المجالس السنية ـ الجزء الرابع 220

سمعه . ثم روى بسنده ان وفداً من اياد قدموا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسألهم عن حكم قس بن ساعدة فقالوا قال قس :
يا ناعي الموت والاموات في جدث عليـهم مـن بقايا بزهم خـرق
دعهـم فان لهـم يوماً يصاح بهم كما ينبـه من نـوماته الصعق
حتى يجيـئوا بحالا غـير حالهـم خلق مضوا ثم ماذا بعد ذاك لقوا
منهـم عـراة ومنهـم في ثيابهـم منها الجديد ومنها الاورق الخلق

مطر ونبات وآباء وامهات وذاهب وآت وآيات في اثر آيات واموات بعد اموات ضوء وظلام وليال وايام وفقير وغني وسعيد وشقي ومحسن ومسيء كلا بل هو الله واحد ليس بمولود ولا والد اعاد وابدى واليه المآب غداً . وفي رواية امات واحيا وخلق الذكر والانثى وهو رب الآخرة والاولى .
ومن حكم قس بن ساعدة ما رواه الصدوق في كمال الدين بسنده عن ابن عباس عن ابيه قال جمع قس بن ساعده ولده فقال : ان المها تكفيه البقلة وترويه المذقة ومن عيرك شيئاً ففيه مثله ومن ظلمك وجد من يظلمه متى عدلت على نفسك عدل عليك من فوقك فاذا نهيت عن شيء فابدأ بنفسك ولا تجمع ما لا تأكل ولا تأكل ما لا تحتاج اليه واذا ادخرت فلا يكونن كنزك الا فعلك وكن عف العيلة(1) مشترك الغنى تسد قومك ولا تشاورن مشغولاً وان كان حازماً ولا جائعاً وان كان فهماً ولا مذعوراً وان كان ناصحاً ولا تضعن في عنقك طوقاً لا يمكنك نزعه الا بشق نفسك واذا خاصمت فاعدل واذا قلت فاقتصد ولا تستودعن احداً

(1) يعني كن عند فقرك غنياً .
ـ المؤلف ـ
المجالس السنية ـ الجزء الرابع 221

دينك (1) وان قربت قرابته فانك اذا فعلت ذلك لم تزل وجلاً وكان المستودع بالخيار في الوفاء بالعهد وكنت له عبداً ما بقيت فان جنى عليك كنت اولى بذلك وان وفى كان الممدوح دونك وكان قس لا يستودع دينه احداً .
وروى ابن عياش في مقتضب الأثر بسنده عن الجارود بن المنذر العبدي قال وفدت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في رجال من عبد القيس فأقبل علينا النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقال أفيكم من يعرف قس بن ساعدة الأيادي قلت يا رسول الله كلنا نعرفه غير اني من بينهم عارف بخبره واقف على اثره وهو القائل بسوق عكاظ : شرق وغرب ويابس ورطب وأجاج وعذب وحب ونبات وجمع واشتات وذهاب وممات وآباء وامهات وسرور مولود ورزء مفقود بؤساً لارباب الغفلة ليصلحن العامل عمله قبل ان يفقد اجله ثم انشأ يقول :
ذكـر القلب مـن جواه ادكار وليال خـلا لـهن نـهار
وشموش من تحتها قمر الليـ ـل وكـل متـابع مـوار
وجـبال شوامـخ راسـيات وبحـار مياهـهن غـزار
وصغـير واشـمط ورضيع كلهم في الصعيد يوماً بوار
كل هذا هو الدليل على اللـ ه ففيه لنا هدى واعتـبار

ثم صاح قس فقال يا معشر اياد أين ثمود وأين عاد وأين الآباء والأجداد فويل لمن صدف عن الحق الأشهر وكذب بيوم المحشر ثم آب يكفكف دمعه وهو يقول :

(1) قال الصدوق امر بالتقية في دينه .
المجالس السنية ـ الجزء الرابع 222

أقـسم قـس قسماً ليـس بـه مكـتتماً
لو عاش الفي سنة لم يلق منـها سـأماً
حتى يلاقي أحمداً والنقـباء الحـكـما
هم اوصياء احمد اكرم من تحت السما
يعمى العباد عنهم وهـم جلاء للعـمى
لست بناس ذكرهم حتى أحـل الرجـما

لقد صدق قس في قوله :
يعمى العباد عنهم وهم جلاء للعمى

فقد عمي العباد عن اهل البيت عليهم السلام ولم يعرفوا حقهم واخروهم عن مقامهم وهم احد الثقلين اللذين لا يضل المتمسك بهما ومثل باب حطة الذي من دخله كان آمناً ومثل سفينة نوح التي من ركبها نجا ومن تخلف عنها هوى فياويل امة لم ترع لهم حقوقهم وعادتهم ونابذتهم حتى اصبحوا وهم :
محلوءون فأصفى شربهم وشل عند الورود وأوفى وردهم لمم

ولم تكتف بذلك حتى قاتلتهم فحاربت سيدهم علي بن ابي طالب عليه السلام ثم قتلته وهو يصلي لربه في محرابه وأنخت على ولديه الحسن والحسين بالظلم والجور فحاربت الحسن واضطرته الى ترك حقه ثم دست اليه السم حتى مات شهيداً مسموماً ومنعت من دفنه عند جده ونازعت اخاه الحسين حقه وأخافته حتى اضطرته الى مفارقة مدينة جده خائفاً يترقب ودست اليه الرجال لتغتاله في حرم الله الذي يأمن فيه الوحش فاظطرته الى الخروج للعراق وغدر به اهل الكوفة وجردوا لقتاله ثلاثين الفاً

