في غاية المرام عن ابن المغازلي الشافعي في المناقب بعدة طرق عن جابر بن عبد الله الأنصاري قل أخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعضد علي عليه السلام وقال هذا أمير البررة وقاتل الكفرة أو الفجرة منصور من نصره مخذول من خذله ثم مد بها صوته (أو قال) مد بصوته فقال أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد العلم أو فمن أراد المدينة فاليأت الباب (وفي رواية) أنا مدينة وعلي بابها ولا تؤتى البيوت الا من أبوابها (وفي رواية) يا علي أنا مدينة العلم وأنت الباب كذب من زعم أنه يصل الى المدينة إلا من الباب وفي ذلك يقول الصفي الحلي رحمه الله تعالى :
مدينة علم وابن عمك بابها
فمن غير ذلك الباب لم يؤت سورها
(وفي غاية المرام) عن مسند أحمد بن حنبل بسنده عن زيد بن أرقم قال : كان لنفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ابواب شارعة في المسجد فقال يوماً سدوا هذه الأبواب الا باب علي فتكلم في ذلك أناس فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فاني أمرت بسد هذه الأبواب غير باب علي فقال فيه قائلكم والله ما سددت شيئاً ولا فتحتة ولكني أمرت بشيء فاتبعته (وفي رواية) ابن المغازلي الشافعي فأتاه العباس فقال يا رسول الله سددت أبوابنا وتركت باب علي قال ما أنا فتحتها ولا أنا سددتها (وروى) ابن المغازلي الشافعي بسنده عن سعد بن أبي وقاص قال كانت لعلي مناقب لم تكن لأحد كان يبيت في المسجد وأعطاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم الراية يوم خيبر وسد الأبواب كلها الا باب علي (وجاء) في عدة روايات عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال يا علي أنت
المجالس السنية ـ الجزء الثالث
135
قسيم النار تقول هذا لي وهذا لك (وفي رواية) أنك قسيم الجنة والنار وفي ذلك يقول الشاعر :
علـي حـبـه جنـة
قسيم النار والجنة
وصي المصطفى حقاً
اما الانس والجنة
(وفي غاية المرام) عن موفق بن أحمد عن النبي (ص) انه قال لعلي عليه السلام أنا أول من تنشق الأرض عنه يوم القيامة وأنت معي ومعي لواء الحمد وهو بيدك تسير به أمامي وتسبق به الاولين والآخرين (وفيه) عن الزمخشري في الفائق أن النبي (ص) قال لعلي عليه السلام أنت الذائد عن حوضي يوم القيامة تذود عنه الرجال كما يذاد البعير الصاد أي الذي به الصيد وهو داء يلوي العنق (ولهذا) لما ضيق أهل الكوفة على الحسين عليه السلام يوم كربلا ومنعوه من الماء حتى نال العطش منه ومن أصحابه قام متوكئاً على قائم سيفه وذكرهم بفضائله فاعترفوا بها فقال لهم فبم تستحلون دمي وأبي الذائد عن الحوض يذود عنه رجالاً كما يذاد البعير الصاد عن الماء ولواء الحمد في يد أبي يوم القيامة قالوا قد علمنا ذلك كله ونحن غير تاركيك حتى تذوق الموت عطشاً .
