كان قيس بن سعد بن عبادة الانصاري من اجلاء الصحابة ومن المتفانين في حب علي عليه السلام ونصره (وفي الاستيعاب) قال الواقدي كان قيس بن سعد من كرام اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأسخيائهم ودهاتهم قال ابو عمرو كان احد الفضلاء الجلة وأحد دهاة العرب وأهل الرأي والمكيدة في الحرب مع النجدة والبسالة والسخاء والكرم وكان شريف قومه غير مدافع (وكان) يقول اللهم ارزقني حمداً ومجداً فإنه لا حمد الا بفعال ولا مجد الا بمال (واستقرض) منه رجل ثلاثين الفاً فلما ردها عليه أبي ان يقبلها وقال إنا لا نعود في شيء أعطناه (وشكت) اليه عجوز انه ليس في بيتها جرذ فقال ما أحسن ما سألت أما والله لأكثرن جرذان بيتك فملأ بيتها طعاماً وأداماً (ولما) خرج أبوه من المدينة قسم ماله بين أولاده وكان له حمل لا يعلم به فلما توفي أبوه طلبوا الى قيس أن ينقض القسمة فقال نصيبي للمولود ولا أنقض ما صنع أبي (وكان) لقيس دين كثير على الناس فمرض واستبطأ عواده فقيل انهم يستحون من اجل دينك فامر فنودي من كان لقيس عليه دين فهو له فتزاحم الناس على عياته حتى هدموا درجة كانوا يصعدون عليها اليه (وقال) انس بن مالك كان قيس من النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمنزلة صاحب الشرطة من الامير صحب قيس علي بن ابي طالب عليه السلام وشهد معه الجمل وصفين والنهروان هو وقومه ولم يفارقه حتى قتل وكان علي عليه السلام قد ولاه على مصر فضاق به معاوية وكايد فيه علياً
المجالس السنية ـ الجزء الثالث
98
ففطن له فلم يزل به الأشعث وأهل الكوفة حتى عزله وولى محمد بن ابي بكر ففسدت عليه مصر (وكان) قيس مع الحسن عليه السلام على مقدمته ومعه خمسة آلاف قد حلقوا رؤوسهم وتبايعوا على الموت فلما دخل الحسن في بيعة معاوية ابى قيس ان يدخل قال أبو الفرج أنه نهض بمن معه لقتال معاوية وخرج اليهم بسر بن أبي ارطاة في عشرين الفاً فصاحوا بهم هذا أميركم قد بايع وهذا الحسن قد صالح فعلام تقتلون أنفسكم فقال لهم قيس (أي لأصحابه) اختاروا أحد اثنين اما القتال مع غير امام أو تبايعون بيعة ضلال فقالوا بل نقاتل بلا امام فخرجوا وضربوا أهل الشام حتى ردوهم الى مصافهم وكتب معاوية الى قيس يدعوه ويمينه فكتب اليه قيس لا والله لا تلقاني ابدا الا وبيني وبينك السيف والرمح وجرت بنيهما مكاتبات اغلظ كل منهما فيها لصاحبه فقال عمرو بن العاص لمعاوية مهلا ان كاتبته أجابك باشد من هذا وان تركته دخل فيما يدخل فيه الناس وقال قيس لأصحابه ان شئتم جالدت بكم وان شئتم اخذت لكم اماناً فقالوا خذ لنا أماناً فأخذ لهم وله أماناً ولم يأخذ لنفسه خاصة شيئاً ثم لزم المدينة وأقبل على العبادة حتى مات (اقول) شتان بين عبيد الله بن العباس وقيس بن سعد فهذا يسالم معاوية بعدما ذبح بسر بن أبي ارطاة اولاده الصغا على درج صنعاء حين ارسله معاوية ويبيع شرفه بالمال ويرضى بالذل والعار وقيس بن سعد يحلف ان يلقى معاوية الا بينه وبينه الرمح والسيف بعد ما بلغه ان الحسن قد صالح .