المجالس السنية ـ الجزء الرابع 223

واحاطوا به حتى منعوه التوجه في بلاد الله العريضة ومنعوه واطفاله ونساءه وصبيته من ماء الفرات الجاري حتى قتلوه عطشان ظامياً .
فعلتم بأبناء النبي ورهطه افاعيل ادناها الخيانة والغدر
المجلس السابع عشر بعد المائتين

قال الله تعالى في سورة البقرة «يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون» الى قوله تعالى «شهر رمضان الذي انزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان» قال الباقر عليه السلام خطب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الناس في آخر جمعة من شعبان فحمد الله واثنى عليه ثم قال : ايها الناس قد اظلكم شهر فيه ليلة القدر خير من الف شهر وهو شهر رمضان فرض الله صيامه وجعل قيام ليلة فيه بتطوع صلاة سبعين ليلة فمن تطوع فيها كان كمن تطوع بصلاة سبعين ليلة فيما سواه من الشهور وجعل لمن تطوع فيه بخصلة من خصال الخير والبر كأجر من ادى فريضة من فرائض الله ومن ادى فيه فريضة من فرائض الله كان كمن ادى سبعين فريضة فيما سواه من الشهور وهو شهر يزيد الله فيه رزق المؤمنين ومن فطر فيه مؤمناً صائماً كان له بذلك عند الله عزوجل عتق رقبة ومغفرة الذنوب فيما مضى فقيل يا رسول الله ليس كلنا نقدر ان نفطر صائماً فقال ان الله تبارك وتعالى كريم يعطي هذا الثواب منكم من لم يقدر الا على مذقة من لبن ففظر بها صائماً أو شربة ماء عذب او تميرات لا يقدر على اكثر من ذلك ومن خفف فيه عن مملوكه خفف عنه حسابه

المجالس السنية ـ الجزء الرابع 224

وهو شهر اوله رحمة ووسطه مغفرة وآخره اجابة والعتق من النار ولا غنى بكم فيه عن اربع خصال خصلتين ترضون الله بهما وخصلتين لا غنى بكم عنهما اما اللتان ترضون الله بهما فشهادة ان لا اله الا الله واني رسول الله واما اللتان لا غنى بكم عنهما فتسألون الله حوائجكم والجنة وتسألون فيه العافية وتتعوذون فيه من النار (ألا) لعن الله ابن ملجم الذي فجع الاسلام والمسلمين بسيد الاوصياء في شهر رمضان فضربه وهو يصلي في محرابه ضربة وصلت الى موضع سجوده .
أفي شـهر الصيام فجعتمونا بخير الناس طراً اجمعينا
ومن بعد النبي فخير نفـس ابو حسن وخير الصالحينا
لقد علمت قريش حيث كانت بأنك خيرها حسبا وديـنا
المجلس الثامن عشر بعد المائتين

قال امير المؤمنين عليه السلام : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال ايها الناس انه قد اقبل اليكم شهر الله بالبركة والرحمة والمغفرة شهر هو عند الله افضل الشهور وايامه افضل الأيام ولياليه افضل الليالي وساعاته افضل الساعات دعيتم فيه الى ضيافة الله وجعلتم فيه من اهل كرامته انفاسكم فيه تسبيح ونومكم فيه عبادة وعملكم فيه مقبول ودعاؤكم فيه مستجاب فاسألوا ربكم بنيات صادقة وقلوب طاهرة ان يوفقكم لصيامه وتلاوة كتابه فان الشقي من حرم غفران الله في هذا الشهر العظيم واذكروا بجوعكم وعطشكم فيه جوع يوم القيامة وعطشه وتصدقوا على فقرائكم ومساكنيكم ووقروا

المجالس السنية ـ الجزء الرابع 225

كباركم وارحموا صغاركم وصلوا ارحامكم واحفظوا ألسنتكم وغضوا عما لا يحل النظر اليه ابصاركم وعما لا يحل الاستماع اليه اسماعكم وتحننوا على ايتام الناس يتحنن على ايتامكم وتوبوا الى الله من ذنوبكم وارفعوا اليه ايديكم بالدعاء في اوقات صلواتكم فانها افضل الساعات ينظر الله عزوجل فيها بالرحمة الى عباده يجيبهم اذا ناجوه ويلبيهم اذا نادوه ويعطيهم اذا سألوه ويستجيب لهم اذا دعوه (يا أيها الناس) ان انفسكم مرهونة بأعمالكم ففكوها باستغفاركم وظهوركم ثقيلة من اوزاركم فخففوا عنها بطول سجودكم واعلموا ان الله تعالى ذكره اقسم بعزته ان لا يعذب المصلين والساجدين وان لا يروعهم النار يوم يقوم الناس لرب العالمين (ايها الناس) من فطر منكم صائماً مؤمناً في هذا الشهر كان له بذلك عتق رقبة ومغفرة لما مضى من ذنوبه فقيل يا رسول الله وليس كلنا يقدر على ذلك فقال صلى الله عليه وآله وسلم اتقوا الله ولو بشق تمرة اتقوا الله ولو بشربة من ماء (ايها الناس) من حسن منكم في هذا الشهر خلقه كان له جواز على الصراط يوم تزل فيه الاقدام ومن خفف في هذا الشهر عما ملكت يمينه حفف الله عنه حسابه ومن كف فيه شره كف الله عنه غضبه يوم يلقاه ومن اكرم فيه يتيما اكرمه الله يوم يلقاه ومن وصل فيه رحمه وصله الله برحمته يوم يلقاه ومن قطع فيه رحمه قطع الله عنه رحمته يوم يلقاه ومن تطوع فيه بصلاة كتب الله له براءة من النار ومن ادى فيه فرضاً كان له ثواب من ادى سبعين فريضة فيما سواه من الشهور ومن اكثر فيه من الصلاة اثقل الله ميزانه يوم تخفف الموازين ومن تلا فيه آية من القرآن كان له مثل اجر من ختم القرآن في غيره من الشهور (ايها الناس) ان ابواب الجنان في هذا الشهر مفتحة فاسألوا ربكم ان لا يغلقها عنكم والشياطين مغلولة فاسألوا ربكم ان لا يسلطها عليكم (فقال) امير

