المجالس السنية ـ الجزء الرابع 241

الرفيعة وكان عامله على العراق فكتب اليه معاوية ان اقبل لأمر حظك فيه كامل فلما قدم الشام قال معاوية لأبي هريرة وأبي الدرداء قد بلغت لي بنت اردت تزويجها ليقتدي بي من بعدي وقد رضيت لها عبد الله بن سلام لدينه وفضله فاذكرا له ذلك عني وقال معاوية لابنته اذا ذكر لك ذلك فقولي كفؤ كريم لكن عنده أرينب بنت اسحق وأخاف أن يعرض لي الغيرة ما يعرض للنساء فأسخط الله فيه ولست بفاعلة حتى بفارقها فذكرا ذلك لعبد الله فسر به وبعثهما الى معاوية خاطبين فقال قد علمتها رضاي به فادخلا عليها واعلماها بطلاق عبد الله زوجته فقالت انه في قريش لرفيع غير ان التزويج هزله جد وجده ندم والأناة في الأمور اوفق واني سائلة عنه فلما أعلما عبد الله بقولها تمثل وقال :
فان يك صدر هذا اليوم ولى فان غداً لناظره قريب

وتحدث الناس بذلك ولم يشكوا في غدر معاوية بعبد الله فاستحث عبد الله أبا هريرة وأبا الدرداء فاتياها فقالت قد سألت عنه فوجدته غير موافق مع اختلاف من استشرته فيه فمنهم الناهي عنه ومنهم الآمر به واختلافهم أول ما كرهته فعلم عبد الله انه قد خدع وشاع أمره في الناس وعظم لومهم لمعاوية فقال لعمري ما خدعته فلما انقضت اقراء أرينب وجه معاوية أبا الدرداء الى العراق خاطباً لها على ابنه يزيد فقدمها وبها يومئذ الحسين بن علي عليهما السلام وهو سيد أهلها فقهاً وجوداً فقال أبو الدرداء هذا إلن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسيد شباب أهل الجنة فلست بناظر في شيء قبل التسليم عليه فلما رآه الحسين «ع» قام اليه فصافحه ورحب به فأخبره أبو الدرداء بما جاء له وانه رأى ان

المجالس السنية ـ الجزء الرابع 242

لا يبدأ بشيء قبل التسليم عليه فشكر له الحسين ذلك وقال أخطب رحمك الله علي وعليه واعطاها من المهر مثل ما بذل لها فلما دخل عليها قال خطبك أمير هذه الأمة وولي العهد يزيد بن معاوية وابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وابن أول من آمن به وسيد شباب أهل الجنة فقالت قد فوضت أمري بعد الله اليك فقال ابن بنت رسول الله أحبهما الي وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واضعا شفتيه على شفتي الحسين عليه السلام فضعي شفتك حيث وضعها رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت قد رضيته فتزوجها الحسين وبلغ ذلك معاوية فتعاظمه وكان عبد الله بن سلام قد استودعها بدراً من المال وكان معاوية قد جفاه لسوء قوله فيه فرجع الى العراق وهو يخاف جحودها لما سلف منه فلما قدم لقي الحسين «ع» وذكر له ذلك فاخبرها الحسين «ع» به فقالت انه لمطبوع عليه بطابعه فادخله عليها فاخرجت البدر ووضعتها بين يديه وخرج الحسين فحثا لها عبد الله من ذلك الدر حثوات وقال خذي هذا فهو قليل مني واستعبرا جميعاً فدخل الحسين وقد رق لهما فقال أشهد الله انها طالق اللهم انك تعلم اني لم أتزوجها رغبة في مالها وجمالها وانما أردت ارجاعها الى بعلها فاوجب لي بذلك الأجر ولم يأخذ مما ساق اليها شيئاً فتزوجها عبد الله بن سلام (ومن) هذا وشبهه كانت الأحقاد تزداد في قلب يزيد على الحسين «ع» حتى أظهر الشماتة والفرح يوم جيء اليه برأس الحسين «ع» ونسائه ومن تخلف من أهل بيته فوضع الرأس الشريف بين يديه وأجلس النساء خلفه لئلا ينظرن اليه فجعل يقول :
ليت أشياخي ببدر شهدوا جزع الخزرج من وقع الأسل
فأهلـوا واستـهلوا فرحاً ثم قالـوا يا يزيـد لا تشـل
قد قتلنا القرم من ساداتهم وعدلـناه بـبدر فـاعتـدل

