراسلوا عدوه فاضطر الى الصلح خوفاً على دمه ودماء شيعته ثم كاتبوا ولده الحسين فارسل اليهم ابن عمه مسلم ابن عقيل فبايعه منهم ثمانية عشر الفاً أو أكثر ثم خذلوا مسلماً وأمكنوا منه ابن زياد فأخذه أسيراً وقتله ولما جاءهم الحسين «ع» خذلوه وتألب منهم ثلاثون الفاً لقتاله مع عمر بن سعد حتى قتلوه ومن شرب الماء منعوه وسبوا نساؤه وداروا برأسه ورؤوس أهل بيته وأصحابه في البلدان .
اذا ما سقى الله البلاد فلا سقى معاهد كوفان بنوء المرازم
أتت كتبهم في طـيهن كتائب وما رقمت الابسـم الأراقم
المجلس الثالث والاربعون بعد المائتين

روى المسعودي في مروج الذهب انه لما قتل مروان بن محمد بن مروان بن الحكم الملقب بالحمار وبالجعدي حملت بناته والأسارى الى

المجالس السنية ـ الجزء الخامس 290

صالح بن علي بن عبد الله بن العباس وهو عم السفاح فلما دخلن عليه تكلمت ابنة مروان الكبرى فقالت : يا عم أمير المؤمنين حفظ الله لك الدنيا والآخرة نحن بناتك وبنات أخيك فليسعنا من عدلكم ما وسعكم من جورنا قال اذا لا نستبقي منكم أحداً رجلا ولا امرأة ألم يقتل أبوك بالأمس ابن أخي ابراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس الامام في محبسه بحران ألم يقتل هشام بن عبد الملك زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب وصلبه في كناسة الكوفة وقتل امرأة زيد بالحيرة على يدي يوسف بن عمرو الثقفي ألم يقتل الوليد بن يزيد يحيى بن زيد وصلبه بخراسان ألم يقتل عبيد الله بن زياد الدعي مسلم بن عقيل بن ابي طالب بالكوفة الم يقتل يزيد بن معاوية الحسين بن علي على يدي عمر بن سعد مع من قتل بين يديه من أهل بيته ألم يخرج بحرم رسول الله سبايا حتى ورد بهم على يزيد بن معاوية وبعث برأس الحسين بن علي رأس رمح يطاف به كور الشام ومدائنها حتى قدموا به على يزيد بدمشق كأنما بعث اليه برأس رجل من أهل الشرك ثم أوقف حرم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم موقف السبي يتصفحن جنود أهل الشام الجفاة الطغام ويطلبون منه ان يهب لهم حرم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم استخفافاً بحقه صلى الله عليه وآله وسلم وجرأة على الله عزوجل وكفراً لأنعمه فما الذي استبقيتم منا أهل البيت أو عدلتم فيه علياً قالت يا عم أمير المؤمنين فليسعنا عفوكم اذا قال أما العفو فنعم قالت تلحقنا بحران فالحقهن بحران فعلت أصواتهن عند دخولهن بالبكاء على مروان وشققت جيوبهن وأعولن بالصياح والنحيب . وشتان بين دخولهن حران ـ ولم يفعل بنو العباس ببني أمية الا بعض ما يستحقونه ـ وبين دخول بنات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المدينة بعد الرجوع من الشام وأين ما جرى على بنات مروان جزاء لأعمال بني أمية مما جرى على بنات

المجالس السنية ـ الجزء الخامس 291

رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جزاء ليوم بدر وأين حزنت بنات مروان من حزن الهاشميات وعقائل بيت النبوة على الحسين «ع» قال الصادق «ع» ما اكتحلت هاشمية ولا اختصبت ولا رؤي في دار هاشمي دخان خمس سنين حتى قتل عبيد الله بن زياد وقالت فاطمة بنت أمير المؤمنين على أبيها وعليها السلام : ما تحنأت امرأة منا ولا أجالت في عينيها مروداً ولا امتشطت حتى بعث المختار برأس عبيد الله بن زياد .
بني أمية ما الأسـياف نائمة عن ساهر فـي أقـاصي موتور
تسبي بنات رسول الله بينهم والدين غض المبادي غير مستور
المجلس الرابع والاربعون بعد المائتين

لما كان زمن مروان بن محمد الملقب بالحمار آخر ملوك بني أمية اجتمع بنو هاشم بالمدينة وبايعوا محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب «ع» وفيهم السفاح والمنصور ولم يبايعه جعفر بن محمد الصادق «ع» فنسبه عبد الله بن الحسن الى الحسد فقال الصادق «ع» والله ما ذلك يحملني وأخبرهم ان الخلافة تصير الى السفاح واخوته وأبنائهم وأخبرهم ان محمداً وابراهيم ابني عبد الله بن الحسن مقتولان وقال ان صاحب الرداء الأصفر وهو المنصور يقتل محمداً فلما افضى الأمر الى المنصور بعد أخيه السفاح كان يخاف من محمد وابراهيم ابني عبد الله بن الحسن لأنه بايع محمداً فحج المنصور وقال لعبد الله بن الحسين اين ابنك محمد قال لا أدري قال لتأتين به قال لو كان تحت قدمي

المجالس السنية ـ الجزء الخامس 292

ما رفعتهما عنه فحبسه بالمدينة سنتين وولى المدينة رجلا يقال له رياح وأمره أن يقبض على بني حسن ويحبسهم وكان عدواً لأهل البيت شريراً فحاشاً ولذلك ولاه المنصور المدينة فحبس منهم اثني عشر رجلا غير عبد الله فيهم صبي صغير وفيهم رجل عابد اسمه علي بن حسن جاء الى رياح وطلب منه ان يحبسه معهم فقيدهم وحبسهم وحبس معهم محمد ابن عبد الله من ولد عثمان وكان أخاهم لامهم وهي فاطمة بنت الحسين ابن علي بن أبي طالب وولدان له ثم ان المنصور حج وأمر بحملهم الى العراق فحملوا مكبلين مغلولين فلما اخرجوا وقف الصادق «ع» وراء ستر رقيق فلما نظر اليهم هملت عيناه حتى جرى دمعه على لحيته وقال والله لا يحفظ لله حرمة بعد هؤلاء (أقول) ما أدري ما كان يجري على مولانا الامام جعفر بن محمد الصادق لو نظر الى جده علي بن الحسين حين أمر به ابن زياد ان يغل بغل في عنقه وفي رواية في يديه ورقبته وحمله مع عماته وأخواته ومن تخلف من أهل بيته الى يزيد في الشام وفيهم الحسن بن الحسن المثنى وأخواه زيد وعمر أبناء الحسن السبط وكان الحسن بن الحسن قد واسى عمه في الصبر على ضرب السيوف وطعن الرماح وكان قد نقل من المعركة وقد اثخن بالجرامح وبه رمق فبرئ وساروا بهم كما يسار بسبايا الروم حتى أدخلوهم على يزيد بالشام وهم مقرنون في الحبال وزين العابدين «ع» مغلول فلما وقفوا بين يديه وهم على تلك الحال قال له علي بن الحسين «ع» انشدك الله يا يزيد ما ظنك برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لو رآنا على هذه الصفة فلم يبق في القوم أحد الا بكى فأمر يزيد بالحبال فقطعت وأمر بفك الغل عن زين العابدين «ع» .
فلهفي لآل الله أسرى حواسرا سبايا على الأكوار سبي الديالم
ومـن بلد تسبى الى شر بلدة ومن ظالم تهدى الى شر ظالم

السابق السابق الفهرس التالي التالي