المجالس السنية ـ الجزء الثالث 60

المجلس الخامس والستون بعد المائة

في كتاب المستطرف ان معاوية لما ولي الخلافة وانتظمت له الأمور وامتلأت منه الصدور وأذعن لأمره الجمهور وساعده في مراده القدر المقدور واستحضر ليلة خواص أصحابه وذاكرهم وقائع صفين ومن كان يتولى كبر الكراهية من المعروفين فانهمكوا في القول الصحيح والمريض وآل حديثهم الى من كان يجتهد في ايقاد نار الحرب عليه بزيادة التحريض فقالوا امرأة من أهل الكوفة تسمى الزرقاء بنت عدي كانت تتعمد الوقوف بين الصفين وترفع صوتها صارخة باصحاب علي تسمعهم كلاماً كالصوارم مستحثة لهم بقول لو سمعه الجبان لقاتل والمدبر لأقبل والمسالم لحارب والفار لكر والمتزلزل لاستقر فقال لهم معاوية أيكم يحفظ كلامها فقالوا كلنا نحفظه قال فما تشيرون علي فيها ؟ قالوا نشير بقتلها فانها أهل لذلك فقال لهم بئس ما أشرتم وقبحاً لما قلتم ايحسن ان يشتهر عني أنني بعد ما ضفرت وقدرت قتلت امرأة قد وفت لصاحبها اني اذاً للئيم ثم دعا بكاتبه فكتب كتابا الى واليه بالكوفة ان انفذ الي الزرقاء بنت عدي مع نفر من عشيرتها وفرسان من قومها ومهد لها وطاءً ليناً ومركباً ذلولا فلما ورد عليه الكتاب ركب اليها وقرأه عليها فقالت ما أنا بزائغة عن الطاعة فحملها في هودج وجعل غشاءه خزاً مبطناً ثم أحسن صحبتها فلما قدمت على معاوية قال لها مرحباً وأهلاً قدمت خير مقدم قدمه وافد كيف حالك يا خالة وكيف رأيت مسيرك قالت خير مسير فقال هل تعلمين لم بعثت اليك قالت لا يعلم الغيب الا الله سبحانه وتعالى قال الست راكبة الجمل الأحمر

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 61

يوم صفين وأنت بين الصفوف توقدين نار الحرب وتحرضين على القتال قالت نعم قال فما حملك على ذلك قالت انه قد مات الرأس وبتر الذنب والدهر ذو غير ومن تفكر ابصر والأمر يحدث بعده الأمر فقال صدقت فهل تحفظين ما قلت قالت لا والله قال لله أبوك فلقد سمعتك تقولين ايها الناس ان المصباح لا يضيء في الشمس وان الكواكب لا تضيء مع القمر وان البغل لا يسبق الفرس ولا يقطع الحديد الا الحديد ألا من استرشد ارشدناه ومن سألنا أخبرناه ان الحق كان يطلب ضالة فأصابها فصبراً يا معشر المهاجرين والأنصار فكانكم وقد التأم شمل الشتات وظهرت كلمة العدل وغلب الحق باطله فانه لا يستوي المحق والمبطل أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون فالنزال النزال والصبر الصبر الا وان خضاب النساء الحناء وخضاب الرجال الدماء والصبر خير الأمور عاقبة أأتوا الحرب غير ناكصين فهذا يوم له ما بعده يا زرقاء اليس هذا قولك وتحريضك قالت لقد كان ذلك قال لقد شاركت علياً في كل دم سفكه فقالت أحسن الله بشارتك مثلك من يبشر ويسر جليسه فقال معاوية وقد سرك ذلك قالت أي والله وأنى لي بتصديقه فقال والله لوفاؤكم لعلي بعد موته أعجب الي من حبكم له في حياته فاذكري حوئجك تقض فقالت اني آليت على نفسي ان لا أسأل أحداً بعد علي حاجة ومثلك من أعطى من غير مسألة قال فأعطاها كسوة ودراهم وأعادها الى وطنها سالمة مكرمة (هكذا) جرت عادة الملوك والأمراء انهم اذا قدمت عليهم امرأة جليلة القدر يأمرون باكرامها (أجل) أي نساء أجل قدراً من بنات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونساء ولده أبي عبد الله الحسين عليه السلام وأي امرأة أجل قدراً وأرفع شأناً من زينب بنت أمير المؤمنين جدها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبوها أمير المؤمنين عليه السلام أمها