المجالس السنية ـ الجزء الرابع 226

المؤمنين عليه السلام فقمت وقلت يا رسول الله ما افضل الاعمال في هذا الشهر فقال يا أبا الحسن افضل الاعمال في هذا الشهر الورع عن محارم الله ثم بكى فقلت يا رسول الله ما يبكيك قال يا علي ابكي لما يستحل منك في هذا الشهر كأني بك وانت تصلي لربك وقد اتبعك اشقى الاولين والآخرين شقيق عاقر ناقة ثمود فضربك ضربة على قرنك فخضب منها لحيتك قال أمير المؤمنين «ع» فقلت يا رسول الله وذلك في سلامة من ديني فقال في سلامة من دينك ثم قال صلى الله عليه وسلم ياعلي من قتلك فقد قتلني ومن ابغضك فقد ابغضني ومن سبك فقد سبني لأنك مني كنفسي روحك من روحي وطينتك من طينتي ان الله خلقني واصطفاني واياك واختارني للنبوه واختارك للامامة
لقد اراقوا ليلة القدر دما دماؤها انصببن في انصبابه
غادره ابن ملجم ووجهه مخـضب بالدم في محرابه
قتلتم الصلاة في محرابها يا قاتليه وهو في مـحرابه
المجلس التاسع عشر بعد المائتين

جاء اعرابي الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في عام جدب فقال : اتيناك ولم يبق لنا صبي يرتضع ولاشارف (اي ناقة) تجتر ثم أنشد :
اتيناك والعذراء يدمى لبانها وقد شغلت ام الرضيع عن الطفل
وألفى بكفيه الفتى لاستكانة من الجوع حتى ما يمر ولا يحلي
وليـس لنا الا اليك فرارنا واين فـرار الناس الا الى الرسل

فقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم يجر رداءه حتى صعد المنبر فحمد

المجالس السنية ـ الجزء الرابع 227

الله واثنى عليه وقال اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً مريئاً هنيئاً مريعاً سحاً سجالاً غدقا تحيي به الأرض وتنبت به الزرع وتدر به الضرع واجعله سقياً نافعاً عاجلا غير رائث فما رديده الى نحره حتى القت السماء ارواقها وجاء الناس يضجون الغرق الغرق يا رسول الله فقال اللهم حوالينا ولا علينا فانجاب السحاب عن المدينة حتى استدار حولها كالاكليل فضحك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى بدت نواجذه ثم قال لله در ابي طالب لو كان حياً لقرت عينه من ينشدنا قوله فقام علي عليه السلام فقال يا رسول الله لعلك اردت (وابيض يستسقى الغمام بوجهه) فقال اجل فأنشده ابياتاً من هذه القصيدة ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يستغفر لأبي طالب على المنبر وفي هذه القصيدة يقول ابو طالب :
وابيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرمل
تـلوذ به الهلاك من آل هاشم فهم عنده في نعمة وفواضل
كـذبتم وبيت الله نخلي محمداً ولـما نطاعن دونه ونناضل
ونـنصره حتى نصرع حوله ونـذهل عن ابنائنا والحلائل

ثم قام رجل من كنانة فأنشده :
لك الحمد والحمد ممن شكر سقينا بوجه النبي المـطر
دعـا الله خالـقـه دعـوة اليه واشخص منه البصر
فـما كان الا كـما سـاعة او اقصر حتى رأينا الدرر
فـكان كما قـالـه عـمه ابو طالب ذو رواء غـزر
به يـسر الله صوت الغمام فهذا العـيان وذاك الخـبر
فمن يشكر الله يلـق المزيد ومن يكـفر الله يلـق الغير

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ان يكن شاعراً احسن فقد احسنت وللشعر في

المجالس السنية ـ الجزء الرابع 228

مدح النبي واله صلى الله عليه وآله وسلم مزية عالية قال الصادق عليه السلام لأبي عمارة المنشد انشدني في الحسين بن علي قال فأنشدته فبكى ثم انشدته فبكى فوالله ما زلت انشده فيبكي حتى سمعت البكاء من الدار وانشد دعبل الرضا عليه السلام قصيدته التائية التي يقول فيها :
مدارس آيات خلت من تلاوة ومنزل وحي مقفر العرصات

