المجالس السنية ـ الجزء الثالث 75

وامي فغصبنيها وحال بيني وبينها وقتل من نازعه فيها من رجالي فأتيتك مستصرخة فان انصفت وعدلت والا وكلتك انت وزياد الى الله عزوجل فلن تبطل ظلامتي عندك ولا عنده والمنصف لي منكما حكم عدل فبهت معاوية ينظر اليها متعجباً من كلامها ثم قال ما لزياد لعن الله زياد فانه لا يزال يعبث على مثالبه من ينشرها وعلى مساويه من يثيرها ثم امر كاتبه بالكتاب الى زياد يامره بالخروج اليها من حقها والا صرفه مذموماً مدحوراً ثم امر لها بعشرين الف درهم وعجب معاوية وجميع من حضره من مقالتها وبلوغها حاجتها (هكذا) جرت سيرة الملوك والأمراء في الحلم عن النساء والضعفاء والاحسان اليهن في الجاهلية والاسلام حتى آل الأمر الى ابن زياد وادخلت عليه حوراء النساء زينب فاقبل عليها وقال لها الحمد لله الذي قتلكم وفضحكم واكذب احدوثتكم فقالت زينب الحمد لله الذي اكرمنا بنبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم وطهرنا من الرجس تطهيرا انما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر وهو غيرنا فقال لها كيف رأيت فعل الله بأخيك واهل بيتك فقالت ما رأيت الا جميلا هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا الى مضاجعهم وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاج وتخاصم فانظر لمن الفلج يومئذ هبلتك امك يا ابن مرجانة فغضب ابن زياد واستشاط غضباً وكانه هم بها فقال له عمرو بن حريث ايها الأمير انها امرأة والمرأة لا تؤاخذ بشيء من منطقها ولا تذم على خطئها فقال لها ابن زياد لقد شفى الله قلبي من طاغيتك الحسين والعصاة المردة من أهل بيتك فرقت زينب وبكت وقالت لعمري لقد قتلت كهلي وابرزت أهلي وقطعت فرعي واجتثثت اصلي فان كان هذا شفاؤك فقد اشتفيت فقال ابن زياد هذه سجاعة ولعمري قد كان ابوها سجاعاً شاعراً فقالت ما

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 76

للمرأة والسجاعة ان لي عن السجاعة لشغلاً ولكن صدري نفث بما قلت
تصان بنت الدعي في كلل الملـ ـك وبنت الرسول تبتذل
يرجى رضى المصطفى فواعجباً تقتـل اولاده ويحتـمـل

* * *


المجلس الثاني والسبعون بعد المائة


في المحاسن والمساوئ للبيهقي قيل : لما بلغ غانمة بنت غانم سب معاوية وعمرو ابن العاص بني هاشم قالت لأهل مكة أيها الناس ان بني هاشم أطول الناس باعاً وأمجد الناس أصلاً وأحلم الناس حلماً وأكثر الناس عطاء منا عبد مناف الذي يقول فيه الشاعر :
كانت قريش بيضة فتفلقت فالمح (1) خالصه لعبد مناف

وولده هاشم الذي هشم الثريد لقومه وفيه يقول الشاعر :
هشم الثريد لقومه وأجارهم ورجال مكة مسنتون عجاف
ثم منا عبد المطلب الذي سقينا به الغيث وفيه يقول الشاعر :
ونحن سني المحل قام شفيعنا بمكة يدعو والمياه تغور

ومنا أبو طالب عظيم قريش وسيدها وفيه يقول الشاعر :
وأتيته ملكا فقام بحاجتي وترى العليج خائباً مذموماً

ومنا العباس بن عبد المطلب اردفه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأعطاه ماله وفيه يقول الشاعر :

(1) المح بالميم المضمومة والحاء المهملة صفرة البيض .
ـ المؤلف ـ
المجالس السنية ـ الجزء الثالث 77

رديف رسول الله لم ار مثله ولا مثله يوم القيامة يوجد

ومنا حمزة سيد الشهداء وفيه يقول الشاعر :
أبا يعلى لك الأركان هدت وانت الماجد البر الوصول

ومنا جعفر ذو الجناحين أحسن الناس حسناً وأكملهم كمالاً ليس بغدار ولا ختار بدله الله جل وعز بكل يد له جناحاًُ يطير به في الجنة وفيه يقول الشاعر :
هاتوا كجعفرنا ومثل علينا إنا أعز الناس عند الخالق

ومنا أبو الحسن علي بن أبي طالب أفرس بني هاشم أكرم من احتفى وانتعل بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن فضائله ما قصر عنكم أنباؤها وفيه يقول الشاعر :
وهذا علي سيد الناس فاتقوا علياً باسلام تقدم من قبل

ومنا الحسن بن علي سبط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسيد شباب أهل الجنة وفيه يقول الشاعر :
ومن يك جده حقاً نبياً فان له الفضيلة في الأنام

ومنا الحسين بن علي حمله جبرائيل عليه السلام على عاتقه وكفى بذلك فخراً وفيه يقول الشاعر :
نفى عنه عيب الأدميين ربه ومن مجده مجد الحسين المطهر

ثم قالت يا معشر قريش والله ما معاوية بامير المؤمنين ولا هو كما يزعم هو والله شانئ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اني آتية معاوية وقائلة له بما يعرق منه جبينه وكثر منه عويله فكتب عامل معاوية اليه بذلك فلما قربت من المدينة استقبلها يزيد في حشمه ومماليكه فلما دخلت المدينة اتت

