المجالس السنية ـ الجزء الثالث 151

المجلس المائتين

في كتاب روضة الواعظين باسناد ذكره ان قريشاً أصابتهم أزمة (1) شديدة وكان أبو طالب ذا عيال كثير فقال رسول الله «ص» للعباس عمه وكان من أيسر بني هاشم يا عباس ان أخاك أبا طالب كثير العيال وقد أصاب الناس ما ترى من هذه الأزمة فانطلق بنا نخفف عنه من عياله آحذ من بنيه رجلا وتاخذ من بنيه رجلا فنكفهما عنه قال العباس نعم فانطلقا حتى أتيا أبا طالب فقالا انا نريد أن نخفف عنك عيالك حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه فقال أبو طالب ان تركتما لي عقيلا فاصنعا ما شئتما فأخذ رسول الله «ص» علياً عليه السلام فضمه اليه وأخذ العباس جعفراً فضمه اليه فلم يزل علي بن أبي طالب عليه السلام مع رسول الله «ص» حتى بعثه الله نبيا واتبعه علي وامن به وصدقه ولم يزل جعفر مع العباس حتى اسلم واستغنى عنه قال الصادق عليه السلام اول جماعة كانت ان رسول الله(ص) كان يصلي وأمير المؤمنين معه اذ مر أبو طالب به وجعفر معه قال يا بني صل جناح ابن عمك فلما أحسه رسول الله «ص» تقدمهما وانصرف أبو طالب مسروراً وهو يقول :
ان علـياً وجـعفـراً ثقـتي عند ملم الزمان والكرب
لا تخذلا وانصـرا ابن عمكما أخي لأمي من بينهم وأبي

(1) الأزمة بالفتح فالسكون الشدة ويجوز أزمة بفتحتين .
ـ المؤلف ـ
المجالس السنية ـ الجزء الثالث 152

والله لا أخذل النبي ولا يخذله من بني ذو حسب

قال أبو الحسن المدائني كتب معاوية الى أمير المؤمنين عليه السلام يا أبا الحسن ان لي فضائل كثيرة كان أبي سيداً في الجاهلية وصيرت ملكاً في الاسلام وأنا صهر رسول الله «ص» وخال المؤمنين وكاتب الوحي فلما قرأ أمير المؤمنين عليه السلام كتابه قال أبالفضائل يفخر علي ابن آكلة الأكباد يا غلام اكتب وأملى عليه علي عليه السلام :
محـمد النبي أخي وصنوي وحمزة سيد الشهـداء عمي
وجعفر الذي يضحى ويمسي يطير مع الملائكة ابـن أمي
وبنت محمد سكني وعرسي منوط لحمها بدمـي ولحمي
وسبطا أحمد ابـناي منـها فمن منكم له سهـم كسهمي
سبقتكم الـى الاسلام طـراً غلاماً ما بلغت أوان حلمي
وأجـوب لي ولايته عليـكم رسـول الله يوم غـدير خم
فـويل ثـم ويل ثـم ويـل لمن يلقى الاله غـداً بظلمي

فلما قرأه معاوية قال مزقه يا غلام لا يقرأه أهل الشام فيميلون نحو ابن أبي طالب «قال»عامر الشعبي تكلم أمير المؤمنين علي عليه السلام بتسع كلمات ارتجلهن ارتجالاً فقأن عيون البلاغة وايتمن جواهر الحكمة وقطعن جميع الأنام عن اللحاق بواحدة منهن ثلاث منها في المناجاة وثلاث منها في الحكمة وثلاث منها في الأدب «فأما» اللائي في المناجاة «فقال» الهي كفى بي عزاً أن أكون لك عبداً وكفى بي فخراً أن تكون لي ربا أنت كما أحب فاجعلني كما تحب «وأما» اللائي في الحكمة «فقال» قيمة كل امرئ ما يحسنه وما هلك امرؤ عرف قدره والمرء مخبوء تحت لسانه «وأما» اللائي في الأدب «فقال» أمنن على من شئت

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 153

تكن أميره واحتج الى من شئت تكن أسيره واستغن عمن شئت تكن نظيره (وعلي) عليه السلام وأولاده هم معادن الحكمة ومنابع الفصاحة والبلاغة كما أنهم ليوث الشجاعة ولما كان يوم كربلا خطب ولده الحسين عليه السلام في اهل الكوفة خطباً كثيرة ووعظهم بمواعظ جمة فلم يسمع متكلم قط قبله ولا بعده أبلغ فيم نطق منه .
له من علي في الحروب شجاعة ومن أحد عند التكلم قيل