المجالس السنية ـ الجزء الرابع 243

لعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء ولا وحي نزل

وكان في السبايا الرباب زوجة الحسين «ع» وهي التي يقول فيها الحسين وفي ابنتها سكينة :
لعـمرك انـني لأحـب داراً تحل بها سكينة والرباب
أحبهـما وأبذل فـوق جهدي وليس لعاذل عندي عتاب
ولست لهم وان عتبوا مطيعاً حياتي أو يغيبني التراب

فيقال ان الرباب أخذت الراس ووضعته في حجرها وقبلته وقالت :
واحسيناً فلا نسيت حسيناً أقـصدته أسـنة الأعـداء
غادروه بكربلاء صريعاً لا سقى الله جانبي كربلاء
المجلس الخامس والعشرون بعد المائتين

من قصيدة لمؤلف الكتاب :
اقصري عن ملامه او فزيدي اي لوم يجدي بصب عميد
رحـلوا بالشموس وهي وجوه في قباب على الجمال القود
لسـت ادري هوادج ام بروج يتـهادين في عـراض البيد
فـتزود منهم لـيوم سيمضي وتـزود منهم ليـوم جديـد
لو يقولـون ما الـذي تتمنى قلت ايامنا بذي البان عودي
يـا خليـلي عـرجا بـزرود حـبذا وقفة برمـل زرود
وخليل امسى يـذم لـي الدهر ويزري بفـعل دهر كـنود

المجالس السنية ـ الجزء الرابع 244

قلت ما ترتجيه من دهر سوء يرتضي عن حسينه بيزيد
بنديم الشـراب والعـود والنر د ورب القرود رب الفهود

ماذا يرتجي المرء من زمان يكون الخليفة فيه على المسلمين والحاكم في دمائهم واموالهم والحامل لقب امير المؤمنين هو يزيد بن معاوية المتجاهر بالفجور وشرب الخمور وضرب العود واللعب بالنرد والفهود . قال ابن الفوطي في تاريخه : كان ليزيد قرد يكنيه ابا قيس ويسقيه فضل كأسه ويركبه على اتان وحشية قد ريضت له ويسابق بها الجياد في الحلبة . وقال فيه بعض الشعراء :
تمسـك ابا قـيس بفضل زمامها فليس عليها ان سقطت ضمان
الا من رأى القرد الذي سبقت به جـياد امـير المؤمنـين اتان

وقد قلبته الريح يوماً عن ظهرها فمات فحزن عليه يزيد حزناً شديداً وامر بتكفينه ودفنه وامر الناس ان يعزوه به وانشأ يقول :
ما شيخ قوم كرام ذو محافظة الا اتانا يعزي في ابي قيس
لا يبـعد الله قبراً انـت ساكنه فيه جمال وفيه لحية التيس

واي زمان اسوأ من زمان قدم يزيد الذي هذه بعض صفاته وقبائحه فضلا من مجاهرته بالكفر والالحاد على سبط الرسول ونجل الزهراء البتول احد السبطين والريحانتين سيد المسلمين في عصره من حاز من جميع الصفات افضلها واعلاها واكملها واسناها الحسين علي بن ابي طالب حتى مكن منه جيش يزيد بن معاوية جيش الضلال والفساد والكفر والالحاد فقتله عطشان ظامياً وحيداً فريداً غريباً وقتل جميع انصاره واهل بيته وساق حرمه كالسبايا وطاف رأسه ورؤوس اهل بيته في

المجالس السنية ـ الجزء الرابع 245

البلدان فحق لنا ان نقول :
قلت ما ترتجيه من دهر سـوء يرتضي عن حسينه بـيزيد
بنديـم الشراب والعـود والـنر د ورب القرود رب الـفهود
وهـو اختار قـبل ذاك سفاهـا عن عـلي سليل هنـد الهنود
لم تصدق امية بالنبي المصطفى وهي لـم تـزل في جـحود
أظـهرت سلمها نـفاقاً وخـوفاً من سيوف تجتث حبل الوريد

