المجالس السنية ـ الجزء الرابع 258

خيرة اهل الارض وإباء وشجاعة واقداماً وعلو همم وشرف نفوس وكرم طباع فلله درهم من عصبة رفعوا منار الفخر ولبسوا ثياب العز غير مشاركين فيها وتجلببوا جلباب الوفاء وضمخوا اعوام الدهر بعاطر ثنائهم ونشروا راية المجد والشرف تخفق فوق رؤوسهم وحلوا جيد الزمان بأفعالهم الجميلة وامسى ذكرهم حيا مدى الاحقاب والدهور مالئاً المشارق والمغارب ونقشوا على صفحات الايام سطور مدح لا تمحى وان طال العهد وعاد سنا انوارهم يمحو دجى الظلمات ويعلوا نور الشمس والكواكب وهم الذين قال فيهم الحسين عليه السلام في خطبته ليلة العاشر : اني لا اعلم اهل بيت ابر ولا اوصل من أهل بيتي . ابوا ان يفارقوا الحسين عليه السلام وقد اذن لهم وفدوه بنفوسهم وبذلوا دونه مهجهم وقالوا لما اذن لهم في الانصراف : ولم نفعل ذلك لنبقى بعدك الا ارانا الله ذلك ابدا ولما قال لبني عقيل حسبكم من القتل بصاحبكم مسلم اذهبوا فقد اذنت لكم قالوا سبحان الله فما يقول الناس لنا وما نقول لهم انا تركنا شيخنا وسيدنا وبني عمومتنا خير الاعمام ولم نرم معهم بسهم ولم نطعن معهم برمح ولم نضرب معهم بسيف ولا ندري ما صنعوا لا والله ما نفعل ولكنا نفديك بأنفسنا واموالنا واهلينا ونقاتل معك حتى نرد موردك فقبح الله العيش بعدك فقتلوا جميعاً بين يديه مقبلين غير مدبرين وهو الذي كان يقول لهم وقد حمي الوطيس واحمر البأس مبتهداً بأعمالهم صبراً يا بني عمومتي صبراً يا اهل بيتي فو الله لا رأيتم هواناً بعد هذا اليوم ابداً .
صالوا وجالوا وادوا حق سيدهم في موقف عق فيه الوالد الولد
وشاقهم ثمر العقبى فأصبح في صدورهم شجر الخطي يختضد

المجالس السنية ـ الجزء الرابع 259

المجلس الثلاثون بعد المائتين

الاصحاب الاوفياء قليلون وانما يعرف وفاء الاصحاب عند الشدائد والاصدقاء في اليسر والرخاء كثيرون وعند العسر والبلاء قليلون والصداقة الخالصة والمحبة الصادقة هي التي تدوم في اليسر والعسر والشدة والرخاء وقد تجلى الاخلاص والوفاء وحسن الصحبة في اصحاب الحسين عليه السلام فقد كانوا خير اصحاب فارقوا الاهل والاحباب وجاهدوا دونه جهاد الابطال وتقدموا مسرعين الى ميدان القتال وصالوا صولة الاسود الضارية قائلين له انفسنا لك الفداء نقيك بأيدينا ووجوهنا يضاحك بعضهم بعضاً قلة مبالاة بالموت وسروراً بما يصيرون اليه من النعيم . ولما اذن لهم في الانصراف ابوا واقسموا بالله لا يخلونه ابداً ولا ينصرفون عنه قائلين انحن نخلي عنك وقد احاط بك هذا العدو وبم نعتذر الى الله في اداء حقك . وبعضهم يقول لا والله لا يراني الله وانا افعل ذلك حتى اكسر في صدورهم رمحي واضاربهم بسيفي ماثبت قائمة في يدي ولو لم يكن معي سلاح اقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة ولم افارقك او اموت معك وبعضهم يقول والله لو علمت اني اقتل فيك ثم احيا ثم احرق حياً يفعل بي ذلك سبعين مرة ما فارقتك وبعضهم يقول والله لوددت اني قتلت ثم نشرت الف مرة وان الله يدفع بذلك القتل عنك وعن اهل بيتك وبعضهم يقول أكلتني السباع حياً ان فارقتك . ولم يدعوا ان يصل اليه اذى وهم في الأحياء . ومنهم من جعل نفسه كالترس له فما زال يرمى بالسهام حتى سقط . وابدوا يوم عاشوراء من الشجاعة والبسالة ما لم ير مثله فأخذت