* * *

للسـانه وسـنانـه صدقان من طعن وقيل
خلط البراعة بالشجا عة فالصليل عن الدليل

وتقدم في بعض المواقف حتى وقف بازاء القوم فجعل ينظر الى صفوفهم كانهم السيل ونظر الى ابن سعد واقفاً في صناديد الكوفة فخطب فيهم (فقال) الحمد لله الذي خلق الدنيا فجعلها دار فناء وزوال متصرفة باهلها حالاً بعد حال فالمغرور من غرته والشقي من فتنته فلا تغرنكم هذه الدنيا فانها تقطع رجاء من ركن اليها وتخيب طمع من طمع فيها وأراكم قد اجتمعتم على أمر قد أسخطتم الله فيه عليكم وأعرض بوجهه الكريم عنكم وأحل بكم نقمته وجنبكم رحمته فنعم الرب ربنا وبئس العبيد أنتم أقررتم بالطاعة وآمنتم بالرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم ثم انكم زحفتم الى ذريته وعترته تريدون قتلهم لقد استحوذ عليكم الشيطان فأنساكم ذكر الله فتباً لكم ولما تريدون انا لله وانا اليه راجعون هؤلاء قوم كفروا بعد إيمانهم فبعداً للقوم الظالمين (فقال) ابن سعد ويلكم كلموه فانه ابن أبيه فوالله لو وقف فيكم هكذا يوماً جديداً لما انقطع ولما حصر (فتقدم) شمر فقال يا حسين ما هذا الذي تقول أفهمنا حتى

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 154

نفهم فقال أقول اتقوا الله ربكم ولا تقتلوني فانه لا يحل لكم قتلي ولا انتهاك حرمتي فاني ابن بنت نبيكم وجدتي خديجة زوجة نبيكم ولعله قد بلغكم قول نبيكم الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة ثم قال فان كنتم في شك من هذا أفتشكون في أني ابن بنت نبيكم فوالله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري فيكم ولا في غيركم ويحكم أتطلبوني بقتيل منكم قتلته أو مال لكم استهلكته أو بقصاص من جراحة فأخذوا لا يكلمونه (فنادى) يا شبث بن ربعي ويا حجار بن أبجر ويا قيس بن الأشعث ويا يزيد بن الحارث ألم تكتبوا الي أن قد أينعت الثمار واخضرت الجنان وانما تقدم على جند لك مجند فقال له قيس بن الأشعث ما ندري ما تقول ولكن انزل على حكم بني عمك فانهم لن يروك الا ما تحب (فقال) الحسين عليه السلام لا والله لا أعطيكم بيدي اعطاء الذليل ولا أقر لكم اقرار العبيد .
بابي أبي الضيم لا يعطي العدى حذر المنية منه فضل قياد

* * *

فأبى أن يعيش الا عزيزاً أو تجلى الكفاح وهو صريع
رمحه من بنانه وكأن من عزمـه حد السيف مطبوع

* * *

المجلس الحادي بعد المائتين

ذكر ابن أبي الحديد أن القول بتفضيل علي عليه السلام قول قديم قد قال به كثير من الصحابة والتابعين وعد من الصحابة خمسة عشر رجلا

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 155

(ثم قال) وكان من بني أمية قوم يقولون بذلك منهم خالد بن سعيد بن العاص وعمر بن عبد العزيز (قال) وأنا أذكر هنا الخبر المروي المشهور عن عمر بن عبد العزيز وهو من رواية ابن الكلبي قال بينا عمر بن عبد العزيز جالساً دخل حاجبه ومعه امرأة ورجلان متعلقان بها ومعهم كتاب من ميمون بن مهران الى عمر فيه : أما بعد فانه ورد علينا أمر ضاقت به الصدور وعجزت عنه الأوساع وهربنا بانفسنا عنه ووكلناه الى عالمه لقوله تعالى « ولو ردوه الى الرسول والى أولي الأمر » (الآية) وهذه المرأة والرجلان أحدهما زوجها والآخر أبوها وان أباها زعم أن زوجها حلف بطلاقها أن علي بن أبي طالب عليه السلام خير هذه الامة وأولاها برسول الله «ص» ويزعم أن ابنته طلقت منه والزوج يقول له كذبت وأثمت لقد بر قسمي وصدقت مقالتي وانها امرأتي على رغم أنفك وغيظ قلبك فاجتمعوا الي يختصمون وتسامع الناس فاجتمعوا وقد علمت يا أمير المؤمنين اختلاف الناس في أهوائهم وتسرعهم الى ما فيه الفتنة فأحجمنا عن الحكم لتحكم فيما أراك الله وكتب في أسفل الكتاب :
اذا ما المشكلات وردن يوماً فحـارت في تاملها العـيون
وضاق القوم ذرعاً من نباها فأنـت لها أبا حفـص أمين
لأنك قـد حويت العـلم طراً وأحكمك التجارب والشؤون
وخلفك الالـه على الـرعايا فحظك فيـهم الحـظ الثمين