كان ابو سفيان اعدى الناس لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد قاد الجيوش لحربه يوم احد ويوم الخندق واسلم يوم الفتح كارها هو وولده حتى انه لما اجاره العباس يوم الفتح واركبه خلفه على بغلة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم : الم يأن لك ان تعلم اني رسول الله قال اما هذه ففي النفس منها شيء فقال له العباس ويحك اسلم قبل ان تقتل فأظهر الاسلام خوفاً على خيط رقبته ، ولما بويع الخليفة الثالث قال : تلقفوها يا بني امية فو الله ما من جنة ولا نار ، ووقف على قبر حمزة فرفسه برجله وقال يا ابا عمارة ان الذي تقاتلنا عليه يوم بدر قد صار في ايدي صبياننا .
قتلت حمزة لدى يوم احد اسد الله خير ميت شهـيد
وبـه مثلث عناداً وبغـيا وشفت غيظها بأكل الكبود

كان حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من اشجع بني هاشم وكان ناصر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمحامي عنه في المشاهد التي شهدها يوم بدر و احد وكان يلقب اسد الله واسد رسوله ، وهو الذي برز مع ابن اخيه علي بن ابي طالب وابن عمه عبيدة بن الحارث بن المطلب يوم بدر لمبارزة عتبة بن ربيعة واخيه شيبة وابنه الوليد بن عتبة حين طلبوا اكفاءهم من قريش فقتل حمزة عتبة واعانه على قتله علي وقتل علي الوليد وضرب

المجالس السنية ـ الجزء الرابع 246

عبيدة رأس شيبة ففلقة وكر حمزة وعلي على شيبة فأجهزا عليه ، ولما اخر علي «ع» عم مقامه كان يقول واحمزتاه ولا حمزة لي اليوم .
ولما كان يوم أحد جعلت هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان لوحشي جعلا ان قتل أحد الثلاثة رسول الله أو حمزة أو علياً فقال : أما محمد فلا حيلة لي فيه لأن أصحابه يطيفون به ، وأما علي فانه أحذر من الذئب ، وأما حمزة فاني أطمع فيه لأنه اذا غضب لم يبصر بين يديه ، وكان حمزة قد أعلم بريشة نعام في صدره وهو يهد الناس بسيفه ما يلقى أحداً يمر به الا قتله فرماه وحشي بحربة غيلة فقتله ومثلت هند بحمزة فبقرت عن كبده فلاكتها فلم تستطع أن تسيغها فلفظتها وصارت تلقب بآكلة الأكباد وصار ولدها يعيرونه بذلك وجدعت أنف حمزة وأذنيه
ثم عادت فأظـهرت ما أجـنت مذ غدا المصطفى رهيـن اللـحود
يـوم صفين يـوم بـدر وأحد وعلـيه مـا فيـها مـن مـزيـد
لعـنت حيـدراً عـلى منـبـر الاسلام في كـل مجـمع مشـهود
وهي في لعنها تكـني وتعـني خاتـم الأنبـياء فخـر الـوجـود
فغدت للحضيض تهوي صغارا أبداً وهو لم يـزل فـي صعـود
ما صعدتم مـن ذي المنابر لولا سيـفه يـا أمـيـة فـوق عـود

لما توفي النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجد بنو أمية سبيلا الى الانتقام من الاسلام ومن نبي الاسلام وسائر بني هاشم فاجتهدوا جهدهم في ذلك وحاربوا الاسلام ووصي النبي رسول الله بسيف الاسلام وتحت لواء الاسلام ، فنابذ صاحب الشام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب «ع» وفرق كلمة المسلمين وجيش الجيوش عليه يوم صفين مظهراً للطلب بدم الخليفة الثالث وصاحب الشام هو الذي خذله لما استنصره وكان يعلم براءة علي من ذلك

المجالس السنية ـ الجزء الرابع 247

براءة الذئب من دم يوسف ، فكما حارب بنو أمية الاسلام يوم بدر وأحد تحت راية الكفر وحاربوا الاسلام يوم صفين تحت راية الاسلام وهذا معنى قوله :
يوم صفين يوم بدر واحد وعليه ما فيهما من مزيد

