(من كتاب لأمير المؤمنين عليه السلام الى معاوية جوابا وهو من محاسن الكتب) أما بعد فقد أتاني كتابك تذكر فيه اصطفاء الله محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لدينه وتاييده اياه بمن أيده من أصحابه فلقد خبأ لنا الدهر منك عجباً اذ طفقت تخبرنا ببلاء الله عندنا ونعمته علينا في نبينا فكنت في ذلك كناقل التمر الى هجر أو داعي مسدده الى النضال وزعمت أن أفضل الناس في الاسلام فلان وفلان فذكرت أمراً ان تم اعتزالك كله وان نقص لم يلحقك ثلمه وما أنت والفاضل والمفضول والسائس والمسوس وما للطلقاء وأبناء الطلقاء والتمييز بين المهاجرين الأولين وترتيب درجاتهم ةتعريف طبقاتهم هيهات لقد حن قدح ليس منها وطفق يحكم فيها من عليه الحكم لها ألا تربع أيها الانسان على ظلعك وتعرف قصور ذرعك وتتأخر حيث أخرك القدر فما عليك غلبة المغلوب ولا ظفر الظافر . وانك لذهاب في التيه رواغ عن القصد ألا ترى غير مخبر لك ولكن بنعمة الله أحدث ان قوماً استشهدوا في سبيل الله من المهاجرين ولكل فضل حتى اذا استشهد شهيدنا قيل سيد الشهداء وخسه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بسبعين تكبيرة عند صلاته عليه (يريد بذلك حمزة) أولا ترى أن قوماً قطعت أيديهم وأرجلهم في سبيلا لله ولكل فضل حتى اذا فعل بواحدنا (يعني جعفراً) ما فعل بواحدهم قيل الطيار في الجنة وذو الجناحين ولو لا ما نهى الله عنه من تزكية المرء نفسه لذكر ذاكر فضائل جمة تعرفها قلوب المؤمنين ولا تمجها آذان السامعين فدع عنك من مالت به الرمية فانا صنائع ربنا والناس بعد صنائع لنا لم
المجالس السنية ـ الجزء الثالث
171
يمنعا قديم عزنا ولا عادي طولنا على قومك أن خلطناكم بانفسنا فنكحنا وأنكحنا فعل الأكفاء ولستم هناك وأنى يكون ذلك كذلك ومنا النبي ومنكم المكذب ومن أسد الله ومنكم أسد الأحلاف ومنا سيدا شباب أهل الجنة ومنكم صبية النار ومنا خير نساء العالمين ومنكم حمالة الحطب في كثير مما لنا وعليكم . فاسلامنا قد سمع وجاهليتنا لا تدفع وكتاب الله يجمع لنا ما شذ عنا وهو قوله تعالى «وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله» وقوله تعالى «ان أولى الناس بابراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا معه والله ولي المؤمنين» فنحن تارة اولى بالقرابة وتارة اولى بالطاعة ولما احتج المهاجرون على الأنصار يوم السقيفة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلجوا عليهم فان يكن الفلج به فالحق لنا دونكم وان يكن بغيره فالانصار على دعواهم وزعمت أني لكل الخلفاء حسدت وعلى كلهم بغيت فان يكن ذلك كذلك فليس الجناية عليك فيكون العذر اليك (وتلك شكاة ظاهر عنك عارها) وقلت اني كنت أقاد كما يقاد الجمل المخشوش حتى أبايع ولعمر الله لقد أردت أن تذم فمدحت وأن تفضح فافتضحت وما على المسلم من غضاضة أن يكون مظلوماً ما لم يكن شكاكاً في دينه ولا مرتابا بيقينه وهذه حجتي الى غيرك قصدها ولكني أطلقت لك منها بقدر ما سنح من ذكرها وذكرت أنه ليس لي ولا لأصحابي الا السيف فلقد أضحكت بعد استعبار متى الفيت بني عبد المطلب عن الأعداء ناكلين وبالسيف مخوفين (لبث قليلا يلحق الهيجا حمل) فسيطلبك من تطلب ويقرب منك ما تستبعد وأنا مرقل نحوك في جحفل من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم باحسان شديد زحامهم ساطع قتامهم متسربلين بالموت أحب اللقاء اليهم لقاء ربهم قد صحبتهم ذرية بدرية وسيوف هاشمية قد عرفت