فجمع عمر بن عبد العزيز بني هاشم وبني أمية وأفخاذ قريش ثم قال لأبي المرأة ما تقول فقال هذا الرجل حلف بطلاق ابنتي كاذباً ثم أراد الاقامة معها فقال له عمر لعله لم يطلق امرأته فكيف حلف قال الشيخ الذي حلف عليه أبين كذبا من أن يختلج في صدري منه شك لأنه زعم أن

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 156

علياً خير هذه الأمة والا فامرأته طالق ثلاثا فقال للزوج أهكذا حلفت قال نعم فلما قال نعم كاد المجلس يرتج باهله وبنو أمية ينظرون اليه شزرا الا أنهم لم ينطقوا بشيء كل ينظر الى وجه عمر فأكب عمر ملياً ينكت الأرض بيده والقوم صامتون ينظرون ما يقوله ثم رفع رأسه وقال :
اذا ولي الحكومة بين قوم أصاب الحق والتمس السدادا
وما خير الأنام اذا تعدى خلاف الحق واجتنب الرشادا

ثم قال ما تقولون في يمين هذا الرجل فسكتوا فقال سبحان الله قولوا فقال رجل من بني أمية هذا حكم في فرج ولسنا نجترئ على القول فيه قال قل ما عندك فان القول ما لم يحق باطلا او يبطل حقاً جائز علي في مجلسي قال لا أقول شيئاً فالتفت الى رجل من ولد عقيل ابن ابي طالب فقال ما تقول يا عقيلي فاغتنمها فقال يا امير المؤمنين ان جعلت قولي حكما وحكمي جائزاً قلت والا فالسكوت اوسع لي وابقى للمودة قال قل وقولك حكم وحكمك ماض فقال بنو امية ما انصفتنا يا امير المؤمنين اذ جعلت الحكم الى غيرنا ونحن من لحمتك واولي رحمك فقال عمر اسكتوا عجزاً ولؤماً عرضت ذلك عليكم آنفاً فما انتدبتم له قالوا لأنك لم تعطنا ما اعطيت العقيلي فقال ان كان اصاب واخطاتم وحزم وعجزتم وابصر وعميتم فما ذنب عمر لا ابا لكم اتدرون ما مثلكم قالوا لا قال لكن العقيلي يدري ثم قال ما تقول قال مثلهم كما قال الأول :
دعيـتم الى امر فلما عجزتم تناولـه مـن لا يدخلـه عـجز
فلما رايتم ذاك ابدت نفوسكم نداماً وهل يغني من الحذر الحرز

فقال عمر احسنت واصبت فقل ما سالتك عنه قال يا امير المؤمنين

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 157

بر قسمه ولم تطلق امرأته قال وانى علمت ذلك قال نشدتك الله يا أمير المؤمنين ألم تعلم ان رسول الله «ص» قال لفاطمة عليها السلام وهو عندها في بيتها عائد لها يا بنية ما علتك قالت الوعك يا أبتاه وكان علي غائباً في بعض حوائج النبي «ص» فقال لها أتشتهين شيئاً قالت نعم أشتهي عنباً وأنا أعلم أنه عزيز وليس وقت عنب فقال «ص» ان الله قادر على أن يجيئنا به ثم قال اللهم ائتنا به مع أفضل أمتي عندك منزلة فطرق علي الباب ودخل ومعه مكتل قد القى عليه طرف ردائه فقال له النبي «ص» ما هذا يا علي قال عنب التمسته لفاطمة فقال الله اكبر الله اكبر اللهم كما سررتني بان خصصت علياً بدعوتي فاجعل فيه شفاءً بنيتي ثم قال كلي على اسم الله يا بنية فأكلت وما أن خرج رسول الله «ص» حتى استلقت وبرئت . فقال عمر صدقت وبررت أشهد لقد سمعته ووعيته يا رجل خذ بيد امرأتك فان عرض لك أبوها فاهشم أنفه ثم قال يا بني عبد مناف والله ما نجهل ما يعلم غيرنا ولا بنا عمى في ديننا ولكن كما قال الأول :
تـصيدت الدنيا رجـالاً بفخها فلم يدركوا خيراً بل استحقبوا شراً
وأعمـاهم حب الغنى وأصمهم فلم يدركوا الا الخـسارة والوزرا

قال فكانما القم بني أمية حجراً ومضى الرجل بامرأته (وعمر) بن عبد العزيز هو الذي رفع السب عن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام ورد فدكا الى أولاد فاطمة عليها السلام وقد كان بنو أمية جعلوا سبه فرضاً من الفروض الواجبة فكان يسب على جميع منابر الاسلام في أقطار الأرض في الأعياد والجماعات حتى رفعه عمر بن عبد العزيز في زمن خلافته وفي ذلك يقول الشريف الرضي رضي الله عنه :

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 158

يا ابن عبد العزيز لو بكت العيـ ـن فتى مـن أمية لبكـيتك
أنت نزهتـنا عن الـسب والشتـ ـم فلو أمكن الجزاء جزيتك