ثم سن بنو أمية لعن علي بن أبي طالب على المنابر في الأعياد والجمعات فجعلوه فرضاً كفرض الصلاة وانما هم يعنون بذلك نبي الاسلام ولما لم يمكنهم التصريح بذلك كنوا عنه بلعن علي بن أبي طالب وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعلي «ع» : يا علي من سبك فقد سبني ، فهذه المنابر التي سبوه فوق أعوادها هي منابر الاسلام الذي قام بسيف علي ابن أبي طالب ولولا سيفه ما تسنم بنو أمية ذروة هذه المنابر ولكن سبهم له ما زاده الا رفعة وسمواً وما زادهم الا ذلة وصغاراً .
قال عبد الله بن عروة بن الزبير لابنه يا بني عليك بالدين فان الدنيا ما بنت شيئاً الا هدمه الدين واذا بنى الدين شيئاً لا تستطيع الدنيا هدمه الا ترى علي بن أبي طالب وما يقول فيه خطباء بني أمية من ذمه وغيبته والله لكأنما يأخذون بناصيته الى السماء الا تراهم كيف يندبون موتاهم ويرثيهم شعراؤهم والله لكأنما يندبون جيف الحمر .
ثم دست سماً الى الحسن السبـ ـط وخانت ما أوثقت من عهود

لما صالح الحسن بن علي عليهما السلام معاوية شرط عليه أن لا يعهد بعده بالخلافة الى أحد ، فلما أراد أن يعهد بالخلافة الى ابنه يزيد دس السم الى الحسن على يد زوجته جعدة بنت الأشعث فقضى عليه السلام شهيداً بذلك السم .

المجالس السنية ـ الجزء الرابع 248

وتمادى الزمان حتى انتهى الأمر لبلوى حبابة ويزيد

هو يزيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم في كتاب الأغاني : ان يزيد هذا لما ولي الخلافة قال : ما تقر عيني بما أوتيت من الخلافة حتى أشتري سلامة وحبابة وهما جاريتان مغنيتان فاشتريتا له ، وغنته حبابة يوماً وهو يشرب فطرب وأخذ منه الشراب وجعل يدور في القصر ويصيح وشق حلته وقال لها أتأذنين أن أطير قالت والى من تدع الناس قال اليك ، وطرب يوماً من غناء حبابة فأخذ وسادة فصيرها على رأسه وقام يدور في الدار ويرقص حتى دار الدار كلها . وقال ابن الأثير : قال يزيد بن عبد الملك يوماً وقد طرب وعنده حبابة وسلامة دعوني أطر قالت حبابة على من تدع الأمة قال عليك . وغنته يوماً :
وبين التراقي واللهاة حرارة وما ضمنت ماء يسوغ فتبردا

فأهوى ليطير فقالت يا أمير المؤمنين ان لنا فيك حاجة فقال والله لأطيرن فقالت على من تخلف الأمة والملك قال عليك والله وقبل يدها ، وخرجت معه الى متنزه فرماها بحبة عنب فدخلت حلقها فشرقت ومرضت وماتت فتركها ثلاثة أيام لم يدفنها حتى أنتنت وهو ينظر اليها ويبكي فكلم في أمرها حتى أذن في دفنها وبقي بعدها خمسة عشر يوماً ومات ودفن الى جانبها .
وامتلأ الكون بالفضائح واسود بها وجهه لفعل الوليد

هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان ، قال ابن الأثير : لما ولي هشام بن عبد الملك الخلافة ظهر من الوليد مجون وشرب الشراب واتخذ له ندماء فأراد هشام أن يقطعهم عنه فولاه الحج فحمل معه كلابا

المجالس السنية ـ الجزء الرابع 249

في صناديق وعمل قبة على قدر الكعبة ليضعها على الكعبة وحمل معه الخمر وأراد أن ينصب القبة على الكعبة ويشرب فيها الخمر فخوفه أصحابه وقالوا لا نأمن الناس عليك وعلينا . وقال ابن الأثير أيضاً مما اشتهر عنه انه فتح المصحف فخرج «واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد» فألقاه ورماه بالسهام وقال :
تهـددني بـجـبار عنـيد فها أنا ذاك جـبار عنيد
اذا ما جئت ربك يوم حشر فقل يا رب مزقني الوليد

