من خطبة لأمير المؤمنين عليه السلام : سبحانك خالقاً ومعبودا بحسن بلائك عند خلقك داراً وجعلت فيها مأدبة مشرباً ومطعما وأزواجاً وخدما وقصورا وانهارا وزروعا وثماراً ثم أرسلت داعياً يدعو اليها فلا الداعي أجابوا ولا فيما رغبت فيه رغبوا ولا إلى ما شوقت اليه اشتاقوا أقبلوا على جيفة افتضحوا بأكلها واصطلحوا على حبها ومن عشق شيئاً اعشى بصره وأمرض قلبه فهو ينظر بعين غير صحيحة ويسمع باذن غير سميعة قد خرفت الشهوات عقله وأماتت الدنيا قلبه وولهت عليها نفسها فهو عبد لها ولمن في يده شيء منها حيثما زالت زال اليها وحيثما أقبلت أقبل عليها لا يزدجرد من الله بزاجر ولا يتعظ منه بواعظ وهو يرى المأخوذين على الغرة حيث لا اقالة ولا رجعة كيف نزل بهم ما كانوا يجهلون وجاءهم من فراق الدنيا ما كانوا يأمنون وقدموا من الآخرة على ما كانوا يوعدون فغير موصوف ما نزل بهم اجتمعت عليهم سكرة الموت وحسرة الفوت ففترت لها أطرافهم وتغيرت لها ألوانهم ثم ازداد الموت فيهم ولوجاً فحيل بين أحدهم وبين منطقه وانه لبين أهله ينظر ببصره ويسمع باذنه على صحة من عقله وبقاء من لبه يفكر فيم افنى عمره وفيم اذهب دهره ويتذكر أموالا جمعها اغمض في مطالبها وأخذها من مصرحاتها ومشتبهاتها قد لزمته تبعات جمعها وأشرف على فراقها تبقى لمن وراءه ينعمون فيها ويتمتعون بها فيكون المهنأ لغيره والعبء على ظهره والمرء قد غلقت رهونه بها فهو يعض يده ندامة على ما اصحر له عند الموت من أمره ويزهد فيما كان
المجالس السنية ـ الجزء الثالث
185
يرغب فيه ايم عمره ويتمنى ان الذي كان يغبطه بها ويحسده عليها قد حازها دونه فلم يزل الموت يبالغ في جسده حتى خالط لسانه وسمعه فصار بين أهله لا ينطق بلسانه ولا يسمع بسمعه يردد طرفه بالنظر في وجوهم يرى حركات السنتهم ولا يسمع رجع كلامهم ثم ازداد الموت التياطاً به فقبض بصره كما قبض سمعه وخرجت الروح من جسده فصار جيفة بين أهله قد أوحشوا من جانبه وتباعدوا من قربه لا يسعد باكياً ولا يجيب داعياً ثم حملوه إلى محط في الأرض وأسلموه فيه إلى عمله وانقطعوا عن زورته حتى إذا بلغ الكاتب أجله والأمر مقاديره والحق آخر الخلق بأوله وجاء من أمر الله ما يريده من تجديد خلقه اماد السماء وفطرها وأرج الأرض وأرجفها وقلع جبالها ونسفها ودك بعضها بعضاً من هيبة جلاله ومخوف سطوته وأخرج من فيها فجددهم على إخلاقهم وجمعهم بعد تفرقهم ثم ميزهم لما يريد من مسألتهم عن خفايا الأعمال وخبايا الأفعال وجعلهم فريقين انعم على هؤلاء وانتقم من هؤلاء فأما اهل طاعته فأثابهم بجواره وخلدهم في داره حيث لا يظعن النزال ولا تتغير لهم الحال ولا تنوبهم الأفزاع ولا تنالهم الأٍقام ولا تعرض لهم الأخطار ولا تشخصهم الاسفار واما اهل المعصية فأنزلهم شر دار وغل الأيدي إلى الأعناق وقرن النواصي بالأقدام والبسهم سرابيل القطران ومقطعات النيران في عذاب قد اشتد حره وباب قد اطبق على اهله في نار لها كلب ولجب ولهب ساطع وقصيف هائل لا يظعن مقيتهما ولا يفادى اسيرها ولا تقصهم كبولها لا مدة للدار فتفنى ولا اجل للقوم فينقضي (مقام عظيم) ابكى زين العابدين قال «ع» ومالي لا ابكي ولا ادري إلى ما يكون مصيري وإري نفسي تخادعني وايامي تخاتلني وقد خفقت عند رأسي اجنحة الموت فمالي