المجالس السنية ـ الجزء الثالث
172
مواقع نصالها في أخيك وخالك وجدك وأهلك (وما هي من الظالمين ببعيد) . أخوه حنظلة بن أبي سفيان وخاله الوليد بن عتبة قتلهما أمير المؤمنين عليه السلام يوم بدر وجده عتبة بن ربيعة الذي قتله حمزة يوم بدر وشرك في قتله أمير المؤمنين عليه السلام . وما برحت أحقاد بدر في قلوب بني أمية حتى أظهرها يزيد يوم جيء اليه برأس الحسين عليه السلام فلما وضع الرأس الشريف بين يديه دعا بقضيب خيزران وجعل ينكت به ثنايا الحسين «ع» ثم قال يوم بيوم بدر وكان عنده أبو برزة الأسلمي فقال ويحك يا يزيد أتنكت بقضيبك ثغر الحسين بن فاطمة أشهد لقد رأيت النبي «ص» يرشف ثناياه وثنايا أخيه الحسن ويقول أنتما سيدا شباب أهل الجنة فقتل الله قاتلكما ولعنه أعد له جهنم وساءت مصيرا فغضب يزيد وأمر باخراجه فأخرج سحباً وفي رواية أنه قال أما انك يا يزيد تجيء يوم القيامة وابن زياد شفيعك ويجيء هذا ومحمد شفيعه ثم قام فولى .
أتنكتها شلت يمينك انها
وجوه لوجه الله طال سجودها
* * *
المجلس الرابع بعد المائتين
من وصية لأمير المؤمنين «ع» للحسن والحسين «ع» لما ضربه ابن ملجم لعنه الله : أوصيكما بتقوى الله وأن لا تبغيا الدنيا وان بغتكما ولا تاسفا على شيء منها روي عنكما وقولا بالحق واعملا للاجر وكونا للظالم خصما وللمظلوم عونا أوصيكما وجميع ولدي وأهلي ومن بلغه
المجالس السنية ـ الجزء الثالث
173
كتابي هذا من المؤمنين بتقوى الله ونظم أمركم وصلاح ذات بينكم فاني سمعت جدكما «ص» يقول صلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام والله الله في الايتام فلا تغبوا (1) أفواههم ولا يضيعوا بحضرتكم بابي وأمي يا أمير المؤمنين توصي ولديك الحسنين بالأيتام فليتك لا غبت عن أيتام ولدك الحسين ليلة العاشر من المحرم وقد باتوا جياعى عطاشى بلا محام ولا كفيل سوى العليل زين العابدين الذي نهكته العلة فلا يستطيع النهوض وابنتك زينب التي قامت تجمع العيال والأطفال وتحرسهم تلك الليلة وقد أحرق القوم الخيام ونهبوا ما فيها ولا شك أنهم باتوا تلك الليلة على وجه الأرض بلا غطاء ولا وطاء تحت السماء وهم ينظرون الى القتلى مجزرة كالأضاحي جثثاً بلا رؤوس .
مجردين على الرمضاء قد لبسوا
من المهابـة أثـوابا لهـا قشبا
مغسليـن بمحمـر النجـيع بنى
نبل العدى والقنا من فوقهم قببا
والله الله في جيرانكم فانهم وصية نبيكم ما زال يوصي بهم حتى ظننا أنه سيورثهم والله الله في القرآن لا يسبقكم بالعمل به غيركم والله الله في الصلاة فانها عمود دينكم والله الله في بيت ربكم لا تخلوه ما بقيتم فانه ان ترك لم تناظروا والله الله في الجهاد باموالكم وأنفسكم والسنتكم في سبيل الله وعليكم بالتواصل والتباذل واياكم والتدابر والتقاطع لا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيولى عليكم شراركم ثم تدعون فلا يستجاب لكم يا بني عبد المطلب لا الفينكم تخرضون دماء المسلمين خوضاً تقولون قتل أمير المؤمنين الا لا تقتلن بي الا قاتلي . انظروا اذا انا مت من
(1) أغب القوم جاءهم يوماً وترك يوماً أي لا تقطعوا الطعام عن أفواههم .