فلما بلغ الى قوله :
لقد خفت في الدنيا وايام سعيها واني لأرجو الأمن بعد وفاتي

قال الرضا عليه السلام آمنك الله يوم الفزع الاكبر وحسب دعبل هذا الدعاء من الرضا عليه السلام .
بكت السماء دماً عليه فليس من عذر لذي طرف بدمع يبخل
المجلس العشرون بعد المائتين

قال الله تعالى مخاطبً نبيه صلى الله عليه وآله وسلم «فأما اليتيم فلا تقهر» أي لا تقهره على ما له فتذهب بحقه لضعفه كما كانت تفعل العرب في أمر اليتامى والخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم والمراد جميع المكلفين وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحسن الى اليتامى ويبرهم ويوصي بهم . وأتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم غلام فقال غلام يتيم وأخت لي يتيمة وأم لي أرملة أطعمنا ما أطعمك الله أعطاك الله مما عنده حتى ترضى قال ما أحسن ما قلت يا غلام اذهب يا بلال فائتنا بما كان عندنا فجاء بواحدة وعشرين تمرة فقال سبع لك وسبع لأختك وسبع لأمك

المجالس السنية ـ الجزء الرابع 229

فقام اليه معاذ بن جبل فمسح رأسه وقال جبر الله يتمك وجعلك خلفاً من أبيك وكان من أبناء المهاجرين فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رأيتك يا معاذ وما صنعت قال رحمته قال لا يلي أحد منكم يتيما فيحسن ولايته ووضع يده على رأسه الا كتب الله له بكل شعرة حسنة ومحى عنه بكل شعرة سيئة ورفع له بكل شعرة درجة . وعنه صلى الله عليه وآله وسلم من مسح على رأس يتيم كان له بكل شعرة تمر على يده نور يوم القيامة . وقال صلى الله عليه وآله وسلم انا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة اذا اتقى الله عزوجل وأشار بالسبابة والوسطى . وعنه صلى الله عليه وآله وسلم ان اليتيم اذا بكى اهتز لبكائه عرش الرحمن . فليت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا غاب عن يتامى ولده الحسين ليلة الحادي عشر من المحرم حين باتوا جياعى عطاشى بلا محام ولا كفيل قد علا بكاؤهم وارتفع صراخهم لفقد الكافل والمحامي وهم يرون كافلهم والمحامي عنهم ملقى على وجه الصعيد جثة بلا رأس وكفيلهم بعده زين العابدين عليل مريض لا يستطيع النهوض وليس عندهم غير نساء دأبهن النوح والبكاء ولكن زينب العقيلة لبوة أمير المؤمنين عليه السلام قامت بأمورهم فمرضت العليل وسكتت الطفل وسلت الحزين وقامت في ذلك مقام الرجال .
هذي يتاماكم تلوذ ببعضها ولكم نساء تلتجي لنساء
المجلس الواحد والعشرون بعد المائتين

روى المدائني قال : لما كان زمن علي بن أبي طالب عليه السلام ولى زياد ابن أبيه بلاد فارس فضبطها ضبطاً صالحاً وجبى خراجها وحماها وعرف

المجالس السنية ـ الجزء الرابع 230

ذلك معاوية فكتب اليه (وأما) بعد فانه غرتك قلاع تأوي اليها ليلاً كما تأوي الطير الى وكرها وايم الله لو لا انتظاري بك ما الله أعلم به لكان لك مني ما قاله العبد الصالح (أي سليمان عليه السلام) فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة و هم صاغرون (فلما) ورد الكتاب على زياد قام فخطب الناس وقال العجب من ابن آكلة الأكباد ورأس النفاق يهددني وبيني وبينه ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وزوج سيدة نساء العالمين وأبو السبطين وصاحب الولاية والمنزلة والاخاء في مائة الف من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم باحسان أما والله لو تخطى هؤلاء أجمعين الي لوجدني ضرابا بالسيف (ثم) كتب الى أمير المؤمنين عليه السلام أما بعد فاني قد وليتك ما وليتك وأنا أراك لذلك أهلا وان معاوية كالشيطان الرجيم يأتي المرء من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله فاحذره ثم احذره والسلام (فلم) يزل زياد في عمله حتى قتل علي عليه السلام فخاف معاوية جانبه وأشفق من ممالأته الحسن بن علي عليهما السلام فكتب اليه من أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان الى زياد بن عبيد أما بعد فانك عبد كفرت النعمة وظننت انك تخرج من قبضتي ولا ينالك سلطاني هيهات ما كل ذي لب يصيب رأيه ولا كل ذي رأي ينصح في مشورته أمس عبد واليوم أمير خطة ما ارتقاها مثلك يا ابن سمية فاذا أتاك كتابي هذا فخذ الناس بالطاعة والبيعة والسلام . (فلما) ورد الكتاب على زياد غضب غضباً شديداً وجمع الناس وصعد المنبر فحمد الله ثم قال ابن آكلة الأكباد وقاتلة أسد الله ومظهر الخلاف ومسر النفاق ورئيس الأحزاب ومن أنفق ماله في إطفاء نور الله كتب الي