قست القلـوب فلـم تمل لهداية
تبأ لهاتيك القلـوب القاسية
ما ذاق طعم فراتهم حتى قضى
عطشاً وغسل بالدماء القانية
* * *
المجالس السنية ـ الجزء الثالث
136
المجلس الرابع والتسعون بعد المائة
في غاية المرام عن مسند أحمد بن حنبل بسنده عن سفينة مولى رسول الله (ص) قال أهدت امرأة من الأنصار الى رسول الله (ص) طيرين من بين رغيفين فقال رسول الله (ص) اللهم ائتني باحب خلقك اليك والى رسولك فجاء علي فرفع صوته فقال رسول الله (ص) من هذا فقلت علي قال فافتح له ففتحت له فأكل مع النبي (ص) من الطيرين حتى كفيا (وفي غاية المرام) عن ابن المغازلي الشافعي في المناقب بسنده عن أنس بن مالك قال أهدي إلى النبي (ص) نحامة (1) فقال الله ابعث إلي أحب خلقك اليك وإلى نبيك ياكل معنا هذه المائدة قال فأتى علي فقال استأذن لي على رسول الله (ص) فقلت النبي عنك مشغول فرجع علي ولم يلبث ان جاء فقال استأذن لي على رسول الله (ص) فقلت النبي عنك مشغول فرجع علي ولم يلبث ان جاء فهممت أن أقول مثل قولي الأول والثاني فسمع رسول الله (ص) من داخل الحجرة كلام علي فقال ادخل يا أبا الحسن ما الذي أبطأ بك عني قال قد جئت يا رسول الله مرتين وهذه الثالثة كل ذلك يردني أنس يقول النبي عنك مشغول فقال يا أنس ما حملك على هذا فقلت يا رسول الله سمعت الدعوة فأحببت أن يكون رجلا من قومي فقال النبي (ص) كل يحب قومه يا أنس (وروي) حديث الطائر المشوي في غاية المرام أيضاً عن سنن
(1) النحام كغراب طائر كالأوز وغلظ الجوهري في فتحه وشده كذا في القاموس .
ـ المؤلف ـ
المجالس السنية ـ الجزء الثالث
137
أبي داود وموفق بن أحمد الحموئي والسمعاني وغيرهم بطرق كثيرة تبلغ الستة وثلاثين طريقاً كلها من طرق أهل السنة ورواه بثمانية طرق من طرق أهل الشيعة خاصة وقال الصاحب بن عباد رحمه الله تعالى :
يا أميـر المؤمنين المرتضى
ان قلـبـي عندكـم قـد وقفا
من كمـولاي علـي زاهـد
طلق الـدنيـا ثـلاثـا ووفى
من دعي للطيـر كي يأكلـه
ولنا في بعض هـذا مكتـفـى
من وصي المصطفى عندكم
فوصي المصطفى من يصطفى
وفضائل أمير المؤمنين عليه السلام ومناقبه لا يحيط بها الحصر (وقد) احتج الحسين عليه السلام على أهل الكوفة يوم كربلا بفضائل أبيه أمير المؤمنين عليه السلام في جملة ما احتج به فقال الست ابن بنت وصيكم وابن وصيه وابن عمه وأول المؤمنين به والمصدقين برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبما جاء به من عند ربه (وقال) في مقام آخر أنشدكم الله هل تعلمون ان علياً كان أول القوم اسلاماً وأعلمهم علماً وأعظمهم حلماً وأنه ولي كل مؤمن ومؤمنة قالوا اللهم نعم قال فبم تستحلون دمي وأبي الذائد عن الحوض يذود عنه رجالاً كما يذاد البعير الصادر (1) عن الماء ولواء الحمد بيد أبي يوم القيامة قالوا قد علمنا ذلك كله ونحن غير تاركيك حتى تذوق الموت عطشاً .
قست القلـوب فلـم تمل لهداية
تباً لهاتيـك القلـوب القاسية
ما ذاق طعم فراتهم حتى قضى
عطشاً وغسل بالدماء القانية
* * *
(1) مر عن الزمخشري أنه الصاد ووجدناه الصادر وله وجه صحة فأبقيناه .