ـ المؤلف ـ
المجالس السنية ـ الجزء الثالث
174
ضربته هذه فاضربوه ضربة بضربة ولا يمثل بالرجل فاني سمعت رسول الله «ص» يقول اياكم والمثلة ولو بالكلب العقور (الا) لعن الله اهل الكوفة فانه لم يكفهم قتل الحسين «ع» حتى مثلوا به وباهل بيته وانصاره قطعوا الرؤوس وشالوها على رؤوس الرماح من بلد الى بلد ولم يكفهم ذلك حتى داسوا بخيولهم صدر الحسين وظهره حتى هشمت الخيل اضلاعه وطحنت جناجن صدره .
لم يشف اعداه مثل القتل فابتدرت
تجري على جسمه الجرد المحاضيرا
يا عقـر الله تلـك الخيل اذ جعل
اعـضـاءه لعواديهـا مضـاميـرا
* * *
المجلس الخامس بعد المائتين
قال ابو جعفر محمد بن علي الباقر «ع» لجابر : ايكفي من انتحل التشيع ان يقول بحبنا اهل البيت فو الله ما شيعتنا الا من اتقى الله وما كانوا يعرفون يا جابر الا بالتواضع والتخشع و كثرة ذكر الله والصوم والصلاة والتعهد للجيران من الفقراء واهل المسكنة الغارمين والأيتام وكف الألسن عن الناس الا من خير فكانوا امناء عشائرهم في الأشياء (فقال) جابر يا ابن رسول الله لست اعرف احداً بهذه الصفة (فقال) عليه السلام يا جابر لا تذهبن بك المذاهب حسب الرجل ان يقول أحب علياً واتولاه فلو قال : اني احب رسول الله «ص» فرسول الله خير من
المجالس السنية ـ الجزء الثالث
175
علي ثم لا يعمل عمله ولا يتبع سنته ما نفعه حبه اياه شيئاً فاتقوا الله واعملوا لما عند الله ليس بين الله وبين أحد قرابة أحبا العباد الى الله وأكرمهم عليه أتقاهم له وأعملهم بطاعته والله ما يتقرب الى الله تعالى الا بالطاعة ما معنا براءة من النار ولا على الله لأحد من حجة من كان لله مطيعاً فهو لنا ولي ومن كان عاصياً فهو لنا عدو ولا تنال ولايتنا الا بالورع والعمل (وقال) أبو جعفر عليه السلام انما شيعة علي عليه السلام الشاحبون الناحلون الذابلون ذابلة شفاهم خمص بطونهم متغيرة ألوانهم مصفرة وجوههم اذا جنهم الليل اتخذوا الأرض فراشاً واستقبلوا الأرض بجباههم كثير سجودهم كثيرة دموعهم كثير دعاؤهم كثير بكاؤهم يفرح الناس وهم يحزنون (وقال) أمير المؤمنين عليه السلام ألا وان لكل مأموم اماماً يقتدي به ويستضيء بنور علمه الا وان امامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه ومن طعمه بقرصيه الا وانكم لا تقدرون على ذلك ولكن أعينوني بورع واجتهاد وعفة وسداد فو الله ما كنزت من دنياكم تبراً ولا ادخرت من غنائمها وفراً ولا أعددت لبالي ثوبي طمراً ولا حزت من أرضها شبرا (وهكذا) كانت عادة أهل البيت «ع» وطريقتهم في الزهد في الدنيا الفانية والايثار على أنفسهم وتفقد الفقراء والمساكين وكثرة الصلاة وكثرة ذكر الله تعالى في الليل والنهار ولذلك لما زحف عمر بن سعد وأصحابه الى الحسين عليه السلام عشية اليوم التاسع من المحرم أرسل اليهم أخاه العباس وقال له ان استطعت ان تؤخرهم الى غدوة وتدفعهم عنا العشية لعلنا نصلي لربنا الليلة وندعوه ونستغفره فهو يعلم أني كنت أحب الصلاة له وتلاوة كتابه وكثرة الدعاء والاستغفار فسألهم العباس ذلك فتوقف ابن سعد فقال له عمرو ابن الحجاج سبحان الله والله لو أنهم من الترك أو الديلم وسألونا مثل
المجالس السنية ـ الجزء الثالث
176
ذلك لأجبناهم فكيف وهم آل محمد فأجابوهم الى ذلك فقام الحسين «ع» وأصحابه الليل كله يصلون ويستغفرون ويدعون ويتضرعون وباتوا ليلة العاشر من المحرم ولهم دوي كدوي النحل ما بين قائم وقاعد وراكع وساجد .