المجالس السنية ـ الجزء الرابع 260

خيلهم تحمل وانما هي اثنان وثلاثون فارساً فلا تحمل على جانب من خيل اهل الكوفة الا كشفته
قـل الصـحابة غيـر ان قليلـهم غيـر القلـيل
من كل ابيض واضح الـ ـحسين معدوم المثيل
وردوا علـى الظمأ الردى ورد الزلال السلسـبيل
وثووا علـى الرمضاء من كاب ومنـعفر جديـل
المجلس الواحد والثلاثون بعد المائتين

قد قضى العقل والدين باحترام عظماء الرجال احياء وامواتاً وتجديد الذكرى لوفاتهم واظهار الحزن عليهم لا سيما من بذل نفسه وجاهد حتى قتل لمقصد سام وغاية نبيلة وقد جرت على ذلك الأمم في كل عصر و زمان وجعلته من افضل اعمالها واسنى مفاخرها فحقيق بالمسلمين بل جميع الأمم ان يقيموا الذكرى للحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام فانه من عظماء الرجال واعاظمهم في نفسه ومن الطراز الأول جمع اكرم الصفات واحسن الاخلاق واعظم الافعال واجل الفضائل والمناقب علماً وفضلا وزهادة وعبادة وشجاعة وسخاء وسماحة وفصاحة ومكارم اخلاق واباء للضيم ومقاومة للظلم وقد جمع الى كرم الحسب شرف العنصر والنسب فهو اشرف الناس أباً واماً وجدة وعماً وعمة وخالاً وخالة . جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سيد النبيين وافضل ولد آدم وابوه علي امير المؤمنين وسيد الوصيين وامه فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين واخوه الحسن المجتبى وعمه

المجالس السنية ـ الجزء الرابع 261

جعفر الطيار مع ملائكة السماء وعم ابيه حمزة سيد الشهداء وجدته خديجة بنت خويلد اول نساء هذه الامة اسلاماً وعمته ام هانيء وخاله ابراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخالته زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد جاهد لنيل اسمى المقاصد وانبل الغايات وقام بما لم يقم بمثله احد قبله ولا بعده فبذل نفسه وماله وآله في سبيل احياء الدين واظهار فضائح المنافقين واختار المنية على الدنية وميتة العز على حياة الذل ومصارع الكرام على طاعة اللئام واظهر من اباء الضيم وعزة النفس والشجاعة والبسالة والصبر والثبات ما بهر العقول وحير الالباب واقتدى به في ذلك كل من جاء بعده حتى قال القائل :
وان الأولى بالطف من آل هاشم تآسوا فسنوا للكرام التآسيا

وحتى قال آخر كأن ابيات ابي تمام ما قليت الا في الحسين عليه السلام :
وقد كان فوت الموت سهلا فرده اليه الحفـاظ المر والخلق الـوعر
ونفس تعاف الضيم حتـى كأنه هو الكفر يوم الروع او دونه الكفر
فاثـبت في مستنقع الموت رجله وقال لها من دون اخمصك الحشر
تردى ثياب الموت حمراً فما دجا لها الليل الاوهي من سندس خضر

وحقيق بمن كان كذلك ان تقام له الذكرى في كل عام وتبكي له العيون دما بدل الدموع واي رجل في الكون قام بما قام به الحسين عليه السلام . الحسين قدم نفسه للقتل وقدم ابناءه حتى ولده الرضيع واخوته وابناء اخيه وابناء عمه للقتل وامواله للنهب وعياله للأسر ليفدي دين جده بنفسه وبهم ويستنقذه من ان يقضي عليه يزيد المجاهر بالكفر والفجور وشرب الخمور والقائل :
ليت اشياخي ببدر شهدوا جزع الخزرج من وقع الأسل

المجالس السنية ـ الجزء الرابع 262

لأهلوا واستهلوا فرحاً ثم قالوا يا يزيد لا تشل
لعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء ولا وحي نزل