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 62

فاطمة الزهراء بنت محمد صلى الله عليه وآله وسلم اخواها وشقيقاها الحسن والحسين عليهما السلام مع ما لها من الفضل في نفسها ومع ذلك فان الدعي ابن الدعي عبيد الله بن زياد لعنه الله لم يكرمها بشيء بل أمر باحضارها في مجلسه مع سائر عيالات ابي عبد الله الحسين عليه السلام وأسمعها أخشن الكلام وأسوأه فكان مما قاله لها الحمد لله الذي قتلكم وفضحكم وأكذب أحدوثتكم فقالت الحمد لله الذي اكرمنا بنبيه محمد وطهرنا من الرجس تطهيرا انما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر وهو غيرنا فقال لها كيف رأيت فعل الله بأخيك وأهل بيتك فقالت ما رأيت الا جميلا هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا الى مضاجعهم وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاج وتخاصم فانظر لمن الفلج يومئذ هبلتك أمك يا ابن مرجانة فغضب ابن زياد واستشاط وكانه هم بها فقال له عمرو بن حريث انها امرأة والمرأة لا تؤاخذ بشيء من منطقها فأراد ابن زياد ان يحرق قلبها فقال لها لقد شفى الله قلبي من طاغيتك الحسين والعصاة المردة فرقت زينب وبكت وقالت لعمري لقد قتلت كهلي وابرزت أهلي وقطعت فرعي واجتثثت أصلي فان كان هذا شفاؤك فقد اشتفيت
تصان بنت الدعي في كلل الملـ ـك وبنت الرسول تبتذل
يرجى رضى المصطفى فواعجباً تقتـل اولاده ويحتـمـل

* * *

المجلس السادس والستون بعد المائة

في العقد الفريد وبلاغات النساء قال : حبس مروان وهو والي المدينة غلاماً في جناية فأتته أم سنان بنت خيثمة المذحجية جدة الغلام

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 63

ام أبيه فكلمته فيه فأغلظ لها فخرجت الى معاوية فدخلت عليه فعرفها فقال لها مرحباً يا ابنة خيثمة ما أقدمك أرضنا وقد عهدتك تشتميننا وتحضين علينا عدونا قالت ان لبني عبد مناف أخلاقاً طاهرة وأحلاماً وافرة لا يجهلون بعد علم ولا يسفهون بعد حلم ولا ينتقمون بعد عفو وان اولى الناس باتباع ما سن آباؤه لأنت قال صدقت فكيف قولك :
عـزب الـرقـاد فمقلتي لا ترقد والليل يصدر بالهمـوم ويورد
يا آل مـذحج لا مقـام فشمـروا ان العدو لآل أحـمـد يقصـد
هذا عـلـي كـالهـلال تحـفـه وسط السماء من الكواكب اسعد
خير الخـلائـق وابـن عم محمد ان يهدكـم بالنـور منه تهتدوا
ما زال مذ عرف الحروب مظفراً والنصر فوق لوائـه ما يفقـد

قالت كان ذلك وارجو ان تكون لنا خلفاً فقال رجل من جلسائه كيف وهي القائلة :
اما هلكـت أبا الحسيـن فلم تزل بالحق تعـرف هـاديا مهديا
فاذهب عليك صلاة ربك ما دعت فوق الغصون حمـامة قمريا
قد كنت بعد محمـد خلفـاً كمـا اوصى اليك بنا فكنـت وفيا
فاليوم لا خلـف نـؤمـل بعـده هيهات نمدح بـعـده انسيـا

