المجالس السنية ـ الجزء الثالث 112

باكياً ثم قال رحم الله مسلماً فلقد صار الى روح الله وريحانه تحيته ورضوانه اما انه قد قضى ما عليه وبقي ما علينا ثم أنشأ يقول :
فان تكـن الدنيـا تعـد نفيسة فـان ثـواب الله أعـلـى وأنبـل
وان تكن الأبدان للموت انشئت فقتل امـرئ بالسيف في الله أفضل
وان تكن الأرزاق قسما مقدراً فقلة حرص المرء في السعي اجمل
وان تكن الأموال للترك جمعها فما بال متروك به المـرء يبخـل

* * *

المجلس السادس والثمانون بعد المائة

ذكر غير واحد من المؤرخين منهم ابن ابي الحديد في شرح النهج ان عبد الله بن الزبير لما قطع ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الخطبة جمعاً كثيرة لامه الناس فقال ان له أهيل سوء اذا ذكرته أتلعوا أعناقهم (اي رفعوا أعناقهم) فاحب ان اكبتهم وعاتبه قوم من خاصته على ذلك فقال ما تركته علانية الا وانا أقوله سراً ولكني رأيت بني هاشم اذا سمعوا ذكره اشرأبوا واحمرت الوانهم وطالت رقابهم والله ما كنت آتي لهم سروراً وانا اقدر عليه الى ان قال بيت سوء لا أول لهم ولا آخر فبلغ ذلك ابن عباس فخرج مغضباً ومعه ابنه حتى اتى المسجد فقصد قصد المنبر فحمد الله واثنى عليه وصلى على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ثم قال ايها الناس ان الزبير يزعم انه لا أول لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا آخر فيا عجباً كل العجب لافترائه وكذبه ان اول من اخذ الإيلاف وحمى عير قريش لهاشم وان اول من سقى بمكة عذبا وجعل باب الكعبة ذهباً

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 113

لعبد المطلب والله لقد نشأت ناشئتنا مع ناشئة قريش وانا كنا لقالتهم اذا قالوا وخطباءهم اذا خطبوا وما عد مجد كمجد اولنا ولا كان في قريش مجد لغيرنا لأنها كانت في كفر ماحق ودين فاسق وضلة وضلالة في عشواء عمياء حتى اختار الله لنا نوراً وبعث لنا سراجاً فانتجبه طيباً من طيبين فكان احدنا وولدنا وعمنا وابن عمنا ثم ان اسبق السابقين اليه منا وابن عمنا ثم تلاه في السبق أهلنا ولحمتنا واحداً بعد واحد ثم انا لخير الناس بعده أكرمهم ادبا وأشرفهم حسباً وأقربهم منه رحماً وأعجباً كل العجب لابن الزبير يعيب بني هاشم وانما شرف هو وابوه وجده بمصاهرتهم اما والله انه لمصلوب قريش ومتى كان العوام بن خويلد يطمع في صفية بنت عبد المطلب قيل للبغل من أبوك فقال خالي الفرس ثم نزل . وخطب ابن الزبير بمكة وابن عباس تحت المنبر فقال ان هاهنا رجلا قد أعمى الله قلبه كما أعمى بصره يفتي في القملة والنملة وقد قاتل ام المؤمنين وحواري رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال ابن عباس لقائده استقبل بي وجه ابن الزبير وارفع من صدري وكان قد كف بصره فاستقبل به وجهه فحسر عن ذراعيه ثم قال يا ابن الزبير :
قد أنصف القارة من راماها انا اذا مـا فـئة نلـقـاها
نزد اولاها علـى اخـراها حتى تصير حرضاً دعواها

فاما العمى فان الله تعالى يقول :« فانها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور » واما فتياي في القملة والنملة فان فيهما حكما لا تعلمهما انت ولا أصحابك وأما قتالنا أم المؤمنين فبنا سميت ام المؤمنين لا بك ولا بابيك فانطلق أبوك وخالك الى حجاب مده الله عليها فهتكاه عنها ثم اتخذاها فتنة يقاتلان دونها وصانا حلائلهما فلا

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 114

أنصفا الله ولا محمداً من أنفسها اذ أبرزا زوجة نبيها وصانا حلائلهما وأما قتالنا اياكم فانا لقيناكم زحفاً فان كنا كفاراً فقد كفرتم بفراركم منا وان كنا مؤمنين فقد كفرتم بقتالكم ايانا وايم الله لولا مكان صفية فيكم ومكان خديجة فينا لما تركت لبني أسد بن عبد العزى عظما الا كسرته فقال في ذلك ايمن بن خريم الأسدي :
يا ابـن الزبير لقد لاقيت بائقة من البوائق فالطف لطف محتال
لاقيتـه هاشميـاً طـاب منبته في مغرسيه كـريـم العم والخال
ما زال يقرع منك العظم مقتدراً على الجواب بصوت مسمع عالي
حتى رأيتك بين الناس محتجراً خلف الغبيط وكنـت الباذخ العالي
ان ابن عباس المعروف حكمته خير الأنام له حـال مـن الحال
لما رماك على رسل باسهمـه جرت عليك كسوف الحال والبال
واعلم بانك ان عاودت عيبتـه عادت عليك مخـاز ذات اذيـال