الحسين معظم حتى عند الخوارج اعداء ابيه واخيه فهم يقيمون له مراسم الذكرى والحزن يوم عاشوراء في كل عام . وليس اعجب ممن يتخذ يوم عاشوراء يوم فرح وسرور واكتحال وتوسعة على العيال لاخبار افتريت في زمن الملك العضوض اعترف بكذبها النقاد و سنة سنها الحجاج ابن يوسف عدو الله وعدو رسوله . واي مسلم تطاوعه نفسه او يساعده قلبه على اظهار الفرح في يوم قتل ابن بنت نبيه وريحانته وابن وصيه وبماذا يواجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبماذا يعتذر اليه وهو مع ذلك يدعي محبة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ومن شروط المحبة الفرح لفرح المحبوب والحزن لحزنه ولو انصف باقي المسلمين ما عدوا طريقة الشيعة في اقامة الذكرى للحسين عليه السلام كل عام واقامة مراسم الحزن يوم عاشوراء فهل كان الحسين دون امرأة يقيم لها الفرنسيون الذكرى كل عام وهل عملت لأمتها ما عمله الحسين لامته او دونه . الحسين عليه السلام سن للناس درساً نافعاً ونهج لهم سبيلا مهيعاً في تعلم الاباء والشمم وطلب الحرية والاستقلال ومقاومة الظلم ومعاندة الجور وطلب العز ونبذ الذل وعدم المبالاة بالموت في سبيل نيل الغايات السامية والمقاصد الغالية وابان فضائح المنافقين ونبه الافكار الى التحلي بمحاسن الصفات وسلوك طريق الاباة والاقتداء بهم وعدم الخنوع للظلم والجور والاستعباد وبكى زين العابدين «ع» يبكي لتذكر مصيبة الحسين «ع» اربعين سنة وكان الصادق «ع» يبكي لتذكر مصيبة الحسين «ع» ويستنشد الشعر في رثائه ويبكي وكان الكاظم «ع» اذا دخل شهر المحرم لا يرى ضاحكا وتغلب عليه الكآبة حتى تمضي عشرة ايام منه فاذا كان اليوم العاشر كان يوم مصيبة وحزنه وقال الرضا «ع»

المجالس السنية ـ الجزء الرابع 263

ان يوم الحسين اقرح جفوننا واسال دموعنا واورثنا الكرب والبلاء الى يوم الانقضاء وقد حثوا شيعتهم واتباعهم على البكاء واقامة الذكرى لهذه الفاجعة الاليمة في كل عام وهم نعم القدرة وخير من اتبع وافضل من اقتفى اثره واخذت منه سنة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فهم احد الثقلين الذين امرنا باتبعهما والتمسك بهما ومثل باب حطة الذي من دخله كان آمناً ومفاتيح باب مدينة العلم الذي لا تؤتى الا منه
هم السفينة فاز الراكبون بها ومن تخلف عنها ضل في تيه
المجلس الثاني والثلاثون بعد المائتين (1)

وفد على يزيد بن معاوية وفد من اهل المدينة فلما رجعوا قالوا قدمنا من عند رجل ليس له دين يشرب الخمر ويضرب بالطنابير وتعزف عنده القيان ويلعب بالكلاب فخلعوه واخرجوا عامله على المدينة وحصروا بني امية في دار مروان وكانو الف رجل فكتبوا الى يزيد يستغيثون به ثم اخرجوهم من المدينة بعدما اخذوا علهيم العهود ان لا يعينوا عليهم ولا يدلوا على عوراتهم فبعث يزيد الى عمرو بن سعيد بن العاص ليرسله في جيش الى المدينة فلم يقبل فبعث الى عبيد الله بن زياد يأمره بالمسير الى المدينة

(1) تنقل هذه الوقعة عن تاريخ الطبري وكامل ابن الاثير والفخري والامامة والسياسة والاخبار الطوال والعقد الفريد والاغاني وغيرها .
ـ المؤلف ـ
المجالس السنية ـ الجزء الرابع 264

والى ابن الزبير بمكة فقال والله لا جمعتها للفاسق قتل ابن رسول الله وغزو المدينة والكعبة واعتذر اليه (وكان) معاوية قال ليزيد ان لك من أهل المدينة يوماً فان فعلوا فارمهم بأعور بني مرة يعني مسلم بن عقبة المري وكان اعور وكان احد جبابرة العرب وشياطينهم فأمره يزيد بالمسير الى المدينة وكان مريضاً وهو شيخ كبير ثم اراد يزيد اعفاءه لمرضه فقال يا امير المؤمنين انشدك الله لا تحرمني اجراً ساقه الله لي فلم يطق ان يركب مع الوجع فحمل على سرير على اعناق الرجال (وبعث) يزيد معه اثني عشر الفاً فسار مسلم بالجيش فلقيه بنو امية في الطريق فدلوه على عورات أهل المدينة ورجعوا معه (وجعل) أهل المدينة في كل منهل بينهم وبين أهل الشام زقا من قطران فكان من قدر الله تعالى ان مطرت السماء فلم يستقوا بدلو حتى وردوا المدينة (واوصى) يزيد مسلم بن عقبة فقال اذا ظهرت على أهل المدينة فأبحها ثلاثا وكل ما فيها من مال او دابة او سلاح او طعام فهو للجند وانظر علي بن الحسين فاكفف عنه واستوص به خيراً فانه لم يدخل مع الناس وقد اتاني كتابه (وكان) مروان لما أخرج أهل المدينة بني أمية منها طلب من عبد الله بن عمر ان يغيب اهله عنده فلم يقبل فقال لعلي بن الحسين عليهما السلام ان لي رحماً وحرمي تكون مع حرمك فقال افعل فبعث بامرأته وحرمه الى علي ابن الحسين فخرج علي بحرمه وحرم مروان الى ينبع وقيل بل ارسل حرم مروان الى الطائف وارسل معهم ابنه عبد الله (هكذا) كانت عادة أهل البيت عليهم السلام في الحلم والصفح والمجازاة على الاساءة بالاحسان وعلى ذلك جرى علي بن الحسين عليهما السلام مع مروان (فمروان) هو الذي عادى امير المؤمنين عليه السلام وحاربه يوم الجمل فلما ظفر به امير المؤمنين عليه السلام عفا عنه (وهو) الذي اشار على الوليد امير