قالت لسان نطق وقول صدق ولئن تحقق ما ظننا فحظك الأوافر والله ما ورثك الشنآن في قلوب المسلمين الا هؤلاء فادحض مقالتهم وابعد منزلتهم فانك ان فعلت ذلك تزدد من الله قربا ومن المؤمنين حباً قال وانك لتقولين ذلك قالت سبحان الله والله ما مثلك مدح بباطل ولا اعتذر اليه بكذب وانك لتعلم ذلك من رأينا كان والله علي أحب الينا منك وانت أحب الينا من غيرك قال فما حاجتك قالت ان مروان

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 64

تبنك بالمدينة تبنك من لا يريد منها البراح لا يحكم بعدل ولا يقضي بسنة حبس ابن ابني فاتيته فقال كيت وكيت فاسمعته اخشن من الحجر والقمته امر من الصاب ثم رجعت الى نفسي بالأئمة وقلت لم لا اصرف ذلك الى من هو اولى بالعفو منه فأتيتك قال صدقت لا أسألك عن ذنبه والقيام بحجته اكتبوا لها باطلاقه قالت يا أمير المؤمنين وأنى لي بالرجعة وقد نفد زادي وكلت راحلتي فأمر لها براحلة وخمسة آلاف درهم (وولده) يزيد لما قدم عليه نساء الحسين عليه السلام كان اكرامه لهن ان التفت الى سكينة بنت الحسين عليه السلام وقال لها كيف رأيت صنع الله بكم قالت له اقصر عن كلامك يا ابن الطليق حرمك وجوارك خلف الستور وبنات رسول الله سبايا ثم التفت الى ام كلثوم وقال كيف رأيت صنع الله باخيك الحسين الذي اراد ان يأخذ ملكي فخيب الله امله وقطع رجاه فقالت يا يزيد لا تفرح بقتل أخي الحسين فانه كان مطيعاً لله ولرسوله ودعاه الله اليه فأجابه واما انت يا يزيد فاستعد للمسألة جوابا وانى لك بالجواب .
فويل يزيد مـن عذاب جهنم اذا أقبلت في الحشر فاطمة الطهر
ملابسها ثوب من السم اخضر وآخر قـان من دم السبـط محمر
المجلس السابع والستون بعد المائة

* * *


في العقد الفريد دخلت عكرشة بنت الأطرش على معاوية متوكئة على عكاز فسلمت عليه بالخلافة ثم جلست فقال معاوية الآن صرت

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 65

عندك أمير المؤمنين قالت نعم اذ لا علي حي قال الست المتقلدة حمائل السيوف بصفين وانت واقفة بين الصفين تقولين ايها الناس عليكم انفسكم لا يضركم من ضل اذا اهتديتم ان الجنة لا يرحل من اوطنها ولا يهرم من سكنها ولا يموت من دخلها فابتاعوها بدار لا يدوم نعيمها ولا تنصرم همومها وكونوا قوماً مستبصرين في دينهم مستظهرين بالصبر على طلب حقهم ان معاوية دلف اليكم بعجم العرب غلف القلوب لا يفقهون الايمان ولا يدرون ما الحكمة دعاهم بالدنيا فاجابوه واستدعاهم الى الباطل فلبوه فالله الله عباد الله في دين الله اياكم والتواكل فان ذلك ينقض عرى الاسلام ويطفئ نور الحق هذه بدر الصغرى والعقبة الأخرى يا معشر المهاجرين والأنصار امضوا على بصيرتكم واصبروا على عزيمتكم فكأني بكم غداً وقد لقيتم اهل الشام كالحمر الناهقة فكأني اراك على عصاك هذه وقد انكفأ عليك العسكران يقولون هذه عكرشة بنت الأطرش فان كدت لتقتلين أهل الشام لو لا قدر الله وكان امر الله قدراً مقدوراً كما حملك على ذلك قالت ان اللبيب اذا كره امراً لا يحب اعادته قال صدقت اذكري حاجتك قالت انها كانت صدقاتنا تؤخذ من اغنيائنا فترد على فقرائنا وانا قد فقدنا ذلك فما يجير لنا كسير ولا ينعش لنا فقير فان كان ذلك عن رأيك فمثلك تنبه عن الغفلة وراجع التوبة وان كان عن غير رأيك فما مثلك استعان بالخونة ولا استعمل الظلمة قال يا هذه انه ينوبنا من امور رعيتنا امور قالت يا سبحان الله والله ما فرض الله لنا حقاً فجعل فيه ضرراً على غيرنا وهو علام الغيوب قال معاوية يا أهل العراق نبهكم علي بن أبي طالب فلم تطاقوا ثم امر برد صدقاتهم فيهم وانصافها (وهكذا) جرت عادة