ابت الحمية ان تفارق أهلها
وابى العزيز بان يعيش ذليلا
(ولما) نشر علي عليه السلام لواءه يوم صفين قال قيس هذا والله
المجالس السنية ـ الجزء الثالث
99
اللواء الذي كنا نحف به مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجبرائيل لنا مدد ثم قال
هذا اللواء الـذي كنـا نحف به
مع النبي وجبـرائيـل لنا مدد
ما ضر من كانت الأنصار عيبته
ان لا يكون له من غيرهم أحد
قوم اذا حاربـوا طالـت أكفهـم
بالمشرفية حتى يفتـح البـلـد
يقول قيس رحمه الله كما سمعت
هذا اللواء الذي كنا نحف به
مع النبي وجبريل لنا مدد
(اجل) ان اللواء الذي حفت به الأنصار يوم بدر هو الذي حفت به يوم صفين ولهذا كانت تقول عكرشة بنت الأطرش يوم صفين وكانت مع أمير المؤمنين عليه السلام هذه بدر الصغرى والعقبة الكبرى واللواء الذي حفت به جماعة من الأنصار مع الحسين عليه السلام يوم كربلاء هو الذي حفوا به مع أبيه أمير المؤمنين عليه السلام يوم صفين وحفوا به مع جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم بدر ولولا تلك الاحن البدرية والاحقاد الجاهلية لما كان حرب صفين وواقعة كربلا قالت ام الخير البارقية يوم صفين وكانت مع علي عليه السلام انها إحن بدرية واحقاد جاهلية وثب بها واثب حين الغفلة ليدرك ثارات بني عبد شمس . وصرح بذلك يزيد ابن معاوية لما وضع رأس الحسين عليه السلام بين يديه فجعل ينكث ثناياه بقضيب خيزران ويقول يوم بيوم بدر وقال أيضاً :
ليـت اشياخي ببدر شهدوا
جزع الخزرج من وقع الأسل
لاهلـوا واستهلـوا فـرحاً
ثم قالوا يـا يـزيد لا تشـل
لعبت هاشـم بالمـلك فلا
خبـر جـاء ولا وحـي نزل
قد قتلنـا القرم من ساداتهم
وعدلـنـاه ببـدر فـاعتـدل
* * *
ثارات بدر ادركت في كربلا
لبني أمية من بني الزهراء
المجالس السنية ـ الجزء الثالث
100
المجلس الحادي والثمانون بعد المائة
قال ابن ابي الحديد روي ان الوليد بن جابر بن ظالم الطائي كان ممن وفد على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأسلم ثم صحب علياً عليه السلام وشهد معه صفين وكان من رجاله المشهورين ثم وفد على معاوية بعد وفاة امير المؤمنين عليه السلام ودخل عليه في جملة الناس فاستنسبه فانتسب له فعرفه معاوية فقال له انت صاحب ليلة الهرير قال نعم قال والله لا تخلو مسامعي من رجزك تلك الليلة وقد علا صوتك أصوات الناس وأنت تقول :
شـدوا فـداء لكـم امـي وأب
فإنما الأمـر غـداً لمن غلب
هذا ابن عم المصطفى والمنتجب
تنميه للعليـاء سادات العرب
ليس بموصوم اذا نـص النسب
اول من صلى وصام واقترب
قال نعم انا قائلها قال فلماذا قلتها قال لأنا كنا مع رجل لا نعلم خصلة توجب الخلافة ولا فضيلة تصير الى التقدمة الا وهي مجموعة له كان اول الناس سلماً وأكثرهم علماً وأرجحهم حلماً فات الجياد فلا يشق غباره واستولى على الأمد فلا يخاف عثاره وأوضح منهج الهدى فلا يبيد مناره وسلك القصد فلا تدرس آثاره فلما ابتلانا الله تعالى بافتقاده وحول الأمر الى من يشاء من عباده دخلنا في جملة المسلمين فلم ننزع يداً عن طاعة ولم نصدع صفاة جماعة على ان لك منا ما ظهر وقلوبنا بيد الله وهو أملك بها منك فاقبل صفونا وأعرض عن كدرنا ولا تثر كوامن الأحقاد فان النار تقدح بالزناد (قال) معاوية وانك لتهددني يا أخاطيء باوباش العراق أهل النفاق ومعدن الشقاق فقال يا معاوية
المجالس السنية ـ الجزء الثالث
101