سمة العبيـد من الخشوع عليهم
لله ان ضمتـهـم الأسحار
فاذا ترجلت الضحى شهدت لهم
بيض القواضب انهم أحرار
ولم يشغلهم ما هم فيه من الشدائد وانتظار القتل عن ذكر ربهم وعبادته والاقبال بقلوبهم عليه (ولما) كان يوم عاشورا قال أبو ثمامة الصيداوي للحسين «ع» يا أبا عبد الله نفسي لنفسك الفداء هؤلاء اقتربوا منك ولا والله لا تقتل حتى أقتل دونك وأحب أن القى ربي وقد صليت هذه الصلاة فرفع الحسين «ع» رأسه الى السماء وقال ذكرت الصلاة جعلك الله من المصلين الذاكرين نعم هذا أول وقتها ثم قال سلوهم ان يكفوا عنا حتى نصلي ففعلوا فقال لهم الحصين بن تميم انها لا تقبل فقال له حبيب بن مظاهر زعمت لا تقبل الصلاة من آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنصارهم وتقبل منك يا خمار (وقال) الحسين «ع» لزهير بن القين وسعيد بن عبد الله الحنفي تقدما أمامي حتى أصلي الظهر فتقدما أمامه في نحو من نصف أصحابه حتى صلى بهم صلاة الخوف فوصل الى الحسين «ع» سهم فتقدم سعيد بن عبد الله ووقف يقيه من النبال بنفسه ما زال ولا تخطى فما زال يرمى بالنبل حتى سقط الى الأرض وهو يقول اللهم العنهم لعن عاد وثمود اللهم ابلغ نبيك عني السلام وأبلغه ما لقيت من ألم الجراح فاني أردت ثوابك في نصر ذرية نبيك (وفي رواية) أنه قال اللهم لا يعجزك شيء تريده فابلغ محمداً صلى الله عليه وآله وسلم نصرتي ودفعي عن الحسين
المجالس السنية ـ الجزء الثالث
177
«ع» وارزقني مرافقته في دار الخلود ثم قضى نحبه رضوان الله عليه فوجد فيه ثلاثة عشر سهما سوى ما به من ضرب السيوف وطعن الرماح .
صالوا وجالوا وادوا حق سيدهم
في موقف عق فيه الوالد الولد
وشاقهم ثمر العقبى فأصبح في
صدورهم شجر الخطي يختضد
* * *
المجلس السادس بعد المائتين
من كتاب لأمير المؤمنين «ع» الى عثمان بن حنيف الأنصاري وكان عامله على البصرة وقد بلغه أنه دعي الى وليمة قوم من أهلها فمضى اليها أما بعد يا ابن حنيف فقد بلغني ان رجلا من فتية أهل البصرة دعاك الى مأدبة فأسرعت اليها تستطاب لك الألوان وتنقل اليك الجفان وما ظننت أنك تجيب الى طعام قوم عاثلهم مجفو وغنيهم مدعو فانظر الى ما تقضمه من هذا المقضم فما اشتبه عليك علمه فالفظه وما أيقنت بطيب وجهه فنل منه ألا وان لكل مأموم اماماً يقتدي به ويستضيء بنور علمه الا وان امامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه ومن طعمه بقرصيه ألا وانكم لا تقدرون على ذلك ولكن أعينوني بورع واجتهاد وعفة وسداد فوالله ما كنزت من دنياكم تبراً ولا ادخرت من غنائهما وفرا ولا أعددت لبالي ثوبي طمرا ولا حزت من أرضها شبرا بلى كانت في أيدينا فدك من كل ما أظلته السماء فشحت عليها نفوس قوم وسخت عنها نفوس قوم
المجالس السنية ـ الجزء الثالث
178