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 66

الملوك والحكام وان كانوا من الظلمة في الاحسان الى النساء وان كن من اعدى الأعداء حتى آل الأمر الى يزيد بن معاوية وعامله عبيد الله بن زياد فلم يجريا على ما يوجبه الدين الاسلامي من اكرام نساء آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ولا على ما تقتضيه الشيمة العربية حتى قابلوا بنات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بما تقشعر منه الجلود وينفطر منه قلب كل مسلم فمن ذلك قول عبيد الله بن زياد لزينب بنت امير المؤمنين عليه السلام الحمد لله الذي قتلكم وفضحكم واكذب احدوثتكم قالت زينب الحمد لله الذي اكرمنا بنبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم وطهرنا من الرجس تطهيرا انما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر وهو غيرنا ومن ذلك قول يزيد لسكينة بنت الحسين عليه السلام كيف رأيت صنع الله بكم قالت له اقصر عن كلامك يا ابن الطليق حرمك وجوارك خلف الستور وبنات رسول الله سبايا ثم التفت الى ام كلثوم وقال لها كيف رأيت صنع الله باخيك الحسين الذي اراد ان يأخذ ملكي فخيب الله امله وقطع رجاءه فقالت يا يزيد لا تفرح بقتل أخي الحسين فانه كان مطيعاً لله ولرسوله ودعاه الله اليه فأجابه واما انت يا يزيد فاستعد للمسألة جواباً وانى لك بالجواب
واعظم ما يشجي الغيور دخولها الى مجلس ما بـارح اللهو والخمرا
يقارضهـا فيـه يزيـد مسبـة ويصرف عنها وجهه معرضاً كبرا

* * *

المجلس الثامن والستون بعد المائة

في العقد الفريد : حج معاوية فسأل عن امرأة من بني كنانة كانت تنزل بالحجون يقال لها درامية الحجونية وكانت سوداء كثيرة اللحم