المجالس السنية ـ الجزء الرابع 231

يرعد ويبرق عن سحابة جفل (1) لا ماء فيها وعما قليل تصيرها الرياح فزعاً (2) كيف ارهبه وبيني وبينه ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (يعني الحسن عليه السلام) وابن ابن عمه في مائة الف من المهاجرين والانصار والله لو أذن لي فيه أو ندبني اليه لأريته الكواكب نهاراً الكلام اليوم والجمع غداً والمشورة بعد ذلك ان شاء الله ثم نزل وكتب الى معاوية أما بعد فقد وصل الي كتابك يا معاوية وفهمت ما فيه فوجدتك كالغريق يغطيه الموج فيتشبث بالطحلب (3) وهو الخضرة التي تعلو الماء المزن) ويتعلق بارجل الضفادع طمعاً في الحياة فامض الآن لطيتك (4)واجتهد جهدك ولا اجتهد الا فيما يسوؤك والسلام (فلما) ورد كتاب زياد على معاوية غمه وأحزنه وبعث الى المغيرة بن شعبة فخلا به وقال : يا مغيرة اني أريد مشاورتك في أمر أهمني قال المغيرة وما ذاك قال ان زياداً قد أقام بفارس وهو رجل ثاقب الرأي ماضي العزيمة جوال الفكر وقد خفت منه الآن ما كنت آمنة اذ كان صاحبه حياً وأخشى ممالأته حسناً فكيف السبيل اليه قال المغيرة انا له ان لم أمت ان زياداً رجل يحب الشرف والذكر وصعود المنابر فلو لاطفته المسألة وألنت له الكتاب لكان لك اميل وبك اوثق فاكتب اليه وأنا الرسول (فكتب) اليه معاوية : (من) معاوية بن أبي سفيان الى زياد بن أبي سفيان أما بعد فان المرء ربما طرحه الهوى في مطارح العطب وحملك سوء ظنك بي وبغضك لي على ان عققت قرابتي وقطعت رحمي وبتت نسبي حتى كأنك لست
(1) سحابة جفل بالفتح فالسكون أي أمطرت ماءها .
(2) القزع بفتحتين قطع من السحاب .
(3) بضم الطاء واللام أو كسرهما أو بضم الطاء وفتح اللام .
(4) لحاجتك .
ـ المؤلف ـ
المجالس السنية ـ الجزء الرابع 232

أخي وليس صخر بن حرب اباك وأبي وشتان ما بيني وبينك أطلب بدم ابن أبي العاص (يعني عثمان) وأنت تقاتلني فاعلم أبا المغيرة أنك لو خضت البحر في طاعة القوم فتضرب بالسيف حتى ينقطع متنه لما ازددت منهم الا بعداً فان بني عبد شمس أبغض الى بني هاشم من الشفرة الى الثور الصريع وقد أوثق للذبح فارجع الى أصلك واتصل بقومك ووعده بالامرة والصلة (فرحل) المغيرة بكتاب معاوية حتى قدم على زياد فدفع اليه الكتاب فجعل يتأمله ويضحك ثم جمع الناس بعد يومين أو ثلاثة فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم (قال) أيها الناس ادفعوا البلاء ما اندفع عنكم وارغبوا الى الله في دوام العافية لكم فقد نظرت في أمور الناس منذ قتل عثمان وفكرت فيه فوجدتهم كالأضاحي في كل عيد يذبحون ولقد أفنى هذا اليومان يوم الجمل وصفين ما ينيف على مائة الف كلهم يعزم انه طالب حق وتابع امام وعلى بصيرة من أمره فان كان الأمر هكذا فالقاتل والمقتول في الجنة كلا ليس كذلك ولكن أشكل الأمر والتبس على القوم واني لخائف أن يرجع الأمر كما بدأ وقد نظرت في أمر الناس فوجدت أحمد العاقبتين العافية وسأعمل في أموركم ما تحمدون عاقبته ومغبته انشاء الله ثم نزل . (وكتب) الى معاوية أما بعد فقد وصل كتابك مع المغيرة بن شعبة وفهمت ما فيه فالحمد لله الذي عرفك الحق وردك الى الصلة ولقد قمت يوم قرأت كتابك مقاماً يعبأ به الخطيب المدره (أي المقدم في اللسان) فتركت من حضر لا أهل ورد ولا صدر كالمتحيرين بمهمه ضل بهم الدليل وأنا على أمثال ذلك قدير وكتب في أسفل الكتاب :
اذا معشري لم ينصفوني وجدتني ادافع عني الضيم ما دمت باقياً
أدافـع بالحلـم الجهـول مكيدة وأخفي له تحت العصاة الدواهيا