المجالس السنية ـ الجزء الثالث
186
لا ابكي ابكي لخروج نفسي ابكي لظلمة قبري ابكي لضيق لحدي ابكي لسؤال منكر ونكير اياي ابكي لخروج من قبري عريان ذليلا حاملا ثقلي على ظهري انظر مرة عن يميني واخرى عن شمالي اذ الخلائق في شأني لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشره ووجوه يومئذ عليها غبرة توهقها فترة وذلة (ولم) يزل زين العابدين «ع» وهو ذو الحلم الذي لا يبلغ الوصف اليه حزيناً على مصيبة ابيه الحسين «ع» مدة حياته بعد ابيه وهي اربعون سنة صائماً نهاره قائماً ليله فاذا حضر الأفطار جاء غلامه بطعامه وشرابه فيضعه بين يديه فيقول كل يا مولاي فيقول قتل ابن رسول الله جائعاً قتل ابن رسول الله عطشان فلا يزال يكرر ذلك ويبكي حتى يبل طعامه من دموعه ثم يمزج شرابه بدموعه فلم يزل كذلك حتى لحق بالله عزوجل .
فيا وقعه لم تبل الا تجددت
واحزانها بين الضلوع رواسخ
المجلس العاشر بعد المائتين
(من كلام لأمير المؤمنين عليه السلام في صفة الأموات) سلكوا في بطون البرزخ سبيلا سلطت الأرض عليهم فيه فأكلت من لحومهم وشربت من دماؤهم فأصبحوا في فجوات قبورهم جماداً لا ينمون وضمارا لا يوجدون لا يفزعهم ورود الأهوال ولا يحزنهم تنكر الأحوال ولا يحفلون بالرواجف ولا يأذنون للقواصف غيباً لا ينتظرون وشهوداً لا يحضرون وانما كانوا جميعا فتشتتوا والافاً فافترقوا وما عن طول عهدهم
المجالس السنية ـ الجزء الثالث
187
ولا بعد محلهم عميت اخبارهم وصمت ديارهم ولكنهم سقوا كأساً بدلتهم بالنطق خرسا وبالسمع صمما وبالحركات سكونا جيران لا يتأنسون واحباء لا يتزاورون بليت بينهم عرى التعارف وانقطعت منهم أسباب الاخاء فكلهم وحيد وهم جميع وبجانب الهجر وهم اخلاء لا يتعارفون لليل صباحاً ولا لنهار مساء أي الجديدين (1) ظعنوا فيه كان عليهم سرمداً شاهدوا من أخطار دارهم أفظع مما خافوا ورأوا من آياتها اعظم مما قدروا ولئن عميت آثارهم وانقطعت أخبارهم لقد رجعت فيهم أبصار العبر وسمعت عنهم آذان العقول وتكلموا من غير جهات النطق فقالوا كلحت الوجوه النواضر وخوت الأجسام النواعم ولبسنا أهدام البلى وتكأدنا ضيق المضجع وتوارثنا الوحشة فانمحت محاسن أجسادنا وتنكرت معارف صورنا وطالت في مساكن الوحشة اقامتنا ولم نجد من كرب فرجاً ولا من ضيق متسعاً فلو مثلتهم بعقلك وكشف عنهم محجوب الغطاء لك وقد ارتسخت أسماعهم بالهوام فاسكتت واكتحلت أبصارهم بالتراب فخسفت وتقطعت الألسنة في أفواههم بعد ذلاقتها وهمدت القلوب في صدورهم بعد يقظتهم وعاث في كل جارحة منهم جديد بلي سمجها وسهل طرق الآفة اليها لرأيت أشجان قلوب واقذاء عيون وكم أكلت الأرض من عزيز جسد وأنيق لون كان في الدنيا غذي ترف وربيب شرف يتعلل بالسرور في ساعة حزنه ويفزغ إلى السلوة ان مصيبة نزلت به ضنا بغضارة عيشه وشحاحة بلهوه ولعبه فبينا هو يضحك إلى الدنيا وتضحك الدنيا اليه اذ وطئ الدهر به حسكه وتنقضت الأيام قواه فخالطه بث لا يعرفه ونجي هم ما كان يجده
(1) الليل والنهار .