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 67

فأخبر بسلامتها فبعث اليها فجيء بها فقال ما جاء بك يا ابنة حام فقالت لست لحام ان عبتني انا امرأة من بني كنانة قال صدقت اتدرين لم بعثت اليك قالت لا يعلم الغيب الا الله قال بعثت اليك لأسألك علام احببت علياً وابغضتني وواليته وعاديتني قالت اوتعفيني قال لا اعفيك قالت اما اذا ابيت فاني أحببت علياً على عدله في الرعية وقسمه بالسوية وابغضتك على قتال من هو اولى منك بالأمر وطلبتك ما ليس لك بحق وواليت علياً على ما عقد له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الولاء وحبه المساكين واعظامه لاهل الدين وعاديتك على سفك الدماء وجورك في القضاء وحكمك في الهوى قال فلذلك انتفخ بطنك وعظم ثدياك وربت عجيزتك قالت يا هذا بهند والله كان يضرب المثل في ذلك لا بي قال معاوية يا هذه اربعي فانا لم نقل الا خيرا انه اذا انتفخ بطن المرأة تم خلق ولدها اذا عظم ثدياها تروى رضيعها واذا عظمت عجيزتها رزن مجلسها فرجعت وسكتت . قال لها يا هذه هل رأيت علياً قالت اي والله قال فكيف رأيته قالت رأيته والله لم يفتنه الملك الذي فتنك ولم تشغله النعمة التي شغلتك قال فهل سمعت كلامه قالت نعم والله فكان يجلو القلوب من العمى كما يجلو الزيت صدأ الطست قال صدقت فهل لك من حاجة قالت اوتفعل اذا سألتك قال نعم قالت تعطيني مائة ناقة حمراء فيها فحلها وراعيها قال تصنعين بها ماذا قالت اغذو بالبانها الصغار واستحيي بها الكبار واكتسب بها المكارم وأصلح بها بين العشائر قال فان اعطيتك ذلك فهل احل عندك محل علي بن ابي طالب قالت سبحان الله او دونه فانشأ معاوية يقول :
اذا لم اعد بالحلم منـي عليكم فمن ذا الذي بعـدي يؤمل للحلم
خذيها هنيئاً واذكري فعل ماجد جزاك على حرب العداوة بالسلم


المجالس السنية ـ الجزء الثالث 68


ثم قال اما والله لو كان علي حياً ما أعطاك منها شيئاً قلت لا والله ولا وبرة من مال المسلمين (وحلم) ولده يزيد لعنه الله على بنات رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم ان امر بهن فحملن اليه من كربلا الى الكوفة ومن الكوفة الى الشام سبايا على اقتاب المطايا كانهن من سبايا الروم وهن حرم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واهل البيت الذين اذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً ثم امر بهن فادخلن الى مجلسه على حالة تنفجر لها العيون وتتصدع لها القلوب وهم مقرنون في الحبال وزين العابدين عليه السلام مغلول فلما وقفوا بين يديه وهم على تلك الحال قال له علي بن الحسين عليه السلام انشدك الله يا يزيد ما ظنك برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لو رآنا على هذه الصفة فلم يبق في القوم احد الا وبكى فامر يزيد بالحبال فقطعت وامر بفك الغل عن زين العابدين عليه السلام
ابنات النبـي تهـدى سبايا لبني الأدعيا تقاسي جفاها
لابن مرجانة الدعي وطوراً لابن هند تهدى بذل سباها

* * *

المجلس التاسع والستون بعد المائة

في العقد الفريد عن الشعبي قال : كتب معاوية الى واليه بالكوفة ان يحمل اليه ام الخير بنت الحريش بن سراقة البارقية واعلمه انه مجازيه بالخير خيراً وبالشر شراً بقولها فيه فركب اليها وأقرأها الكتاب فقالت اما انا فغير زائغة عن طاعة ولا معتلة بكذب ولقد كنت احب لقاءه لأمور تختلج في صدري فلما شيعها واراد مفارقتها قال لها يا ام الخير ان معاوية كتب الي انه مجازيني بالخير خيراً وبالشر شرا فمالي