هم الذين أشرقوك بالريق وحبسوك بالمضيق وذادوك عن سنن الطريق حتى لذت منهم بالمصاحف ودعوت اليها من صدق بها وكذبت وآمن بمنزلها وكفرت وعرف من تاويلها ما أنكرت فغضب معاوية وأدار طرفه فيمن حوله فاذا جلهم من مضر ونفر قليل من اليمن (وحيث ان الوليد يماني واليمانيون قليلون في مجلسه لم يخف من الوليد) فقال أيها الشقي الخائن اني لأخال ان هذا آخر كلام تفوهت به (وكان) عفير بن سيف بن ذي يزن بباب معاوية حينئذ (وكان يمانياً) فعرف موقف الطائي ومراد معاوية فخافه عليه فهجم عليهم الدار وأقبل عل اليمانية فقال شاهت الوجوه ذلاً وقلا وجدعاً وفلا ثم التفت الى معاوية فقال لقد رأيتك بالأمس خاطبت اخا ربيعة يعني صعصعة بن صوحان وهو أعظم جرماً عندك من هذا ثم أثبته وسرحته وأنت الآن مجمع على قتل هذا زعمت استصغاراً لجماعتنا ولعمري لو وكلتك ابناء قحطان الى قومك لكان جدك العاثر وذكرك الداثر وحدك المفلول وعرشك المثلول فاربع على ظلعك (1) فانا لا نرام بوقع الضيم ولا نتلمط جرع الخسف (2) فقال معاوية الغضب شيطان فاربع على نفسك ايها الانسان فانا لم نؤت الى صاحبك مكروهاً فدونكه فانه لم يضق عنه حلمنا ويسع غيره فأخذ عفير بيد الوليد وخرج به الى منزله ثم جمع من بدمشق من اليمانية وفرض على كل رجل دينارين في عطائه فبلغت اربعين الفاً فتعجلها من بيت المال ودفعها الى الوليد ورده الى العراق (ولو) كان معاوية حليما كما يدعي ويدعى له لما قتل حجراً وأصحاب حجر حيث لم يتبرؤوا من أمير المؤمنين عليه السلام ولما قتل عمرو بن الحمق الخزاعي بعد ما
(1) اي انك ضعيف فانته عما لا تطيقه .
(2) اي الذل .
ـ المؤلف ـ
المجالس السنية ـ الجزء الثالث
102
حبس زوجته سنتين في سجن دمشق ولما جاءه رأسه أرسله اليها ووضعه في حجرها هذا بعد ما اعطى الحسن بن علي عليه السلام العهود والمواثيق ان لا يتعرض لشيعته وانما كان يظهر الحلم حين يرى فيه مصلحة لدنياه وحين يخاف من عاقبة البطش فيدعه ويظهر ان ذلك عن حلم وانما هو عن خوف والا فما باله وقد ملك الأمر وانقادت له الناس بعد صلح الحسن عليه السلام يسلط زياد بن أبية على شيعة علي عليه السلام فسومهم سوء العذاب بالقتل والنفي وسلب الأموال وهدم الدور وما باله يستحضر من يعرفهم بحب علي عليه السلام من نساء ورجال من الأمكنة البعيدة فيتهددهم ويتوعدهم ويؤنبهم ثم يظهر الحلم عنهم حينما يخاف عاقبة البطش وما باله يحمل عبد الله بن هاشم المرقال اليه اسيرا بعد صلح الحسن فيسجنه ويهدده بالقتل ولو كان حليما كما يقول ويقال فيه لفعل كما فعل أمير المؤمنين عليه السلام فعفا عن أهل الجمل لما ظفر بهم وفيهم أعدى الناس له ولم يجازهم بشيء وأصدر عفوا عاماً عن جميع أهل البصرة الذين حاربوه وما حلم معاوية الذي يظهر الا كحلم ولده يزيد عن أهل بيت الرسالة فانه بعدما قتل الحسين عليه السلام وسبى نساءه وأطفاله وحمله اليه من الكوفة الى الشام وأدخل النساء الى مجلسه العام أراد أن يتلافى ما فرط منه حين خشي سوء العاقبة في الدنيا لما رأى الناس تنقم عليه فقال لزين العابدين عليه السلام ان شئت أقمت عندنا فبررناك وان شئت رددناك الى المدينة فقال لا اريد الا المدينة فأرسلهم اليها وأرسل معهم النعمان بن بشير الأنصاري في جماعة وأمره بالرفق بهم وان ينزل بعيداً عنهم حين ينزلون ولكن ما يفيده ذلك بعد ان فعل ما فعل وارتكب ما ارتكب .