آخرين ونعم الحكم الله وما أصنع بفدك وغير فدك والنفس مظانها في غد جدث تنقطع في ظلمته آثارها وتغيب أخبارها وحفرة لو زيد في فسحتها وأوسعت يدا حافرها لأضغطها الحجر والمدر وسد فرجها التراب المتراكم وانما هي نفسي أروضها بالتقى لتأتي آمنة يوم الخوف الأكبر وتثبت على جوانب المزلق ولو شئت لاهتديت الطريق الى مصفى هذا العسل ولباب هذا القمح ونسائج هذا القز ولكن هيهات أن يغلبني هواي ويقودني جشعي الى تخير الأطعمة ولعل بالحجاز أو باليمامة من لا طمع له في القرص ولا عهد له بالشبع أو أبيت مبطانا وحولي بطون غرثى وأكباد حرى أو أكون كما قال القائل :
وحسبك عاراً أن تبيت ببطنة
وحولك أكباد تحن الى القد
أأقنع من نفسي بان يقال أمير المؤمنين ولا أشاركهم في مكاره الدهر أو أكون أسوة لهم في جشوبة العيش فما خلقت ليشغلني أكل الطيبات كالبهيمة المربوطة هما علفها أو المرسلة شغلها تقممها تكترش من أعلافها وتلهوا عما يراد بها أو أترك سدى أو أهمل عابثاً أو أجر حبل الضلالة أو أعتسف طريق المتاهة وكاني بقائلكم يقول اذا كان هذا قوت ابن ابي طالب فقد قعد به الضعف عن قتال الأقران ومنازلة الشجعان ألا وان الشجرة البرية أصلب عوداً والروائع الخضرة أرق جلوداً والنباتات البدوية أقوى وقوداً وأبطأ خموداً وأنا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كالصنو من الصنو والذراع من العضد والله لو تظاهرت العرب على قتالي لما وليت عنها ولو امكنت الفرص من رقابها لسارعت اليها (فدى) لك نفسي وأهلي ومالي يا أمير المؤمنين ويا بطل المسلمين ويا قاتل الناكثين والقاسطين والمارقين ومن انتهت اليه الشجاعة والفروسية واقتفى أثره في ذلك ولده أبو عبد الله الحسين «ع» فان هذا الشبل من
المجالس السنية ـ الجزء الثالث
179
ذلك الأسد وهذا الثمر من ذلك الشجر .
ولا عجب ان يشبه الليث شبله
وحق على ابن الصقر ان يشبه الصقرا
فهو الذي اختار المنية على الدنية ومصارع الكرام على طاعة اللئام وموت العز على حياة الذل
له من علي في الحروب شجاعة
ومن أحمد عند الخطابة قيل
وقد شهدت له بالصبر أعداؤه (والفضل ما شهدت به الأعداء) وذلك لما دعا الناس الى البراز فلم يزل يقتل كل من برز اليه حتى قتل مقتلة عظيمة وهو في ذلك يقول :
القتل أولى من ركوب العار
والعار أولى من دخول النار
قال بعض الرواة فو الله ما رأيت مكثوراً أي مغلوبا قط قد قتل ولده وأهل بيته وأصحابه أربط جأشاً منه وان كانت الرجالة لتشد عليه فيشد عليها بسيفه فتنكشف عنه انكشاف المعزى اذا شد فيها الذئب ولقد كان يحمل فيهم وقد تكملوا ثلاثين الفاً فينهزمون من بين يديه كانهم الجراد المنتشر ثم يرجع الى مركزه وهو يقول لا حول ولا قوة الا بالله فلما رأى شمر ذلك استدعى الفرسان فصاروا في ظهور الرجالة وأمر الرماة أن يرموه فرشقوه بالسهام حتى صار كالقنفذ فأحجم عنهم فوقفوا بازائه وجاء شمر في جماعة من أصحابه فحالوا بينه وبين رحله الذي فيه ثقله وعياله فصاح ويلكم يا شيعة آل أبي سفيان ان لم يكن لكم دين وكنتم لا تخافون المعاد فكونوا أحراراً في دنياكم هذه وارجعوا الى أحسباكم ان كنتم عربا كما تزعمون فناداه شمر ما تقول يا ابن فاطمة قال أقول أني أقاتلكم وتقاتلوني والنساء ليس عليهن جناح فامنعوا عتاتكم وجهالكم وطغاتكم من التعرض لحرمي ما دمت حياً