فرحم الله ابن عباس فلقد كان من علماء بني هاشم وخطبائهم وله مواقف مشهورة ومقامات معدودة في نصرة أمير المؤمنين عليه السلام وولده والذب عن حوزة الحق وفي المناظرة والاحتجاج مع عائشة أم المؤمنين بالبصرة ومع أهل النهروان ومع معاوية وابن العاص وابن الزبير وغيرهم وكان أمير المؤمنين عليه السلام يبعثه في المهمات واختاره للحكومة يوم الحكمين فأبى أهل العراق ، وكان تلميذ أمير المؤمنين عليه السلام وبه تخرج ومنه تعلم وكان مخلصاً في ولائه وولاء ذريته ولما حضرته الوفاة قال اللهم اني أتقرب اليك بولائي لعلي بن ابي طالب . وكان يمسك بركاب الحسنين عليهما السلام حتى يركبا ويقول هما ولدا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . وقال له معاوية لما قبض الحسن عليه السلام اصبحت سيد بني هاشم فقال اما وابو عبد الله حي فلا . ولما عزم

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 115

الحسين عليه السلام على الخروج الى العراق جاءه عبد الله بن عباس فنهاه عن الخروج فقال أستخير الله وانظر ما يكون ثم أتاه مرة ثانية فأعاد عليه النهي وقال ان أبيت الا الخروج فاخرج الى اليمن فقال الحسين عليه السلام يا ابن عم والله اني لأعلم انك ناصح مشفق وقد ازمعت وأجمعت المسير فخرج ابن عباس ومر بابن الزبير وانشد :
يا لك مـن قبـرة بمعمر خلا لك الجو فبيضي واصفري
ونقري ما شئت ان تنقري هذا حسين خـارج فأبـشـري

ثم أتاه هو وابن الزبير واشار عليه بالامساك عن المسير الى الكوفة فقال لهما ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد أمرني بامر وانا ماض فيه فخرج ابن عباس وهو يقول واحسيناه . ولما دعاه ابن الزبير بعد قتل الحسين عليه السلام الى بيعته فامتنع وكتب اليه يزيد يشكره على ذلك ويعده البر والصلة كتب ابن عباس الى يزيد ذلك الكتاب العظيم الذي يقول من جملته : انك تسألني نصرتك وقد قتلت حسيناً وفتيان عبد المطلب مصابيح الهدى ونجوم الأعلام غادرتهم خيولك بامرك في صعيد واحد مرملين بالدماء مسلوبين بالعراء لا مكفنين ولا موسدين تسفي عليهم الرياح وتنتابهم عرج الضباع وما انس من الأشياء فلست بناس طردك حسيناً من حرم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الى حرم الله وتسييرك اليه الرجال لتقتله في الحرم الا وان من أعجب الأعاجيب وما عسى ان أعجب حملك بنات عبد المطلب وأطفالاً صغاراً من ولده اليك بالشام كالسبي المجلوبين .
نصرت ابن عباس حسين بن فاطم بحد لسان ما عن السيف ينقص
دعتـك اليـه شيـمـة هاشمـيـة فحقاً لأنت الهاشمي المخلـص

* * *


المجالس السنية ـ الجزء الثالث 116

المجلس السابع والثمانون بعد المائة

روى المرزباني ان عبد الله بن العباس رضي الله عنهما مر بمكة بعدما كف بصره بصفة زمزم واذا قوم من أهل الشام يسبون علياً عليه السلام فوقف عليهم فقال ايكم الساب الله قالوا سبحان الله ما فينا أحد سب الله قال فأيكم الساب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قالوا سبحان الله ما فينا أحد سب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال فأيكم الساب علي بن أبي طالب عليه السلام قالوا اما هذا فقد كان قال أشهد على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لسمعته يقول من سب علياً فقد سبني ومن سبني فقد سب الله ومن سب الله اكبه الله على منخره في نار جهنم . ثم تولى عنهم فقال لابنه كيف تراهم فقال له ابنه :
نظروا اليك باعين محمرة نظر التيوس الى شفار الجازر

فقال لابنه زدني فقال :
خزر العيون نواكس ابصارهم نظر الذليل الى العزيز القاهر

فقال له زدني فقال ليس عندي زيادة فقال عبد الله :
أحياؤهم عار على أمواتهم والميتون مسبة للغابر

وكان ابن عباس رحمه الله مبرزاً في الفقه والتفسير والشعر والأنساب وايام العرب ووقائعها وكان يسمى الحبر لكثرة علمه وكان فصيحاً قوي الحجة ثابت الجنان وله مواقف مشهورة في ذلك مع معاوية وعبد الله بن الزبير وعائشة ومع الخوارج وغيرهم وشهد مع أمير المؤمنين عليه السلام حروب الجمل وصفين والنهروان وأراد علي عليه

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 117

السلام ان يختاره يوم الحكمين فلم يمكنه أهل العراق من ذلك ونظر اليه معاوية يوماً وهو يتكلم فقال متمثلا :
اذا قال لم يتـرك مقـالاً لقائل مصيب ولم يثن اللسان على هجر
يصرف بالقول اللسان اذا انتحى وينظر في اعطافه نظـر الصقـر

وكف بصره في آخر عمره فقال :
ان يأخـذ الله من عيني نورهما ففي لسانـي وقلبـي منهما نور
قلبي ذكي وعقلي غير ذي دخل وفي فمي صارم كالسيف مأثور

