المجالس السنية ـ الجزء الثالث 40


وجعل عمار بن ياسر يتناوله بالرمح ويقول اقدم يا أعور( لا خير في اعور لا يأتي الفزع) وكان هاشم عالماً بالحرب فجعل عمرو بن العاص يقول اني لارى لصاحب الراية السوداء عملا لئن دام على هذا ليفنين العرب اليوم وزحف هاشم بالراية واقتتل الناس قتالاً شديداً لم يسمع بمثله وجعل هاشم يقول :
اعور يبغـي نفسه خلاصا مثل الفنيـق لابساً دلاصا
قد جرب الحرب ولا اناصا لا دية يخشى ولا قصاصا
كل امرئ وان كبا وحاصا ليس يرى من موته مناصا

وقاتل هاشم وأصحابه قتالاً شديداً فحمل عليه الحارث التنوخي فطعنه فسقط وبعث اليه علي عليه السلام ان قدم لواءك فقال للرسول انظر الى بطني فاذا هو قد انشق ومر عليه رجل وهو صريع فقال له اقرأ أمير المؤمنين السلام وقل له انشدك بالله الا اصبحت وقد ربطت مقاود خيلك بارجل القتلى فان الغلبة تكون لمن غلب على القتلى فسار علي عليه السلام في الليل حتى جعل القتلى خلف ظهره وكانت له الغلبة عليهم ولما قتل هاشم جزع الناس عليه جزعاً شديداً وقتل معه جماعة من اسلم من القراء فمر بهم علي عليه السلام وهم قتلى فقال :
جزى الله خيراً عصبة اسلمية صباح الوجوه صرعوا حول هاشم
يزيـد وعبد الله بشـر ومعبد وسفيان وابنا هـاشم ذي المكـارم
وعروة لا يبعد ثنـاه وذكـره اذا اخترطت يوماً خفاف الصوارم

(لله) در هاشم المرقال ما اشد حبه لأمير المؤمنين واصدق ولاءه نصر امير المؤمنين في حياته وعند مماته ويشبهه في ذلك من انصار الحسين عليه السلام مسلم بن عوسجة الأسدي فانه لما صرع وبقي به

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 41

رمق مشى اليه الحسين عليه السلام ومعه حبيب بن مظاهر فقال الحسين عليه السلام رحمك الله يا مسلم« فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا» ، ودنا منه حبيب فقال عز علي مصرعك يا مسلم ابشر بالجنة فقال له مسلم قولاً ضعيفاً بشرك الله بخير ثم قال له حبيب لو لا اني اعلم في الأثر من ساعتي هذه لأحببت ان توصي الي بكل ما اهمك فقال له مسلم فاني اوصيك بهذا واشار الى الحسين عليه السلام فقاتل دونه حتى تموت فقال له حبيب لأنعمنك عيناً ثم مات رضوان الله عليه .
عانقوا المرهفات حتى تهاووا صرعى في الثرى بحر الصيوف
المجلس التاسع والخمسون بعد المائة

لما كان يوم صفين وقتل هاشم بن عتبة المرقال وكانت معه راية أمير المؤمنين عليه السلام اخذ الراية ولده عبد الله بن هاشم وجعل يقول :
أهاشـم بن عتبـة بن مالك اعزز بشيخ من قريش هالك
تخبطـه الخيـلات بالسنابك في اسـود من نقعهن حالك
ابشر بحور العين في الأرائك والروح والريحـان عند ذلك

ثم ان عبد الله حمد الله واثنى عليه ثم قال ايها الناس ان هاشما كان عبداً من عباد الله الذين قدر ارزاقهم واحصى اعمالهم وقضى آجالهم فدعاه الله ربه الذي لا يعصى فأجابه وسلم لأمر الله وجاهد في طاعة ابن عم رسول الله وأول من آمن به وأفقههم في دين الله المخالف لأعداء