المجالس السنية ـ الجزء الرابع 265

المدينة بقتل الحسين عليه السلام حين طلب منه الوليد البيعة ليزيد فقال مروان والله لئن فارقك الحسين الساعة ولم يبايع لا قدرت منه على مثلها ابداً حتى تكثر القتلى بينكم وبينه ولكن احبس الرجل فلا يخرج من عندك حتى يبايع او تضرب عنقه وهو الذي اخذ رأس الحسين «ع» بعد قتله فوضعه بين يديه وقال :
يا حبذ بردك في اليدين ولونك الاحمـر في الخدين
كأنـما حف بـوردتين شفيت نفسي من دم الحسين

والله لكأني أنظر الى أيام عثمان . فجازاه على ذلك علي بن الحسين عليهما السلام بأن حفظ حرمه ونساءه وحماهم بعدما عرض ذلك على ابن عمر فلم يقبل ولم ينس زين العابدين «ع» وما فعله بنو أمية معه من قتلهم اباه الحسين «ع» وسبيهم نساء أهل بيته وأخذه معهم أسيراً والغل في عنقه حتى ادخلوا على مجلس يزيد بتلك الحالة ولكن أبت له اعراقه الكريمة وهو ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وابن وصيه وامام أهل البيت الطاهر الا ان يجازي عن الاساءة بالاحسان فحامى عن نساء من سبوا نساءه وحفظهن . وما مثل بني هاشم وبني أمية في ذلك الا كما قال الشاعر :
ملكنا فكان العفو منا سجية فلما ملكتم سال بالدم أبطح
وحسـبكم هذا التفاوت بيننا وكل اناء بالذي فيه ينضح
المجلس الثالث والثلاثون بعد المائتين

لما خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية حين بلغهم انه يشرب الخمر

المجالس السنية ـ الجزء الرابع 266

ويضرب بالطنابير وتغني عنده المغنيات ويلعب بالكلاب أرسل اليهم مسلم بن عقبة المري في اثني عشر الفاً فسار بهم حتى وصل الى المدينة وكان أهلها قد أمروا عليهم عبد الله بن حنظله غسيل الملائكة وذلك ان اباه حنظلة قتل يوم أحد فرأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم الملائكة تغسله لأنه كان جنباً فسمي غسيل الملائكة (ووضع) لمسلم بن عقبة كرسي بين الصفين فجلس عليه وهو مريض وقال يا أهل الشام قاتلوا عن أميركم وجعل يحرضهم واشتد القتال فجعل عبد الله بن حنظلة يقدم أولاده واحداً بعد واحد حتى قتلوا بين يديه وكانوا ثمانية ثم كسر غمد سيفه وقاتل حتى قتل وانهزم أهل المدينة فقتل بضعة وسبعون رجلا من قريش وبضع وسبعون رجلا من الأنصار وقتل من الناس نحو من أربعة آلاف وسمي مسلم بعد تلك الوقعة مسرفاً وتسمى وقعة الحرة والحرة أرض ذات حجارة سود خشنة وكانت الوقعة في أرض بتلك الصفة (وأباح) مسرف المدينة ثلاثا يقتلوا الناس وينهبون الأموال ويفضحون النساء حتى ولد في تلك السنة الف مولود لا يعرف لهم أب وكان الرجل من أهل المدينة بعد ذلك اذا أراد ان يزوج ابنته لا يضمن بكارتها ويقول لعله أصابها شيء في وقعة الحرة (وكما) أرسل يزيد الجيوش لمحاصرة مدينة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ومحاربة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من المهاجرين والأنصار فقد قاد جده أبو سفيان الجيوش لحرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من المهاجرين والأنصار ومحاصرة المدينة يوم أحد والأحزاب وكما قتلت جدته هند أسد الله حمزة عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على يد وحشي يوم أحد وبقرت بطنه وأكلت من كبده ومثلت به ، قتل يزيد سبط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على يد عمر بن سعد وقطع رأسه وأوطأ الخيل جسده ومثل به