ـ المؤلف ـ
المجالس السنية ـ الجزء الثالث
138
المجلس الخامس والتسعون بعد المائة
قال الله تعالى في سورة المائدة «انما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون» . « ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فان حزب الله هم الغالبون» اتفق المفسرون على أنها نزلت في حق علي بن أبي طالب عليه السلام حين مر سائل وهو راكع في المسجد فأعطاه خاتمه (روي) في الجمع بين الصحاح الستة من صحيح النسائي عن ابن سلام قال أتينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقلنا ان قومنا حادونا لما صدقنا الله ورسوله وأقسموا أن لا يكلمونا فأنزل الله تعالى «انما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون» الآية ثم أذن بلال لصلاة الظهر فقام الناس يصلون فمن بين ساجد وراكع وسائل اذ سائل يسأل فأعطاه علي خاتمه وهو راكع فأخبر السائل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم« انما وليكم الله ورسوله » الى آخر الآية (وروى) الثعلبي في تفسيره بسنده ان أبا ذر رضي الله عنه قال ايها الناس من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا جندب بن جنادة البدري أبو ذر الغفاري سمعت رسول الله (ص) بهاتين والا صمتا ورأيته بهاتين والا فعميتا يقول علي قائد البررة وقاتل الكفرة منصور من نصره مخذول من خذله أما اني صليت مع رسول الله (ص) يوماً من الأيام صلاة الظهر فسأل سائل في المسجد فلم يعطه احد فرفع السائل يده الى السماء وقال اللهم اشهد أني سألت في مسجد رسول الله (ص) فلم يعطني أحد شيئاً وكان علي راكعاً فأومأ اليه بخنصره اليمنى وكان يتختم فيها فاقبل السائل حتى أخذ الخاتم من
المجالس السنية ـ الجزء الثالث
139
خنصره وذلك بعين النبي (ص) فلما فرغ من صلاته رفع رأسه الى السماء وقال اللهم موسى سألك فقال«رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي واجعل لي وزيراً من أهلي هارون أخي أشدد به أزري واشركه في أمري» فانزلت عليه قرآناً ناطقاً «سنشد عضدك باخيك ونجعل لكما سلطاناً فلا يصلون اليكما باياتنا» اللهم وأنا محمد نبيك وصفيك اللهم فاشرح لي صدري ويسر لي أمري واجعل لي وزيراً علياً اشدد به ظهري قال أبوذر فما استتم رسول الله (ص) الكلمة حتى نزل جبرائيل عليه السلام من عند الله تعالى فقال يا محمد (ص) قال ما أقرأ «انما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون».
وكما جاد أمير المؤمنين عليه السلام بخاتمه في صلاته جاد ولده الحسين عليه السلام بخاتمه بعد قتله وذلك لما أقبل القوم على سلب الحسين عليه فاخذ خاتمه بجدل بن سليم الكلبي ولكن فرق عظيم بين المقامين فامير المؤمنين عليه السلام أشار الى السائل وهو في صلاته أن يأخذ الخاتم من يده فأخذه وأما الحسين عليه السلام فجاء بجدل بن سليم الكلبي ليسلبه بعد قتله مع الذين جاؤوا الى سلبه فوجد الخاتم في يده وقد جمدت عليه الدماء فلم يستطع نزعه من يده الشريفة فقطع اصبعه مع الخاتم .