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 78

دار أخيها عمرو بن غانم فقال لها يزيد ان أبا عبد الرحمن يامرك ان تصيري الى دار ضيافته وكانت لا تعرفه فقالت له من أنت قال يزيد ابن معاوية قالت فلا رعاك الله يا ناقص فأتى اباه فأخبره فقال هي أسن قريش وأعظمهم قال كانت تعد على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أربعمائة عام فلما كان من الغد أتاها معاوية فسلم عليها فقالت على المؤمنين السلام وعلى الكافرين الهوان ثم قالت من منكم ابن العاص قال عمرو ها انا ذا فقالت وأنت تسب قريشاً وبني هاشم وأنت أهل السب يا عمرو اني والله لعارفة بعيوبك وعيوب أمك وأما أنت يا معاوية فما كنت في خير ولا ربيت في خير فما لك ولبني هاشم أنساء بني أمية كنسائهم أم أعطي أمية ما أعطي هاشم في الجاهلية والاسلام وكفى فخراً برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال معاوية ايتها الكبيرة أنا كاف عن بني هاشم (ذكرني) خطاب غانمة الهاشمية بذلك اللسان العضب الهاشمي والقلب الجريء غير هيابة ولا وجلة خطاب فخر الهاشميات زينب بنت علي شبيهة أبيها أمير المؤمنين عليه السلام لولده يزيد حين خطبت تلك الخطبة العظيمة وخاطبت يزيد بكلام كحدود السيوف مستحقرة له غير مبالية بما هو فيه من الملك والسلطان قائلة له من جملة كلامها ولئن جرت علي الدواهي مخاطبتك اني أستصغر قدرك وأستعظم تقريعك وأستكبر توبيخك لكن العيون عبرى والصدور حرى ألا فالعجب كل العجب لقتل حزب الله النجباء بحزب الشيطان الطلقاء ولئن اتخذتنا مغنما لتجدننا وشيكا مغرماً حين لا تجد الا ما قدمت يداك وما ربك بظلام للعبيد فالى الله المشتكى وعليه المعول فكد كيدك واسع سعيك وناصب جهدك فو الله لا تمحو ذكرنا ولا تميت وحينا ولا تدرك أمدنا ولا ترحض عنك عارها وهل رأيك الا فند وايامك الا عدد وجمعك الا بدد يوم ينادي المنادي الا

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 79

لعنة الله على الظالمين .
فيا وقعة لم يحدث الدهر مثلها يبيد الليالي ذكرها وهو خالد
لألبست هذا الديـن اثواب ذلة ترث لها الأيام وهـي جدائد

* * *

المجلس الثالث والسبعون بعد المائة

في كتاب بلاغات النساء أنه لما قتل علي بن أبي طالب عليه السلام بعث معاوية في طلب شيعته فكان في من طلب عمرو بن الحمق الخزاعي فراغ منه فأرسل الى امرأته آمنة بنت الشريد فحبسها في سجن دمشق سنتين ثم ان عبد الرحمن بن الحكم طفر بعمرو بن الحمق في بعض الجزيرة فقتله وبعث برأسه الى معاوية وهو أول رأس حمل في الاسلام (قال الأعمش) أول رأس أهدي من بلد الى بلد في الاسلام رأس عمرو بن الحمق فلما أتى معاوية الرسول بالرأس بعث به الى آمنة في السجن وقال للحرسي احفظ ما تتكلم به حتى تؤديه الي واطرح الرأس في حجرها ففعل هذا فارتاعت له ساعة ثم وضعت يدها على رأسها وقالت نفيتموه عني طويلا واهديتموه الي قتيلا فأهلا وسهلا بمن كنت له غير قالية وانا له اليوم غير ناسية ارجع به ايها الرسول الى معاوية فقل له ايتم الله ولدك واوحش منك اهلك ولا غفر لك ذنبا فرجع الرسول الى معاوية فأخبره بما قالت فأرسل اليها فأتته وعنده نفر فيهم اباس بن حسل وكان في شدقيه انتفاخ لعظم كان في لسانه فقال لها معاوية أأنت يا عدوة الله صاحبة الكلام الذي بلغني قالت نعم غير نازعة عنه ولا

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 80

معتذرة منه ولا منكرة له فلعمري لقد اجتهدت في الدعاء ان نفع الاجتهاد وان الحق لمن وراء العباد وما بلغت شيئاً من جزائك وان الله بالنقمة من ورائك فأعرض عنها معاوية فقال أياس اقتل هذه يا امير المؤمنين فوالله ما كان زوجها أحق بالقتل منها فالتفتت اليه وقالت تباً لك ويلك بين لحييك كجثمان الضفدع ثم أنت تدعوه الى قتلي كما قتل زوجي بالأمس ان تريد الا ان تكون جباراً في الأرض وما تريد ان تكون من المصلحين فضحك معاوية ثم قال لله درك اخرجي ثم لا أسمع بك في شيء من الشام قالت وأبي لأخرجن ثم لا تسمع بي في شيء من الشام فما الشام لي بحبيب ولا أعرج فيها على حميم وما هي لي بوطن ولا أحن فيها الى سكن ولقد عظم فيها ديني وما قرت فيها عيني وما انا فيها اليك بعائدة ولا حيث كنت بحامدة فأشار معاوية اليها ببنانه اخرجي فخرجت وهي تقول واعجبي لمعاوية يكف عني لسانه وهو يشير الى الخروج ببنانه اما والله ليعارضنه عمرو بكلام مؤيد سديد اوجع من نوافذ الحديد او ما انا بابنة الشريد فخرجت وتلقاها الأسود الهلالي وكان اسود اصلع أبرص فسمع مقالها فقال لمن تعني هذه عليها لعنة الله فقالت خزياً لك وجدعاً اتلعنني واللعنة بين جنبيك وما بين قرنيك الى قدميك اخسأ يا هلمة الصعل ووجه الجعل فبهت الأسود ينظر اليها ثم سأل عنها فأخبر فأقبل يعتذر اليها خوفاً من لسانها ثم التفت معاوية الى عبيد بن أوس فقال ابعث اليها ما تقطع به عنا لسانها وتقضي به ما ذكرت من دينها وتخف به الى بلادها فلما أتاها الرسول بما أمر به معاوية قالت يا عجبي لمعاوية يقتل زوجي ويبعث الي بالجوائز فأخذت ذلك وخرجت تريد الجزيرة فمرت بحمص فقتلها الطاعون فبلغ ذلك الأسود فأقبل الى معاوية كالمبشر له