ومن أعمال الوليد هذا انه لما قتل يحيى بن زيد بن علي بن الحسين وبعث برأسه الى الوليد بعث به الوليد الى المدينة فجعل في حجر أمه ريطة فنظرت اليه وقالت شردتموه عني طويلا وأهديتموه الي قتيلا صلوات الله عليه وعلى آبائه بكرة وأصيلا ، فهذه مفخرة من مفاخر بني أمية تضاف الى باقي مفاخرهم .
فلتفاخر أشياعهم ما استطاعت ولتناضل بما لها مـن جهود
بوجـوه مـن القـبائـح سود وبجـمع مـن المخازي عتيد
ليس ما قـد أتـت أمية مـما قد أتاه مـن بعـدهـم ببعـيد
تبـع اللاحقـون فـيما جنوه ما أتى السابقون مـن تمـهيد
وسروا معنقين في ظلـم أهل البيت مـن مبـدئ لهم ومعيد
أمـراء للـمسـلمين تسـموا يا لها خـزيـة وتعـس جدود
من كفـور بالمـنكرات جهور وعنود عـن الصواب جـحود
أي لعمري فليس هذا عجـيباً مـن أمي الشـقا وآل الطـريد
قتلت هاشم أمـياً على الاسـ ـلام في كل يوم حرب مبـيد
فتلـظت بالغيـظ منها قلـوب وامتلت من ضـغائن وحقـود

المجالس السنية ـ الجزء الرابع 250

فمذ استمـكنت جزتـها بـسيف الكـفـر ذاك المخـبأ المغـمود
انـما أعجـب العجـيب أنـاس آمنـوا بالـرسـول والـتوحيـد
آمنوا بالكـتاب والحـشر والنشر وبـالـوعـد كلـها والـوعـيد
يـتولون مـن أمـيـة مـن ذ لك مـن فعـله بـلا تـفـنيـد
بعضهم عن عمى قلوب وبعض عـن عـناد والبعـض بالتقـليد
زعموا خير أمـة أخرجـت للنا س هـم لا وربـنـا المـعـبود
أمـة تلعن الـوصـي تـرى ذ لك ديـناً نـأت عـن التـسديد
أمـة يغـتـدي خليفـتها مثـل يـزيد مـا حـظـها بـسعـيد
أمة تقـتل ابـن بنت رسول الله ظـلـماً لـشر بيـض وسـود
انما خير أمة خص أهـل البيت عـند التخـصـيص والتقـيـيد
بـما تلقـون أحمـداً وجعـلـتم يوم قـتل ابـنه لكـم يـوم عيد
لـم يـكن فيـكم ابن بنـت نبي غير هـذا ولا لـه مـن نـديد
أي ظـام قتـلتم بـيـد الـبغي محـلى عـن الـفـرات مـذود
صال فيهم وما لـه من نصـير غير رمح لـدن وسـيف حديـد
مثله السـيف في مضاء وعـزم وثبات عنـد اصطـدام الجـنود
انما السـيف مثـل حـامله يمـ ضـي بيـمنى مشـيع صنديـد
مفرد في الـوغى يقاتـل جيشاً مـن عـداه ذا عـدة وعـديـد
شـد فيهـم وهـم ثلاثـون الفاً فـدعا جمعـهم الـى التـبديد
ترك الجـمع كالهشيم سفته الريح سفـواً مـن قـائـم وحـصيد
يورد السيف والقنا مـن دمـاهم والحـشا منه فـي ظما للورود
وغـدا بـينهـم وحـيداً بنفسي وبأهـلي فـديـته مـن وحـيد
قتلوا خـير مـن تظـل سـماء يا جبال انهاري ويا أرض ميدي
من قتيل بقـتله هـد ركن الدين فيـهم وغـاب نجـم السعـود