وهو الذي كتب الى يزيد بن معاوية بعد قتل الحسين عليه السلام ذلك الكتاب العظيم . وذلك ان عبد الله بن الزبير بعد قتل الحسين عليه السلام دعا ابن عباس الى بيعته فامتنع فظن يزيد ان امتناعه تمسك منه ببيعته فكتب اليه كتابا يشكره فيه على ذلك ويعده البر والصلة فأجابه ابن عباس بكتاب يقول فيه : أتراني ناسياً لك قتل الحسين بن علي عليهما السلام وفتيان بني عبد المطلب مضرجين بالدما مسلوبين بالعرا تسفي عليهم الرياح وتنتابهم الذئاب والضباع حتى أتاح الله لهم قوماً أجنوهم ومهما نسيت فما أنسى لك طرد الحسين من حرم الله وكتابك الى ابن مرجانة ان يتلقاه بالجيوش طمعاً في قتله واني لأرجو ان ياخذك الله حين قتلت ذرية نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً لا كآبائك الأجلاف الجفاة أشباه الحمير فطلب اليكم الحسين عليه السلام الموادعة فاغتنمتم قلة أنصاره وأعوانه فتعاونتم عليه كانكم قتلتم أهل بيت من الترك .
ولا شيء أعجب عندي من طلبك ودي وقد قتلت ولد أبي وسيفك يقطر من دمي وأنت أحد ثاري فان شاء الله لا يطل لديك دمي ولا

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 118

تسبقني بثاري و ان تسبقني في الدنيا فقبل ذلك ما قتل النبيون وابناء النبيين و الله الطالب بدمائهم وكفا بالله للمظلومين ناصرا ومن الظالمين منتقما (الى ان قال) الا وان من أعجب العجب وما عسى ان أعجب حملك آل رسول الله (ص) وأطفالا صغارا من ولده اليك الى الشام كالاسارى المجلوبين تري ومن خرج عن ملة جدهم (ص) أنك قهرتنا وأنك تمن علينا وبنا من الله عليك وعلى أبيك ولعمر الله لئن تصبح آمنا من جراحة يدي فقد عظم الله جرحك من لساني ونقضي وإبرامي والله ما أنا بايس من بعد قتلك عترة رسول الله (ص) ان ياخذك الله أخذاً اليما ويخرجك من الدنيا مذموماً مدحوراً فعش لا أبالك ما استطعت فقد والله أرادك ما اقترفت والسلام على من اتبع الهدى .
اذا ما ابـن عباس بدا لك وجهـه رأيت له فـي كـل أحواله فضلا
اذا قـال لـم يتـرك مقالاً لقـائل بمنتظمات لا تـرى بينهـا فصلا
كفى وشفى ما في النفوس فلم يدع لذي اربعة في القول جداً ولاهزلا

* * *


المجلس الثامن والثمانون بعد المائة


قال الله تعالى في كتابه العزيز «إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا» قال السيوطي في كتاب الدر المنثور في تفسير كتاب الله بالمأثور : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردوية عن ام سلمة زوج النبي (ص) ان رسول الله (ص) كان ببيتها على منامة له عليه كساء خيبري فجاءت فاطمة ببرمة ـ وهي

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 119

إناء مخصوص ـ فيها خزيرة ـ وهي الثريد ـ وفي رواية للطبراني جاءت فاطمة الى أبيها بثريدة تحملها في طبق لها حتى وضعتها بين يديه فقال لها أين ابن عمك قالت هو في البيت قال اذهبي فادعيه وابنيك حسناً وحسيناً فجاءت تقود ابنها كل واحد منهما في يد وعلي يمشي في أثرهما حتى دخلوا على رسول الله (ص) فاجلسهما في حجره وجلس علي عن يمينه وجلست فاطمة عن يساره فبينما هم ياكلون اذ نزلت على رسول الله (ص) « إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا » فأخذ النبي (ص) بفضلة ازاره فغشاهم اياهم ثم أخرج يده من الكساء وأومأ بها الى السماء ثم قال هؤلاء أهل بيتي وخاصتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا قالها ثلاث مرات قالت أم سلمة فأدخلت رأسي في الستر فقلت يا رسول الله وانا معكم قال إنك الى خير مرتين وفي رواية فرفعت الكساء لأدخل معهم فجذبه من يدي وقال إنك إلى خير وفي رواية قالت أم سلمة فأنا معكم يا رسول الله قال أنت مكانك وإنك على خير قال واخرج ابن مردويه عن أبي صعيد الخدري قال لما دخل علي بفاطمة جاء النبي (ص) أربعين صباحاً إلى بابها يقول السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته الصلاة رحمكم الله « إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا » أنا حرب لمن حاربتم وأنا سلم لمن سالمتم قال وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن أبي الحمراء حفظت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثمانية أشهر بالمدينة ليس من مرة يخرج الى صلاة الغداة إلا أتى الى باب علي فوضع يده على جنبتي الباب ثم قال الصلاة الصلاة « إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً » قال وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس شهدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تسعة أشهر ياتي كل يوم باب علي بن ابي طالب وقت كل صلاة فيقول السلام

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 120

عليكم ورحمة الله وبركاته أهل البيت « إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً » الصلاة رحمكم الله كل يوم خمس مرات . وفي أصحاب الكساء يقول الشاعر مخاطباً أمير المؤمنين عليه السلام :
أنت ثاني ذوي الكساء ولعمري افضل الخلق من حواه الكساء