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 81

فقال قد استجيبت دعوتك في ابنة الشريد وقد كفيت شر لسانها مرت بحمص فقتلها الطاعون قال معاوية فنفسك فبشر فان موتها لم يكن على احد اروح منه عليك ولعمري ما انتصفت منها حين افرغت عليك شؤبوبا وبيلا فقال الاسود ما أصابني من حرارة لسانها شيء الا وقد اصابك مثله وأشد منه (أقول) وعمرو بن الحمق هذا من خيار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن السابقين الذين رجعوا الى أمير المؤمنين عليه السلام وأخلصوا في محبته وكتب الحسين عليه السلام الى معاوية بعد قتله عمرو بن الحمق جوابا عن كتاب أولست قاتل عمرو بن الحمق صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم العبد الصالح الذي ابلته العبادة فنحل جسمه واصفر لونه بعدما أمنته وأعطيته من عهود الله ومواثيقه ما لو أعطيته طائراً نزل اليك من رأس جبل ثم قتلته جرأة على ربك واستخفافاً بذلك العهد (وقتل) عمرو ببلاد الموصل وقطع رأسه وأرسل الى معاوية فأرسله معاوية كما سمعت الى امرأته وهي في السجن وأمر أن يطرح في حجرها وبه اقتدى ولده يزيد في قطع رؤوس سادات المسلمين وحملها اليه من بلد الى بلد فانه لما قتل الحسين عليه السلام وأصحابه امر عامله عبيد الله بن زياد ان يحمل اليه رأس الحسين عليه السلام ورؤوس أصحابه وسبايا أهل بيت النبوة ففعل وكان الرأس الشريف بمرأى ومنظر من نساء الحسين عليه السلام وأخواته وبناته طول مدة الطريق من العراق الى الشام وكما طرح معاوية رأس عمرو بن الحمق في حجر زوجته بعد قتله بغياً وعتوا وشدة بغضه لأمير المؤمنين عليه السلام وشيعته أحضر ولده يزيد رأس الحسين عليه السلام بين يديه بمحضر من نساء الحسين وأخواته وبناته فأخذت الرباب زوجة

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 82

الحسين عليه السلام الرأس الشريف ووضعته في حجرها وقبلته وقالت
واحسيناً فلا نسيت حسيناً أقصـدته أسنـة الأعـداء
غادروه بكربلاء صريعاً لا سقى الله جابني كربلاء

وأما زينب عليها السلام لما رأت رأس أخيها بين يدي يزيد أهوت الى جيبها فشقته ثم نادت بصوت حزين يقرح القلوب يا حسيناه يا حبيب رسول الله يا ابن مكة ومنى يا ابن فاطمة الزهراء سيدة النساء يا ابن بنت المصطفى فأبكت كل من كان حاضراً في المجلس .
رق لها الشامت مما بها ما حال من رق لها الشامت

* * *

المجلس الرابع والسبعون بعد المائة

قال المرزباني قال الحسن البصري : اربع خصال كن في معاوية لو لم يكن فيه الا واحدة منهن كانت موبقة . انتزاؤه على هذه الامة بالسفهاء وفيها بقايا الصحابة وذوو الفضل . وادعاؤه زياداً وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم الولد للفراش وللعاهر الحجر . واستخلافه يزيداً من بعده سكيراً خميراً يزوج بين الدب والذئب والكلب والضبع ينظر ما يخرج بينهما . وقتله حجر بن عدي وأصحابه فيا ويله ثم يا ويله (قال المرزباني) كان حجر ابن عدي بن الأدبر الكندي رحمة الله عليه وفد على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وشهد القادسية وهو الذي فتح مرج عذراء وشهد مع علي عليه السلام الجمل وصفين وهو من العباد الثقات المعروفين روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (وتكلم) زياد بن أبيه يوماً على المنبر فقال ان من حق أمير المؤمنين أعادها