المجالس السنية ـ الجزء الرابع 251

أرعدوا منه وهو ملقى على البو غـاء ارعـاد خـائـف رعديد
ما سـمعنا مـن قبـله بقـتيل وصـريـع مجـبـن للأسـود
دهر سوء اجرى على أشـرف السادات فـي العالمين حكم العبيد
نالت الفـوز عصـبة نصرتـه بذلت في فـداه أقصـى الجهود
ورجال مـن هـاشم كـسيوف مرهفات قـد جردت مـن غمود
كل غضن الشباب أحيا من العذ راء اجـرا مـن ضيغم ذي لبود
مـترع بالـندا بيـوم عـطاء مـسرع للنـدا اذا هـو نـودي
اريحي الفـؤاد امضى من الصا رم اندى من عـارض ذي رعود
مادجت ظلـمة مـن النـقع الا شقها مـن حـسـامـه بعمـود
وقـفت دونـه تقـيه المـنايا يـا له مـن مقـام عـز مجـيد
قال صبراً فـلا لفيـتم هـوانا بعد هـذا وعـزكـم في خـلود
فتـهاووا عـلى الثـرى كدرار نثرتهـا بـروجهـا في الصعيد
مـن قتـيل مـضرج بـدماء وعليل مصفـأد فـي القـيـود
سعـدوا مـذ تـيوأوا في جنان الخلد دار في ظلـهـا الممـدود
آل بيت النبي نخبة هذا الكـون مـن سـائــد بـه ومـسـود
فهم الضـاربون في يوم حرب وهم المنعـمون في يـوم جـود
وهم القائلـون فـي يوم نطق لمـقـال كـنـظـم در فـريـد
وهم زينـوا المنـابـر لمـا خطبوا فـوق جمعهـا المحـشود
وهم علموا الخطابة والسعـي لهـا كـل خـاطـب مـعـدود
وهـم الصائمـون يوم هجير وهـم المـؤثـرون بـالمـوجود
وهـم القائمون قد احيوا الليل ابتـهـالا مـن ركـع وسـجود
وهـم العاملون ان جهل العا لـم والمطـعـمون عند الـوفود
وهم بعـد أحمد خير خلق الله طـراً بـرغـم كـل حـسـود

المجالس السنية ـ الجزء الرابع 252

وهـم الثابتون ان زلـت الأقـ ـدام في الروع يوم خفق البنود
هما دجا الخطب في البرية الا كـشفـوه بـكـل رأي سديـد
مـدح فيهم بها الـذكر نـادى أرغمت أنف كـل خـصم عنيد
المجلس السادس والعشرون بعد المائتين

كان الحسين «ع» سيد اهل زمانه وافضلهم في علمه وعبادته وشدة خوفه من الله تعالى وكرمه وسخائه ورأفته بالفقراء والمساكين واحسانه اليهم وتواضعه وحلمه وفصاحته وبلاغته وغير ذلك في صفات الكمال . اما اباؤه للضيم ومقاومته للظلم وعدم مبالاته بالقتل في سبيل الحق والعز فقد ضربت به الامثال وسارت به الركبان وملئت به المؤلفات وخطبت به الخطباء ونظمته الشعراء وكان قدوة لكل ابي ومثالا يتبعه كل ذي نفس عالية وهمة سامية وكان فعله منوالا ينسج عليه اهل الاباء في كل عصر وزمان وطريقاً يسلكه كل من ابت نفسه الرضا بالدنية وتحمل الذل والخنوع للظلم وقد اتى الحسين «ع» في ذلك بما حير العقول واذهل الالباب وادهش النفوس وملأ القلوب هيبة وروعة واعيا الامم عن ان يشاركه مشارك فيه واعجز العالم ان يشابهه احد في ذلك او يضاهيه واعجب به اهل كل عصر وبقي ذكره خالداً ما بقي الدهر ابى ان يبايع يزيد بن معاوية السكير الخمير صاحب القيان والطنابير واللاعب بالقرود والفهود والمجاهر وبالكفر والالحاد والاستهانة بالدين قائلا لمروان حين اشار عليه ببيعة يزيد : وعلى الاسلام السلام اذ قد بليت الامة

المجالس السنية ـ الجزء الرابع 253

براع مثل يزيد وقائلا لاخيه محمد بن الحنفية : والله لو لم يكن في الدنيا ملجأ ولا مأوى لما بايعت يزيد بن معاوية في حين ان لو بايعه لنال من الدنيا الحظ الاوفر والنصيب الاوفى ولكن معظما محترما عنده مرعي الجانب محفوظ المقام لا يرد له طلب ولا تخالف له ارادة لما كان يعلمه يزيد من مكانته بين المسلمين وما كان يتخوفه من مخالفته له وما سبق من تحذير ابيه معاوية له من الحسين فكان يبذل في ارضائه كل رخيص وغال ولكنه ابى الانقياد له قائلا انا اهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة بنا فتح الله وبنا ختم ويزيد رجل فاسق شارب الخمر قاتل النفس المحترمة ومثلي لا يبايع مثله فخرج من المدينة بأهل بيته وعياله واولاده ملازماً للطريق الاعظم لا يحيد عنه فقال له اهل بيته لو تنكبته كما فعل ابن الزبير الذي ذهب على طريق الفرع لئلا يلحقك الطلب فأبت نفسه ان يظهر خوفاً او عجزاً وقال والله لا افارقه حتى يقضي الله ما هو قاض ولما قال له الحر اذكرك الله في نفسك فاني اشهد لئن قاتلت لتقتلن اجابه الحسين «ع» مظهراً له استهانة الموت في سبيل الحق ونيل العز فقال له افبالموت تخوفني وهل يعدو بكم الخطب ان تقتلوني وساقول كما قال اخو الاوس وهو يريد نصرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فخونه ابن عمه وقال اين تذهب فانك مقتول فقال :
سأمضي وما بالموت عار على الفتى اذا مانـوى حقـاً وجاهد مسـلما
اقـدم نـفـسي لا اريـد بـقاءهـا لتلقي خميساً في الوغى وعرمرما
فان عشـت لم اندم وان مت لم الم كفى بـك ذلاً ان تعـيش فترغما