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 42

الله المستحلين ما حرم الله الذين عملوا في البلاد بالجور والفساد واستحوذ عليهم الشيطان فزين لهم الاثم والعدوان فحق عليكم جهاد من خالف سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعطل حدود الله وخالف اولياء الله فجودوا بمهج انفسكم في طاعة الله في هذه الدنيا تصيبوا الآخرة والمنزل الأعلى والملك الذي لا يبلى فلو لم يكن ثواب ولا عقاب ولا جنة ولا نار لكان القتال مع علي افضل من القتال مع معاوية ابن آكلة الأكباد فكيف وانتم ترجون ما ترحون (فلما) انقضى امر صفين وسلم الحسن عليه السلام الأمر لمعاوية نادى منادي معاوية امن الأسود والأحمر بامان الله الا عبد الله بن هاشم فاختفى عبد الله عند امرأة بالبصرة من بني مخزوم فدل عليه معاوية فبعث الى زياد ان ائت دار فلانة المخزومية فاستخرج عبد الله بن هاشم المرقال منها فاحلق رأسه والبسه جبة شعر وقيده وغل يده الى عنقه واحمله على قتب بعير بغير وطاء ولا غطاء وانفذ له الي ففعل به زياد ذلك وانفذه الى معاوية فوصل اليه وقد لاقى تعباً كثيراً وغيرت الشمس وجهه فعرفه معاوية ولم يعرفه عمرو بن العاص فقال معاوية يا ابا عبد الله اتعرف هذا الفتى قال لا قال هذا ابن الذين كان يقول في صفين :
اعور يبغي اهله محلا قد عالج الحياة حتى ملا
لا بد ان يغل او يغلا

فقال عمرو يا أمير المؤمنين هذا المحتال ابن المرقال فدونك الضب المضب فان العصا من العصبة وانما تلد الحية حية وجزاء السيئة سيئة مثلها فقال له ابن هاشم ما انا باول رجل خذله قومه وادركه يومه فقال معاوية تلك ضغائن صفين وما جنى عليك ابوك فقال عمرو يا امير المؤمنين امكني فاشخب اوداجه على اثباجه فقال له ابن هاشم

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 43

فهلا كانت هذه الشجاعة منك يا ابن العاص ايام صفين حين ندعوك الى النزال وقد ابتلت اقدام الرجال من نقع الجريال (1) وقد تضايقت بك المسالك واشرفت فيها على المهالك فاعجب معاوية ما سمع من كلام ابن هاشم فأمر به الى السجن وكف عن قتله فقال عمرو :
امرتك امـراً حازماً فعصيتني وكان من التوفيق قتل ابن هاشم
اليـس ابـوه يا معاويـة الذي رماك على جد بحز الغـلاصم
فما برحوا حتى جرت من دمائنا بصفين امثال البحور الخضارم
وهذا ابنه والمرء يشبـه اصله سنقـرع ان ابقيتـه سن نـادم

فقال ابن هاشم يجيبه :
معـاوي ان المـرء عمراً ابت له ضغينة صدر غشهـا غيـر سالم
يرى لك قتلي يا ابـن حرب وانما يرى ما يرى عمرو ملوك الآعاجم
على انهـم لا يقتلـون اسيـرهـم اذا اثقل الأعنـاق حمـل المغـارم
وقد كـان منـا يـوم صفين نغزة عليك جناهـا هاشـم وابـن هاشم
قضى الله فيها ما قضى ثمة انقضى وما ما مضـى الا كاضغاث حالم
هي الوقعة العظمـى التي تعرفونها وكل علـى ما قد مضى غير نادم
فان تعف عني تعف عن ذي قرابة وان تر قتلـي تستحـل محارمي

وهكذا كانت معاملة لشيعة امير المؤمنين عليه السلام بعد ما تم له الأمر فانه بعد ما شرط عليه الحسن عليه السلام ان لا يتعرض لشيعته وشيعة ابيه قتل حجر بن عدي واصحابه وعمرو بن الحمق وتتبع شيعة علي عليه السلام يخيفهم ويسجنهم ويسومهم سوء العذاب وسلط