قال اخر:
يزاحمه جبريل تحت عباءة لها قيل كل الصيد في جانت الفرا

وفيهم يقول المؤلف :
وكان لهم جبريل في الفضل سادساً وهم خمسة من فوقهم مدت العبا

وفيهم يقول الآخر :
ذرية مثل ماء المزن قد طهروا وطهروا فصفت أخلاق ذاتهم

وكفى شرفاًُ وفضلا لأهل البيت نزول آية الطهارة فيهم شرف ما فوقه شرف وفضل لا يدانيه فضل فالويل ثم الويل لأمة أخرتهم عن مقامهم ودفعتهم عن مراتبهم التي رتبهم الله فيها وظلمتهم وقتلتهم فمضى أمير المؤمنين علي شهيداً بالسيف في محرابه ومضت زوجته البضعة الزهراء سيدة النساء حزينة كئيبة مغضبة لم تر بعد وفاة أبيها ضاحكة ولا كاشرة :
وهـي العـروة التـي ليس ينجو غير مستعصـم بحبـل ولاها
لـم يـر الله الرسـالـة أجـراً غير حفظ الزهراء في قرباها
فمضت وهي أعظم الناس وجداً في فم الدهر غصة من جواها
وثوت لا يرى لها النـاس مثوى أي قدس يضـمـه مثـواهـا

ومضى ولداها الحسن والحسين ريحانتا رسول الله (ص) وسيدا

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 121

شباب أهل الجنة أحدهما شهيداً بالسم ومنع من دفنه عند جده ومضى أخوه الحسين شهيداً بالسيف غريباً ظامياً بارض كرب وبلاء وسبيت عياله وأطفاله وداروا برأسه في البلدان من فوق عالي السنان .
ليـس هـذا لرسول الله يا أمة الطغيـان والبغـي جزا
فعلتم بابناء النبي ورهطه أفاعيل أدناها الخيانة والغدر

* * *

المجلس التاسع والثمانون بعد المائة

روى مسلم في صحيحه وأحمد بن حنبل في مسنده بسنديهما عن زيد ابن أرقم قال قام رسول الله (ص) فينا خطيباً بماء يدعى خماساً بين مكة والمدينة فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكر ثم قال أما بعد أيها النسا فانما أنا بشر يوشك أن ياتيني رسول ربي فأجيب وأنا تارك فيكم ثقلين اولهما كتاب الله فيه الهدى فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي . فقال الراوي ومن أهل بيته يا زيد نساؤه من أهل بيته فقال لا ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده (وروى) مسلم حديث الثقلين بثلاثة طرق أخرى وفي أحدهما قلنا من أهل بيته نساؤه قال لا إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ثم يطلقها فترجع إلى أبيها وقومها أهل بيته أصله وعصبته (وأخرج) أحمد بن حنبل في مسنده حديث الثقلين بعدة طرق عن النبي (ص) أنه قال إني قد تركت فيكم ما ان أخذتم به أو تمسكتم به لن تضلوا بعدي الثقلين

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 122

أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله عزوجل حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي وان اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض فانظروا بم تخلفوني فيهما أو كيف تخلفوني فيهما (دلت) هذه الأحاديث على عصمة أهل البيت عليهم السلام لأنه عليه الصلاة والسلام أوجب التمسك بالعترة كما أوجب التمسك بالكتاب وأخبر أن التمسك بهما لن يضل أنهما لن يفترقا فلا يفارق الكتاب العترة ولا تفارق العترة الكتاب إلى يوم القيامة ولا يكون ذلك إلا مع عصمة العترة فدل على ان المراد بالعترة ليس جميع بني هاشم لأن كثيراً منهم تصدر منهم الذنوب ويفارقون القرآن فالتمسك بهم لا يامن من الضلال بل هم الأئمة الاثنا عشر للاتفاق على عدم عصمة غيرهم من بني هاشم (وقد) دل قوله صلى الله عليه وآله وسلم أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض على وجود إمام معصوم من العترة في كل زمان ولا توجد هذه الصفة في غير الأئمة الأثني عشر بالاتفاق ولشدة اهتمام النبي صلى الله عليه وآله وسلم باهل بيته وتخوفه من أن لا تقوم الأمة بواجب حقهم كرر قوله أذكركم الله في أهل بيتي ثلاثا وقال فانظروا بم تخلفوني فيهما (أنا) أخبرك يا رسول الله بما خلفتك الأمة في أهل بيتك قتلوا وصيك وصهرك وابن عمك علياً وهو في محرابه بعدما دفعوه عن حقه وحاربوه وجرعوه الغصص و سموا ولدك الحسن حتى تقياً كبده في الطست وقتلوا ولدك الحسين أفظع قتلة وأفجعها وسبوا ذرياتك وبناتك على أقتاب الجمال من بلد إلى بلد حتى صار جلساء يزيد يطلبون منه بعض بنات النبوة ان تكون خادمة لهم وحتى قال له طغام أهل الشام لما استشارهم ما يصنع باهل بيتك ما قالوا مما لا يطيق اللسان النطق به وحملت رؤوس أبنائك وذريتك على الرماح وجعل ابن مرجانة وابن هند ينكتان ثغر ولدك الحسين الذي

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 123

طالما قبلته وشممته بالخيزران .
جاشت على آله ما ارتاح واحدهم من قهر اعداه حتـى مات مقهورا
فضى أخوه خضيب الرأس وابنته غضبى وسبطاه مسموماً ومنحوراً