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 83

مراراً فقال حجر كذبت ليس كذلك فسكت زياد ساعة ثم أخذ في كلامه حتى غاب عنه ما جرى فقال ان من حق أمير المؤمنين فأخذ حجر كفاً من حصى فحصبه فقال كذبت عليك لعنة الله فانحدر زياد عن المنبر ودخل دار الامارة وانصرف حجر فبعث اليه زياد الخيل والرجال فقالوا أجب فقال اني والله ما أنا بالذي يخاف ولا آتيه أخافه على نفسي فقال ابن سيرين ولو مال لمال أهل الكوفة معه غير أنه كان رجلاً ورعاً وابى زياد ان يرفع عنه الخيل حتى سلسلة وأنفذه مع اناس من اصحابه وكانوا ثلاثة عشر(1) الى معاوية فلما سار حجر اتبعه زياد بريداً فقال اركض الى معاوية وقل له ان كان لك في سلطانك حاجة فاكفني حجراً فلما قدم عليه حجر قال السلام عليك يا امير المؤمنين قال وامير المؤمنين انا وجعل يكرر ذلك وأمر بالخراج حجر وأصحابه الى عذرا وقتلهم هناك (قال ابن الأثير) كان حجر وأصحابه الذين بعث بهم زياد الى معاوية أربعة عشر رجلا فحبسوا بمرج عذرا وتشفع أصحاب معاوية في ستة منهم فاطلقهم وتشفع بعضهم في حجر فلم يطلقه وطلب اثنان منهم ان يرسلوهما الى معاوية وقالا انا نقول في هذا الرجل (أي علي) مثل مقالته فقال لأحدهما ما تقول في علي قال أقول فيه قولك قال أتبرأ من دين علي الذي يدين الله به فسكت فتشفع فيه بعض الحاضرين فنفاه الى الموصل فمات بها وقال للآخر ما تقول في علي قال دعني لا تسألني فهو خير لك قال والله لا أدعك قال أشهد أنه كان من الذاكرين الله كثيراً من الآمرين بالحق والقائمين بالقسط والعافين عن الناس الى ان

(1) سيأتي في رواية ابن الأثير انهم اربعة عشر فلعل مراد المرزباني انهم ثلاثة عشر ما عدى حجر ومعه اربعة عشر .
ـ المؤلف ـ
المجالس السنية ـ الجزء الثالث 84

قال له معاوية قتلت نفسك قال بل اياك قتلت فرده الى زياد وأمره أن يقتله شر قتلة فدفنه حياً ثم قتل حجر وأصحابه بمرج عذرا وكانوا ستة والذي دفنه زياد حياً فهؤلاء سبعة ونجا منهم سبعة (وبعث) معاوية رجلا أعور اسمه هدبة القضاعي ومعه رجلان ليقتلوا من أمروا بقتله فأتوا مساء فقالوا لهم انا قد أمرنا ان نعرض عليكم البراءة من علي واللعن له فان فعلتم تركناكم وان أبيتم قتلناكم فقالوا لسنا فاعلي ذلك فحفرت لهم القبور وأحضرت الأكفان وقام حجر واصحابه يصلون عامة الليل (كما) قام الحسين عليه السلام وأصحابه ليلة العاشر من المحرم يصلون عامة الليل ويذكرون الله تعالى ويدعون ويستغفرون وهم يعلمون انهم في صبيحة تلك الليلة مقتولون لا محالة كما يعلم حجر وأصحابه انهم في صبيحة ليلتهم مقتولون لا محالة فما أشبه الأبناء بالآباء والخلف بالسلف (وكان) للحسين عليه السلام وأصحابه في تلك الليلة دوي كدوي النحل وباتوا ما بين قائم وقاعد وراكع وساجد .
سمة العبيـد من الخشوع عليهم لله ان ضمتهـم الأسحـار
فاذا ترجلت الضحى شهدت لهم بيض القواضب انهم احرار

ولما كان الغد قدم حجر وأصحابه السته فقتلو وصلي عليهم ودفنوا ولما كان الغد من يوم عاشوراء وقتل الحسين عليه السلام وأصحابه لم يصل عليهم ولم يدفنوا بل ان عمر بن سعد صلى على أصحابه ودفنهم وترك الحسين عليه السلام وأصحابه مطرحين على الرمضاء بغير دفن جثثاً بلا رؤوس حتى جاء بنو أسد بعد ثلاثة أيام فصلوا على تلك الجثث الطواهر الزواكي ودفنوها .
فيا أقبراً خطب على أنجم هوت وفرقن في الأطراف مغتربات
وليس قبوراً هن بل هن روضة منورة مخـضـرة الجنـبات


المجالس السنية ـ الجزء الثالث 85

المجلس الخامس والسبعون بعد المائة

(قال) الأعمش اول قتيل قتل في الاسلام صبراً حجر بن عدي (قال المرزباني) لما بعث زياد بن أبيه بحجر بن عدي وأصحابه الى معاوية بالشام أمر معاوية باخراجهم الى عذرا وقتلهم هناك فلما قدم حجر عذرا قال ما هذه القرية فقيل عذرا فقال الحمد لله أما والله اني لأول مسلم ذكر الله فيها وسجد وأول مسلم نبح عليه كلابها في سبيل الله ثم انا اليوم أحمل اليها مصفداً في الحديد ثم قال حجر للذي أمر بقتلهم دعني أصل ركعتين فصلى ركعتين خفيفتين فلما سلم انفتل الى الناس فقال لو لا ان يقولوا جزع من الموت لأحببت ان تكونا أنفس مما كانتا وأيم الله لئن لم تكن صلاتي فيما مضى تنفعني ما هاتان بنافعتي شيئاً ثم أخذ ثوبه فتحزم به ثم قال لمن حوله من أصحابه لا تحلوا قيودي فاني أجتمع أنا ومعاوية على هذه المحجة ثم مشى اليه هدبة الأعور بالسيف فشخص له حجر فقال الم تقل أنك لا تجزع من الموت فقال أرى كفناً منشوراً وقبراً محفوراً وسيفاً مشهوراً فمالي لا أجزع اما والله لئن جزعت لا أقول ما يسخط الرب فقال له فابرأ من علي وقد أعد لك معاوية جميع ما تريد ان فعلت فقال ألم أقل أني لا أقول ما يسخط الرب والله لقد أخبرني حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيومي هذا ثم قال ان كنت امرت بقتل ولدي (1) فقدمه فقدمه فضربت عنقه فقيل له