ـ المؤلف ـ
المجالس السنية ـ الجزء الثالث
188
وتولدت فيه فترات علل آنس ما كان بصحته حتى فتر معلله وذهل ممرضه وتعايا أهله بصفة دائه وخرسوا عن جواب السائلين عنه فبينا هو كذلك على جناح من فراق الدنيا وترك الأحبة اذ عرض له عارض من غصصه فتحيرت نوافذ فظنته ويبست رطوبة لسانه فكم من مهم من جوابه عرفه فعي عن رده ودعاء مؤلم لقلبه سمعه فتصام عنه من كبير كان يعظمه أو صغير كان يرحمه وان للموت لغمرات هي أفظع من أن تستغرق بصفة أو تعتدل على قلوب أهل الدنيا (ولذلك) سأل زين العابدين «ع» من ربه الرحمة عند تلك الغمرات فقال ارحم في هذه الدنيا غربتي وعند الموت كربتي وفي القبر وحدتي وفي اللحد وحشتي واذا نشرت للحساب بين يديك ذلك موقفي وارحمني صريعاً على الفراش تقلبني أيدي أحبتي وتفضل علي ممدوداً على المغتسل يغسلني صالح جيرتي وتحنن علي محمولا قد تناول الاقرباء أطراف جنازتي وجد علي منقولا قد نزلت بك وحيداً في حفرتي وارحم في ذلك البيت الجديد غربتي (هذا) كلام زين العابدين «ع» وخوفه من أهوال الموت وغمراته وأهوال ما بعد الموت وهو إمام أهل البيت في عصره وزين العابدين الذي ضرب بعبادته المثل ولم يكن يشبه جده أمير المؤمنين (ع) في عبادته غيره فكيف بأمثالنا من أهل التقصير (وهذا) الامام الذي هذا كلامه وهذا خوفه من ربه وهذه عبادته قد حمل أسيراً إلى ابن مرجانة نغل زياد بن سمية بالكوفة ثم حمل أسيراً إلى ابن هند بالشام والغل في عنقه ولما أدخل على ابن زياد قال له من أنت فقال أنا علي بن الحسين فقال اليس قد قتل الله علي بن الحسين فقال له علي قد كان لي أخ يسمى علياً قتله الناس فقال بل الله قتله فقال علي بن الحسين الله يتوفى الأنفس حين موتها فغضب ابن زياد وقال وبك جرأة لجوابي وفيك بقية للرد علي اذهبوا به فاضربوا
المجالس السنية ـ الجزء الثالث
189
عنقه فتعلقت به عمته زينب وقالت يا ابن زياد حسبك من دمائنا واعتنقته وقالت لا والله لا أفارقه فان قتلته فاقتلني معه فنظر ابن زياد اليها واليه ساعة ثم قال عجباً للرحم والله اني لأظنها ودت اني قتلتها معه دعوه فاني أراد لما به ؛ أي انه شديد المرض (وفي رواية) ان علي ابن الحسين عليهما السلام قال لعمته اسكتي يا عمة حتى أكلمه ثم أقبل عليه فقال ابالقتل تهددني يا ابن زياد أما علمت ان القتل لنا عادة وكرامتنا الشهادة .