* * *

المجلس التسعون بعد المائة

قال ابن حجر في صواعقه جاء من طرق عديدة كثيرة يقوي بعضها بعضاً عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال إنما مثل أهل بيتي فيكم أو مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا (وفي) رواية مسلم ومن تخلف عنها غرق (وفي) رواية هلك وأنه قال انما مثل أهل بيتي فيكم أو مثل أهل بيتي مثل باب حطة في بني اسرائيل من دخله غفر له (وروى) ابن حجر في صواعقه عن أحمد بن حنبل وغيره عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال النجوم أمان لأهل السماء اذا ذهبت النجوم ذهبوا وأهل بيتي أمان لأهل الأرض ان ذهب أهل بيتي ذهب أهل الأرض (وقال) ابن حجر انه صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم انه قال النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق وأهل بيتي أمان لأمتي من الاختلاف ولله در القائل :
هم السفينة فاز الراكبون بها ومن تخلف عنها ضل في تيه

وقد ورد في عدة روايات عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم انه قال اني تارك فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا بعدي الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي وانهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض فانظروا بما تخلفوني فيهما أو كيف تخلفوني فيهما (أنا) أخبرك يا رسول الله أن أمتك لم يخلفوك

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 124

بخير في عترتك وأهل بيتك تركوهم بين قتيل وشريد وأعظم ما فعلوه يا رسول الله قتلهم ولدك الحسين عليه السلام ونساؤه ينظرون اليه بعد ان منعوه من ماء الفرات الجاري تشربه اليهود والنصارى وتلغ فيه خنازير السواد وكلابه وحملوا أبناءك ونساء أهل بيتك سبايا على أقتاب المطايا من بلد الى بلد .
فعلتم بابناء النبـي ورهطـه أفاعيل أدناها الخيانة والغدر
فجئتم بها بكراً عوانا ولم يكن لها قبلها مثلا عوان ولا بكر

* * *


المجلس الحادي والتسعون بعد المائة


ينبغ في الأزمان على تعاقبها نوابغ يمتازون عن سائر أهل زمانهم ولكن هؤلاء النوابغ متفاوتون في نبوغهم وصفاتهم التي ميزتهم عمن سواهم سنة الله في خلقه ، ومهما تكثر النابغون في الأزمان المتطاولة فنابغة الاسلام بل نابغة الكون المتفرد في صفاته الفاضلة ومزاياه الكاملة في علمه وحلمه وسياسته وعدله وفصاحته وبلاغته وشجاعته واقدامه وجهاده وصبره وجلده وقوته وايده وزهده وعبادته واجتماع محاسن الأضداد فيه هو أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب عليه السلام ربيب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أكمل الخلائق وخريجه .
ذات علي عليه السلام ذات فذة يعسر او يمتنع على الانسان مهما أطال ومهما دقق ان يحيط بجميع ما فيها من سمو وتميز على سائر الخلق ومهما حاول الانسان ان يحيط بجميع صفاته قعد به العجز واستولى

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 125

عليه البهر ولكن لا يترك الميسور بالمعسور .
نشأ علي عليه السلام في حجر رسول الله (ص) وتادب بادابه وربي بتربيته وسبق الناس الى الاسلام .
بعث النبي (ص) يوم الاثنين وأسلم علي عليه السلام يوم الثلاثاء ثم أسلمت خديجة ، وأقام مع النبي (ص) بعد البعثة ثلاثاً وعشرين سنة منها ثلاث عشرة سنة في مكة قبل الهجرة مشاركا له في محنه كلها متحملا عنه أكثر أثقاله وعشر سنين بالمدينة بعد الهجرة يكافح عنه ويجاهد دونه وقتل الأبطال وضرب بالسيف بين يدي رسول الله (ص) وهو بين العشرين الى الخمس والعشرين سنة ، هاجر الى المدينة في المهاجرين الأولين وشهد بدراً واحداً والخندق وبيعة الرضوان وجميع المشاهد مع رسول الله (ص) إلا تبوك وله في الجميع بلاء عظيم وأثر لم يكن لأحد من الناس .
واذا نظرنا الى علمه وجدناه العالم الرباني الذي يقول على ملاء من الناس : سلوني قبل ان تفقدوني ومن ذا الذي يجرؤ من الناس ان يقول هذا الكلام فوق المنبر على حشد من الوف الخلق وما يؤمنه ان يسأله سائل سؤالاً لا يكون عنده جوابه فيخجله فيه . لا يجرؤ على هذا القول الا من يكون واثقاً من نفسه بان عنده جواب كل ما يسأل عنه وهل تنحصر المسألة في علم من العلوم أو ناحية من النواحي حتى يجرؤ أحد على هذا القول لا يكون مؤيداً بتأييد الهي وواثقاً من نفسه كل الوثوق بانه لا يغيب عنه جواب مسألة مهما دقت وأشكلت ان هذا المقام يقصر العقل عن الاحاطة به ، ويسأل وهو على المنبر عن مسافة ما بين المشرق والمغرب فيجيب بانه مسير يوم للشمس ، ويسأل عما بين