(1) لم يذكر غير المرزباني ان ولد حجر كان من جملة المقتولين ولعله جاء مع ابيه لوداعه او لغير ذلك فقتل ولم يكن من الذين بعث بهم زياد فلذلك لم يذكره المؤرخون والله اعلم
ـ المؤلف ـ
المجالس السنية ـ الجزء الثالث 86

تعجلت الثكل فقال خفت ان يرى هول السيف على عنقي فيرجع عن ولاية علي عليه السلام فلا نجتمع في دار المقامة التي وعدها الله الصابرين (فلله) در حجر ما أعظم نفسه واجل مقامه وأشد تهالكه في حب أهل بيت نبيه وفي طاعة ربه .
واذا كانت النفوس كباراً تعبت في جوارها الأجسام

فانظر اليه كيف ثبت في هذا المقام الرهيب وسلم نفسه للقتل ولم يبرأ من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام مقام عظيم وأيم الله وأي مقام فتسليم النفس للقتل ليس بالأمر الهين ولم يكتف بتسليم نفسه للقتل حتى قدم ابنه للقتل أمامه خوفاً عليه من أن يرجع عن ولاية علي عليه السلام والولد قطعة من الكبد ولا يعدل النفس شيئاً الا الولد ولهذا لما برز علي الأكبر يوم كربلاء لم يملك أبوه الحسين عليه السلام دمعته مع ما اوتيه من الصبر العظيم وأرخى عينيه بالدموع وبكى ثم رفع سبابتيه نحو السماء وقال اللهم كن أنت الشهيد عليهم فقد برز اليهم غلام أشبه الناس خلقاً وخلقاً برسولك وكنا اذا اشتقنا الى نبيك نظرنا اليه
يا كوكباً ما كان أقصر عمره وكذا تكون كواكب الأسحار

ولهذا أيضاً لما وصل الخبر الى بشر بن عمرو الحضرمي يوم عاشوراء ان ابنه أسر بثغر الري قال عند الله أحتسبه ونفسي ما كنت أحب ان يؤسر وأبقى بعده فسمع الحسين عليه السلام مقالته فقال له رحمك الله أنت في حل من بيعتي فاذهب واعمل في فكاك ابنك فقال أكلتني السباع حياً ان فارقتك قال فاعط ابنك هذا هذه الأثواب البرود يستعين بها في فداء أخيه فأعطاه خمسة أثواب برود قيمتها الف دينار فحملها مع ولده

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 87

لقد صبروا صبر الكرام وقد قضوا على رغبة منهم حقوق المكارم
قسـاورة يـوم القـراع رماحهـم تكفلن ارزاق النسـور القشاعم

* * *

المجلس السادس والسبعون بعد المائة

لما بعث زياد بن أبيه بحجر بن عدي الكندي وأصحابه الى معاوية بالشام أمر معاوية باخذهم الى عذرا وهي قرية شرقي دمشق وقتلهم هناك فحملوا اليها (قال) المرزباني فلما أرادوا قتلهم اجتمع الى حجر اصحابه ليودعوه فأنشأ حجر يقول :
فمن لكم مثلـي لـدى كل غارة ومن لكم مثلي اذا البأس أصحرا
ومن لكم مثلي اذا الحرب قلصت واوضع فيها المستميـت وشمرا

ولما حمل عبد الرحمن بن حسان العنزي وكريم بن عفيف الخثعمي وكانا من أصحاب حجر قال العنزي يا حجر لا تبعد ولا يبعد ثوابك فنعم أخو الاسلام كنت وقال الخثعمي يا حجر لا تبعد ولا تفقد ولقد كنت تامر بالمعروف وتنهى عن المنكر ثم ذهب بهما الى القتل فأتبعهما حجر بصره وقال :
كفى بسفاه القبر بعداً لها لك وبالموت قطاعاً لحبل القرائن

(قال المرزباني) لما قتل حجر بن عدي قالت امرأة من كندة ترثيه :

ترفع ايها القمر المنير لعلك ان ترى حجراً يسير


المجالس السنية ـ الجزء الثالث 88

يسير الى معاوية بن صخر ليقتله كمـا زعـم الأميـر
الا يا حجر حجر بني عدي ومن أخـلاقه كـرم وخيـر (1)
الا يا ليت حجراً مات موتا ولم ينحـر كمـا نحر البعير
تجبرت الجبابـر بعد حجر وطاب لها الخورنق والسدير