ومبدد الأوصال الزم حزنه
شمل الكمال فلازم التبديدا
ومجرح ما غيرت منه القنا
حسناً وما أخلقن منه جديدا
* * *
المجالس السنية ـ الجزء الثالث
140
المجلس السادس والتسعون بعد المائة
في غاية المرام عن مسند أحمد بن حنبل بسنده ان النبي «ص» آخى بين الناس وترك علياً فقال يا رسول الله آخيت بين الناس وتركتني قال ولمن تراني تركتك انما تركتك لنفسي أنت أخي وأنا أخوك فان فاخرك أحد فقل أنا عبد الله أخو رسول الله لا يدعيها أحد غيرك الا كذاب (وفيه) عن مسند أحمد بن حنبل أيضاً وذكر مؤاخاة رسول الله «ص» بين الصحابة فقال علي عليه السلام للنبي(ص) لقد ذهبت روحي وانقطع ظهري حين رأيتك فعلت باصحابك ما فعلت غيري فان كان هذا من سخط منك فلك العتبى والكرامة فقال رسول الله «ص» والذي بعثني بالحق نبيا ما اخرتك الا لنفسي فانت مني بمنزلة هرون من موسى الا انه لا نبي بعدي وانت اخي ووارثي قال وما ارث منك يا رسول الله قال ما ورث الأنبياء قبلي قال ما ورث الأنبياء قبلك قال كتاب الله وسنة نبيهم وأنت معي في الجنة وأنت أخي ورفيقي ثم تلا رسول الله «ص» «اخوانا على سرر متقابلين» المتحابون في الله ينظر بعضهم الى بعض وقال صفي الدين الحلي رحمه الله :
أنت سر النبي والصنو وابن الـ
ـعم والصهر والأخ المستجاد
لـو رأى مثـلك النـبي لآخـا
ه والا فـاخـطا الانـتـقـاد
وعن جابر بن عبد الله قال سمعت علياً ينشد رسول الله «ص» شعراً :
انا اخو المصطفى لا شك في نسبي
ربيت معه وسبطاه هما ولدي
جـدي وجـد رسـول الله منفـرد
وفاطم زوجتي لا قول ذي فند
المجالس السنية ـ الجزء الثالث
141
صدقته وجميع الناس في بهم
من الضلالة والاشراك في نكد
فالحمد لله شكراً لا شريك له
الـبر بالعبد والباقـي بـلا امد
ولما بات علي عليه السلام على فراش رسول الله «ص» ليلة الغار اوحى الله عزوجل الى جبرائيل وميكائيل اني قد آخيت بينكما وجعلت عمر أحدكما أطول من عمر صاحبه فايكما يؤثر أخاه فكلاهما كره الموت فاوحى الله اليهما عبدي الا كنتما مثل ولي علي بن أبي طالب آخيت بينه وبين نبيي فآثره بالحياة على نفسه ثم رقد على فراشه يفديه بمهجته اهبطا الى الأرض فاحفظاه من عدوه فهبط جبرائيل فجلس عند راسه وميكائيل عند رجليه وجعل جبرائيل يقول بخ بخ من مثلك يا ابن ابي طالب والله عزوجل يباهي بك الملائكة (ودرجة) الاخوة درجة عظيمة ومنزلتها منزلة رفيعة ولهذا لما بعث الحسين عليه السلام ابن عمه مسلم بن عقيل الى اهل الكوفة كتب اليهم معه : وانا باعث اليكم اخي وابن عمي وثقتي من اهل بيتي مسلم بن عقيل وقد قام مسلم باعباء هذه الأخوة وحقق ظن الحسين عليه السلام فيه ولما خذله اهل الكوفة وتفرقوا عنه وارسل اليه ابن زياد سبعين رجلا مع محمد بن الأشعث وسمع مسلم وقع حوافر الخيل واصوات الرجال علم انه قد اتي فخرج اليهم بسيفه واقتحموا عليه الدار فشد عليهم يضربهم بسيفه حتى اخرجهم من الدار ثم عادوا اليه فشد عليهم كذلك فاخرجهم مراراً وقتل منهم جماعة فلما راوا ذلك اشرفوا عليه من فوق البيت يرمونه بالحجارة ويلهبون النار في القصب ويرمونها عليه فخرج عليهم مصلتاً سيفه في السكة وهو يقول :
اقسمت لا اقتل الا حرا
وان رايت الموت شيئاً نكرا
وتكاثروا عليه بعدما اثخن بالجراح فطعنه رجل من خلفه فخر الى
المجالس السنية ـ الجزء الثالث
142
الأرض فاخذ اسيراً فقال ابن زياد اصعدوا به فوق القصر فاضربوا عنقه ثم اتبعوه جسده ففعل به ذلك فلما بلغ خبره الى الحسين عليه السلام استعبر باكياً ثم قال رحم الله مسلماً فلقد صار الى روح الله وريحانه وتحيته ورضوانه اما انه قد قضى ما عليه وبقي ما علينا .