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 126

الحق والباطل فيقول مسافة اربع أصابع الحق ان تقول رأيت بعيني والباطل ان تقول سمعت باذني ، ويسأل عن رجلين جلسا يتغديان ومع أحدهما خمسة أرغفة ومع الآخر ثلاثة فجلس معهما رجل وأكلوا الأرغفة الثمانية فطرح اليهما الرجل ثمانية دراهم عوضاً عما أكل فقال صاحب الخمسة الأرغفة لي خمسة دراهم ولك ثلاثة فقال صاحب الثلاثة الأرغفة لا أرضى الا ان تكون الدراهم بيننا نصفين فيحكم علي عليه السلام ان لصاحب الثلاثة درهما واحداً ولصاحب الخمسة سبعة دراهم وذلك لأن الثمانية الأرغفة أربعة وعشرون ثلثاً لصاحب الثلاثة منها تسعة أثلاث أكل منها ثمانية وأكل الضيف واحداً ولصاحب الخمسة خمسة عشر ثلثاً أكل منها ثمانية وأكل الضيف سبعة فهذه المسألة لو أجاب عنها أمير رجل في الحساب بعد طول الفكرة والروية وأصاب فيها لكان له الفخر ، ويؤتي عمر بن الخطاب بامرأة ولدت لستة أشهر فيهم برجمها فيقول له علي عليه السلام : ان خاصمتك بكتاب الله خصمتك ان الله تعالى يقول : «وحمله وفصاله ثلاثون شهراً » . ويقول : « والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين » فان كانت مدة الرضاعة حولين كاملين والحمل والفصال ثلاثون شهراً كان الحمل فيها ستة أشهر فخلى عمر سبلها وثبت الحكم بذلك فعمل به الصحابة والتابعون ومن أخذ عنهم الى يومنا هذا .
ويؤتى عمر بمجنونة زنت فيأمر بجلدها الحد فيقول له علي عليه السلام : ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد رفع القلم عن المجنون حتى يفيق فيقول عمر فرج الله عنك لقد كدت أهلك في جلدها .
ويؤتى عمر بحامل قد زنت فيأمر برجمها فيقول له علي عليه السلام : هب ان لك سبيلا عليها أي سبيل لك على ما في بطنها احتط عليها

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 127

حتى تلد فاذا ولدت ووجدت لولدها من يكفله فأقم عليها الحد فيقول عمر : لا عشت لمعضلة لا يكون لها أبو الحسن .
ويجيء أبو الأسود الدؤلي فيخبره بانه سمع من يلحن في القرآن فيضع له أصول النحو في كلمات معروفة ويقول له انح هذا النحو فيزيد عليها أبو الأسود وتضبط لغة العرب بعلم النحو الى اليوم .
واذا نظرنا الى شجاعته وقد ضربت بها الأمثال وجدنا أنه باشر الحرب وعمره عشرون سنة أو فوقها بقليل وظهرت شجاعته الخارقة في مبيته على الفراش ليلة الغار والنفر من قريش محيطون بالدار ليفتكوا بمن في الفراش وظهرت شجاعته الخارقة أيضاً لما سار بالفواطم عند الهجرة وليس معه الا أيمن بن أم أيمن وأبو واقد الليثي فلحقه سبعة فرسان من قريش أمامهم جناح مولى حرب بن أمية فأهوى اليه جناح بالسيف وهو فارس وعلي راجل فحاد علي (ع) عن ضربته وضربه لما انحنى على كتفه فقطعه نصفين حتى وصلت الضربة الى قربوس فرسه وانهزم الباقون ، وقتل يوم بدر الوليد بن عتبة وشرك في قتل عتبة وقتل جماعة من صناديد المشركين حتى روي أنه قتل نصف المقتولين . وفي يوم أحد قتل اصحاب اللواء وهم سبعة ولما فر المسلمون ثبت فيمن ثبت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحامي عنه وكلما شد جماعة على النبي (ص) تقدم اليهم فقاتلهم وقتل فيهم ، وفي يوم الخندق بارز عمرو بن عبدود بعدما جبن عنه الناس جميعاً وانهزم المشركون بقتله وفي يوم خيبر قتل مرحباً وهزم اليهود واقتلع الباب وفتح الحصن وكان الفتح على يديه .
وفي جميع الوقائع والغزوات كان له المقام الأسمى في الشجاعة

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 128

والثبات ، وفي يوم الجمل وصفين والنهروان باشر الحرب بنفسه وقتل صناديد الأبطال وجدل ابطال الرجال ولم يهرب في موطن قط وكانت ضرباته وتراً اذا علا قد واذا اعترض قط ولم يبارز قرنا فسلم القرن منه ولا دعي الى مبارزة فنكل وهذا كله من الأمور العجيبة التي لم تنفق لغير علي بن أبي طالب عليه السلام وشجاعته ملحقة بالبديهات يقبح بالانصان اطالة الكلام فيها وإكثار الشواهد عليها .
واذا نظرنا الى حلمه كفانا لا ثبات بلوغه أعلى درجات الحلم حلمه عن اهل الجمل عموماً وعم مروان بن الحكم وعبد الله بن الزبير خصوصاً وشدة عداوتهما له معلومة وايصاؤه جيوشه بان لا يتبعوا مدبراً ولا يجهزوا على جريح وعدم منعه الماء لعسكر معاوية يوم صفين لما استولى عليه بعدما منعوه منه .
واذا نظرنا الى عدله لم نجد له نظيراً . وفي الإستيعاب انه كان اذا ورد عليه مال لم يبق منه شيئاً الا قسمه ولا يترك في بيت المال منه إلا ما يعجز عن قسمته في يومه ذلك ولم يكن يستأثر من الفيء بشيء ولا يخص به حميما ولا قريباً ولا يخص بالولايات الا اهل الديانات والأمانات واذا بلغه عن احدهم خيانة كتب اليه : قد جاءتكم موعظة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس اشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين بقية الله خير لكم ان كنتم مؤمنين وما انا عليكم بحفيظ اذا اتاك كتابي هذا فاحتفظ بما في يديك من عملنا حتى نبعث اليك من يتسلمه منك .
واذا نظرنا الى فصاحته وبلاغته وجدناه إمام الفصحاء وسيد البلغاء وحسبك ان يقال في كلامه انه بعد كلام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فوق كلام