المجالس السنية ـ الجزء الثالث
103
وود ان يتلافى ما جنت يده
وكان ذلك كسـراً غيـر مجبور
تسبى بنـات رسل الله بينهم
والدين غض المبادي غير مستور
* * *
المجلس الثاني والثمانون بعد المائة
قال المرزباني : دخل عدي بن حاتم الطائي رحمه الله (وكانت عينه ذهبت يوم الجمل) على معاوية وعنده بن الزبير فقال ابن الزبير يا أبا طريف متى ذهبت عينك قال يوم فر أبوك منهزماً فقتل وضربت على قفاك وأنت هارب وأنا مع الحق وأنت مع الباطل فقال معاوية ما فعل الطرفات يعني طريقاً وطرافاً وطرفة أبناءه قال قتلوا مع أمير المؤمنين علي عليه السلام فقال له ما أنصفك علي اذ قدم ابناءك وأخر أبناءه قال بل انا ما أنصفته اذ قتل وبقيت بعده قال له معاوية انا انه قد بقيت قطرة من دم عثمان ما لها الا كذا وأومأ بيده اليه فقال له عدي ان السيوف التي اغمدت اغمدت على حسك في الصدور ولعلك نسل سيفاً تسل به سيوف فالتفت معاوية الى عمرو بن العاص فقال كلمة شدها في قرنك ثم خرج عدي وهو يقول :
يحـاولني معـاوية صخـر
وليس الى التي يبغي سبيل
يذكـرني أبـا حسن علـياً
وخطبي في أبي حسن جليل
وقال ابن الزبير وقال عمرو
عدي بعـد صفـين ذلـيل
فقلت صدقتما قد هدر كـني
وفارقني الذيـن بهم أصول
ولكني على مـا كان منـي
اخبر صاحـبي بما اقـول
المجالس السنية ـ الجزء الثالث
104
وان أخا كما في كل يوم
من الأيام محمله ثقيل
(أقول) كل من كان عريقاً في ولاء أهل البيت عليهم السلام يهون عليه فداء نفسه وولده في محبتهم الا ترى الى بشر بن عمرو الحضرمي حين قيل له يوم الطف ان ابنه أسر بثغر الري فقال عند الله أحتسبه ونفسي ما كنت أحب ان يؤسر وأبقى بعده فسمع الحسين عليه السلام قوله فقال رحمك الله انت في حل من بيعتي فاعمل في فكاك ابنك فقال أكلتني السباع حياً ان فارقتك قال فاعط ابنك هذا هذه الأثواب البرود يستعين بها في فداء أخيه فأعطاه خمسة أثواب برود قيمتها الف دينار فحملها مع ولده (فحيا) الله هذه النفوس الكريمة التي سخت بدمائها وابنائها في فداء أهل بيت نبيها وحفظت وصية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في آله وذريته .