وقالت عائشة لمعاوية حين قتل حجراً وأصحابه أما والله لقد بلغني أنه سيقتل بعذرا سبعة نفر يغضب الله لهم وأهل السماء (قال) ابن الأثير كان الناس يقولون اول ذل دخل الكوفة موت الحسن بن علي وقتل حجر ودعوة زياد (وقيل) ان حجراً لما قدم ليقتل قيل له مد عنقك فقال ما كنت لأعين الظالمين (ما أشبه) ما جرى لحجر بما جرى لهاني ابن عروة الذي قتل في حب أهل البيت عليهم السلام ونصرتهم فانه لما جيء به ليقتل قيل له أمدد عنقك فقال ما أنا بها سخي وما أنا بمعينكم على نفسي فضربه مولى لعبيد الله بن زياد تركي اسمه رشيد بالسيف فلم يصنع شيئاً فقال له هاني الى الله المعاد اللهم الى رحمتك ورضوانك ثم ضربه أخرى فقتله .
فان كنت لا تدرين ما الموت فانظري الى هانئ في السوق وابن عقيل
الى بطـل قد هشـم السيـف وجهه وآخر يهوي مـن طمـار قتيل
تري جسداً قد غيـر المـوت لونـه ونضح دم قد سال كـل مسيـل

(1) هذا البيت لم يذكره المرزباني واورد ابن الأثير بدل الشطر الأخير (تلقتك السلامة والسرور) .
ـ المؤلف ـ
المجالس السنية ـ الجزء الثالث 89

فتى كان أحيا من فتاة حيية وأقطع من ذي شفرتين صقيل

* * *

المجلس السابع والسبعون بعد المائة

قال المرزباني كان الأحنف بن قيس التميمي رحمه الله من خيار أصحاب علي عليه السلام روي ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنفذ رجلاً يدعو بني سعد الى الإسلام والأحنف فيهم فقال والله انه يدعو الى خير وما اسمع الا حسناً وانه ليدعو الى مكارم الأخلاق وينهى عن ملائمها فذكر ذلك الرجل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم مقاله فقال اللهم اغفر للأحنف وكان يقول هذا من ارجى عملي عندي (وحضر) عند معاية فتكلم جلساؤه والأحنف ساكت فقال له معاوية ما لك لا تتكلم يا ابا بحر فقال اخاف الله ان كذبت واخافكم ان صدقت (وقال) له معاوية مرة انت صاحبنا بصفين ومخذل الناس عن أم المؤمنين فقال والله ان قلوبنا التي أبغضناك بها يومئذ لفي صدورنا وان سيوفنا التي قاتلناك بها لعلى عواتقنا ولئن دنوت الينا شبراً من غدر لندنون اليك ذراعاً من ختر ولئن شئت لتصفون لك قلوبنا بحلمك عنا قال قد شئت (وكان) عنده يوماً اذ دخل رجل من أهل الشام فقام خطيباً فكان آخر كلامه ان سب علياً عليه السلام فأطرق الناس فتكلم الأحنف وقال مخاطباً لمعاوية ان هذا القائل ما قال لو يعلم رضاك في شتم الأنبياء والمرسلين لما توقف عن شتمهم فاتق الله ودع عنك علياً فقد لقي ربه باحسن ما عمل عامل كان والله المبرز في سبقه الطاهر في خلقه الميمون النقيبة العظيمة المصيبة اعلم العلماء

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 90

وأحلم الحلماء وأفضل الفضلاء ووصي خير الأنبياء فقال معاوية لقد أغضيت العين عن القذى وقلت بما لا ترى وأيم الله لتصعدن المنبر فتلعنه طوعاً أو كرهاً فقال ان تعفيني فهو خير لك وان تجبرني على ذلك فوالله لا يجري به لساني أبداً فقال لا بد ان تركب المنبر وتلعن علياً فقال اذاً والله لأنصفنك وأنصفن علياً قال تفعل ماذا قال أحمد الله وأثني عليه وأصلي على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم وأقول أيها الناس ان معاوية أمرني ان العن علياً وان علياً ومعاوية اقتتلا وادعى كل منهما انه كان مبغياً عليه وعلى فئته فاذا دعوت فأمنوا على دعائي ثم أقول اللهم العن أنت وملائكتك وأنبياؤك ورسلك وجميع خلقك الباغي منهما على الآخر والعن اللهم الفئة الباغية على الفئة المبغي عليها آمين رب العالمين اللهم العنهم لعناً وبيلا وجدد العذاب عليهم بكرة وأصيلا قال بل أعفيناك يا أبا بحر (وقال) يوماً معاوية لجلسائه الستم تعلمون كتاب الله قالوا بلى فتلا قوله تعالى «وان من شيء الا عندنا خزائنه وما ننزله الا بقدر معلوم» فقال كيف تلومونني بعد هذا فقام الأحنف فقال ما نلومك على ما في خزائن الله انما نلومك على ما أنزل الله لنا من خزائنه فأغلقت عليه بابك فسكت معاوية ولم يحر جوابا (هكذا) تكون حال المخلصين في ولائهم الذين أخذوا على أنفسهم نصرة الحق في حالتي الأمن والخوف والشدة والرخاء امثال الأحنف من اهل النفوس الكبيرة والهمم السامية وامثال انصار الحسين عليه السلام الذين تلقوا السيوف والرماح والسهام بنحورهم ووجوههم وصدورهم لم يثنهم عن نصرة الحق خوف الردى ولم تتغير حالهم في تلك المواقف الرهيبة المخيفة (ولما) خطبهم الحسين عليه السلام بكربلا فقال انه قد نزل بنا من الأمر ما قد ترون وان الدنيا قد تغيرت وتنكرت وادبر معروفها ولم يبق منها الا صبابة