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 129

المخلوق ودون كلام الخالق .
ويقبح بنا ان نقيم شيئاً من الشواهد والادلة على ذلك فإنه كاقامة الدليل على الشمس الضاحية
وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار الى دليل

ولا أدل على ذلك مما اثر عنه وجمع من كلامه كنهج البلاغة وغيره .
واذا نظرنا الى زهده في الدنيا أخذنا العجب والبهر من رجل في يده الدنيا كلها عدا الشام ، العراق وفارس والحجاز ومصر وهو يلبس الخشن وياكل الجشب مواساة للفقراء ويقول يا دنيا غري غيري .
ومن عجيب أحواله أنه اجتمعت في صفاته الأضداد فبينما هو يمارس الحروب ويبارز الأقران ويقتل الشجعان ومن تكون هذه صفته لا بد ان يكون قاسي القلب شرس الخلق بينا نراه كذلك اذا به أعبد العباد يقضي ليله بالصلاة والعبادة والتضرع والإبتهال والخشوع لله تعالى واذا به أحسن الناس خلقاً وأرقهم طبعاً والينهم عريكة .
لم يكن جهاد أمير المؤمنين علي عليه السلام وحروبه في الاسلام لغاية دنيوية من طلب امارة أو شهرة بين الناس أو منزلة عندهم ما كان جهاده ولا كانت حروبه الا نصرة للحق ومحاماة عن الدين ولم يكن زهده في الدنيا طلباً لمدح أو منزلة في قلوب الناس بل ارشاداً للأمة الى ما يصلحها وتعليما لها ما ينفعها كيف لا وهو القائل لا بن عباس في نعل كان يخصفها : والله لهي (أي النعل) أحب الي من امرتكم هذه الا أن أقيم حقاً أو أدفع باطلا . لكن هذه الامة لم تعرف لعلي حقه في جهاده

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 130

ومحاماته عن الدين في سبيل سعادتها وارشادها الى ما يصلحها ولم تحفظه في أولاده وذريته ولم ترع لهم حرمة من بعده فأخرته عن مقامه وآل بها الأمر الى ان قتلته وهو يصلي في محرابه بيد أشقى الأولين والآخرين عبد الرحمن بن ملجم المرادي وتركت ولديه من بعده سيدي شباب أهل الجنة بين قتيل بالسم ومضرج بالدم فدست الى ولده الحسن عليه السلام أحد السبطين والريحانتين السم على يد جعدة بنت الأشعث ابن قيس حتى لفظ كبده في الطست قطعاً وجهزت الجيوش الى أخيه الحسين عليه السلام ثاني السبطين والريحانتين بعدما قدمت عليه يزيد الخمور والفجور اللاعب بالقرود والفهود وأحاطت به من كل جانب ومنعته الذهاب في بلاد الله العريضة وقتلت آله وأنصاره ومنعته من ورود الماء حتى قتلته عطشان ظامياً وذبحت أطفاله وسبت نساءه وعياله .
يا أمة باعت بضائع دينها يوم الطفوف بخيبة وشقاء
خانت عهود محمد في آله من بعده وجزته شر جزاء

* * *

المجلس الثاني والتسعون بعد المائة


قال عروة بن الزبير كنا جلوساً في مجلس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فتذاكرنا أحوال أهل بدر وبيعة الرضوان فقال أبو الدرداء يا قوم ألا أخبركم باقل القوم مالاً وأكثرهم ورعاً وأشدهم اجتهاداً في العبادة قالوا من هو قال علي بن أبي طالب قال فوالله ان كان في جماعة أهل المجلس