نفر حوت جمل الثنا وتسنمت
ذلل المعـالي والـداً وولـيـدا
من تلق منهم تلق كهلا أو فتى
علم الهدى بحر الندى المورودا
المجلس الحادي عشر بعد المائتين
كان الناس قبل الاسلام منهم من يعبد الأصنام كمشركي العرب وغيرهم ومنهم من يعبد النار وهم المجوس ومنهم من يعبد النجوم والكواكب ومنهم من يعبد الملائكة ومنهم من يعبد الآدميين ومن عبدة الأصنام والأوثان من لا يؤمن بالبعث ويرى ان الأصنام تنفعه في دنياه ويقول : ان هي الا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين وقال في ذلك شاعرهم :
يخبرنا ابن كبشة ان سنحيا
وكيف حياة أصداء وهام
والذين كانوا على شرائع الأنبياء كانوا قد غيروا وبدلوا واتخذوا رؤساءهم أرباباً من دون الله حللوا لهم حراماً وحرموا عليهم حلالا
المجالس السنية ـ الجزء الثالث
190
فاتبعوهم وكانوا يأكلون الربا ويشربون الخمر ويطوفون بالبيت عراة رجالا ونساء وقد فشا فيهم الزنا وارتكاب الفواحش ووأدوا البنات فدفنوهن أحياء (واذا بشر أحدهم بالانثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم) وملئت الأرض من مشرقها إلى مغربها بالخرافات والسخافات والبدع والقبائح وعبادة الأوثان فبعث الله تعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وآله وسلم على حين فترة من الرسل إلى الناس كلهم فقام في وجه العالم كافة ودعا إلى الايمان باله واحد آمراً بعبادته وحده لا شريك له مبطلا عبادة الأوثان والأصنام متمما لمكارم الأخلاق حاثا على محاسن الصفات آمراً بكل حسن ناهياً عن كل قبيح واكتفى من الناس بأن يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ويصوموا شهر رمضان ويحجوا البيت ويلتزموا بأحكام الاسلام وكان قول هاتين (الكلمتين) موجباً ان يكون لقائلهما ما للمسلمين وعليه ما عليهم ولو قالهما والسيف على رأسه ، وأنزل عليه قرآنا عربيا مبينا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه اعجز به بلغاء العرب وفصحاءهم وتحداهم فيه بالمعارضة فلم يستطيعوا معارضته . فحوى من أحكام الدين وأخبار الماضين وتهذيب الأخلاق والأمر بالعدل والنهي عن الظلم وتبيان كل شيء ما لا يزال يتلى على كر الدهور ومر الايام وهو غض طري يحير ببيانه القول ولا تمله الطباع مهما تكررت تلاوته وتقادم عهده .