مـن كل مكتهل في عزم مقتبل
وكل مقتـبل فـي حزم مكـتهل
قرم اذا الموت ابدى عن نواجذه
ثنى له عطـف مسرور بـه جذل
أبت له نفـسه يوم الوغى شرفاً
ان لا تسيل على الخرصان والأسل
* * *
المجلس الثالث والثمانون بعد المائة
في الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي عن الاصبغ بن نباتة قال دخل ضرار ابن ضمرة على معاوية بعد وفاة أمير المؤمنين عليه السلام فقال له يا ضرار صف لي علياً فقال اعفني من ذلك فقال اقسمت عليك لتصفنه لي فقال ان كان لا بد من ذلك فانه كان والله بعيد المدى شديد
المجالس السنية ـ الجزء الثالث
105
القوى يقول فصلا ويحكم عدلاً يتفجر العلم من جوانبه وتنطق الحكمة من لسانه يستوحش من الدنيا وزهرتها ويانس باليل ووحشته وكان غزير الدمعة طويل الفكرة يعجبه من اللباس ما خشن ومن الطعام ما جشب وكان فينا كاحدنا يجيبنا ان سألناه وياتينا اذا دعوناه ونحن والله مع قربنا منه وقربه منا لا نكاد نكلمه هيبة له يعظم أهل الدين ويحب المساكين لا يطمع القوي في باطله ولا ييأس الضعيف من عدله وأشهد بالله يا معاوية لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله وارت نجومه قابضاً على لحيته الشريفة يتململ تململ السليم ويبكي بكاء الحزين وهو يقول اليك عني يا دنيا غري غيري ألي تعرضت أم الي تشوقت هيهات هيهات فاني قد طلقتك ثلاثا لا رجعة لي فيك فعمرك قصير وخطرك كبير وعيشك حقير ثم قال عليه السلام آه آه من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق ثم بكى ضرار وبكى معاوية وقال رحم الله ابا الحسن كان والله كذلك ثم قال فكيف حزنك عليه ياضرار قال حزن من ذبح ولدها في حجرها فهي لا ترقى لها دمعة ولا تسكن لها زفرة (وفي خبر) ترصد عمرو بن حريث غذاء أمير المؤمنين عليه السلام فأتته فضة بجراب مختوم ففكه واستخرج منه خبزاً متغير اللون خشناً جشباً فقال عمرو يا فضة الا تتقين الله في هذا الشيخ الا تنخلين له دقيق هذا الخبز وتطيبينه فقالت قد كنت أفعل ذلك فنهاني وكنت اضع في جرابه طعاماً طيباً فختم جرابه قال ثم ان أمير المؤمنين عليه السلام فت ذلك الخبز في قصعة وصب عليه الماء وحسر عن ذراعيه وجعل ياكل حتى اكتفى فلما فرغ من الأكل التفت الي وقال لقد خابت هذه ومد يده الى لحيته الكريمة وخسرت هذه ان أدخلتها النار من أجل الطعام (ورآه) عدي بن حاتم وبين يديه شنة وفيها
المجالس السنية ـ الجزء الثالث
106
قراح ماء وكسرات من خبز الشعير فقال له ارى لك ذلك يا امير المؤمنين ان تظل نهارك صائماً مجاهداً وبالليل ساهراً مكابداً ثم يكون هذا فطورك فقال عليه السلام :
علل النفس بالقنوع والا
طلبت منك فوق ما يكفيها
ولم يزل هذا دأبه وهذه سجيته حتى اتى اليه ابن ملجم المرادي وضربه بالسيف على أم رأسه .
الـم يعلم الجاني عـلى اللـيث انه
اتى الليث في محرابه وهو ساجد
ولو جاءه من حيث ما الليث مبصر
خانته عن حمل الحسام السـواعد
فلما حضرته الوفاة دعا أولاده كلهم صغيراً وكبيراً وجعل يودعهم ويقول : الله خليفتي عليكم استودعكم الله وهم يبكون ، ثم التفت الى ولده الحسن عليه السلام فقال يا ابا محمد أوصيك بابي عبد الله خيراً فأنتما مني وأنا منكما ثم قال كاني بكم وقد خرجت عليكم الفتن من ها هنا وها هنا فعليكم بالصبر فهو محمود العاقبة ثم قال يا أبا عبد الله أنت شهيد هذه الأمة فعليك بتقوى الله والصبر على بلائه .