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 131

الا معرض عنه بوجهه ثم انتدب له رجل من الأنصار فقال له يا عويمر لقد تكلمت بكلمة ما وافقك عليها أحد منذ أتيت بها فقال أبو الدرداء يا قوم اني قائل ما رأيته وليقل كل قوم ما رأوا شهدت علي بن أبي طالب عليه السلام بسويحات بني النجار وقد اعتزل عن مواليه واختفى ممن يليه واستتر ببعيلات النخل فافتقدته وبعد علي مكانه فقلت لحق بمنزله فإذا أنا بصوت حزين ونغمة شجي وهو يقول الهي كم من موبقة حملتها فقابلتها بنعمتك وكم من جريرة تكرمت عن كشفها بكرمك الهي ان طال في عصيانك عمري وعظم في الصحف ذنبي فما أنا مؤمل غير غفرانك ولا أنا براج غير رضوانك فشغلني الصوت واقتفيت الأثر فإذا هو علي بن أبي طالب عليه السلام بعينه فاستترت له لأسمع كلامه وأخملت الحركة فركع ركعات في جوف الليل الغابر ثم فزع الى الدعاء والتضرع والبكاء والبث والشكوى فكان مما به ناجى ان قال الهي أفكر في عفوك فتهون علي خطيئتي ثم أذكر العظيم من أخذك فتعظم علي بليتي ثم قال آه ان أنا قرأت في الصحف سيئة أنا ناسيها وأنت محصيها فتقول خذوه فيا له من مأخوذ لا تنجيه عشيرته ولا تنفعه قبيلته يرحمه الملأ اذا أذن فيه بالنداء ثم قال آه من نار تنضج الأكباد والكلى آه من نار نزاعة للشوى آه من غمرة من ملتهبات لظى ثم انغمر في البكاء فلم أسمع له حساً ولا حركة فقلت غلب عليه النوم لطول السهر أوقظه لصلاة الفجر (قال أبو الدرداء) فأتيته فإذا هو كالخشبة الملقاة فحركته فلم يتحرك وزويته فلم ينزو قلت انا لله وانا اليه راجعون مات والله علي بن ابي طالب فأتيت منزله مبادراً أنعاه اليهم فقالت فاطمة عليها السلام يا أبا الدرداء أخبرنا ما كان من شأنه وقصته فأخبرتها الخبر فقالت هي والله الغشية التي تاخذه من خشية الله ثم أتوه بماء

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 132

فنضحوه على وجهه فأفاق ونظر الي وأنا أبكي فقال مما بكاؤك يا أبا الدرداء فقلت مما اراه تنزله بنفسك فقال يا أبا الدرداء فكيف لو رأيتني وقد دعي بي الى الحساب وأيقن أهل الجرائم بالعذاب واحتوشتني ملائكة غلاظ وزبانية فظاظ فوقفت بين يدي الملك الجبار قد أسلمتني الأحباء ورحمني أهل الدنيا لكنت أشد رحمة لي بين يدي من لا تخفى عليه خافية قال أبو الدرداء فوالله ما رأيت ذلك لأحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (اقول) كل من يغمى عليه يؤتى اليه بالماء فينضح على وجهه حتى يفيق الا غريب كربلا ابا عبد الله الحسين عليه السلام فانه لما سقط عن ظهر جواده الى الأرض واغمي عليه ساعة لم ينضح على وجهه الماء حتى يفيق وانما افاق على ضرب السيوف وطعن الرماح وهو مع ذلك يطلب جرعة من الماء وهم يقولون لن تذوق الماء ابا عبد الله حتى تذوق الموت عطشاً .
فعز ان تتلظى بينهم عطشاً والماء يصدر عنه الوحش ريانا

ونظر امير المؤمنين عليه السلام ذات يوم الى امرأة وعلى كتفها قربة ماء مملوءة فحملها معها الى منزلها ثم سألها عن شأنها قالت بعث علي بن ابي طالب بصاحبي الى بعض الثغور فقتل وترك علي صبياناً يتامى وليس عندي شيء وقد الجأتني الضرورة الى خدمة الناس فمضى امير المؤمنين عليه السلام وبات تلك الليلة قلقاً فلما اصبح حمل زنبيلا مملوءاً من الدقيق واللحم والتمر على كتفه فقال له بعض اصحابه اعطني احمل عنك هذا فقال من يحمل عني وزري يوم القيامة ثم اتى الى باب تلك الامراة وقرع الباب قالت من في الباب قال انا العبد الذي حمل معك القربة افتحي الباب فان معي شيئاً للصبيان فقالت رضي الله

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 133

وحكم بيني وبين علي بن ابي طالب ثم فتحت له الباب ودخل وقال لها يا امة الله اني احببت اكتساب الثواب فاختاري بين ان تعجني وتخبزي وبين ان تعللي الصبيان لأخبز انا لهم قالت يا عبد الله انا بالخبز ابصر و عليه اقدر دونك الصبيان فعللهم فعمدت الامراة الى الدقيق تعجنه وعمد امير المؤمنين عليه السلام الى اللحم فطبخه وجعل يلقم الصبيان من ذلك اللحم والتمر وكلما ناول صبياً منهم قال له يا بني اجعل علي ابن ابي طالب في حل مما امر في امركم ولما اختمر العجين قالت الامراة قم يا عبد الله اسجر التنور فلما اشعل النار لفحت وجهه فجعل يقول ذق يا علي هذا جزاء من ضيع الأرامل واليتامى فدخلت امرأة من خارج الدار فعرفته فقالت ويحك هذا الامام علي بن ابي طالب عليه السلام فبادرت اليه الامراة ووقعت على قدميه تقبلهما وهي تقول وا حيائي منك يا ابا الحسن فقال بل واحيائي منك يا امة الله فيما قصرت في امرك . امير المؤمنين عليه السلام حمل اللحم والتمر والدقيق الى يتامى بعض اصحابه فأين كان امير المؤمنين عن يتامى ولده ابي عبد الله الحسين عليه السلام ليلة الحادي عشر من المحرم حين باتوا تلك الليلة بلا محام ولا كفيل وهم عطاشى جياعى .
قم يا علـي فما هذا القعود وما عهدي تغض على الأقذاء اجفانا
وانهض لعلك من اسر اضر بنا تفكنـا او تـولـى دفـن قتلانا
هذا حسيـن بلا غسل ولا كفن عار تجـول عليـه الخيل ميدانا

* * *



السابق السابق الفهرس التالي التالي