بعث النبي (ص) بالمساواة في الحقوق بين جميع الخلق وبالأخوة بين جميع المؤمنين «انما المؤمنون اخوة» وبالعفو العام عمن دخل في الاسلام (الاسلام يجب ما قبله) وسن شريعة باهرة وقانونا عادلا فكان هذا القانون جامعاً لجميع ما يحتاجه الناس في معاشهم ومعادهم . فكان عباديا اجتماعياً سياسياً أخلاقياً اقتصادياً لا يشذ عنه شيء مما يمكن
المجالس السنية ـ الجزء الثالث
191
وقوعه في الكون ويحتاج اليه بنو آدم فمامن واقعة تقع ولا حادثة تحدث الا ولها في الشريعة الاسلامية أصل مسلم عند المسلمين ترجع اليه وهذا مما امتازت به الشريعة الاسلامية ذلك لأنها خاتمة الشرائع وباقية إلى انقراض عمر الدنيا على أن العبادات في الدين الاسلامي لا تتمحض لمجرد العبادة ففيها منافع بدنية واجتماعية وسياسية وأخلاقية فالطهارة تفيد النظافة وفي الصلاة رياضة روحية وبدنية وفي صلاة الجماعة والحج فوائد اجتماعية وسياسية ظاهرة وفي الصوم رياضة النفس وصحة البدن وفي المعاملات حفظ نظام الاجتماع ففي أحكام التجارة حفظ الحقوق وفي النكاح بقاء النسل وقطع مادة الفساد وفي الميراث حبس أموال الميت على اقربائه دون الغرباء وفي الوصية والوقف عدم حرمان المرء من منفعة ماله بعد وفاته وفي القضاء رفع الخصام على قاعدة العدل وفي الاخلاقيات حسن العشرة والآداب وفي السياسيات الجهاد للدفاع عن الوطن والسبق والرماية لتعلم فنون الحرب والجندية والحدود والديات لحفظ النفوس والاموال وقمع الجرائم .
وأمر هذا الدين بتعلم العلم وحث عليه «هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون . انما يخشى الله من عباده العلماء» طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة ، اطلبوا العلم ولو في الصين ، وأوجب تعلم كل علم نافع ديني أو صناعي على الكفاية .
وأمر هذا الدين بالنظر واعمال العقل والأخذ بالدليل والبرهان وذم التقليد «لينظر الانسان إلى طعامه . فلينظر الانسان مما خلق . أو لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض . قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق . ويتفكرون في خلق السماوات والارض . أفلم
المجالس السنية ـ الجزء الثالث
192
يسيروا في الارض فتكون لهم قلوب يعقلون بها».
وحث على السعي والجد والعمل «وان ليس للانسان إلا ما سعى . فانتشروا في الارض وابتغوا من فضل الله» وقال رسول الله (ص) : (لان يأخذ أحدكم حبلا فيحتطب على ظهره خير من أن يأتي رجلا أعطاه الله من فضله فيسأله أعطاه أو منعه) وقال النبي (ص) (ان الله يحب العبد يتخذ المهنة ليستغني بها عن الناس) .
وآخى الاسلام بين كافة أهله فآخى النبي (ص) أولا بين المهاجرين ثم بين المهاجرين والانصار لانحصار المسلمين فيهم يومئذ وأراد (ص) بناء الاسلام على أساس ثابت وطيد هو تأليف القلوب ورفع الشحناء من النفوس والتناصر والتعاون لان ذلك هو السبب الوحيد في نجاح الاعمال ورقي الامم وأعلن الله تعالى في كتابه العزيز المؤاخاة بين عموم أهل الاسلام شريفهم ووضيعهم رجالهم ونسائهم فقال «انما المؤمنون اخوة» وبهذه الاخوة وعلى أساسها المتين والمحافظة عليها قام الاسلام وظهر وانتشر وبالتهاون بها ضعف وتقهقر وأردف قوله هذا بقوله «فأصلحوا بين أخويكم» فجعل الاصلاح من مقتضى تلك الاخوة وموجبها وقال النبي (ص) : (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه) فانظر بعين عقلك كم في هذه الاخوة من منافع وفوائد ومصالح عامة سياسية واجتماعية وأخلاقية وكم فيها من تأليف للقلوب وحفظ للنظام الاجتماعي وحرص على هناء العيش وسعادة البشر ، وهذه هي الاخوة الصحيحة الشريفة النافعة التي تفوق كل ما يسمى بالاخوة وتغني عنه .