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 69

عندك قالت يا هذا لا يطعمك برك بي ان اسرك بباطل ولا تؤيسك معرفتي بك ان اقول فيك غير الحق فسارت خير مسير حتى قدمت على معاوية فانزلها مع حرمه ثلاثاً ثم أدخلها عليه في اليوم الرابع وعنده جلساؤه فسلمت عليه بالخلافة فقال وعليك السلام يا ام الخير بحق ما دعوتني بهذا الاسم قالت لكل اجل كتاب قال صدقت فكيف حالك يا خالة وكيف كنت في مسيرك قالت لم ازل في خير وعافية حتى صرت اليك فانا في مجلس أنيق عند ملك رفيق قال معاوية بحسن نيتي ظفرت بكم قالت يعيذلك الله من دحض المقال وما تؤدي عاقبته قال ليس هذا اردنا اخبرينا كيف كان كلامك اذ قتل عمار بن ياسر قالت لم اكن زورته قبل ولا رويته بعد وانما كانت كلمات نفثها لساني عند الصدمة فان احبت ان احدث لك مقالا غير ذلك فعلت فالتفت معاوية الى جلسائه فقال ايكم يحفظ كلامها فقال رجل منهم انا احفظ بعض كلامها قال هات قال كأني بها بين بردين كثيفي النسيج وهي على جمل ارمك (اي رمادي اللون) بيدها سوط منتشر الظفيرة وهي كالفحل يهدر في شقشقته تقول يا ايها الناس اتقو ربكم ان زلزلة الساعة شيء عظيم ان الله اوضح لكم الحق وابان الدليل وبين السبيل ولم يدعكم في عمياء مدلهمة فأين تريدون رحمكم الله افراراً عن امير المؤمنين ام فراراً من الزحف ام رغبة عن الاسلام ام ارتداداً عن الحق اما سمعتم الله جل ثناؤه يقول : «ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا اخباركم» ثم رفعت رأسها الى السماء وهي تقول اللهم قد عيل الصبر وضعف اليقين وانتشرت الرغبة وبيدك يا رب ازمة القلوب فاجمع اللهم بها كلمة على التقوى والف القلوب على الهدى واردد الحق الى اهله هلموا رحمكم الله الى الامام العادل والرضي التقي والصديق الأكبر انها

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 70

احن بدرية واحقاد جاهلية وثب بها واثب حين الغفلة ليدرك ثارات بني عبد شمس ثم قالت (قاتلوا أئمة الكفر انهم لا ايمان لهم لعلهم ينتهون) صبراً يا معشر المهاجرين والأنصار قاتلوا على بصيرة من ربكم وثبات من دينكم فكاني بكم غداً وقد لقيتم اهل الشام كحمر مستنفرة فرت من قسورة لا تدري اين يسلك بها من فجاج الأرض باعوا الآخرة بالدنيا واشتروا الضلالة بالهدى وعما قليل ليصبحن نادمين حين تحل بهم الندامة فيطلبون الاقالة ولات حين مناص انه من ضل والله عن الحق وقع في الباطل الا ان اولياء الله استصغروا عمر الدنيا فرفضوها واستطابوا الآخرة فسموا لها فالله الله ايها الناس قبل ان تبطل الحقوق وتعطل الحدود وتقوى كلمة الشيطان فالى اين تريدون رحمكم الله عن ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصهره وابي سبطيه خلق من طينته وتفرع عن نبعته وجعله باب دينه وابان ببغضه المنافقين وها هو ذا مفلق الهام ومكسر الأصنام صلى والناس مشركون واطاع والناس كارهون فلم يزل في ذلك حتى قتل مبارزيه وافنى أهل احد وهزم الأحزاب وقتل الله به اهل خيبر فيالها من وقائع زرعت في القلوب نفاقاً وردة وشقاقا وزادت المؤمنين ايماناً قد اجتهدت في القول وبالغت في النصيحة وبالله التوفيق والسلام عليكم ورحمة الله (فقال) معاوية يا ام الخير ما اردت بهذا الكلام الا قتلي ولو قتلتك ما حرجت في ذلك قالت والله ما يسؤني ان يجري قتلي على يدي من يسعدني الله بشقائه قال هيهات يا كثيرة الفضول ما تقولين في عثمان قالت وما عسيت ان اقول فيه استخلفه الناس وهم به راضون وقتلوه وهم له كارهون قال هذا ثناؤك الذي تثنين ثم سألها عن الزبير فاجابته ثم قالت اسألك بحق الله ان تعفيني من هذه المسائل وتسألني عما شئت من غيرها فاعفاها وأمر لها