وبنو أمية قد دخلوا في الاسلام كرهاً وبقيت في نفوسهم أحقاد بدر ويوم الفتح بما قتله منهم بنو هاشم حين كان جدهم أبو سفيان يحارب رسول الله «ص» بكل جهد ويكيد الاسلام ما استطاع فلما كان يوم الفتح أظهر الاسلام ليحقن دمه وأسر النفاق وبقيت أحقاد بدر في نفسه ونفوس أبنائه وذريته حتى أظهرها يزيد يوم جيء اليه باسارى أهل بيت النبوة ومعهم رأس الحسين عليه السلام ورؤوس أصحابه وكان يزيد في منظرة على جيرون فأنشأ يقول :
لما بـدت تلك الحـمـول وأشرقت تلك الشموس على ربى جيرون
نعب الغراب فقلت صح او لا تصح فلقد قضيت من الغـريم ديوني

وغريمه هو رسول الله «ص» فقضى ديونه منه بقتل أولاده وذريته وسبي نسائه وأخذ بذلك ثاره في يوم بدر ولما أدخلت عليه الرؤوس والأسرى ووضع رأس الحسين عليه السلام بين يديه جعل يقول مظهراً للفرح والشماتة ومجاهراً بالكفر :
ليت اشيـاخي ببدر شهدوا جزع الخزرج من وقع الأسل
فأهـلوا واسـتهلوا فـرحاً ثم قالوا يـا يزيـد لا تـشل
قد قتلنا القـرم من ساداتهم وعـدلـناه بـبدر فاعتـدل
لعبت هـاشم بالـملك فـلا خـبر جاء ولا وحـي نـزل
لست من خندف ان لم أنتقم من بني أحـمد ما كان فعـل

* * *

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 159

الا يا ابن هند لا سقـى الله تربة ثويت بمثواها ولا اخضر عودها
أتسـلب أثـواب الخلافة هاشماً وتطردها عنها وأنـت طـريدها
المجلس الثاني بعد المائتين (1)

قال الله تعالى في سورة الأحزاب : «يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم اذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها وكان الله بما تعملون بصيراً اذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم واذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا هنالك ابتلي المؤمنون ما وعدنا الله ورسوله الا غرورا » الى قوله تعالى «ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهما الا ايمانا وتسليما من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين ان شاء او يتوب عليهم ان الله كان غفوراً رحيما ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قوياً عزيزاً» نزلت هذه الآية في وقعة الأحزاب وتسمى وقعة الخندق وكانت سنة خمس من الهجرة وسببها انه كان بنواحي المدينة ثلاثة بطون من اليهود وأصلهم من يهود فلسطين

(1) وقعة الأحزاب تقدمت في الجزء الثاني واعدناها لزيادات لم تذكر هناك .
ـ المؤلف ـ
المجالس السنية ـ الجزء الثالث 160

الذين جاؤوا الى الحجاز وهم بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة وكان بينهم وبين النبي «ص» معاهدة ومهادنة فنقصوا العهد جميعهم واول من نقضه بنو قينقاع فنفاهم الى اذرعات ثم نقضه بنو النضير ارادوا ان يلقوا صخرة على النبي «ص» من فوق سطح فأخبره جبرائيل بذلك فقام ثم قال لهم اخرجوا من بلادي ولا تساكنوني فامتنعوا فحاصرهم وجاء رجل من شجعانهم ليلا ليغتال النبي «ص» ومعه تسعة انفس فقتله علي «ع» وهربت التسعة فأخذ علي معه جماعة ولحقوهم فقتلوهم فعند ذلك استولى الخوف على بني النضير فطلبوا من النبي «ص» ان يسمح لهم بالخروج فسمح لهم على ان يأخذوا من اموالهم ما امكنهم حمله عدا السلاح وخرجوا الى خيبر وبعد وقعة احد جاء جماعة من رؤساء بني النضير منهم حي بن اخطب الى مكة فهيجوا قريشاً على محاربة النبي «ص» فقال لهم ابو سفيان مرحباً واهلا احب الناس الينا من اعاننا على عداوة محمد وارسلوا الى قبائل من العرب فوافقتهم على ذلك وارسل ابو سفيان حيي بن اخطب رئيس بني النضير الى كعب ابن اسد رئيس بني قريظة لينقض العهد فابى وقال مارايت من محمد الا صدقا و وفاء فراوده حي كثيرا حتى قبل ومزق العهد وبلغ ذلك النبي «ص» فجاء نعيم بن مسعود وهو من غطفان الى النبي «ص» فقال اني أسلمت ولم يعلم بي قومي فمرني بما تريد فقال خذل عنا فان الحرب خدعة فجاء الى بني قريظة وكانوا ندماءه في الجاهلية فقال : قد عرفتم حبي لكم قالوا لست عندنا بمتهم قال قد ضاهرتم قريشاً على حرب محمد ولستم مثلهم أنتم أهل هذه البلاد وهم غرباء فان غلبهم محمد ذهبوا الى بلادهم وتركوكم فلا تحاربوا معهم حتى يعطوكم رهينة وجاء الى قريش وقال بلغني ان قريظة ندموا وبعثوا الى محمد هل يرضيك ان ناخذ