المجالس السنية ـ الجزء الرابع 267

وبأصحابه وعلى نهج الآباء مشت الأبناء وان العصا من العصية (1) ولا تلد الحية الا حية .
بنى لهم الماضون آساس هذه فعلوا على آساس تلك القواعد

(ودعا) مسرف الناس الى البيعة ليزيد على انهم عبيد له يحكم في دمائهم وأموالهم وأهليهم ما شاء ان شاء وهب وان شاء أعتق ان شاء استرق ومن امتنع من ذلك قتله فامتنع جماعة فقتلوا (وجاء) مروان بعلي بن الحسين يمشي بينه وبين ابنه عبد الملك حتى جلس بينهما فدعا مروان بشراب ليتحرم بذلك فشرب منه ثم ناوله علي بن الحسين فقال له مسلم لا تشرب من شرابنا فامتنع فقال مسلم جئت تمشي بينهما لتأمن عندي والله لو كان اليهما أمر لقتلتك ولكن أمير المؤمنين أوصاني بك وأخبرني انك كاتبته فان شئت فاشرب فشرب ثم أجلسه معه على السرير ثم قال له لعلى أهلك فزعوا قال أي والله فأمر بدابة فأسرجت له ورده ولم يلزمه بالبيعة ليزيد كما شرط على أهل المدينة بل بايعه على انه أخوه وابن عمه . (هذا) مسلم بن عقبة مع كفره وطغيانه وتجبره قال لعلي بن الحسين عليه السلام لعل أهلك فزعوا (وشمر) بن ذي الجوشن حمل يوم كربلا حتى بلغ فسطاط الحسين عليه السلام فطعنه بالرمح ونادى علي بالنار حتى أحرق هذا البيت على أهله فأفزع مخدرات بيت النبوة وأخافهن فصاحت النساء وخرجن وصاح به الحسين عليه السلام أنت تحرق بيتي على أهلي أحرقك الله بالنار فقال حميد بن مسلم أتقتل الولدان

(1) العصا فرس جذيمة الأبرش والعصية بصيغة التصغير أمها مثل يضرب للشيء يشبه أصله .
ـ المؤلف ـ
المجالس السنية ـ الجزء الرابع 268

والنساء والله ان في قتل الرجال لما يرضى به أميرك فلم يقبل فأتاه شبث ابن ربعي فقال افزعنا النساء ثكلتك أمك فاستحيا وانصرف .
يا أمة ولـي الشيـطان رايتها ومكن البغي منها كل تمكين
ما المرتضى وبنوه من معاوية ولا الفواطم من هند وميسون

ولما فرغ مسرف من وقعة الحرة بعث برؤوس أهل المدينة الى يزيد وكتب اليه يخبره بما صنع فلما القيت الرؤوس بين يديه قال :
ليت أشياخي ببدر شهدوا جزع الخزرج من وقع الأسل
لأهلـوا واستهـلوا فرحاً ولقـالـوا يا يزيـد لا تشـل

وقد تمثل بهذا الشعر أيضاً لما جيء اليه برأس الحسين بن علي عليهما السلام وبسبايا أهل البيت وزاد فيه :
لعـبت هاشـم بالملك فلا خبر جاء ولا وحي نزل
قد قتلنا القرم من ساداتهم وعدلنا ميل بدر فاعتدل

فقامت زينب بنت علي عليهما السلام وخطبت خطبتها الشهيرة التي قالت من جملتها : تهتف بأشياخك تزعم انك تناديهم فلتردن وشيكا موردهم ولتودن انك شللت وبكمت ولم تكن قلت ما قلت وفعلت ما فعلت .
يا آل أحـمد كم يكابـد فيكم كبدي خطوبا للقلوب نواكي
كبدي بكم مقروحة ومدامعي مسفوحة وجوى فؤادي ذاكي