يقول الحسين «ع» ليس شأني شأن من يخاف الموت ما اهون الموت علي في سبيل نيل العز واحياء الحق ليس الموت في سبيل ذلك الا حياة

المجالس السنية ـ الجزء الرابع 254

خالدة وليست الحياة مع الذل الا الموت الذي لا حياة معه افبالموت تحوفني هيهات طاش سهمك وخاب ظنك انا لست من الذين يخافون الموت ويختارون حياة الذل خوف الموت ان نفسي لاكبر من ذلك وهمتي لأعلى من ان احمل الضيم خوفاً من الموت وهل تقدرون على اكثر من قتلي مرحباً بالقتل في سبيل الله ولكنكم لا تقدرون على هدم مجدي ومحو عزي وشرفي وما دام ذلك سالماً لي فلا ابالي بالقتل . وهو القائل : موت في عز خير من حياة في ذل . وكان يحمل يوم الطف يقول :
الموت خير من ركرب العار والعار اولى من دخول النار
والله من هذا وهذا جاري

ولما احيط به بكربلاء وقيل له انزل على حكم بني عمك قال لا والله لا اعطيكم بيدي اعطاء الذليل ولا اقر اقرار العبيد . وشهد له بالشمم والاباء وعزة النفس اعداؤه فلما كتب ابن زياد الى ابن سعد عليهما لعائن الله ان اعرض على الحسين واصحابه النزول على حكمي فان فعلوا فابعث بهم الي سلماً وان ابوا فازحف اليهم حتى تقتلهم وتمثل بهم قال ابن سعد لا يستسلم والله حسين ان نفس ابية بين جنبيه . اجل ان نفس ابية بين جنبيه وهو القائل الا ان الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين السلة والذلة وهيهات منا الذلة يأبى الله ذلك لنا ورسوله والمؤمنون وجدود طابت وحجور طهرت وانوف حمية ونفوس ابية لا تؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام . اقدم الحسين «ع» على الموت مقدماً نفسه واولاده واطفاله واهل بيته للقتل قربانا وفداء لدين جده صلى الله عليه وآله وسلم بكل سخاء وطيبة نفس وعدم تردد وتوقف قائلا بلسان حاله :
ان كان دين محمد لم يستقم إلا بقتلي يا سيوف خذيني

المجالس السنية ـ الجزء الرابع 255

فأبى ان يعيش الا عزيزاً او تجلى الكفاح وهو صريع
المجلس السابع والعشرون بعد المائتين

روى المدائني ان الحسن لما صالح معاوية قال اخوه الحسين عليهما السلام : لقد كنت كارها لما كان طيب النفس على سبيل ابي حتى عزم علي اخي فأطعته وكأنما انفي يجد بالمواسي ، وقال ابن ابي الحديد : سيد أهل الاباء الذي علم الناس الحمية والموت تحت ضلال السيوف اختياراً له على الدنية ابو عبد الله الحسين بن علي بن ابي طالب عليه السلام عرض عليه الامان واصحابه فأنف من الذل وخاف من ابن زياد ان يناله بنوع من الهوان مع انه لا يقتله فاختار الموت على ذلك وهو الذي سن للعرب الاباء واقتدى به من جاء بعده مثل ابناء الزبير وبني المهلب وغيرهم وكان مصعب بن الزبير يقول وهو يحارب جيش عبد الملك .
وان الأولى بالطف من آل هاشم تآسوا فسنوا للكرام التآسيا