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 161

رجالا من قريش وندفعهم اليك فتقتلهم فان طلب قريظة رهنا فلا تعطوهم فلما طلبت قريظة منهم الرهن قالوا صدق نعيم ولم يعطوهم فقالت قريظة الذي قال نعيم حق فلم تحارب معهم واجتمعت قريش ومن تحزب معها من قبائل العرب واليهود فكانوا عشرة آلاف وقصدوا المدينة كما قال الله تعالى «اذ جاؤوكم من فوقكم ومن اسفل منكم» فبلغ خبرهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأخبر الناس وندبهم وشاورهم فأشار سلمان الفارسي بحفر خندق حول المدينة فأعجب ذلك المسلمين وقسمه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين كل عشرة أربعين ذراعاً فاحتق المهاجرون والأنصار في سلمان (أي اختصموا) كل يقول مناً فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سلمان منا أهل البيت وجعلوا يحفرون الخندق مستعجلين حتى اتموه في ستة ايام او أكثر وجاء الأحزاب ونزلوا بجانب الخندق وخرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ثلاثة آلاف فضرب معسكره إلى سفح سلع وهو جبل فوق المدينة وجعل سلعاً خلف ظهره والخندق بينه و بين القوم ولم يكن الخندق محيطاً بالمدينة من جميع جوانبها بل كان الجانب الذي من ناحية سلع مشبكا بالبنيان لا يستطيع العدو ان يأتي منه وإنما حفر الخندق من الجانب الذي هو غير محصن .
وعظم البلاء واشتد الخوف وساءت الظنون وهو قوله تعالى «وإذ زاعت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا» ونجم النفاق حتى قال بعض المنافقين كان محمد يعدنا كنوز كسرى وقيصر وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه ان يذهب إلى الغائط وهو قوله تعالى : «واذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله الا غرورا ولما رأى المؤمنون الاحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله»

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 162

وايقنوا بالنصر «وما زادهم» ما رأوا من البلاء «الا ايمانا» بالله «وتسليما» لقضائه . «من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه» بأنهم اذا لقوا حربا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثبتوا وقاتلوا حتى يقتلوا أو ينتصروا «فمنهم من قضى نحبه» عن ابن عباس هو حمزة ومن قتل معه «ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا» عن علي «ع» فينا نزلت وانا والله المنتظر وما بدلت تبديلا . ولما اشتد البلاء ورآى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ضعف قلوب الاكثرين بعث الى عبينة بن حصن والى الحارث بن عوف وهما قائدا غطفان فأعطاهما ثلث ثمار المدينة على ان يرجعا بمن معهما وبعث الى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فأخبرهما فقالا يا رسول الله شيء امرك الله به لا بدلنا منه ام شيء تصنعه لنا فقال بل شيء أصنعه لكم فقال سعد بن معاذ قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك وعبادة الاوثان وهم لا يطمعون ان يأكلوا منا ثمرة الا قرى أو بيعاً افحين أكرمنا الله بالاسلام واعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا والله لا نعطيهم الا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم . وأقام المسلمون بضعا وعشرين ليلة وعدوهم محاصرهم ليس بينهم قتال الا الترامي بالنبل والحجارة . وجاء فوارس من قريش منهم عمرو بن عبدود وعكرمة بن ابي جهل ونوفل بن عبد الله وهبيرة بن ابي وهب المخزوميان وضرار بن الخطاب الفهري فأقبلوا تعنق بهم خيلهم حتى وقفوا على الخندق فصاروا الى مكان ضيق منه فضربوا خيلهم فاقتحمت منه فجالت بهم بين الخندق وسلع قال الطبري وابن هشام وغيرهما وخرج علي بن ابي طالب «ع» في نفر معهم من المسلمين حتى أخذ عليهم الثغرة التي اقحموا خيلهم منها . وذلك انهم لما عبروا الخندق بادر علي فرابط عند الثغرة التي اقحموا خيلهم منها ليمنع من يريد عبور الخندق من ذلك المكان فانه لم يكن في الحسبان ان المشركين