* * *


المجالس السنية ـ الجزء الرابع 269

المجلس الرابع والثلاثون بعد المائتين

كان الحضين (1) بن المنذر الرقاشي من ربيعة البصرة وكان مع علي أمير المؤمنين عليه السلام بصفين ولما نافس شقيق بن ثور خالد بن معمر السدوسي على راية ربيعة وكانت مع خالد أصطلحا على ان يولياها الحضين وكان يومئذ شابا حدث السن فأقبل وهو غلام يزحف بها وكانت حمراء فأعجب علياً عليه السلام زحفه وثباته فقال :
لمـن رايـة حمـراء يخفـق ظلها اذا قيل قـدمها حضـين تقـدما
ويدنـو بها في الصف حتى بزيرها حياض المنايا تقطر الموت والدما
تـراه اذا مـا كان يـوم عظـيمة ابـى فـيه الا عـزة وتـكرمـا
جـزى الله عني والجـزاء بفـضله ربيعة خـيراً ما أعـف وأكـرما
وأحزم صبراً يوم يدعى الى الوغى اذا كان أصوات الرجال تغـمغما

وكفى الحضين فخراً مدح علي «ع» له بهذا الشعر وكفى قبيلة ربيعة فخراً مدح علي «ع» لها بما سمعت (وروي) عن الحضين انه قال أعطاني علي «ع» راية ربيعة وقال بسم الله سر يا حضين واعلم انه لا يخفق على رأسك راية مثلها أبدا هذه راية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (وذكر) المبرد في

(1) بالضاد المعجمة وليس للعرب حضين بالمعجمة غيره .
ـ المؤلف ـ
المجالس السنية ـ الجزء الرابع 270

الكامل انه لما فتح قتيبة بن مسلم سمرقند أفضى الى أثاث وآلات لم ير مثلها فاراد ان يري الناس عظيم ما انعم به الله عليه فأمر بدار ففرشت وفي صحنها قدور يرتقى اليها بالسلالم فاذا بالحضين بن المنذر الرشاقي قد أقبل وهو شيخ كبير والناس جلوس على مراتبهم فلما رآه عبد الله بن مسلم أخو قتيبة قال لقتيبة ائذن لي في معاتبته قال له لا تفعل لأنه خبيث الجواب فألح عليه فأذن له وكان عبد الله ضعيف العقل فأقبل على الحضين فقال أمن الباب دخلت يا أبا ساسان (وهي كنية الحضين) قال أجل أسن عمك عن تسور الحيطان وكان عبد الله تسور حائطاً الى امرأة قال أرأيت هذه القدور قال هي أعظم من ان ترى قال ما أحسب بكر بن وائل (وهو جد قبيلة الحضين) رأى مثلها قال أجل ولا عيلان (وهو جد قبيلة عبد الله) ولو رآها لسمي شبعان ولم يسم عيلان قال عبد الله أتعرف الذي يقول :
كأن فقاح الأزد حول ابن مسمع اذا عرفت أفواه بكر بن وائل

قال نعم أعرفه وأعرف الذي يقول :
قوم قتيبة أمهم وأبوهم لو لا قتيبة أصبحوا في مجهل

قال أما الشعر فأراك ترويه فهل تقرأ من القرآن شيئاً قال أقرأ منه الأكثر الأطيب «هل أتى على الانسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكورا» (يشير الى خمولهم قبل قتيبة) فغضب عبد الله وقال والله لقد بلغني ان امرأة الحضين حملت اليه وهي حامل من غيره قال فما تحرك الشيخ عن هيأته الأولى ثم قال على رسله وما يكون تلد غلاماً على فراشي فيقال فلان ابن الحضين كما يقال عبد الله بن مسلم فأقبل قتيبة على أخيه عبد الله وقال لا يبعد الله غيرك (وكانت) باهلة من أخس قبائل العرب

المجالس السنية ـ الجزء الرابع 271

وأوضعها نسباً وكانت العرب تعير من ينتسب الى باهلة ولهم في ذلك أشعار كثيرة قال بعضهم :
اذا باهلي تحته حنظلية له ولد منها فذاك المذرع

والمذرع الذي أمه أشرف من أبيه وقال الآخر :
وما ينفع الأصل من هاشم اذا كانت النفس من باهله