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 71

بجائزة رفيعة وردها مكرمة (وابن زياد) لما ادخلت عليه حوراء النساء زينب بنت امير المؤمنين عليه السلام لم يعفها من مخاطبته فانها لما جلست متنكرة وعليها ارذل ثيابها قال ابن زياد من هذه فلم تجبه فاعاد القول ثانياً وثالثاً يسأل عنها فلم تجبه فقال له بعض امائها هذه زينب بنت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاقبل عليها ابن زياد فقال الحمد لله الذي قتلكم وفضحكم واكذب احدوثتكم فقالت الحمد لله الذي اكرمنا بنبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم وطهرنا من الرجس تطهيرا انما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر وهو غيرنا فقال كيف رأيت فعل الله باخيك واهل بيتك قالت ما رأيت الا جميلا هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا الى مضاجعهم وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاج وتخاصم فانظر لمن الفلج يومئذ هبلتك امك يا ابن مرجانة فاستشاط اللعين غضباً وكانه هم لها فقال له عمرو بن حريث انها امرأة والمرأة لا تؤاخذ بشيء من منطقها فقال ابن زياد لقد شفى الله قلبي من طاغيتك الحسين والعصاة المردة من أهل بيتك فرقت زينب وبكت وقالت لعمري لقد قتلت كهلي وابرزت اهلي وقطعت فرعي واجتثثت اصلي فان كان هذا شفاؤك فقد اشتفيت .
ابنت رسول الله تهدى سبية لنغل زياد الرجس اعظم به خطبا

* * *

المجلس السبعون بعد المائة


في العقد الفريد بسنده ان اروى بنت الحارث بن عبد المطلب

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 72

دخلت على معاوية وهي عجوز كبيرة فلما رآها معاوية قال مرحباً لك واهلاً لا خالة فكيف كنت بعدنا فقالت يا ابن اخي لقد كفرت يد النعمة واسات لابن عمك الصحبة وتسميت بغير اسمك واخذت غير حقك من غير دين كان منك ولا من آبائك ولا سابقة في الاسلام بعد ان كفرتم برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاتعس الله منكم الجدود واضرع منكم الخدود ورد الحق الى أهله ولو كره المشركون وكانت كلمتنا هي العليا ونبينا صلى الله عليه وآله وسلم هو المنصور فوليتم علينا من بعده وتحتجون بقرابتكم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونحن اقرب اليه منكم واولى بهذا الأمر فكنا فيكم بمنزلة بني اسرائيل في آل فرعون وكان علي عليه السلام بعد نبينا صلى الله عليه وآله وسلم بمنزلة هرون من موسى فغايتنا الجنة وغايتكم النار فقال لها عمرو بن العاص كفي ايتها العجوز الضالة واقصري عن قولك مع ذهاب عقلك اذ لا تجوز شهادتك وحدك فقالت له وانت يا ابن النابغة تتكلم وامك كانت اشهر امرأة تغني بمكة وآخذهن لاجرة إدعاك خمسة نفر من قريش فسئلت امك عنهم فقالت كلهم اتاني فانظروا اشبههم به فالحقوه به فغلب عليك شبه العاص بن وائل فلحقت به فقال مروان كفي ايتها العجوز واقصري لما جئت له فقالت وانت أيضاً يا ابن الزرقاء تتكلم ثم التفتت الى معاوية فقالت والله ما جراً علي هؤلاء غيرك فان امك القائلة في قتل حمزة :
نحن جـزيناكـم بيـوم بـدر والحرب بعد الحرب ذات سعر
ما كان لي عن عتبة من صبر وشكـر وحشـي على دهـري
حتى ترم اعظمي في قبري

فاجابتها بنت عمي وهي تقول :