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 163

يعبرون الخندق فلما رأوهم عبروه على حين غفلة بادر علي بمن معه ليمنعوا غيرهم وليقاتلوهم اذا أرادوا الرجوع وهذه منقبة انفرد بها علي «ع» في هذه الغزاة بمبادرته لحماية الثغرة دون غيره حين بدههم هذا الامر الذي لم يكن في الحسبان وعلموا ان هؤلاء الذين اقتحموا الخندق بخيولهم واقدموا على ما كان يخال انه ليس بممكن هم من اشجع الشجعان قال ابن هشام والطبري وقد كان عمرو بن عبدود قاتل يوم بدر حتى اثبتته الجراحة فلم يشهد أحداً فلما كان يوم الخندق خرج معلما ليرى مكانه قال صاحب السيرة الحلبية فقال عمرو من يبارز فقام علي وقال انه له يا نبي الله ـ والظاهر ان علياً لما سمع عمراً يطلب المبارزة ترك مكانه من الثغرة التي كان يحرسها وابقى بها بعض اصحابه وجاء الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقام بين يديه وقال انا له يا نبي الله فانه لم يكن ليبارزه بغير اذنه ـ فقال النبي (ص) اجلس انه عمرو ثم كرر النداء وجعل يوبخ المسلمين ويقول اين جنتكم التي تزعمون ان من قتل منكم دخلها أفلا يبرز الي رجل وقال :
لقـد بححت مـن الندا ء بجمعكم هل مـن مبارز
انـي كـذلك لـم أزل متـسرعـا نحو الـهزاهز
ان الشجـاعة في الفتى والجود مـن خير الغـرائز


فقام علي وهو مقنع في الحديد فقال أنا له يا رسول الله فقال اجلس انه عمرو ثم نادى الثالثة فقام علي فقال انا له يا رسول الله فقال انه عمرو فقال وان كان عمراً فأذن له وأعطاه سيفه ذا الفقار والبسه درعه وعممه بعمامته وقال اللهم أعنه عليه فبرز اليه علي وهو يقول :
لا تعجلن فقد اتا ك مجيب صوتك غير عاجز

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 164

ذو نيـة وبصـيـرة والصـدق منجى كل فائز
إني لارجـو ان اقيـ ـم عليـك نائحة الجنائز
من ضربة نجلاء يبـ ـقى صيتها بعد الهزاهز

فقال له عمرو من أنت قال أنا علي قال ابن من قال ابن عبد مناف أنا علي بن ابي طالب فقال غيرك يا ابن أخي من أعمامك من هو أشد منك فانصرف فاني أكره أن أهريق دمك فان اباك كان لي صديقاً وكنت له نديما وانما قال هذا خوفاً منه فانه كان قد عرف قتلاه ببدر وأحد وعلم انه ان ناهضه قتله علي فاستحيا ان يظهر الفشل فأظهر الابقاء والارغاء وانه لكاذب كما حكاه ابن ابي الحديد عن شيخه ابي الخير ـ فقال علي لكني والله ما أكره ان اهريق دمك وقال له علي انك كنت تقول لا يدعوني أحد الى واحدة من ثلاث الا قبلتها قال أجل فدعاه الى الاسلام فقال أخرعني هذه قال وأخرى ترجع الى بلادك فان يك محمد صادقاً كنت أسعد الناس به وان يك كاذباً كان الذي تريد قال هذا ما لا تتحدث به نساء قريش أبداً كيف وقد قدرت على استيفاء ما نذرت ، فانه نذر لما افلت هاربا يوم بدر وقد جرح ان لا يمس رأسه دهناً حتى يقتل محمداً قال فالثالثة قال البراز قال هذه خصلة ما كنت أظن ان أحداً من العرب يخوفني بها ولم يا ابن أخي فوالله ما احب ان اقتلك فقال علي ولكني والله احب ان اقتلك وقال له علي كيف اقاتلك وانت فارس فاقتحم عن فرسه وضرب وجهه وسل سيفه كأنه شعلة نار واقبل على علي فتنازلا وتجاولا فاستقبله علي بدرقته فضربه عمرو فيها فقدها وأثبت فيها السيف وأصاب رأسه فشجه فضربه علي على حبل عاتقه فسقط وكان جابر بن عبد الله الأنصاري قد تبع علياً لينظر ما يكون منه ومن عمرو قال فثارث غبرة فما رأيتهما