أبا حسـن ابناؤك اليـوم حلقـت
بقادمة الأسياف عن خطة الخـسف
سل الطف عنهم اين بالأمس طنبوا
واين استقلوا اليوم عن عرضة الطف
* * *
المجلس الرابع والثمانون بعد المائة
روى الشيخ المفيد عليه الرحمة في كتاب الاختصاص بسنده قال
المجالس السنية ـ الجزء الثالث
107
قدم وفد العراقيين على معاوية فقدم في وفد أهل الكوفة عدي بن حاتم الطائي وفي وفد أهل البصرة الأحنف بن قيس وصعصعة بن صوحان فقال عمرو بن العاص لمعاوية هؤلاء رجال الدنيا وهم شيعة علي الذين قاتلوا معه يوم الجمل ويوم صفين فكن منهم على حذر فأمر لكل رجل منهم بمجلس سري واستقبل القوم بالكرامة فلما دخلوا عليه قال لهم اهلا وسهلا قدمتم الأرض المقدسة وأرض الأنبياء والرسل والحشر والنشر فتكلم صعصعة وكان من أحضر الناس جوابا فقال اما قولك الأرض المقدسة فان الأرض لا تقدس أهلها وانما تقدسهم الأعمال الصالحة واما قولك ارض الأنبياء والرسل فمن بها من أهل النفاق والشرك والفراعنة والجبابرة اكثر من الأنبياء والرسل واما قولك ارض الحشر والنشر فان المؤمن لا يضره بعد المحشر والمنافق لا ينفعه قربه ، فقال معاوية لو كان الناس كلهم اولدهم ابا سفيان لا كان فيهم الا كيساً رشيداً فقال صعصعة قد أولد الناس من كان خيراً من ابي سفيان (وهو آدم ابو البشر) فأولد الأحمق والفاجر والفاسق والمعتوه والمجنون فخجل معاوية (وروى) المفيد أيضاً في الكتاب المذكور بسنده عن السائب قال : خطب الناس يوماً معاوية بمسجد دمشق وفي الجامع يومئذ من الوفود علماء قريش وخطباء ربيعة وصناديد اليمن وملوكها فقال ان الله تعالى أكرم خلفاءه فاوجب لهم الجنة وأنقذهم من النار ثم جعلني منهم وجعل انصاري أهل الشام الذابين عن حرم الله المؤيدين بظفر الله المنصورين على أعداء الله وكان في الجامع من أهل العراق الأحنف بن قيس وصعصعة بن صوحان فقال الأحنف لصعصعة أتكفيني أم أقوم اليه أنا فقال صعصعة بل أكفيكه انا فقام صعصعة فقال يا ابن ابي سفيان تكلمت فابلغت ولم تقصر دون ما أردت وكيف
المجالس السنية ـ الجزء الثالث
108
يكون ما تقول وقد غلبتنا قسراً وملكتنا تجبراً ودنتنا بغير الحق فاما اطراؤك لأهل الشام فما رأيت أطوع لمخلوق ولا أعصى لخالق منهم ابتعت منهم ديتهم وأبدانهم بالمال فان أعطيتهم حاموا عنك ونصروك وان منعتهم . قعدوا عنك ورفضوك قال معاوية اسكت ابن صوحان فوالله لولا أني لم اتجرع غصة غيظ قط افضل من حلم لما عدت الى مثل مقالتك فقعد صعصعة فأنشأ معاوية يقول :
قبلت جاهلهم حلماً ومكرمة
والحلم عن قدرة فضل من الكرم