(1) الجريال : صبغ احمر واراد به هنا الدم تشبيهاً له بذلك الصبغ .
ـ المؤلف ـ
المجالس السنية ـ الجزء الثالث 44

عليهم زياد بن ابيه ففعل بهم الأفاعيل (ولقد) اشار جلساء السوء على يزيد بن معاوية لما جيء اليه باسارى آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بمثل ما اشار به عمرو بن العاص على ابيه معاوية وذلك ان يزيد لما جيء اليه بالسبايا والأسارى يوم كربلاء استشار اهل الشام فيما يصنع بهم فاشار بعضهم بقتلهم وتكلم بكلمة لا يطيق اللسان التكلم بها فقال له النعمان بن بشير انظر ما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصنعه بهم فاصنعه بهم نظر رجل من اهل الشام احمر الى فاطمة بنت الحسين عليهما السلام فقال يا أمير المؤمنين هب لي هذه الجارية قالت فاطمة فارتعدت وظننت ان ذلك جائز عندهم فاخذت بثياب عمتي زينب وقلت يا عمتاه أوتمت وأستخدم وكانت عمتي تعلم ان ذلك لا يكون فقالت عمتي لا حباً ولا كرامة لهذا الفاسق وقالت للشامي كذبت الله لؤمت والله ما داك لك ولا له فغضب يزيد وقال كذبت ان ذلك لي ولو شئت ان افعل لفعلت قالت زينب كلا والله ما جعل الله لك ذلك الا ان تخرج من ملتنا وتدين بغيرها فاستطار يزيد غضباً وقال اياي تستقبلين بهذا انما خرج من الدين ابوك واخوك قالت زينب بدين الله ودين ابي ودين اخي اهتديت انت وجدك وابوك ان كنت مسلماً قال كذبت يا عدوة الله قالت له انت امير تشتم ظالماً وتقهر بسلطناك فكانه استحيا وسكت فعاد الشامي فقال هب لي هذه الجارية فقال له يزيد اعزب وهب الله لك حتفاً قاضياً (وفي رواية) فقال الشامي من هذه الجارية فقال هذه فاطمة بنت الحسين وتلك زينب بنت علي فقال الشامي الحسين بن فاطمة وعلي ابن ابي طالب فقال نعم فقال الشامي لعنك الله يا يزيد تقتل عترة نبيك وتسبي ذريته والله ما توهمت الا انهم سبي الروم فقال يزيد والله لألحقنك بهم ثم امر به فضربت عنقه .

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 45

فقل سريـا شيبـة الحمد ما لكم قعدتـم وقـد ساروا بنسوتكم اسرى
واعظم ما يشجي الغيور دخولها الى مجلـس ما بارح اللهو والخمرا
يقارضهـا فيـه يزيـد مسبـة ويصرف عنها وجهه معرضاً كبرا

* * *

المجلس الستون بعد المائة

لما كان يوم صفين نادى ابو شجاع الحميري وكان من ذوي البصائر وكان مع علي عليه السلام فقال يا معشر حمير اترون معاوية خيراً من علي أضل الله سعيكم ثم انت يا ذا الكلاع فوالله ان كنا نرى ان لك نية في الدين فقال ذو الكلاع ايهاً يا ابا شجاع والله ما معاوية بافضل من علي ولكن انما اقاتل على دم عثمان (وعبيت) قبائل حمير مع ذي الكلاع وفيهم عبيد الله بن عمر بن الخطاب لتقاتل قبيلة بكر بن وائل من قبائل ربيعة وكانت مع علي عليه السلام فقاتلوا قتالاً شديداً حتى خافوا الهلاك فقال رجل لعبد القيس لا بكر بعد اليوم ان ذا الكلاع وعبيد الله ابادا ربيعه فانهضوا لهم والا هلكوا فركبت عبد القيس وجاءت كانها غمامة سوداء فشرت ازر الميسرة فعظم القتال وقتل ذو الكلاع الحميري قتله رجل من بكر بن وائل اسمه خندف وتضعضعت اركان حمير وثبتت بعد ذلك الكلاع تحارب مع عبيد الله بن عمر وبعث عبيد الله بن عمر الى الحسن بن علي عليهما السلام فقال ان لي اليك حاجة فالقني فلقيه الحسن فقال له عبيد الله ان اباك قد وتر قريشاً أولاً وأخراً وقد ابغضوه فهل لك الى ان تخلعه ونوليك هذا الأمر قال كلا والله لا يكون ذلك ثم قال له الحسن لكاني انظر اليك مقتولاً في يومك او