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 165

فسمعت التكبير تحتها فعلمت ان علياً قد قتله . وكان مع عمرو ابنه حسل فقتله علي «ع» . ولما قتل عمرو فر الاربعة الذين كانوا معه حتى اقتحمت خيلهم الخندق وتوطرت بنوفل فرسه فنزل اليه علي فقتله ضربه بالسيف فقطعه نصفين ولحق هبيرة فأعجزه وضرب قربوس سرجه فسقطت درع له كان قد احتقبها وفر عكرمة وضرار وانهزم المشركون بقتل عمرو ونوفل وذلك قوله تعالى «ورد الل الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً وكفى الله المؤمنين القتال» كفاهم ذلك بعلي وعن ابن مسعود انه كان يقرأ وكفى الله المؤمنين القتال بعلي . قال جابر فما شبهت قتل علي عمراً الا بما قص الله من قصة قتل داود جالوت حيث يقول الله جل شأنه «فهزموهم باذن الله وقتل داود جالوت» وأقبل علي برأس عمرو ووجهه يتهلل فألقاه بين يدي النبي (ص) فقال له عمر هلا سلبته يا علي درعه فانه ليس في العرب درع مثلها فقال اني استحييت أن أكشف سوأة ابن عمي ورجع علي الى مقامه الأول يحمي الثغرة التي عبر منها عمرو واصحابه وهو يقول :
نصر الحجارة من سفاهة رأيه ونصرت دين محمد بصواب
فضـربتـه فـتركته متجـدلا كالجذع بيـن دكادك وروابي
وعففـت عـن اثوابه ولو انني كنت المجدل بزنـي أثـوابي
لا تحسـبن الله خـاذل ديـنه ونبيه يـا معـشر الاحـزاب

وروى المفيد في الارشاد وابن أبي الحديد في شرح النهج بالاسناد عن ربيعة السعدي قال أتيت حذيفة بن اليمان فقلت له يا أبا عبد الله إنا لنتحدث عن علي ومناقبه فيقول لنا أهل البصرة انكم لتفرطون في علي فهل أنت محدثي بحديث فيه فقال حذيفة يا ربيعة وما تسألني عن علي

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 166

فوالذي نفسي بيده لو وضع أعمال جميع أصحاب محمد في كفة الميزان منذ بعث الله محمداً الى يوم الناس هذا ووضع عمل واحد من أعمال علي في الكفة الاخرى لرجح عمل علي على جميع أعمالهم فقال ربيعة هذا الذي لا يقام له ولا يقعد ولا يحمل فقال حذيفة يا لكع وكيف لا يحمل وأين كان حذيفة وجميع أصحاب محمد يوم عمرو بن عبدود و قد دعا الى المبارزة فأحجم الناس كلهم ما خلا علياً فانه برز اليه وقتله الله على يده والذي نفس حذيفة بيده لعمله ذلك أعظم أجراً من أعمال أمة محمد الى يوم القيامة . وقال ابن ابي الحديد وان خرجته الى عمرو يوم الخندق أجل من أن يقال جليلة وأعظم من ان يقال عظيمة وما هي الا كما قال ابو الهذيل وقد سأله سائل ايما أعظم منزلة عند الله علي ام غيره فقال يا ابن أخي والله لمبارزة علي عمراً يوم الخندق تعدل أعمال المهاجرين والانصار وطاعتهم وتربي عليها فضلا عن رجل واحد . وروى الحاكم في المستدرك بسنده ان النبي (ص) قال لمبارزة علي بن أبي طالب لعمرو ابن عبدود يوم الخندق افضل من اعمال امتي الى يوم القيامة . وفي رواية عن النبي (ص) انه قال قتل علي لعمرو بن عبدود أفضل من عبادة الثقلين . وقال ابن تيمية على عادته المعروفة كيف يكون قتل كافر افضل من عبادة الثقلين الانس والجن ومنهم الانبياء بل ان عمرو بن عبدود هذا لم يعرف له ذكر الا في هذه الغزوة ورد عليه صاحب السيرة الحلبية بأن قتل هذا الكافر كان فيه نصرة للدين وخذلان للكافرين ورد صاحب السيرة الحلبية أيضاً على قوله انه لم يعرف له ذكر الا في هذه الغزوة بما روي من انه قاتل يوم بدر حتى اثبتته الجراحة ولم يشهد احدا فلما كان يوم الخندق خرج معلما ليرى مكانه وانه نذر ان لا يمس رأسه دهنا حتى يقتل محمداً . وروى الحاكم في المستدرك انه

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 167

كان ثالث قريش . (اقول) ويرده أيضاً انه كان معروفاً بفارس يليل اسم مكان كانت له فيه وقعة مشهورة وفي ذلك يقول مسافح الجمحي يرثي عمراً :
عمرو بن عبد كان أول فارس جزع (1) المذاد (2) وكان فاس يليل (3)

واقل نظرة يلقيها الأنسان على تلك الغزوة فيرى عشرة آلاف محاصرين للمدينة حنقين أشد الحنق على المسلمين وهم دون الثلث من عسكر المشركين بينهم عدد كبير من المنافقين وبنو قريظة الى جنبهم يخافون منهم على ذراريهم ونسائهم وما أصاب المسلمين من الخوف والهلع الذي اضطر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يصانع غطفان ليرجعوا عن معاونة قريش بثلث ثمار المدينة وتعظيم الله ذلك في القرآن بقوله تعالى «واذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً» ووقوف عمرو ينادي بالمسلمين ويقرعهم ويوبخهم ويطلب منهم المبارزة ولا يجيبه أحد الا علي وهم ثلاثة آلاف فيقتل عمراً وينهزم المشركون بقتله ويرتفع البلاء وياتي الفرج بتلك الضربة . أقل نظرة يلقيها الانسان على تلك الحال توصله الى اليقين بان ضربة علي يومئذ أفضل من عبادة الجن والانس والملائكة وملايين من العوالم أمثالهم لو كانت سواء أجاء الحديث بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أم لم يجيء ومتى احتاج النهار الى دليل ولو لا تلك الضربة لما عبد الله بل عبدت الأوثان وانمحى أثر الايمان . قال ابن هشام والطبري وبعث الله على المشركين الريح في ليال شاتية شديدة البرد فجعلت تكفأ