وهذا الحلم الذي كان يظهره معاوية انما كان حيث تقتضيه السياسة ويخاف من عاقبة البطش والا فما باله قتل حجر بن عدي وأصحابه وعمرو بن الحمق وامثاله وبعث احد اصحاب حجر الى زياد فدفنه حياً كما رواه ابن الأثير بعدما كان امن هؤلاء كلهم وحمل عبد الله بن هاشم المرقال اليه مكبلا بالحديد ، ونادى مناديه بعد صلح الحسن عليه اسلام ان برئت الذمة ممن يروي حديثاً من مناقب علي وفضل اهل بيته واستعمل زياداً على الكوفة والبصرة فجعل يتتبع الشيعة ويقتلهم تحت كل حجر ومدر واخافهم وقطع الأيدي والأرجل وصلبهم في جذوع النخل وسمل اعينهم وطردهم وشردهم حتى نفوا من العراق فلم يبق بها احد معروف وكتب الى عماله بقتلهم على التهمة والظنة واقتدى به ولده يزيد فولى الكوفة والبصرة عبيد الله بن زياد كما ولاهما ابره زياداً فقتل الشيعة واخافهم وصلبهم في جذوع النخل كما فعل بميثم التمار وامثاله حتى آل امره الى قتل مسلم بن عقيل ورميه من اعلى القصر والى قتل ريحانة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الحسين عليه السلام واهل بيته واصحابه ومنعه من الماء ورض جسده الشريف بعد القتل بحوافر الخيل وحمل راسه ورؤوس اصحابه من بلد الى بلد وسبي نساء
المجالس السنية ـ الجزء الثالث
109
بيت النبوة والرسالة ومقابلته لهن بافظ القول واجفاه .
بنى لهم الماضون آساس هذه
فعلوا على آساس تلك القواعد
الا ليس فعل الأولين وان علا
على قبح فعل الآخرين بزائد
* * *
المجلس الخامس والثمانون بعد المائة
في العقد الفريد لما قدم عقيل بن ابي طالب على معاوية أكرمه وقضى حوائجه وقضى دينه ثم قال له يوماً ان علياً قطع قرابتك وما وصلك قال عقيل والله لقد أجزل العطية وأعظمها ووصل القرابة وحفظها وحسن ظنه بالله اذ ساء به ظنك وحفظ امانته وأصلح رعيته اذ خنتم وافسدتم وجرتم فاكفف لا أبالك فانه عما تقول بمعزل (وقال) معاوية يوماً وعقيل عنده هذا ابو يزيد لو لا علمه انني خير له من اخيه لما أقام عندنا وتركه فقال عقيل اخي خير لي في ديني وأنت خير لي في دنياي وقد آثرت دنياي وأسأل الله خاتمة خير (وقال) له يوماً أنتم يا بني هاشم تصابون في أبصاركم (وكان عقيل مكفوف البصر) فقال وانتم يا بني أمية تصابون في بصائركم (ودخل) عقيل يوماً على معاوية فقال معاوية لأصحابه هذا عقيل عمه ابو لهب فقال عقيل وهذا معاوية عمته حمالة الحطب (وقال) له معاوية اين ترى عمك ابا لهب فقال عقيل اذا دخلت النار فخذ على يسارك تجده مفترشاً عمتك حمالة الحطب فانظر أيهما شر .