المجالس السنية ـ الجزء الرابع 233

فان تدن مني أدن منك وان تبن تجدني اذا لم تدن مني نائيا

فكتب اليه معاوية بخط يده ما وثق به فدخل زياد الشام فقربه معاوية وأدناه واستلحقه فجعله أخاه لأن أبا سفيان كان زنى بأمه سمية وهي تحت عبيد وولدته على فراش عبيد واثبت ذلك بشهادة جماعة منهم أبو مريم السلوي وكان خماراً في الجاهلية وخالف قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم الولد للفراش وللعاهر الحجر وأقره على ولايته بفارس ثم استعمله بعد ذلك والياً على العراق وضم اليه البصرة فكان يتتبع الشيعة كما أمره معاوية وهو بهم عارف لأنه كان منهم أيام أمير المؤمنين «ع» فقتلهم تحت كل حجر ومدر وأخافهم وهدم دورهم وقطع الأيدي والأرجل وسمل العيون وصلبهم على جذوع النخل وطردهم وشردهم عن العراق فلم يبق بها معروف منهم (ولم) يزل الأمر على ذلك حتى ولي العراقيين نغله عبيد الله بن زياد فاقتدى بأبيه في بغض أهل البيت وقتل شيعتهم وايذائهم حتى كان ما كان من قتله مسلم بن عقيل بالقائه من أعلى القصر حتى تكسرت عظامه وقتل هاني بن عروة في حب أهل البيت حتى تجرأ على ما هو أعظم من ذلك وأفضع من تجييش الجيوش لقتال الحسين ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبلغ به الخبث والعداوة لأهل البيت عليهم السلام الى ان منع الحسين «ع» وأطفاله وعياله من شرب الماء حتى قتله وأهل بيته عطاشى ولم يكتف بذلك حتى كتب الى عمر بن سعد فان قتلت حسيناً فأوطئ الخيل صدره وظهره فانه عاق شاق قاطع ظلوم ولست أرى ان هذا يضر بعد الموت شيئا ولكن على قول قد قلته لو قد قتلته لفعلت هذا به فامتثل عمر بن سعد أمره ونادى في أصحابه لما قتل الحسين «ع» من ينتدب للحسين فيوطئ الخيل ظهره وصدره فانتدب منهم عشرة فوارس فداسوا الحسين «ع» بحوافر خيلهم حتى

المجالس السنية ـ الجزء الرابع 234

رضوا ظهره وصدره وجاء هؤلاء العشرة حتى وقفوا على ابن زياد فقال أحدهم
نحن رضضنا الصدر بعد الظهر بكل يعبوب شديد الأسر

* * *

تطأ الصواهل جسمه وعلى القنا من رأس المرفوع بدر سماء
المجلس الثاني والعشرون بعد المائتين

في شرح النهج لابن أبي الحديد : كان سعيد بن سرح شيعة لعلي بن أبي طالب «ع» فلما قدم زياد الكوفة والياً عليها أيام معاوية طلب سعيد بن سرح وأخافه فأتى سعيد الحسن بن علي عليهما السلام مستجيراً به فوثب زياد على أخيه وولده وامرأته فحسبهم وأخذ ماله ونقض داره فكتب الحسن بن علي عليهما السلام الى زياد : من الحسن بن علي الى زياد أما بعد فانك عمدت الى رجل من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم فهدمت داره وأخذت ماله وحبست أهله وعياله فاذا أتاك كتابي هذا فابني له داره واردد عليه عياله وشفعني فيه فقد اجرته والسلام . (فلما) ورد الكتاب على زياد كتب الى الحسن «ع» : من زياد بن أبي سفيان الى الحسن بن فاطمة أما بعد فقد أتاني كتابك تبدأ فيه بنفسك قبلي وأنت طالب حاجة وأنا سلطان وأنت سوقة (أي رعية) وتأمرني فيه بأمر المطاع المسلط على رعيته كتبت الي في فاسق آويته اقامة منك على سوء الرأي ورضاً منك بذلك وايم الله لا تسبقني به ولو كان بين

المجالس السنية ـ الجزء الرابع 235

جلدك ولحمك وان نلت بعضك غير رفيق بك ولا مرع عليك(1) فان أحب لحم الي أن آكله اللحم الذي أنت منه فسلمه بجريرته الى من هو أولى به منك فان عفوت عنه لم أكن شفعتك فيه وان قتلته لم أقتله الا لحبه أباك والسلام . (فلما) ورد الكتاب على الحسن «ع» قرأه وتبسم وكتب جواب كتابه كلمتين لا ثالثة لهما : من الحسن بن فاطمة الى زياد ابن سمية ، أما بعد فان رسول الله صلى الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : الولد للفراش وللعاهر الحجر والسلام .
وقد اقتدى بزياد بن سمية في بغضه لعلي وشيعته نغله عبيد الله بن مرجانة فقد قتل ميثم التمار على حبه لعلي «ع» فانه لما أدخل عليه قيل له هذا كان من آثر الناس عند علي «ع» فأخذه وصلبه ثم فعل ما فعل بسبط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الحسين بن علي «ع» فجيش عليه الجيوش ومنعه وأهله من شرب الماء حتى قتل عطشان بشط الفرات ولم يكتف بذلك حتى أمر أن يداس جسده الشريف بحوافر الخيل وطاف برأسه الشريف في سكك الكوفة وشوارعها وطاف به في البلدان .
سمية أمسى نسلها عدد الحصى وبنت رسول الله ليس لها نسل
المجلس الثالث والعشرون بعد المائتين

في كامل ابن الاثير قال : في سنة ست وخمسين بايع الناس يزيد بن

(1) أي غير مشفق عليك ولا راحم لك .
المجالس السنية ـ الجزء الرابع 236

معاوية بولاية عهد ابيه وكان اول ذلك من المغيرة بن شعبة فان معوية اراد ان يعزله عن الكوفة ويوليها سعيد بن العاص فقال المغيرة الرأي ان اذهب الى معاوية فاستعقبه ليظهر للناس كراهتي للولاية فدخل على يزيد وقال ما يمنع امير المؤمنين ان يعقد لك البيعة قال اترى ذلك يتم قال نعم فدخل يزيد على ابيه واخبره فأحضر المغيرة فأشار عليه ببيعة يزيد قال معاوية ومن لي بهذا قال المغيرة انا اكفيك اهل الكوفة ويكفيك زياد اهل البصرة قال ارجع الى عملك فرجع الى اصحابه فقالوا مه قال لقد وضعت رجل معاوية في غرز بعيد الغاية على امة محمد (والغرز ركاب من جلد) وفتقت عليهم فتقاً لا يرتق ابداً وانشد :
بمثلي شاهدي النجوى وغالي بي الاعداء والخصم الغضابا