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 46

غدك اما ان الشيطان قد زين لك وخدعك حتى اخرجك مخلقاً بالخلوق تري نساء اهل الشام موقفك وسيصرعك الله ويبطحك لوجهك قتيلا قال فوالله ما كان الا كيوم او كالغد وكان القتال فخرج عبيد الله في كتيبة رقطاء وهي الخضرية كانوا اربعة آلاف عليهم ثياب خضر اذ مر الحسن فاذا هو برجل متوسد رجلاً قتيلا قد ركز رمحه في عينه وربط فرسه برجله فقال الحسن لمن معه انظروا من هذا فاذا هو برجل من همدان فاذا القتيل عبيد الله قد قتله وبات عليه حتى اصبح ثم سلبه (وكان) ذو الكلاع سمع عمرو بن العاص يقول قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعمار تقتلك الفئة الباغية فلما سمع ذو الكلاع ان عماراً مع علي عليه السلام اضطرب فقال له عمرو انه سيرجع الينا ثم قتل ذو الكلاع في اليوم الذي قتل فيه عمار فقال عمرو والله يا معاوية ما ادري بقتل ايهما انا اشد فرحا والله لو بقي ذو الكلاع حتى يقتل عمار لمال بعامة قومه الى علي ولأفسد علينا جندنا وقال معاوية لأنا اشد فرحاً بقتل ذي الكلاع مني بفتح مصر لو فتحت (ولما) قتل ذو الكلاع اقبل ولده الى سعيد بن قيس الهمداني واستأذنه في اخذ جثة ابيه فأذن له فدخل من قبل الميمنة فطاف في العسكر فلم يجده ثم اتى الميسرة فطاف في العسكر فوجده قد ربط رجله بطنب من اطناب فساطيط العسكر فوقف على باب الفسطاط فقال السلام عليكم يا اهل البيت فقيل له وعليك السلام وكان معه عبد له اسود لم يكن معه غيره فقال تأذنون لنا في طنب من اطناب فسطاطكم قالوا قد اذنا لكم ثم قالوا معذرة الى ربنا عزوجل واليكم اما انه لو لا بغيه علينا ما صنعنا به ما ترون فنزل ابنه والعبد الذي معه اليه وكان من اعظم الناس خلقاً وقد نتفخ شيئاً فلم يستطيعا احتماله فقال ابنه هل من فتى معوان فخرج اليه

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 47

خندف البكري فقال تنحوا فقال له ابن ذي الكلاع ومن يحمله اذا تنحينا قال يحمله الذي قتله فاحتمله خندف ثم رمى به على ظهر البغل ثم شده بالحبال فانطلقوا به (يمثل) خطاب ابن ذي الكلاع لأهل الفسطاط واعتذارهم اليه الرقة والشهامة والآداب والأخلاق الكريمة العربية (وكانت) الناس لا سيما العرب تحافظ على الميت او القتيل فتتوسل بكل وسيلة الى دفنه وحفظ جسده لا سيما اذا كان من اجلاء الناس وجاء الدين الاسلامي بذلك فجعل حرمة المؤمن ميتاً كحرمته حياً لكن ابن سعد وابن زياد وحزبهما لما قتلوا الحسين عليه السلام وأصحابه شوهوا وجه الأخلاق العربية ولم يراعوا حرمة الدين وحرمة الاسلام ولا حرمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهم يدعون الاسلام فاقبل ابن سعد على قتلاه فدفنهم وترك الحسين عليه السلام واصحابه بلا دفن مطرحين على وجه الأرض جثثاً بلا رؤوس تصهرهم الشمس وتسفي عليهم السوافي من الرمال حتى بقوا على هذه الحالة ثلاثة ايام الى ان جاء بنو اسد فدفنوهم .
ثووا عطاشى على البوغاء تحسبهم تحت الدجى في الفيافي الأنجم الشهبا
مجرديـن على الرمضاء قد لبسوا من المهـابـة ابـراداً لهـا قشـبـا
مضرجين بمحمـر النجيـع بنـى نبل العدى والقنـا من فـوقهـم قببا