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 73

خزيت في بدر وبعد بدر يا ابنة جبار عظيك الكفر

فقال معاوية عفا الله عما سلف يا خالة هات حاجتك قالت ما لي اليك حاجة وخرجت عنه (هذه) اروى بنت الحارث بن عبد المطلب حركتها الغيرة الهاشمية وهي امرأة فقابلت معاوية وعمرا ومروان بما قابلتهم به كما حركت الغيرة الهاشمية زينب بنت امير المؤمنين عليه السلام لما وضع راس أخيها الحسين عليه السلام بني يدي يزيد بن معاوية وجعل ينكثه بقضيب الخيزران وهو يقول :
ليـت اشيـاخي ببدر شهدوا جزع الخزرج من وقع الأسل
لاهلـوا واستهلـوا فـرحاً ثم قالوا يا يـزيـد لا تشـل
قد قتلنـا القرم من ساداتهم وعدلنـاه ببـدر فـاعتـدل
لعبت هاشم بالملـك فـلا خبر جاء ولا وحـي نـزل
لست من خندف ان لم انتقم من بنـي احمد ما كان فعل

فقامت زينب بنت امير المؤمنين عليها وعلى ابيها السلام وخطبت تلك الخطبة العظيمة المشهورة الى ان قالت في آخر خطبتها تهتف باشياخك زعمت انك تناديهم فلتردن وشيكا موردهم ولتودن انك شللت وبكمت ولم تكن قلت ما قلت وفعلت ما فعلت ثم قالت عليها السلام اللهم خذ لنا بحقنا وانتقم من ظالمنا واحلل غضبك بمن سفك دماءنا وقتل حماتنا فوالله ما فريت الا جلدك وما حززت الا لحمك ولتردن على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بما تحملت من سفك دماء ذريته وانتهكت من حرمته في عترته ولحمته حيث يجمع الله شملهم وياخذ لهم بحقهم « ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله امواتا بل احياء عند ربهم يرزقون » (فقال) يزيد متشمتاً بها :

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 74

يا صيحة تحمد من صوائح ما اهون النوح على النوائح

* * *

المجلس الحادي والسبعون بعد المائة

عن رجل من بني امية قال : حضرت معاوية يوماً وقد اذن للناس اذناً عاماً فدخلوا عليه لمطالبهم وحوائجهم فدخلت عليه امرأة من بني ذكوان كانها قلعة ومعها جاريتان لها ثم قالت الحمد لله يا معاوية الذي خلق اللسان فجعل فيه البيان ودل به على النعم واجرى به القلم فيما ابرم وحتم وذرأ وبرأ وحكم وقضى وصرف الكلام باللغات المختلفة على المعاني المتفرقة ألفها بالتقديم والتاخير والاشباه والمناكر والموافقة والتزايد فادته الآذان الى القلوب وادته القلوب الى الألسن بالبيان استدل به على العلم وعبد به الرب وابرم به الأمر وعرفت به الأقدار وتمت به النعم وكان من قضاء الله وقدره ان قربت زياد وجعلت له بين آل أبي سفيان نسباً ثم وليته احكام العباد يسفك الدماء بغير حلها ولا حقها ويهتك الحرم بلا مراقبة الله فيها خؤون غشوم كافر ظلوم يتخير من المعاصي اعظمها ولا يرى لله وقارا ولا يظن ان له معاداً وغداً يعرض عمله في صحيفتك وتوقف على ما اجترم بين يدي ربك ولك برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اسوة وبينك وبينه صهر فلا الماضين من ائمة الهدى اتبعت ولا طريقتهم سلكت جعلت عبد ثقيف على رقاب امة محمد صلى الله عليه واله سلم يدبر امورهم ويسفك دماءهم فماذا تقول لربك يا معاوية وقد مضى من اجلك اكثره وذهب خيره وبقي وزره اني امرأة من بني ذكوان وثب زياد المدعى الى ابي سفيان على ضيعتي التي ورثتها عن ابي

السابق السابق الفهرس التالي التالي