وقد صدق المغيرة في انه فتق على امة محمد فتقاً لا يرتق ابداً جرأة منه على الله تعالى واتباعاً للهوى وقدم المغيرة الكوفة وذاكر شيعة بني امية بذلك فاجابوه فأوفد منهم عشرة واعطاهم ثلاثين الف درهم وجعل عليهم ابنه فقدموا على معاوية وزينوا له بيعة يزيد وادعوا انه انما استخفهم اليه النظر لأمة محمد فقال معاوية لا تعجلوا باظهار هذا وقال لابن المغيرة سراً عنهم بكم اشترى ابوك من هؤلاء دينهم فقال بثلاثين الف درهم فقال لقد هان عليهم دينهم ولقد وجد ابوك دينهم عندهم رخيصاً واستشار معاوية زياداً فاشار بالتؤدة وكتب معاوية الى مروان اني قد كبرت سني وخشيت الاختلاف على الامة بعدي وقد رأيت ان اتخير لهم من يقوم بعدي فاعرض ذلك واخبرني بما يردون عليك فاخبرهم فقالوا اصاب فكتب الى معاوية بذلك فاجابه بانه اختار لهم يزيد فقال عبد الرحمن بن ابي بكر كذبت يا مروان وكذب معاوية ما الخيار اردتما لأئمة محمد ولكنكم

المجالس السنية ـ الجزء الرابع 237

تريدون ان تجعلوها هرقلية فقال مروان هذا الذي انزل الله فيه والذي قال لوالديه اف لكما الآية فقالت عائشة كذبت والله ما هو به ولكنك انت فضض من لعنة نبي الله اي ان النبي لعن اباك وانت فضض من لعنته اي قطعة وطائفة منها وقام الحسين بن علي فانكر ذلك وفعل مثله ابن عمرو بن الزبير فكتب مروان بذلك الى معاوية وكان معاوية قد كتب الى عماله بمدح يزيد وان يوفدوا اليه الوفود فكان فيمن اتاه الأحنف بن قيس في وفد اهل البصرة فقال معاوية للضحاك بن قيس الفهري لما اجتمع الوفود عنده كن انت الذي تدعو الى بيعة يزيد فقام الضحاك فمدح يزيد ودعا معاوية الى بيعته وتكلم من حضر من الوفود فقال معاوية للأحنف ما تقول يا ابا بحر فقال نخافكم ان صدقنا ونخاف الله ان كذبنا وتفرق الناس يحكون قول الاحنف وكان معاوية يعطي المقارب ويداري المباعد حتى استوسق له اكثر الناس فلما بايعه اهل العراق والشام سار الى الحجاز في الف فارس فلما دنا من المدينة لقيه الحسين بن علي ثم لقيه ابن الزبير ثم عبد الرحمن بن ابي بكر وعبد الله بن عمر فجفاهم ووبخهم فخرجوا الى مكة فاقاموا بها وخطب معاوية بالمدينة ومدح يزيد ثم خرج الى مكة فجمع هؤلاء الأربعة وقال لهم قد اعذر من انذر اني قائم بمقالة فاقسم بالله لئن رد علي احدكم كلمة في مقامي هذا لا ترجع اليه كلمة غيرها حتى يسبقها السيف الى رأسه ثم دعا صاحب حرسه فقال اقم على رأس كل رجل من هؤلاء رجلين ومع كل واحد سيف فان ذهب رجل منهم يرد علي فليضرباه بسيفهما ثم قال ان هؤلاء الرهط سادة المسلمين وخيارهم وانهم قد رضوا وبايعوا يزيد فبايعوا على اسم الله فبايع الناس ثم ركب رواحله وانصرف الى المدينة وبايعه اهل المدينة وانصرف الى الشام وجفا بني هاشم فاتاه ابن عباس فقال له ما بالك جفوتنا قال ان

المجالس السنية ـ الجزء الرابع 238

صاحبكم لم يبايع ليزيد فلم تنكروا ذلك عليه فقال يا معاوية اني لخليق ان انحاز الى بعض السواحل فاقيم به ثم انطلق حتى ادع الناس كلهم خوارج عليك قال يا ابا العباس تعطون وترضون هكذا كانت بيعة يزيد بالقهر والغلبة وتأميره على امة محمد كما كانت بيعة أبيه وهو يشرب الخمور ويرتكب الفجور ويلعب بالقرود والفهود واصبح امر الخلافة كما قال الامير ابو فراس الحمداني :
حتى اذا اصبحت في غير صاحبها باتت تنازعها الذؤبان والرخم

وكما قال ابو العلاء المعري :
دع الأيـام تفـعل ما تريد فما انا في العجائب مستزيد
اليس قريشكـم قتلت حسيناً وكان على خـلافتـكم يزيد