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 91

كصباب الاناء وخسيس عيش كالمرعى الوبيل الا ترون الى الحق لا يعمل به والى الباطل لا ينتهى عنه ليرغب المؤمن في لقاء ربه محقاً فاني لا ارى الموت الا سعادة و الحياة مع الظالمين الا برما (قام) زهير بن القين فقال قد سمعنا هداك الله يا ابن رسول الله مقالتك ولو كانت الدنيا لنا باقية وكنا فيها مخلدين لآثرنا النهوض معك على الاقامة فيها (ووثب) نافع بن هلال الجملي فقال والله ما كرهنا لقاء ربنا وانا على نياتنا وبصائرنا نوالي من والاك ونعادي من عاداك (وقام) برير بن خضير فقال والله يا ابن رسول الله لقد من الله بك علينا ان نقاتل بين يديك وتقطع فيك اعضاؤنا ثم يكون جدك شفيعنا يوم القيامة (وخطبهم) ليلة العاشر من المحرم فقال من جملة خطبته الا واني قد اذنت لكم فانطلقوا جميعاً في حل ليس عليكم مني ذمام وهذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملا وليأخذ كل واحد منكم بيد رجل من اهل بيتي وتفرقوا في سواد هذا الليل وذروني وهؤلاء القوم فانهم لا يريدون غيري (فقال) له اخوته وابناؤه وبنو اخيه وابناء عبد الله بن جعفر ولم نفعل ذلك لنبقى بعدك لا ارانا الله ذلك ابداً بداهم بهذا القول العباس بن أمير المؤمنين عليه السلام واتبعه الجماعة عليه فتكلموا بمثله ونحوه (وقام) مسلم بن عوسجة الأسدي فقال أنحن نخلي عنك وقد أحاط بك هذا العدو وبم نعتذر الى الله في أداء حقك لا والله لا يراني الله أبداً وانا أفعل ذلك حتى أكسر في صدورهم رمحي وأضاربهم بسيفي ما ثبت قائمه بيدي ولو لم يكن معي سلاح أقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة ولم افارقك وأموت معك (وقام) سعيد بن عبد الله الحنفي فقال لا والله يا ابن رسول الله لا نخليك أبداً حتى يعلم الله انا قد حفظنا فيك وصية رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم والله لو علمت أني أقتل فيك ثم أحيا ثم احرق

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 92

حياً ثم أذرى يفعل ذلك بي سبعين مرة ما فارقتك حتى القى حمامي دونك وكيف لا أفعل ذلك وانما هي قتلة واحدة ثم أنال الكرامة التي لا انقضاء لها أبداً (وقام) زهير بن القين وقال والله يا ابن رسول الله لوددت أني قتلت ثم نشرت الف مرة وان الله تعالى يدفع بذلك القتل عن نفسك وعن أنفس هؤلاء الفتيان من اخوانك وولدك وأهل بيتك (وتكلم) جماعة أصحابه بكلام يشبه بعضه بعضاً وقالوا أنفسنا لك الفداء نقيك بايدينا ووجوهنا فاذا نحن قتلنا بين يديك نكون قد وفينا لربنا وقضينا ما علينا .
قل الصحـابة غيـر ان قليلهـم غيـر القليل
من كل أبيض واضح الـ ـحسبين معلوم المنيل

* * *

المجلس الثامن والسبعون بعد المائة

قال ابن القتيبة في الإمامة والسياسة لم يكن أحد أحب الى معاوية ان يلقاه من أبي الطفيل الكناني وهو عامر بن وائلة وكان فارس أهل صفين وشاعرهم وكنا من أخص الناس بعلي عليه السلام فقدم ابو الطفيل الشام يزور ابن أخ له من رجال معاوية فأخبر معاوية بقدومه فأرسل اليه فأتاه وهو شيخ كبير فلما دخل عليه قال له معاوية أنت أبو الطفيل عامر بن وائله قال نعم قال معاوية أكنت ممن قتل أمير المؤمنين عثمان قال لا ولكن ممن شهده فلم ينصره قال ولم قال لم ينصره المهاجرون ولا أنصار فقال معاوية اما والله ان نصرته كانت عليك وعليهم حقاً واجباً وفرضاً لازماً فاذا ضيعتموه فقد فعل الله بكم ما انتم اهله

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 93

وأصاركم الى ما رأيتم فقال أبو الطفيل فما منعك يا أمير المؤمنين اذ تربصت به ريب المنون ان تنصره ومعك أهل الشام فقال معاوية اوما ترى طلبي لدمه فضحك ابو الطفيل وقال ويلي ولكني واياك كما قال عبيد ابن الأبرص :
لأعرفنك بعد الموت تندبني وفي حياتي ما زودتني زادي

فدخل مروان بن الحكم وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحكم فلما جلسوا نظر اليهم معاوية ثم قال أتعرفون هذا الشيخ قالوا لا فقال معاوية هذا خليل علي بن أبي طالب وفارس صفين وشاعر أهل العراق هذا ابو الطفيل قال سعد بن العاص قد عرفناه فما يمنعك منه وشتمه القوم فزجرهم معاوية وقال مهلاً فرب يوم ارتفع عن السباب قد ضقتم به ذرعاً ثم قال أتعرف هؤلاء يا أبا الطفيل قال ما أنكرهم من سوء ولا اعرفهم بخير وأنشد شعراً :
فان تكن العداوة قد اكنت فشر عداوة المرء السباب