(1) بالجيم والزاي والعين المهملة بمعنى اجتاز .
(2) المذاد موضع الخندق .
(3) يليل كجعفر موضع كانت له وقعة فيه .
ـ المؤلف ـ
المجالس السنية ـ الجزء الثالث 168

قدورهم وتطرح أبنيتهم وذلك قوله تعالى : «يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم اذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها» وهي الملائكة فارتحلت قريش وجعت غطفان الى بلادها ولما كان الصباح انصرف رسول الله «ص» بالمسلمين عن الخندق راجعاً الى المدينة .
وقد افتخر جماعة من المشركين في أشعارهم التي رثوا بها عمرو بن عبدود بان قاتله علي بن أبي طالب منهم مسافح الجمحي قال :
فاذهب علي فما ظفرت بمثله فخراً فلا لاقيت مثل المعضل

وقال هبيرة بن أبي وهب وكان مع عمرو وهرب :
فلا تبعدن يا عمرو حياً وهالكا فقد بنت محمود الثنا ماجد الأصل
فمن لطراد الخيل تقـرع بالقنا وللفخر يوماً عند قرقـرة البـزل
فعنك علي لا أرى مثل موقف وقفت على نجد المقـدم كالفحـل
فما ظفرت كفاك فخـراً بمثله أمنت به ما عشت مـن زلة النعل

ومنهم أخته عمرة المكناة أم كلثوم فانه لما نعي اليها قالت من ذا الذي اجترأ عليه قالوا ابن أبي طالب فقالت لم يعد موته ان كان على يد كفو كريم لا رقأت دمعتي ان هرقتها عليه قتل الأقران وكانت منيته على يد كفو كريم من قومه ما سمعت بافخر من هذا يا بني عامر ثم أنشأت تقول :
لو كان قاتـل عمـرو غير قاتله لكنت أبكي عليـه آخر الأبـد
لكـن قاتـلـه من لا يعـاب به قد كان يدعى أبـوه بيضة البلد
من هاشم في ذراها وهي صاعدة الى السماء تميت الناس بالحسد
قوم أبـى الله الا ان يـكون لهم كرامة الديـن والدنيـا بلا لدد

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 169


وقالت أيضاً في قتل أخيها وذكر علي بن أبي طالب :
أسدان في ضيق المجال تصاولا وكلاهما كفو كـريم باسل
فاذهب علي فما ظفـرت بمثله قول سديد ليس فيه تحامل

وهكذا كانت العرب تفتخر اذا كان قتلها بيد الأشراف وتانف أن يكون قتلها بيد الأنذال الأرذال ولما أقيم حيي بن أخطب بين يدي علي عليه السلام ليقتل قال قتلة شريفة بيد شريف وكما هون على أم كلثوم أخت عمرو بن عبدود قتل أخيها كونه بيد شريف كفو كريم وهو علي بن أبي طالب فقد زاد في حزن أخوات الحسين زينب وأم كلثوم على أخيهما الحسين عليه السلام ان قتله كان على يد أولاد الأدعياء وعلى يد شمر بن ذي الجوشن الرذل النذل . ولما جاء الجواد الى المخيم وهو خالي السرج من راكبه وضعت أم كلثوم يدها على أم رأسها ونادت وا محمداه واجداه واعلياه واجعفراه واحمزتاه واحسناه هذا حسين بالعرا صريع بكربلا محزوز الرأس من القفا مسلوب العمامة والردا ثم غشي عليها . وجعلت زينب تنادي بصوت حزين وقلب كئيب يا محمداه صلى عليك مليك السما هذا حسينك مرمل بالدما مقطوع الاعضا وبناتك سبايا يامحمداه هذا حسين بالعرا تسفي عليه ريح الصبا قتيل أولاد البغايا بابي من لا غائب فيرتجى ولا جريح فيداوى بابي المهموم حتى قضى بابي العطشان حتى مضى بابي من شيبته تقطر بالدما .
أدهى المصائب في القلوب فجيعة قتل الكرام على يد الأنـذال
تبـاً لـدهر مكـنـت أحـداثـه كف الثعالب من أبي الأشبال

* * *


السابق السابق الفهرس التالي التالي