والشريعة الاسلامية يتساوى فيها جميع الخلق في الحقوق الملك والرعية والشريف والوضيع والغني والفقير (لا يحل مال امرئ الا
المجالس السنية ـ الجزء الثالث
193
عن طيب نفسه . ولا شفاعة في حد . والعدل شامل للكل) «وأمرت لاعدل بينكم . ان الله يأمر بالعدل والاحسان . اعدلوا هو أقرب للتقوى واذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى . وإذا حكمتم بين الناس ان تحكموا بالعدل . فاصلحوا بينهما بالعدل واقسطوا ان الله يحب المقسطين».
وأوجب الشرع الاسلامي على القاضي أن يسوي بين الخصمين في الكلام والسلام والمكان والنظر والانصات وحرم الرشوة وقبول الهدية وان يلقن أحد الخصمين ما فيه ضرر على خصمه .
وبالغ الدين الاسلامي في حفظ الامن والمحافظة على الاموال والدماء وشدد فيه وفرض العقوبات الشديدة على مخالفيه «انما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الارض فساداً ان يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الارض»وأمر بقطع يد السارق وبقتل القاتل عمداً وتغريم الدية في الخطأ وبأن النفس بالنفس والعين بالعين والانف بالانف والاذن بالاذن والجروح قصاص «ولكم في القصاص حياة يا أولي الالباب».
واعتنى الدين الاسلامي بحفظ الصحة عناية فائقة فجعل النظافة من الايمان وأمر بقص الاظافر والشوارب وتسريح الشعر والوضوء عند كل صلاة وغسل الثياب والبدن والاواني من النجاسة والقذارة ورخص في ترك كل عبادة يخاف منها الاضرار بالصحة وحرم تناول كل طعام أو شراب يضر بالصحة وحرم الزيادة في الاكل على الشبع . وقال النبي (ص) (المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء) وأمر أن لا يجلس الانسان على الطعام الا وهو يشتهيه وأن يقوم عنه وهو يشتهيه وقال الله تعالى
المجالس السنية ـ الجزء الثالث
194
«وكلوا وشربوا ولا تسرفوا» فجمع بذلك أساس علم الطب وحفظ الصحة وأهم أموره .
وأوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأمر بالصدق وأداء الأمانة والوفاء بالعهد وصلة الأرحام وحسن الجوار وبر الوالدين وأن يحب المرء لأخيه ما يحب لنفسه ومعاونة الضعيف وحفظ مال اليتيم والرأفة والحنو على السائل .
ومن أحكام الشرع الاسلامي وأوامره في حفظ الحقوق والأموال الأمر بكتابة الدين والاشهاد عليه وأخذ الرهن ان لم تمكن الكتابة وسن قانون كاتب العدل الذي اتبعت فيه جميع دول الأرض قانون الاسلام «يا أيها الذين آمنوا اذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل . واستشهدوا شهيدين . ولا تسأموا أن تكتبوه صغيراً أو كبيراً إلى أجله . وان كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة».
وحرم الدين الاسلام كل ما فيه مفسدة ومضرة فحرم الربا والزنا والفواحش وشرب الخمر وكل مسكر والقمار والغيبة والنميمة والحسد والكذب الا في الاصلاح ورفع الضرر وكتمان الشهادة والسرقة وقتل النفس وقطع الطريق والغش والخيانة والفتنة والبغي والرشا وخلف العهد والاسراف وتضييع المال وأكل المال بالباطل . ونهى عن التنازع والتنابز بالالقاب وبخس المكيال والميزان ، فكم ترى من المفاسد في الربا بذهاب الثروات وفي الزنا من اختلاط الانساب وفساد نظام العائلة وتفشي الأمراض المهلكة . وفي شرب الخمر من زوال العقل وصيرورة المرء أضحوكة ووصوله إلى أقصى دركات المهانة والسفالة ومن هلاك
المجالس السنية ـ الجزء الثالث
195
النفوس وتلف الأموال والاضرار بالبدن والنسل حتى ان دولة أميركا حرمته بعد مضي أكثر من الف وثلاثمائة سنة من تحريم الاسلام . وفي القمار من تلف الأموال وهياج الشر وفي الغيبة والنميمة من حصول العدوات والفتن والاخلال بالمجتمع البشري .