فقال معاوية يا ابا الطفيل ما أبقى لك الدهر من حب علي قال حب ام موسى وأشكو الى الله التقصير فضحك معاوية وقال ولكن والله هؤلاء الذين حولك لو سئلوا عني ما قالوا هذا فقال مروان أجل والله لا نقول الباطل قال ولا الحق تقولون ثم جهزه معاوية والحقه بالكوفة (وسعيد بن العاص) هذا هو والد عمرو بن سعيد بن العاص الذي كان والياً على المدينة من قبل يزيد حين قتل الحسين عليه السلام فلما بلغه قتله وسمع واعية بني هاشم في دورهم على الحسين حين سمعوا النداء بقتله ضحك وتمثل بقول عمرو بن معد يكرب الزبيدي :
عجت نساء بني زياد عجة كعجيج نسوتنا غداة الأرنب


المجالس السنية ـ الجزء الثالث 94


ثم قال عمرو هذه واعية بواعية عثمان ثم صعد المنبر وخطب الناس واعلمهم قتل الحسين عليه السلام وقال في خطبته انها لدمة بلدمة وصدمة بصدمة كم خطبة بعد خطبة وموعظة بعد موعظة حكمة بالغة فما تغني النذر والله لوددت ان رأسه في بدنه وروحه في جسده احيانا كان يسبنا ونمدحه ويقطعنا ونصله كعادتنا وعادته ولم يكن من أمره ما كان ولكن كيف نصنع بمن سل سيفه يريد قتلنا الا أن ندفعه عن أنفسنا (فقام) عبد الله بن السائب فقال لو كانت فاطمة حية فرأت رأس الحسين عليه السلام لبكت عليه فجبهه عمرو بن سعيد وقال نحن أحق بفاطمة منك أبوها عمنا وزوجها أخونا وابنها ابننا لو كانت فاطمة حية لبكت عينها وحرت كبدها وما لامت من قتله ودفعه عن نفسه .
وأحالوا على المقادير في قتـ ـلك لو ان عذرهم مقبول
ما أطاعوا فيـك النبي وقد ما لت باسيافهم اليك الدخول

* * *

المجلس التاسع والسبعون بعد المائة

كان خزيمة ابن ثابت رضي الله عنه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذين رجعوا الى امير المؤمنين عليه السلام شهد بدراً وما بعدها من المشاهد وجعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شهادته كشهادة رجلين فسمى ذا الشهادتين وشهد أمير المؤمنين عليه السلام الجمل وصفين واستشهد بين يديه بصفين (قال المرزباني) روي ان ابن ابي ليلي قال كنت بصفين فرأيت رجلاً

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 95

ابيض اللحية معتما متلثما لا يرى منه الا اطراف لحيته يقاتل أشد قتال فقلت يا شيخ تقاتل المسلمين فحسر لثامه وقال انا خزيمة سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول قاتل مع علي جميع من يقاتل ولخزيمة
اذا نحـن بايعنـا علياً فحسبنا ابو حسن ممـا نخاف من الفتن
وجدناه اولى الناس بالناس انه اطب قريش بالكتـاب وبـالسنن
وفيه الذي فيهم من الخير كله ومافيهم بعض الذي فيه من حسن

وله أيضاً :
ما كنت احسب هذا الأمر منتقلا عن هاشم ثم منها عن ابي حسن
اليس اول من صلـى لقبـلتهم واعلـم الناس بالقـرآن والسنـن
وآخر الناس عهداً بالنبـي ومن جبريل عون له في الغسل والكفن
وفيه ما فيهـم لا يمتـرون به وليس في القوم ما فيه من الحسن
ماذا الذي ردكـم عنـه فنعلمه ها ان بيعتكـم مـن اغبـن الغبن
ها ان ذا غبن من أعظم الغبن خ ل

وعن الأصبغ بن نباتة قال نشد علي عليه السلام الناس من سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال يوم غدير خم ما قال الا قام فقام بضعة عشر رجلا فيهم ابو ايوب الأنصاري وخزيمة بن ثابت ذو الشهادتين وسهل بن حنيف الأنصاري وغيرهم فقالوا نشهد انا سمعنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول الا ان

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 96

الله عزوجل وليي وانا ولي المؤمنين الا فمن كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه واحب من احبه وابغض من ابغضه واعن من اعانه كما عن اسد الغابة في احوال الصحابة وغيره (ومن) الصحابة الذين رجعوا الى امير المؤمنين عليه السلام قرظة بن كعب الأنصاري كان من الرواة وحارب مع امير المؤمنين عليه السلام وولاه فارس (وولده) عمرو بن قرظة الأنصاري كان من انصار الحسين عليه السلام الذين بالغوا في نصرته ولما كان يوم عاشوراء استأذن الحسين عليه السلام في القتال فأذن له فبرز وهو يقول :
قد علمـت كتيبـة الأنصـار اني سأحمـي حوزة الذمار
ضرب غلام غير نكس شاري دون حسين مهجتي وداري

فقاتل قتال المشتاقين الى الجزاء وبالغ في خدمة سلطان السماء حتى قتل جمعاً كثيراً من حزب ابن زياد وجمع بين سداد وجهاد وكان لا يأتي الى الحسين عليه السلام سهم الا اتقاه بيده ولا سيف الا تلقاه بمهجته فلم يكن يصل الى الحسين عليه السلام سوء حتى اثخن بالجراح فالتفت الى الحسين عليه السلام وقال يا ابن رسول الله اوفيت قال نعم انت امامي في الجنة فاقرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عني السلام وأعلمه اني في الأثر فقاتل حتى قتل رضوان الله عليه .
وتبادرت تلقى الأسنة لا ترى الـ ـغمرات الا المائسات الغيدا
وكانما قصـد القـنا بنحـورهـم درر يفصلهـا الفنـاء عقودا

* * *



السابق السابق الفهرس التالي التالي