ولكن اين ابناء الزبير من آل ابي طالب مصعب اسلمه ابن هوعبد الله بن الزبير اسلمه اخوه ولما قتله الحجاج امسى ويد الحجاج في يد اخي عبد الله بن الزبير اما آل ابي طالب فأبوا مفارقة الحسين «ع» وقد اذن لهم بالانصراف حتى قتلوا دونه . قال ابن ابي الحديد : وسمعت النقيب ابا زيد يحيى بن زيد العلوي البصري يقول : كأن أبيات ابي تمام في محمد بن حميد الطائي ما قيلت الا في الحسين «ع» :

المجالس السنية ـ الجزء الرابع 256

وقد كان فوت الموت سهلا فرده اليـه الحفاظ الـمر والخلق الوعر
ونفس تعـاف الضيم حـتى كأنه هـو الكفر يوم الروع اودونه الكفر
فأثتبت في مستنقع المـوت رجله وقال لها من دون اخمصك الحشر
تردى ثياب الموت حمراً فما اتى لها الليل الا وهي من سندس خضر

وقال ابن ابي الحديد في شرح النهج ايضاً : ومن مثل الحسين بن علي قالوا يوم الطف ما رأينا مكثوراً قد افرد من اخوته واهله وانصاره اشجع منه كان كالليث المحرب يحطم الفرسان حطما وما ظنك برجل ابت نفسه الدنية وان يعطي بيده فقاتل حتى قتل هو وبنوه واخوته وبنو عمه بعد بذل الامان لهم والتوثقة بالايمان المغلظة .
ابـي ابـى شم الـدنية انفه فأشمه شوك الوشيـج المقصد
وقال قفي يا نفس وقفة وارد حياض الردى لا وقفة المتردد
المجلس الثامن والعشرون بعد المائتين

كان الحسين عليه السلام سيد اهل زمانه وافضلهم علماً وعملا وحلما وعبادة وزهداً وتواضعاً واباء وبلاغة وفصاحة وغير ذلك اما شجاعته فقد انست شجاعة الشجعان وبطولة الابطال وفروسية من مضى ومن يأتي الى يوم القيامة فهو الذي دعا الناس الى المبارزة فلم يزل يقتل كل من برز اليه حتى قتل مقتلة عظيمة وهو الذي قال فيه بعض الرواة والله ما رأيت مكثوراً قط قد قتل ولده واهل بيته واصحابه اربط جاشاً ولا امضى جنانا ولا اجرأ مقدما منه والله ما رأيت قبله ولا بعده مثله وان

المجالس السنية ـ الجزء الرابع 257

كانت الرجالة لتشد عليه فيشد عليها بسيفه فتنكشف عن يمينه وعن شماله انكشاف المعزى اذا شد فيها الذئب ولقد كان يحمل فيهم وقد تكملوا ثلاثين الفاً فينهزمون من بين يديه كأنهم الجراد المنتشر . وهو الذي حين سقط عن فرسه الى الارض وقد اثخن بالجراح قاتل راجلا قتال الفارس الشجاع يتقي الرمية ويفترص العورة ويشد على الشجعان وهو يقول اعلى قتلي تجتمعون . وهو الذي جبن الشجعان واخافهم وهو بين الموت والحياة حين بدر خولي ليحتز رأسه فضعف وارعد . وفي ذلك يقول السيد حيدر الحلي :
عفـيراً متى عاينـته الكما ة يختطف الرعب الوانها
فما اجلت الحرب عن مثله قتيلا يجـبن شجـعانها

وهو الذي صبر على طعن الرماح وضرب السيوف ورمي السهام حتى صارت السهام في درعه كالشوك في جلد القنفذ وحتى وجد في ثيابه مائة وعشرون رمية بسهم وفي جسده ثلاث وثلاثون طعنة برمح واربع وثلاثون ضربة بسيف .
ومجـرح مـا غيـرت مـنه القنا حسناً ولا اخلفن منه جديداً
قد كان بدراً فاغتدى شمس الضحى مذ البسته يد الدماء لـبودا
المجلس التاسع والعشرون بعد المائتين

كان اهل بيت الحسين عليه السلام من ابنائه واخوته وبني أخيه وبني عمومته

السابق السابق الفهرس التالي التالي