المجالس السنية ـ الجزء الثالث
180
فقال شمر لك ذلك يا ابن فاطمة ثم صاح اليكم عن حرم الرجل واقصدوه بنفسه فلعمري لهو كفؤ كريم فقصده القوم وهو في ذلك يطلب شربة من الماء وكلما حمل بفرسه على الفرات حملوا عليه باجمعهم حتى أجلوه عنه
قال اقصدوني بنفسي واتركوا حرمي
قد حان حيني وقد لاحت لوائحه
* * *
المجلس السابع بعد المائتين
من كلام لأمير المؤمنين «ع» : اليك عني يا دنيا فحبلك على غاربك قد انسللت من مخالبك وأفلت من حبائلك واجتنبت الذهاب في مداحضك أين القرون الذين غررتهم بمداعبك أين الأمم الذين فتنتهم بزخارفك فهاهم رهائن القبور ومضامين اللحود والله لو كنت شخصاً مرئياً وقالباً جسيا لاقمت عليك حدود الله في عباد غررتهم بالأماني وأمم القيتهم في المهاوي وملوك أسلمتهم الى التلف وأوردتهم موارد البلاء اذ لا ورد ولا صدر هيهات من وطئ دحضك زلق ومن ركب لججك غرق ومن ازور عن حبائلك وفق والسالم منك لا يبالي ان ضاق به مناخه والدنيا عنده كيوم حان انسلاخه اعزبي عني فو الله لا أذل لك فتستذليني ولا أساس لك فتقوديني وأيم الله يميناً أستثني فيها بمشيئة الله لأروضن نفسي رياضة تهش معها الى القرص اذا قدرت عليه مطعوماً وتقنع بالملح مأدوماً ولأدعن مقلتي كعين ماء نضب معينها مستفرغة دموعها تمتلئ السائمة من رعيها فتبرك وتشبع الربيضة من عشبها فتربض
المجالس السنية ـ الجزء الثالث
181
وياكل علي من زاده فيهجع قرت اذا عينه اذا اقتدى بعد السنين المتطاولة بالبهيمة الهاملة والسائمة المرعية طوبى لنفس أدت الى ربها قرصها وعركت بجنبها بؤسها وهجرت في الليل غمضها حتى اذا غلب الكرى عليها افترشت أرضها وتوسدت كفها في معشر أسهر عيونهم خوف معادهم وتجافت عن مضاجعهم جنوبهم وهمهمت بذكر ربهم شفاههم وتقشعت بطول استغفارهم ذنوبهم «أولئك حزب الله ألا ان حزب الله هم المفلحون» كمل فعل أصحاب الحسين «ع» ليلة العاشر من المحرم فانهم قاموا الليل كله يصلون ويستغفرون ويدعون ويتضرعون وباتوا ولهم دوي كدوي النحل ما بين راكع وساجد وقائم وقاعد .
سمة العبيـد من الخشوع عليهم
لله ان ضمتـهم الأسحـار
فاذا ترجلت الضحى شهدت لهم
بيض القواضب انهم أحرار
فعبر اليهم في تلك الليلة من عسكر ابن سعد اثنان وثلاثون رجلا فلما كان وقت السحر خفق الحسين «ع» برأسه خفقة ثم استيقظ فقال رأيت كأن كلابا قد شهدت لتنهشني وفيها كلب أبقع رأيته أشدها علي وأظن ان الذي يتولى قتلي رجل أبرص ثم اني رايت جدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومعه جماعة من اصحابه وهو يقول يا بني انت شهيد آل محمد وقد استبشر بك اهل السموات واهل الصفيح الأعلى فليكن افطارك عندي الليلة عجل ولا تتأخر هذا ملك قد نزل من السماء ليأخذ دمك في قارورة خضراء .