يا مسلم بن عقيل لا اغب ثرى
ضريحك المزن هطـالاً وهتانا
بذلت نفسك في مرضاة خالقها
حتى قضيت بسيف البغي ظمآنا
* * *
المجلس السابع والتسعون بعد المائة
لما بويع أمير المؤمنين عليه السلام بالخلافة خرج الى المسجد متعمما بعمامة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لابساً بردة رسول الله منتعلا نعل رسول الله متقلداً سيف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فصعد المنبر فجلس عليه متمكناً ثم شبك بين أصابعه فوضعها أسفل بطنه ثم قال يا معشر الناس سلوني قبل ان تفقدوني هذا سفط العلم هذا لعاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذا مازقني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زقاً سلوني فان عندي علم الأولين والآخرين أما والله لو ثنيت لي الوسادة (أو لو ثنيت لي وسادة) وجلست عليها لأفتيت أهل التوراة بتوراتهم وأهل الانجيل بانجيلهم وأهل القرآن بقرآنهم حتى ينطق كل واحد من هذه الكتب فيقول صدق علي ما كذب لقد أفتاكم بما أنزل الله في وأنتم تتلون القرآن ليلا ونهاراً فهل فيكم أحد يعلم ما أنزل الله فيه ولولا آية في كتاب الله عزوجل لأخبرتكم بما كان وبما يكون وبما هو كائن الى يوم القيامة وهي هذه الآية «يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده
المجالس السنية ـ الجزء الثالث
143
أم الكتاب» ثم قال سلوني قبل أن تفقدوني فو الذي فلق الحبة وبرأ النسمة لو سألتموني عن أية آية في ليل نزلت أو في نهار مكيها ومدنيها سفريها وحضريها ناسخها ومنسوخها محكمها ومتشابهها وتاويلها وتنزيلها لأخبرتكم (فقام) اليه رجل يقال له ذعلب وكان ذرب اللسان بليغاً في الخطب شجاع القلب فقال لقد ارتقى ابن أبي طالب مرقاة صعبة لأخجلنه اليوم لكم في مسألتي اياه فقال يا أمير المؤمنين هل رأيت ربك فقال ويلك يا ذعلب لم اكن بالذي اعبد ربا لم اره وقال كيف رايته صفه لنا قال ويلك لم تره العيون بمشاهدة الابصار ولكن رأته القلوب بحقائق الايمان ويلك يا ذعلب ان ربي لا يوصف بالبعد ولا بالقرب ولا بالحركة ولا بالسكون ولا بقيام قيام انتصاب ولا بجيئة وذهاب لطيف اللطافة لا يوصف باللطف عظيم العظمة لا يوصف بالعظم كبير الكبر لا يوصف بالكبر جليل الجلالة لا يوصف بالغلظ رؤوف الرحمة لا يوصف بالرقة مؤمن لا بعبادة مدرك لا بمحسة قائل لا بلفظ هو في الأشياء على غير ممازجة خارج عنها على غير مباينة فوق كل شي ولا يقال له فوق أمام كل شيء ولا يقال له أمام داخل في الأشياء لا كشيء في شيء داخل وخارج منها لا كشيء من شيء خارج فخر ذعلب مغشياً عليه (ثم) قال تالله ما سمعت بمثل هذا الجواب والله لاعدت الى مثلها ابدا ثم قال عليه السلام سلوني قبل أن تفقدوني فقام اليه رجل من أقصى المسجد متوكئاً على عكازه فلم يزل يتخطى الناس حتى دنا منه فقال يا أمير المؤمنين دلني على عمل اذا أنا عملته نجاني الله من النار فقال له إسمع يا هذا ثم افهم ثم استيقن قامت الدنيا بثلاثة بعالم ناطق مستعمل لعلمه وبغني لا يبخل بماله عن أهل دين الله عزوجل وبفقير صابر فاذا كتم العالم علمه وبخل الغني ولم يصبر الفقير فعندها الويل والثبور وعندها
المجالس السنية ـ الجزء الثالث
144
يعرف العارفون بالله أن الدار قد رجعت الى بدئها أي الى الكفر بعد الايمان أيها السائل لا تغترن بكثرة المساجد وجماعة أقوام أجسادهم مجتمعة وقلوبهم شتى ايها السائل انما الناس ثلاثة زاهد وراغب وصابر فأما الزاهد فلا يفرح بشيء من الدنيا أدركه ولا يحزن على شيء منها فاته وأما الصابر فيتمناها بقلبه فإن أدرك منها شيئاً صرف عنها نفسه لما يعلم من سوء عاقبتها وأما الراغب فلا يبالي من حل أصابها أم من حرام (قال) يا أمير المؤمنين فما علامة المؤمن في ذلك الزمان قال ينظر إلى ما أوجب الله عليه من حق فيتولاه وينظر إلى ما خالفه فيتبرأ منه وان كان حبيباً قريباً قال صدقت والله يا أمير المؤمنين .