ولم يكتف الشرع الاسلامي في جملة من المحرمات بالنهي والتحريم والعقاب في الآخرة حتى فرض عليها التأديب والعقوبة في الدنيا فأوجب الحد على الزاني بالضرب أو الرجم وعلى شارب الخمر بالضرب وعلى السارق يقطع اليد وعلى مخالف العهد واليمين بغرامة مالية . وفرض العقوبات التأديبية غير المحدودة في شتى المواضع وأباح كل لذة وزينة وتنعم في الدنيا لا تخل بالآداب ولا تضر بالمجتمع الانساني .
واعتنى الشرع الاسلامي بالمرأة عناية كبيرة حتى نزل في القرآن الكريم سورة أكثرها في الوصاية بالنساء والعناية بامورهن فسميت سورة النساء . وأوجب على الزوج القيام بكل ما تحتاج اليه الزوجة من اسكان واخدام وكسوة وطعام وجعل نفقتها مقدمة على نفقة أبويه العظيم حقهما عليه وعلى نفقة أولاده وأوجب معاشرتها بالمعروف (وعاشروهن بالمعروف) وأبطل العادات الجائرة التي سنتها الجاهلية في حق النساء فكان الرجل إذا زوج أيمه أخذ صداقها دونها وكانوا لا يورثون المرأة وأكد النبي صلى الله عليه وآله وسلم الوصاية بالمرأة في مواضع كثيرة .
ولم يضيق الدين الاسلامي على المرأة فيما يجلب ترويح النفس مع مراعاة الحشمة والآداب والبعد عما يوجب الظنة والارتياب وعدم الاختلاط بالاجانب ومجانبة ما يوقع في الفساد ، فالاسلام قد أكرم المرأة كرامة ليس عليها من مزيد وصانها الصيانة التي تليق بكرامتها
المجالس السنية ـ الجزء الثالث
196
أما الذين يدعون الى السفور وهتك الحجاب واختلاط الرجال بالنساء فهم الذين يريدون أن لا يكون بين بني آدم وحواء وبين البهائم فرق والذين يريدون أن يتخذوا لأنفسهم طريقاً سهلة ووسيلة قريبة لقضاء شهواتهم والوصول إلى لذاتهم ، فأي أحكام عبادية واجتماعية وسياسية وأخلاقية أسمى وأرقى وأنفع وأجمع وأصلح وأنجع وأسهل وأعدل وأنزه وأرفه وأقرب إلى تهذيب الاخلاق وسعادة البشر وهناء العيش من هذه الأحكام أم أي أحكام تدانيها في جميع الشرائع والأديان .
ولما في هذا الدين من محاسن وموافقة أحكامه للعقول وسهولتها وسماحتها ولما في تعاليمه من السمو والحزم والجد دخل الناس فيه أفواجا وقضى أهله على أعظم ممالك الأرض مملكة الأكاسرة ومملكة الروم واخترق شرق الأرض وغربها ودخل جميع أقاليمها وأقطارها ودانت به الأمم على اختلاف عناصرها ولغاتها وأصبح هذا الرجل الذي فر من مكة مستخفياً وأصحابه يعذبون يدخل مكة باصحابه هؤلاء ظاهراً على رغم جبابرة قريش فاتحاً لها مالكاً رقاب أهلها وسمت نفسه إلى مكاتبة ملوك الارض كسرى وقيصر ومن دونهما ودعاهم إلى الاسلام وظهر دينه على الدين كله كما وعده ربه وفتح أتباعه ممالك الدنيا ، ولم يقم هذا الدين بالسيف والقهر كما يصوره أعداؤه بل كما قال الله تعالى : «ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن . لا اكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي» ولم يحارب أهل مكة والعرب حتى حاربوه وأرادوا قتله وأخرجوه وأقر أهل الأديان التي نزلت بها الكتل السماوية على أديانهم ولم يجبرهم على الدخول في الاسلام وأجبر الوثنيين على ذلك .