فلما مات معاوية كتب يزيد الى ابن عمه الولي بن عتبة امير المدينة باخذ البيعة على الحسين «ع» ويقول ان ابى عليك فاضرب عنقه وابعث الي برأسه فامتنع الحسين (ع) من بيعته ثم خرج ليلا متوجهاً الى مكة فدس اليه يزيد بن معاوية مع الحاج في تلك السنة ثلاثين رجلا من شياطين بني أمية وامرهم بقتل الحسين «ع» على اي حال اتفق فلما علم الحسين «ع» بذلك وكان قد احرم بالحج جعلها عمرة مفردة لأنه لم يتمكن من اتمام الحج مخافة ان يقبض عليه فخرج من مكة الى العراق فكان الناس يخرجون الى الحج والحسين «ع» خارج الى العراق فارسل اليه ابن زياد الحرفي الف فارس فاراد الحسين الانصراف فحال القوم بينه وبين الانصراف ثم اخذ طريقا لا يدخله الكوفة ولا يرده الى المدينة ولم يزل سائراً حتى انتهى الى نينوى فجاء رسول عبيد الله بن زياد الى الحر يأمره بالتضييق على الحسين «ع»وان ينزله بالعراء في غير حصن وعلى غير ماء . وذلك من

المجالس السنية ـ الجزء الرابع 239

هوان الدنيا على الله ان يكون عبد الله نغل مرجانة ابن زياد نغل سمية يفعل هذا بابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فمنعه الحر من المسير ولم يزل الحر يسايره تارة ويمنعه اخرى حتى بلغ كربلا فلما بلغها قال اهذه كربلا قيل نعم يا ابن رسول الله فقال هذا موضع كرب وبلاء انزلوا ها هنا مناخ ركابنا ومحط رحالنا ومقتل رجالنا ومسفط دمائنا ثم جمع ولده واخوته واهل بيته ثم نظر اليهم فبكى ساعة ثم قال اللهم انا عترة نبيك وقد ازعجنا وطردنا وأخرجنا عن حرم جدنا وتعدت بنو امية علينا اللهم فخذ لنا بحقنا وانصرنا على القوم الظالمين ولم تزل الجيوش تأتي لقاتله الى كربلا حتى بلغت ثلاثين الفاً وورد كتاب ابن زياد الى ابن سعد ان حل بين الحسين واصحابه وبين الماء فلا يذوقوا منه قطرة فبعث خمسمائة فارس فنزلوا على الشريعة وحالوا بين الحسين واصحابه وبين الماء ومنعوهم ان يستقوا منه قطرة وذلك قبل قتل الحسين «ع» بثلاثة ايام ثم زحفوا اليه فقتلوا انصاره واهل بيته واحداً بعد واحد وجماعة بعد جماعة بعد ما ابلو البلاء العظيم في نصرته واظهروا من الوفاء والشجاعة الفائقة مالا يزيد عليه ولما بقي وحيداً فريدا نادى هل من ذاب يذب عن حرم رسول الله هل من موحد يخاف الله فينا هل من مغيث يرجو الله في اغاثتنا هل من معين يرجوا ما عند الله في اعانتنا فارتقعت اصوات النساء بالعويل وقد اثخن بالجراح في رأسه وبدنه فجعل يضاربهم بسيفه وحمل الناس عليه عن يمينه وشماله فحمل على الذين عن يمينه فتفرقوا ثم حمل على الذين عن يساره فتفرقوا قال بعض الرواة فوالله ما رأيت مكثوراً قط قد قتل ولده واهل بيته واصحابه اربط جاشا ولا امضى جناناً ولا اجرأ مقدما منه والله ما رأيت قبله ولا بعده مثله وان كانت الرجالة لتشد عليه فيشد عليها بسيفه فتنكشف عن يمينه وعن شماله انكشاف المعزى اذا شد

المجالس السنية ـ الجزء الرابع 240

فيها الذئب ولقد كان يحمل فيهم وقد تكملوا ثلاثين الفاً فينهزمون من بين يديه كأنهم الجراد المنتشر ثم يرجع الى مركزه وهو يقول لا حول ولا قوة الا بالله الى أن قتلوه عطشان ظامياً واحتزوا رأسه ورفعوه على رأس رمح وسلبوه ثيابه ودرعه وانتهبوا رحله وثقله وداسوا جسده الشريف بحوافر الخيل ولم يدعوا من أمر فظيع حتى فعلوه .
خلت الحـمية يا أمـية فاخلعي حلل الحيا وبثوب بغيك فارفلي
سودت وجه حفائظ العرب التي كرمت اذا ظفرت برجل مفضل

* * *

ليس هذا لرسول الله يا أمة الطغيان والبغي جزا
المجلس الرابع والعشرون بعد المائتين

روى ابن قتيبة في الامامة والسياسة وابن حجة الحموي في ثمرات الأوراق وغيرهما من المؤرخين ان يزيد بن معاوية شكا الى وصيف لأبيه ترك أبيه النظر في شأنه فأخبر الوصيف معاوية بذلك فارسل الى يزيد فقال ما الذي أضعنا من أمرك وقد علمت اني تخطيت الناس كلهم في تقديمك ونصبتك إماماً على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال يزيد قد كان ما تحدق به من جمال أرينب بنت اسحق فرغبت اليك في نكاحها فتركت ذلك حتى تزوجت فقال معاوية اكتم أمرك وكانت أرينب مثلا في جمالها وكثرة مالها فتزوجها ابن عمها عبد الله بن سلام وكان من معاوية بالمنزلة

السابق السابق الفهرس التالي التالي