* * *
المجلس الثامن والتسعون بعد المائة
وقال الأصبغ بن نباتة : اتى امير المؤمنين عليه السلام ومعه قنبر البزازين (1) فساوم غلاماً بثوبين فماكسه الغلام حتى اتفقا على سبعة دراهم ثوبا باربعة دراهم وثوبا بثلاثة دراهم وقال لقنبر اختر احد الثوبين فاختار الذي باربعة ولبس هو الذي بثلاثة وقال الحمد لله الذي رزقني ما اواري به عورتي واتجمل به في خلقه ثم اتى المسجد فكوم كومة من حصى فاستلقى عليها فجاء ابو الغلام فقال ان ابني لم يعرفك وهذان الدرهمان ربحهما فخذهما فقال عليه السلام ما كنت لأفعل فقد ماكسته وما كسني واتفقنا على رضا (وروي) ان امير المؤمنين عليه السلام اتى
(1) الكرابيس جمع كرباس بوزن مصباح وهو الخام الغليظ .
(2) جميل الصورة .
ـ المؤلف ـ
المجالس السنية ـ الجزء الثالث
146
به من كافة الأنام وخرق الله عزوجل به العادة في كل حين وزمان وهو من دلائله الواضحة (قال) ومن آيات الله تعالى فيه أنه مع طول ممارسته للحروب وكثرة من حاربه من الشجعان واحتيالهم عليه وبذلهم الجهد في الفتك به ما ولى أحداً منهم ظهره ولا تزحزح عن مكانه ولا هاب أحداً من أقرانه ولم يلق أحد سواه خصما له في حرب الا كان مرة يثبت له ومرة ينحرف عنه وتارة يقدم عليه وتارة يحجم عنه (قال) ومن آياته التي انفرد بها ظهور مناقبه في الخاصة والعامة مع كثرة المنحرفين عنه وتوفر الأسباب الى كتمان فضله وكون الدنيا في يد خصومه (وقد) استفاض عن الشعبي أنه كان يقول لقد كنت أسمع خطباء بني أمية يسبون أمير المؤمنين علي بن أبي طالب على منابرهم وكانما يشال الى السماء ويمدحون أسلافهم على منابرهم وكانهم يكشفون عن جيفة (وقال) الوليد بن عبد الملك لبنيه عليكم بالدين فاني لم أر الدين بنى شيئاً فهدمته الدنيا ورايت الدنيا قد بنت بنيانا فهدمه الدين مازلت أسمع أهلنا يسبون علي بن أبي طالب ويدفنون فضائله ويحملون الناس على شنآنه فلا يزيده ذلك في القلوب الا قربا ويجتهدون في تقريبهم من نفوس الخلق فلا يزيدهم ذلك من القلوب الا بعداً (قال المفيد) وفيما انتهى اليه الأمر من دفن فضائل أمير المؤمنين عليه السلام والحيلولة بين العلماء ونشرها ما لا شبهة فيه على