وقال الآخر :
ولو قيل للكلب يا باهلي عوى الكلب من لؤم هذا النسب

(وروي) ان الأشعث بن قيس قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم اتتكافؤ دماؤنا قال نعم ولو قتلت رجلا من باهلة لقتلتك (وقيل) لرجل ايسرك أن تدخل الجنة وأنت باهلي قال بشرط أن لا يعلم أهلها بذلك (وكانت) باهله مع ذلك منحرفة عن أهل البيت عليهم السلام مواليه لبني أمية كما كانت ربيعة مع شرفها من القبائل الموالية لأمير المؤمنين «ع» وابلت معه بصفين بلاء حسناً (ومسلم) بن عمرو الباهلي أبو قتيبة هو الذي قال مسلم بن عقيل ما قال حين أتي بابن عقيل أسيراً الى ابن زياد بالكوفة وذلك ان مسلماً لما أسر بالكوفة بعد محاربته مع ابن الأشعث حمل الى ابن زياد فلما وصل الى باب القصر وقد اشتد به العطش وعلى باب القصر ناس جلوس فيهم عمرو بن حريث ومسلم بن عمرو الباهلي واذا قلة فيها ماء بارد قال مسلم بن عقيل اسقوني من هذا الماء فقال له مسلم بن عمرو الباهلي أتراها ما أبردها لا والله لا تذوق منها قطرة حتى تذوق الحميم في نار جهنم فقال له مسلم بن عقيل ويلك من أنت قال أنا الذي عرف الحق اذ أنكرته ونصح لأمامه اذ غششته وأطاعه اذ خالفته أنا مسلم بن

المجالس السنية ـ الجزء الرابع 272

عمرو الباهلي فقال له ابن عقيل لأمك الثكل ما أجفاك وأفظك وأقسى قلبك أنت يا ابن باهلة اولى بالحميم والخلود في نار جهنم مني ثم جلس فتساند الى الحائط وبعث عمرو بن حريث غلامه فأتاه بقلة عليها منديل وقدح فصب فيه ماء فقال له اشرب فأخذ كلما شرب امتلأ القدح دماً فمه فلا يقدر أن يشرب وكان قد ضربه بكر بن حمران بالسيف على فمه فقطع شفته العليا وأسرع السيف في السفلى وفصلت لها ثنيتان ففعل ذلك مرة أو مرتين فلما ذهب في الثالثة ليشرب سقطت ثناياه في القدح فقال الحمد لله لو كان لي من الرزق المقسوم لشربته .
يا مسلم بن عقيـل لا أغب ثرى ضريحـك المـزن هطالا وهتـانا
بذلت نفـسك في مرضاة خالقها حتى قضيـت بسيف البغي ظـمآنا
كأنمـا نفسك اختارت لها عطشا لمادرت أن سيقضي السبط عطشانا
فلم تطق أن تسيغ الماء عن ظمأ من ضربة ساقها بكر بن حـمرانا
المجلس الخامس والثلاثون بعد المائتين

روى الطبرسي في الاحتجاج عن ثابت البنائي قال : كنت جالساً وجماعة عباد البصرة فلما ان دخلنا مكة رأينا الماء ضيقاً وقد اشتد بالناس العطش لقلة الغيث ففزع الينا أهل مكة والحجاج يسألوننا ان نستسقي لهم فاتينا الكعبة وطفنا بها ثم سألنا الله خاضعين متضرعين بها فمنعنا الاجابة فبينا نحن كذلك اذا نحن بفتى قد أقبل قد أكبرته أحزانه وأقلقته أشجانه فطاف بالكعبة أشوطاً ثم أقبل علينا فقال يا مالك بن

المجالس السنية ـ الجزء الرابع 273

دينار ويا ثابت البناني ويا أيوب السجستاني ويا صالح المري وياعتبة العلام ويا حبيب الفارسي ويا عمر ويا صالح ويا رابعة ويا سعدانة ويا جعفر بن سليمان فقلنا لبيك وسعديك يا فتى فقال أما فيكم أحد يحبه الرحمن فقلنا يا فتى علينا الدعاء وعليه الاجابة فقال ابعدوا عن الكعبة فلوا كان فيكم أحد يحبه الرحمن لأجابه ثم أتى الكعبة فخر ساجداً فسمعته يقول في سجوده (سيدي بحبك الا سقيتهم الغيث) قال فما استتم الكلام حتى أتاهم الغيث كأفواه القرب فقلت يا فتى من أين علمت أنه يحبك فقال لو لم يحبني لم يستزرني فلما استزارني علمت انه يحبني فسألته بحبه لي فأجابني ثم ولى عنا وأنشأ يقول :
من عرف الرب فلم تغنه معرفة الرب فذاك الشقي
ما ضر ذا الطاعة ما ناله في طاعة الله ومـاذا لقي
ما يصنع العبد بغير التقى والعز كل العـز للمـتقي