(وروى) المدائني قال قال معاوية يوماً لعقيل بن ابي طالب هل
المجالس السنية ـ الجزء الثالث
110
من حاجة فأقضيها لك قال نعم جارية عرضت علي وأبى أصحابها ان يبيعوها الا باربعين الفاً فأحب معاوية ان يمازحه فقال وما تصنع بجارية قيمتها اربعون الفاً وانت أعمى تجتزي بجارية قيمتها خمسون درهماً قال عقيل ارجو ان تلد لي غلاماً اذا أغضبته يضرب عنقك بالسيف فضحك معاوية وقال مازحناك يا ابا يزيد وأمر فابتعيت له الجارية التي اولد منها مسلماً فلما اتت على مسلم ثماني عشرة سنة وقد مات ابوه عقيل قال لمعاوية ان لي ارضاً بمكان كذا في المدينة وان اعطيت بها مائة الف وقد احببت ان ابيعك اياها فادفع الي ثمنها فأمر معاوية بقبض الأرض ودفع الثمن اليه فبلغ ذلك الحسين عليه السلام فكتب الى معاوية اما بعد فانك غررت غلاماً من بني هاشم فابتعت منه ارضاً لا يملكها فاقبض من الغلام ما دفعته اليه واردد الينا أرضنا فبعث معاوية الى مسلم فأخبره ذلك وأقرأه كتاب الحسين عليه السلام وقال اردد علينا ما لنار وخذ أرضك فانك بعت ما لا تملك فقال مسلم اما دون ان أضرب رأسك بالسيف فلا فاستلقى معاوية ضاحكا يضرب برجليه ثم قال يا بني هذا والله كلام قاله لي أبوك حين ابتعت له أمك ثم كتب الى الحسين عليه السلام اني قد رددت عليكم الأرض وسوغت مسلماً ما أخذ (ومناقب) مسلم وفضائله كثيرة وشجاعته عظيمة شهيرة (وهو) الذي قال في حقه الحسين عليه السلام لما بعثه الى أهل الكوفة فكتب اليهم انا باعث اليكم أخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي مسلم بن عقيل (وهو) الذي اجاب عبيد الله بن زياد بتلك الأجوبة العظيمة وذلك حين اخذ مسلم اسيراً وأدخل على ابن زياد فقال له الحرسي سلم على الأمير فقال اسكت ويحك والله ما هو لي بامير قال ابن زياد لا عليك سلمت ام لم تسلم فانك مقتول فقال له مسلم ان قتلتني فلقد قتل من هو شر منك من هو خير
المجالس السنية ـ الجزء الثالث
111
مني فقال له ابن زياد قتلني الله ان لم أقتلك قتلة لم يقتلها احد في الإسلام فقال له مسلم اما انك أحق من أحدث في الإسلام ما لم يكن وانك لا تدع سوء القتلة وقبح المثلة وخبث السريرة ولؤم الغلبة لا أحد اولى بها منك فقال ابن زياد يا عاق يا شاق خرجت على امامك وشققت عصا المسلمين والقحت الفتنة فقال مسلم كذبت انما شق عصا المسلمين معاوية وابنه يزيد واما الفتنة فانما القحتها انت وأبوك فقال ابن زياد منتك نفسك امراً حال الله دونه وجعله لأهله فقال له مسلم ومن أهله يا ابن مرجانة اذا لم نكن نحن أهله فقال ابن زياد أهله أمير المؤمنين يزيد فقال مسلم الحمد لله على كل حال رضينا بالله حكماً بيننا وبينكم فقال له ابن زياد اتظن ان لك في الأمر شيئاً فقال له مسلم والله ما هو الظن ولكنه اليقين فقال له ابن زياد أتيت الناس وهم جميع فشتت أمرهم وفرقت كلمتهم قال كلا لست لذلك أتيت ولكنكم أظهرتم المنكر ودفنتم المعروف وتامرتم على الناس بغير رضا منهم وعملتم فيهم باعمال كسرى وقيصر فأتيناهم لنأمرهم بالمعروف وننهى عن المنكر فقال له ابن زياد لم لم تعمل بذلك اذ انت بالمدينة تشرب الخمر قال مسلم أنا أشرب الخمر اما والله ان الله ليعلم انك تعلم انك غير صادق وان احق بشرب الخمر مني من يقتل النفس التي حرم الله على الغضب والعداوة وسوء الظن فأقبل ابن زياد يشتمه ويشتم علياً والحسن والحسين وعقيلا فقال له مسلم انت وأبوك أحق بالشتيمة فاقض ما أنت قاض يا عدو الله فقال ابن زياد اصعدوا به فوق القصر واضربوا عنقه فصعد به بكر ابن حمران وهو يكبر ويستغفر الله ويسبحه ويصلي على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويقول اللهم احكم بيننا وبين قوم غرونا وكذبونا وخذلونا فضرب عنقه واتبع رأسه جسده فلما بلغ خبره الحسين عليه السلام استعبر