عاقل حتى كان الرجل اذا أراد الرواية عنه لم يستطع أن يذكر اسمه فيقول حدثني رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو رجل من قريش ومنهم من يقول حدثني أبو زينب (وروى) عكرمة عن بعض أمهات المؤمنين حديثاً فيه فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم متوكئاً على رجلين من أهل بيته أحدهما الفضل بن العباس فحكى ذلك عكرمة لابن عباس فقال له أتعرف
المجالس السنية ـ الجزء الثالث
147
الرجل الآخر قال لا لم تسمه لي قال ذاك علي بن أبي طالب وما كانت أمنا تذكره بخير وهي تستطيع (وكانت) ولاة الجور تضرب بالسياط من ذكره بل تضرب الرقاب على ذلك وتحرض الناس على البراءة منه والعادة جارية أن من يتفق له ذلك لا يذكر بخير فضلا عن أن تذكر له مناقب (قال) ومن آيات الله تعالى فهي أنه لم يبتل أحد في ولده وذريته بمثل ما ابتلي به عليه السلام في ذريته وذلك أنه لم يعرف خوف شمل جماعة من ولد نبي ولا امام ولا ملك ولا بر ولا فاجر كالخوف الذي شمل ذرية أمير المؤمنين عليه السلام ولا لحق أحداً من القتل والطرد عن الأوطان والاخافة ما لحق ذريته وولده ولم يجر على طائفة من الناس من ضروب النكال ما جرى عليهم فقتلوا بالفتك والغيلة والاحتيال وبني على بشر منهم من البنيان وهم أحياء وعذبوا بالجوع والعطش حتى ماتوا وأحوجهم ذلك الى مفارقة الأوطان والتغرب في البلدان وكتمان نسبهم والاستخفاء حتى عن أحباؤهم وجانبهم الناس مخافة على أنفسهم وذراريهم من جبابرة الزمان وكل ذلك يوجب قلة عددهم وانقطاع نسلهم وهم مع ذلك أكثر ذرية أحد من الأنبياء والاولياء وسائر الناس وفي ذلك خرق للعادة (أقول) وكفى في ذلك ان بني أمية قد قتلوا في يوم كربلا من آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مع الحسين عليه السلام سبعة عشر رجلا وقتلوا جماعة من الأطفال وقتلوا مسلم بن عقيل بالكوفة ولم يبق منهم غير العليل زين العابدين وثلاثة أو أربعة من الصبيان وسموا الحسن وقتلوا زيد بن علي ويحيى ابن زيد وغيرهم من بني هاشم وقتل بن والعباس الكثيرين منهم وبنوا على بعضهم الحيطان وهدموا عليهم الحبوس وما زادهم الله بذلك الا بركة ونمواً .