* * *

ما ان بقيت من الهوان على الثرى ملقى ثلاثاً في ربى ووهاد


المجالس السنية ـ الجزء الثالث 48

لكن لكي تقضي عليك صلاتها زمر الملائك فوق سبع شداد

* * *

المجلس الحادي والستون بعد المائة

في شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد ان معاوية دعا بسر بن ابي ارطأة وكان قاسي القلب فظاً سفاكا للدماء لا رأفة عنده ولا رحمة فأمره ان يذهب الى المدينة ومكة واليمن وقال له اقتل شيعة علي حيث كانوا فمضى في الفين وستمائة حتى دخل المدينة وعامل علي عليه السلام عليها ابو ايوب الأنصاري فخرج عنها هاربا ودخلها بسر فشتمهم وهددهم واحرق دوراً كثيرة ثم خرج الى مكة وقتل في طريقه رجالا واخذ اموالا فلما قرب من مكة هرب قثم بن العباس عامل علي عليه السلام عليها ودخل بسر فشتم اهلها وانبهم ثم خرج الى الطائف ثم خرج منها الى اليمن فقتل ابا كرب الهمداني سيد من بالبادية من همدان وكان يتشيع وكان الذين قتلهم بسر في وجهه ذلت ثلاثين الفاً وحرق قوماً بالنار واتى صنعاء فهرب منها عبيد الله بن العباس ودخلها بسر فأخذ ولدين صغيرين لعبيد الله بن العباس فذبحهما على درج صنعاء (قال) المبرد في الكامل فيقال انه اخذهما من تحت ذيل امهما فقتلهما فقالت امهما :
ها من احس بابني اللذين هما كالدرتين تشظـى عنهما الصدف
ها من احس بابني اللذين هما سمعي وقلبي فقلبي اليوم مختطف
ها من احس بابني اللذين هما مخ العظـام فمخي اليوم مزدهف


المجالس السنية ـ الجزء الثالث 49

نيئت بسراً وما صدقت ما زعموا من قيلهم ومن الافك الذي اقترفوا
أنحـى على ودجي طفلي مرهفة مشحوذة وكـذاك الاثـم يقتـرف
من دل والهـة حـرى مفجعـة على صبيين ضلا اذ مضى السلف

وقد اتخذ أتباع بني امية ذبح الأطفال عادة لهم بغياً منهم وعتواً حتى آل الأمر الى يزيد بن معاوية وجهز عبيد الله بن زياد الجيوش بامره لقتال الحسين عليه السلام وقتلت انصار الحسين وأهل بيته وبقي وحيداً فريداً فتقدم الى باب الخيمة وقال لزينب ناوليني ولدي الرضيع حتى أودعه فأني بابنه عبد الله فأخذه وأجلسه في حجره وأومأ اليه ليقبله فرماه حرملة بن كاهل الأسدي بسهم فوقع في نحره فذبحه فقال لزينب خذيه ثم تلقى الدم بكفيه فلما امتلأتا رمى بالدم نحو السماء ثم قال هون علي ما نزل به انه بعين الله (وفي رواية) انه قال اللهم لا يكن اهون عليك من فصيل (قال) الباقر عليه السلام فلم يسقط من ذلك الدم قطرة الى الأرض (وفي رواية) انه صبه في الأرض ثم قال يا رب ان كنت حسبت عنا النصر من السماء فاجعل ذلك لما هو خير منه وانتقم لنا من هؤلاء القوم الظالمين ثم حمله حتى وضعه مع قتلى أهل بيته (وفي رواية) انه حفر له بجفن سيفه ورمله بدمه فدفنه .
صبي وهو بين يدي ابيه أصيب فأي ذنب للصبي