ان يقتلـوك فلا عن فقـد معرفة
الشمس معروفة بالعيـن والأثر
قد كنت في مشرق الدنيا ومغربها
كالحمد لم تغن عنها سائر السور
* * *
المجالس السنية ـ الجزء الثالث
182
المجلس الثامن بعد المائتين
عن موسى بن جعفر عن أبيه عن جده عن علي بن الحسين «ع» قال بينما أمير المؤمنين «ع» جالس ذات يوم مع أصحابه يعبيهم للحرب اذ أتاه شيخ عليه هيأة السفر فسلم عليه ثم قال يا أمير المؤمنين اني أتيتك من ناحية الشام وأنا شيخ كبير قد سمعت فيك من الفضل ما لا أحصيه فعلمني ما علمك الله قال نعم يا شيخ من اعتدل يوماه فهو مغبون ومن كانت الدنيا همته كثرت حسرته عند فراقها ومن كان غده شراً من يومه فمحروم ومن لم يبال ما ذهب من آخرته اذا اسلمت دنياه فهو هالك يا شيخ من خاف البيات قل نومه ما أسرع الليالي والأيام في عمر العبد فاخزن لسانك وعد كلامك يا شيخ ارض للناس ما ترضى لنفسك وائت الى الناس ما تحب ان يؤتى اليك (ثم) اقبل على اصحابه (فقال) أيها الناس اما ترون إلى أهل الدنيا يمسون ويصبحون على احوال شتى فبين صريع يتلوى وبين عائد ومعود وآخر بنفسه يجود وطالب للدنيا والموت يطلبه وغافل وليس بمغفول عنه وعلى أثر الماضي يصير الباقي (فقال) له زيد بن صوحان العبدي يا أمير المؤمنين أي سلطان غلب وأقوى قال الهوى قال فاي ذل أذل قال الحرص على الدنيا قال فأي فقر أشد قال الكفر بعد الايمان قال فاي عمل أفضل قال التقوى قال فاي صاحب أشر قال المزين لك معصية الله قال فاي الخلق أشقى قال من باع دينه بدنيا غيره قال فاي الناس أحمق قال المغتر بالدنيا وهو يرى ما فيها من تقلب أحوالها قال فاي الناس أشد حسرة قال الذي حرم
المجالس السنية ـ الجزء الثالث
183
الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين قال فاي الخلق أعمى قال الذي عمل لغير الله يطلب من عمله الثواب من عند الله قال فاي المصائب أشد قال المصيبة بالدين قال فاي الناس خير عند الله قال أخوفهم له واعملهم بالتقوى وأزهدهم في الدنيا قال فأي الكلام أفضل عند الله قال كثرة ذكره والتضرع اليه ودعائه (ثم) أقبل عليه السلام على الشيخ فقال يا شيخ ان الله عزوجل خلق خلقاً ضيق الدنيا عليهم نظراً لهم فزدهم فيها وفي حطامها فرغبوا في دار السلام وصبروا على ضيق المعيشة وصبروا على المكروه واشتاقوا إلى ما عند الله وبذلوا انفسهم ابتغاء رضوان الله وكانت خاتمة اعمالهم الشهادة فلقوا الله وهو عنهم راض (كما) فعل أنصار الحسين «ع» حين بذلوا أنفسهم ابتغاء رضوان الله وكانت خاتمة أعمالهم الشهادة في سبيل الله وبين يدي ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ففدوه بأنفسهم ووقوه بمهجهم حتى قتلوا عن آخرهم (فمنهم) سعيد بن عبد الله الحنفي الذي وقف بين يدي الحسين «ع» يقيه من النبال بنفسه ما زال ولا تخطى فما زال يرمى بالنبل حتى سقط إلى الأرض وهو يقول اللهم العنهم لعن عاد وثمود اللهم ابلغ نبيك عني السلام وابلغه ما لقيت من ألم الجراح فاني أردت ثوابك في نصر ذرية نبيك (وفي رواية) انه قال اللهم لا يعجزك شيء تريده فابلغ محمداً صلى الله عليه وآله وسلم نصرتي ودفعي عن الحسين «ع» وارزقني مرافقته في دار الخلود ثم قضى نحبه رضوان الله عليه فوجد فيه ثلاثة عشر سهما سوى ما فيه من ضرب السيوف وطعن الرماح .