المجالس السنية ـ الجزء الثالث
148
تتبعوكـم ورامـوا محو فضـلكم
وخيب الله من في ذلكم طمعا
أنى وفي الصلوات الخمس ذكركم
لدى التشهـد للتوحيد قد شفعا
* * *
المجلس التاسع والتسعون بعد المائة
قال علي عليه السلام لابنه الحسن عليه السلام لا تدعون الى مبارزة فان دعيت اليها فأجب فان الداعي اليها باغ مقتول (قيل) انه عليه السلام ما دعا الى مبارزة قط وإنما كان يدعى هو بعينه أو يدعى من يبارز فيخرج اليه فيقتله (دعا) بنو ربيعة بن عبد شمس بني هاشم الى البراز يوم بدر فخرج علي عليه السلام فقتل الوليد واشترك هو وحمزة في قتل عتبة بن ربيعة (ودعا) طلحة الى البراز يوم احد فخرج عليه السلام اليه فقتله و(دعا) مرحب الى البراز يوم خيبر فخرج عليه السلام اليه فقتله (ودعا) عمرو بن عبدود يوم الخندق الى البراز فخرج عليه السلام اليه فقتله (قال ابن أبي الحديد) وان خرجته الى عمرو يوم خندق أجل من أن يقال جليلة وأعظم من أن يقال عظيمة وما هي الا كما قال أبو الهذيل وقد سأله سائل أيما أعظم منزلة عند الله علي أم غيره فقال يا ابن أخي والله لمبارزة علي عمراً يوم الخندق تعدل أعمال المهاجرين والأنصار وطاعاتهم وتربي عليها فضلا عن رجل واحد (وروي) عن ربيعة بن مالك قال أتيت حذيفة بن اليمان فقلت يا أبا عبد الله ان الناس يتحدثون عن علي بن أبي طالب ومناقبه فيقول لهم أهل البصرة انكم لتفرطون في تقريض هذا الرجل فهل أنت محدثي بحديث عنه
المجالس السنية ـ الجزء الثالث
149
أذكره للناس فقال يا ربيعة ما الذي تسألني عن علي وما الذي أحدثك عنه والذي نفس حذيفة بيده لو وضع جميع أعمال أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم في كفة منذ بعث الله محمداً الى يوم الناس هذا ووضع عمل واحد من أعمال علي في الكفة الأخرى لرجع على أعمالهم كلها فقال ربيعة ما هذا المدح الذي لا يقام له ولا يقعد ولا يحمل اني لأظنه اسرافاً يا أبا عبد الله فقال حذيفة يا لكع (1) وكيف لا يحمل وأين كان المسلمون يوم الخندق وقد عبر اليهم عمرو وأصحابه فملكهم الهلع والجزع ودعا الى المبارزة فأحجموا عنه حتى برز اليه علي فقتله والذي نفس حذيفة بيده لعمله ذلك اليوم أعظم أجراً من أعمال أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم الى هذا اليوم والى أن تقوم القيامة (وقال) جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه والله ما شبهت يوم الأحزاب قتل علي عمراً وتخاذل المشركين بعده الا بما قصه الله تعالى من قصة طالـوت وجالـوت في قوله تعالى« فهزموهـم باذن الله وقتل داود جالوت » (وقال) أبو بكر بن عياش لقد ضرب علي ابن أبي طالب عليه السلام ضربة ما كان في الاسلام ايمن منها ولقد ضرب علي عليه السلام ضربة ما كان في الاسلام أشأم منها وهي ضربة عبد الرحمن بن ملجم (أقول) وهي الضربة التي شقت رأس أمير المؤمنين عليه السلام الى موضع سجوده وهو في صلاته فنادى عليه السلام قتلني اللعين ابن اليهودية فزت ورب الكعبة (أجل) والله لم يكن في الاسلام أشأم من تلك الضربة فهي التي هدمت أركان الهدى وفصمت العروة الوثقى وسدت باب مدينة علم المصطفى (وهناك) ضربات أخرى في الأسلام مشؤومة وهي ضربة مالك بن النسر الكندي للحسين بن علي عليه
(1) لكع بضم اللام وفتح الكاف لئيم أو ذليل .
ـ المؤلف ـ
المجالس السنية ـ الجزء الثالث
150
السلام بالسيف على رأسه وكان على رأسه برنس فقطع البرنس ووصل السيف الى رأسه فامتلأ البرنس دماً فقال له الحسين عليه السلام لا أكلت بيمينك ولا شربت بها وحشرك الله مع القوم الظالمين . وضربة زرعة بن شريك له على كتفه اليسرى وضربة رجل له بالسيف على عاتفه المقدس ضربة كبا بها لوجهه وكان قد أعيا فجعل يقوم ويكبو وضربة شمر بن ذي الجوشن حين جاء اليه فاحتز رأسه الشريف وهو يقول والله اني لأحتز رأسك وأعلم أنك السيد المقدم وابن رسول الله وخير الناس أباًو أماً .