المجالس السنية ـ الجزء الثالث
197
ولم يكن تأخر اتباع هذا الدين وضعفهم ناشئاً الا عن عدم تمسكهم بتعاليم دينهم ولم يكن فتح العدو لبلادهم إلا لتهاونهم بما أمر الله تعالى به بقوله « وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل» وعدم فهمهم مغزى قوله تعالى «وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد».
ولم يطلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ما أسداه الينا من هذه النعم العظيمة وكابده من المحن في سبيل تبليغ الرسالة أجراً إلا المودة في القربى «قل لا اسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى». عن ابن عباس لما نزلت هذه الآية قالوا يا رسول الله من هؤلاء الذين أمرنا الله بمودتهم قال : علي وفاطمة وولدهما . وروى الحاكم في كتاب شواهد التنزيل قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لو ان عبداً عبد الله بين الصفا والمروة الف عام ثم الف عام ثم الف عام حتى يصير كالشن البالي ثم لم يدرك مححبتنا كبه الله على منخريه في النار ثم تلا : «قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى» وروي عن علي عليه السلام قال فينا في آل حم آية لا يحفظ مودتنا إلا كل مؤمن ثم قرأ هذه الآية . وإلى هذا أشار الكميت بقوله :
وجدنا لكم في آل حم آية
تأولها منا تقي ومعرب
وقال المؤلف :
أنتم ولاة الورى حقاً وحبكم
فرض أكيد بنص الذكر قد وجبا
وقال أيضاً :
وقد فرض الرحمن حبهم على
جميع البرايا في الكتاب وأوجبا
وحسبك قول الامام الشافعي محمد بن ادريس في ذلك :
يا أهل بيت رسول الله حبكم
فرض من الله في القرآن أنزله
المجالس السنية ـ الجزء الثالث
198
كفاكم من عظيم القدر انكم
من لا يصلي عليكم لا صلاة له
وقال الشيخ محي الدين بن العربي :
رأيـت ولائي آل طـه فريضـة
على رغم أهل البعد يورثني القربا
فما طلب المبعوث أجراً على الهدى
بتبلـيغه إلا المـودة في القربـى
ولكن هذه الامة لم تجاز رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على تبليغ الرسالة بالمودة في قرباه كما أمرها الله بل بالبغضة والشنآن والمحاربة والعدوان والقتل والأسر وجرعتهم الغصص وإذاقتهم أنواع البلايا والمحن فحاربت ابن عمه علياً «ع» وآل أمرها إلى أن قتلته وهو يصلي في محرابه وسبته على منابر الاسلام عشرات الأعوام في الأعياد والجماعات وما قامت أعواد تلك المنابر إلا بسيفه .
أعلى المنابر تعلنون بسبه
وبسيفه نصبت لكم أعوادها
وقتلت ولده الحسن «ع» أحد السبطين بالسم ومنعت من دفنه عند جده وقتلت ولده الحسين «ع» ثاني السبطين بالسيف غريباً ظامياً وحيداً فريداً بعد ما قتلت أنصاره وسبعة عشر رجلا من أهل بيته ليس لهم على وجه الارض شبيه وقدمت عليه يزيد السكير الخمير صاحب القرود والفهود والمتجاهر بالكفر والفجور حتى تطرق العار إلى هذه الأمة بولاية يزيد عليها . وقال أبو العلاء المعري :
أرى الأيام تفعل كل نكر
فما أنا في العجائب مستزيد
اليس قريشكم قتلت حسينا
وكان عـلى خلافتكم يزيـد
ولم تكتف بقتله حتى سبت نساءه وعياله وأطفاله وحملتهم على اقتاب الجمال من بلد إلى بلد ودارت برأسه في البلدان .