فقلت يا أهل مكة من هذا الفتى فقالوا هذا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام (أقول) مثل هذا الامام في علمه وفضله و مناقبه وكرامته وزهده وعبادته واستجابة دعاؤه يحمل أسيراً مغلولا تارة الى ابن مرجانة بالكوفة وأخرى الى ابن هند بالشام ولما أدخل على ابن زياد مع عماته وأخواته قال له من أنت فقال أنا علي بن الحسين فقال اليس قد قتل الله علي بن الحسين فقال علي قد كان لي أخ يسمى علياً قتله الناس فقال بل الله قتله فقال علي بن الحسين الله يتوفى الأنفس حين موتها فغضب ابن زياد وقال وبك جرأة لجوابي وفيك بقية للرد علي اذهبوا به فاضربوا عنقه فتعلقت به عمته زينب وقالت يا ابن زياد

المجالس السنية ـ الجزء الرابع 274

حسبك من دمائنا واعتنقته وقالت لا والله لا أفارقه فان قتلته فاقتلني معه فنظر ابن زياد اليها واليه ساعة ثم قال عجباً للرحم والله اني لأظنها ودت اني قتلتها معه دعوه فاني أراه لما به ، أي انه شديد المرض (وفي رواية) ان علي بن الحسين عليهما السلام قال لعمته اسكتي يا عمة حتى أكله ثم أقبل عليه فقال بالقتل تهددني يا ابن زياد أما علمت ان القتل لنا عادة وكرامتنا الشهادة .
فـيا وقعة لـم يوقع الـدهر مثلها وفادحـة تنسى لديها فوادحـه
متى ذكرت اذكت حشـى كل مؤمن بزند جوي أوراه للحشر قادحه
المجلس السادس والثلاثون بعد المائتين

عن عبد الله بن المبارك قال : حججت في بعض السنين فبينما انا أسير في عرض الحاج اذا أنا بشاب وسيم الوجه يسير ناحية عن الحاج بلا زاد ولا راحلة فتقدمت اليه وسلمت عليه فرد علي السلام فقلت مع من قطعت البر قال مع الباري فعظم في عيني فقلت له أين زادك وراحلتك قال زادي تقواي وراحلتي رجلاي وقصدي مولاي فكبر في نفسي فقلت له ممن تكون أيها الشاب قال هاشمي قلت أفصح قال طالبي قلت أوضح قال فاطمي قلت له يا سيدي هل قلت شيئاً من الشعر قال نعم قلت أنشدني من شعرك فأنشأ يقول :
نحن على الحوض ذواده وتسقى بـنا منه وارده
ومـا فــاز الا بـنـا وما خاب من حبنا زاده

المجالس السنية ـ الجزء الرابع 275

ومن سرنا نال منا لسرو ر ومن ساءنا ساء ميلاده
ومن كان غاصبنا حقنـا فـيوم القيامـة مـيعاده

ثم غاب عن عيني فلم أره حتى أتيت مكة المكرمة وقضيت الحج واتيت الأبطح فاذا أنا بحلقة مستديرة فاطلعت لأنظر من فيها فاذا أنا بصاحبي الشاب الهاشمي فسمعته يقول :
نحن بنو المصطفى ذوو غصص يجرعها في الأنام كاظمنا
عـظـيمة فـي الأنـام محنـتنا أولـنا مـبتلى وآخـرنا
يفـرح هـذا الـورى بعـيدهـم ونحـن أعـيادنا مآتمـنا
والـناس بالأمـن والسـرور ولا يأمن طول الزمان خائفنا
يحكـم فيـنا والحـكم فـيه لـنا جاحدنا حقـنا وغاصـبنا

فسألت عنه فقيل لي هو زين العابدين علي بن الحسين عليهما السلام . ولم يزل سلام الله عليه في الحزن على أبيه مدة حياته حتى لحق بربه (وعن) جابر الجعفي قال لماجرد مولاي محمد الباقر مولاي علي بن الحسين ثيابه ووضعه على المغتسل وكان قد ضرب دونه حجابا سمعته ينشج ويبكي حتى أطال ذلك فأمهلته عن السؤال حتى اذا فرغ من غسله ودفنه فأتيت اليه وسلمت عليه وقلت له جعلت فداك مم كان بكاؤك وأنت تغسل أباك أكان ذلك حزنا عليه قال لا يا جابر لكن لما جردت أبي ثيابه ووضعته على المغتسل رأيت آثار الجامعة في عنقه وآثار جرح القيد في ساقيه وفخذيه فأخذتني الرقة لذلك وبكيت .
مالي أراك ودمع عينك جامد أو ما سمعت بمحنة السجاد

* * *


السابق السابق الفهرس التالي التالي