ومن الأطفال الذين قتلهم أتباع بني أمية يوم طف كربلا بغياً وعتواً وجرأة على الله ورسوله غلام خرج من خباء من أخبية الحسين عليه السلام فأخذ بعود من عيدانه وهو مذعور فجعل يلتفت يميناً وشمالا وقرطاه يتذبذبان فحمل عليه هانئ بن ثبيت الحضرمي فضربه بالسيف فقتله فصارت أمه شهربانوية تنظر اليه ولا تتكلم كالمدهوشة

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 50

كـم لكـم من صبيـة ما ابدلت ثم مـن حاضنة الا رمالا
سل بحجر الحرب ماذا رضعت فندي الحرب قد كن نصالا
رضعت من دمهـا المـوت فيا لرضاع عاد بالرغم فصالا

ومن الأطفال الذين قتلهم جيش يزيد يوم كربلا بغياً وعناداً واجتراء على الله تعالى عبد الله بن الحسن بن علي بن ابي طالب وذلك لما ضعف الحسين عن القتال وجلس على الأرض فخرج عبد الله وهو غلام لم يراهق من عند النساء فلحقته زينب بنت علي لتحبسه فقال لها الحسين عليه السلام احبسيه يا أختي وذلك لعلمه ببغي اهل الكوفة وجرأتهم على قتل الأطفال فأبى الطفل وامتنع عليها امتناعاً شديداً وجاء يشتد الى عمه الحسين حتى وقف الى جنبه وقال لا افارق عمي فأهوى بحر ابن كعب الى الحسين عليه السلام بالسيف فقال له الغلام ويلك يا ابن الخبيثة اتقتل عمي فضربه بحر بالسيف فاتقاها الغلام بيده فأطنها الى الجلد فاذا هي معلقة فنادى الغلام يا عماه او يا اماه فاخذه الحسين عليه السلام فضمه الى صدره وقال يا ابن اخي اصبر على ما نزل بك واحتسب في ذلك الخير فان الله يلحقك بابائك الصالحين برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلي وحمزة وجعفر والحسن صلى الله عليهم اجمعين فرماه حرملة بسهم فذبحه وهو في حجر عمه فرفع الحسين عليه السلام يديه وقال اللهم امسك عنهم قطر السماء وامنعهم بركات الأرض فان متعتهم الى حين ففرقهم فرقاً واجعلهم طرائق قدداً ولا ترض الولاة منهم ابداً فانهم دعونا لينصرونا ثم عدوا علينا فقتلونا .
هبوا انكم قاتلتمو فقتلتمو فما بال اطفال تقاسي نبالها

(ودعا) علي عليه السلام على بسر فقال اللهم لا تمته حتى تسلبه عقله

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 51

ولا توجب له رحمتك ولا ساعة من نهار فلم يلبث بعد ذلك الا يسيرا حتى ذهب عقله وكان يهذي بالسيف ويقول اعطوني سيفاً اقتل به لا يزال يردد ذلك حتى اتخذ له سيف من خشب وكانوا يدنون منه المرفقة فلا يزال يضربها حتى يغشى عليه فلبث كذلك الى ان مات (وقد) كان مسلم بن عقبة وعبيد الله بن زياد ليزيد كما كان بسر لمعاوية اما مسلم بن عقبة فهو صاحب وقعة الحرة التي اباح فيها المدينة ثلاثا وبايع الناس على انهم عبيد رق ليزيد بن معاوية (واما) عبيد الله بن زياد فهو الذي بعث العساكر لقتال الحسين عليه السلام ارضاء ليزيد بن معاوية ولم يكفه ذلك حتى امرهم بمنع الحسين عليه السلام واصحابه الماء فنفذ ذلك ابن سعد ومنع الحسين عليه السلام وعياله واطفاله الماء وجعل يطلب شربة من الماء فلا يجاب وكلما حمل بفرسه على الفرات حملوا عليه حتى كشفوه عنه الى ان اقتلوه عطشان ظامياً ولم يكفهم ذلك حتى امر ابن زياد ان يوطئوا الخيل صدر الحسين وظهره بعد القتل ففعل ابن سعد ذلك ولم يكفهم هذا كله حتى حملوا رأسه الشريف ورؤوس اصحابه وأهل بيته على اطراف الرماح وسبوا نساءه وعياله وبنات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من بلد الى بلد .
بنى لهم الماضون اساس هذه فعلوا على آساس تلك القواعد
الا ليس فعل الأولين وان علا على قبح فعل الآخرين بزائد

المجلس الثاني والستون بعد المائة

* * *

ذكر غير واحد من المؤرخين ان علياً عليه السلام لما عاد من صفين

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 52

الى الكوفة بعد امر الحكمين اقام ينتظر انقضاء المدة التي كانت بينه وبين معاوية ليرجع الى حربه اذ انعزلت طائفة من اصحابه في اربعة آلاف وهم من العباد والنساك فخرجوا من الكوفة وانكروا امر التحكيم وقالوا لا حكم الا لله فقال علي عليه السلام كلمة حق يراد بها باطل وانحاز اليهم نحو من ثمانية آلاف فصاروا في اثني عشر الفاً ونزلوا مكانا يسمى حروراء فسموا الحرورية واحتج عليهم امير المؤمنين عليه السلام فقال الم أقل لكم في يوم رفع المصاحف ان اهل الشام يخدعونكم بها فان الحرب قد عضتهم فذروني اناجزهم فأبيتم الم أرد ان أبعث ابن عمي عبد الله بن عباس ليكون حكماً فانه رجل لا يخدع فأبيتم وجئتموني بابي موسى وقلتم رضينا به ثم شرطت على الحكمين ان يحكما بما انزل الله في القرآن من فاتحته الى خاتمته وانهما ان لم يفعلا فلا طاعة لهما علي قالوا صدقت فلم لا ترجع الى حرب القوم قال حتى تنقضي المدة التي بيننا وبينهم فرجع منهم طائفة ثم اجتمعوا بالنهروان (ولقيهم) عبد الله بن خباب صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفي عنقه مصحف ومعه امرأته فقالوا ما تقول في علي قبل التحكيم وبعده قال انه اعلم بالله منكم واشد توقياً على دينه وانفذ بصيرة قالوا انك تتبع الهوى وتوالي الرجال على اسمائها لا على افعالها والله لنقتلنك قتلة ما قتلناها احداً فأخذوه وكتفوه ثم اقبلوا به وبامرأته وهي حبلى متم فنزلوا تحت نخل فسقطت منه رطبة فوضعها احدهم في فيه فقال له الآخر أخذتها بغير ثمن فألقاها ومر بهم خنزير لأهل الذمة فضربه احدهم بسيفه فقالوا هذا فساد في الأرض فارض صاحب الخنزير فلما رأى ذلك عبد الله بن خباب قال اني مسلم ما أحدثت في الاسلام حدثاً ولقد امنتموني قلتم لاروع عليك فلم يلتفتوا الى كلامه وقالوا له هذا الذي في عنقك يامرنا

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 53

بقتلك ثم قربوه الى شاطئ النهر فأضجعوه وذبحوه فسال دمه في الماء اقبلوا الى امرأته فقالت أنا امرأة الا تتقون الله فبقروا بطنها . (وخرج) علي عليه السلام باصحابه حتى نزل على فرسخين من النهروان فارسل اليهم اولاً ابن عباس ثم جاء اليهم بنفسه فقال ما الذي نقمتم به علي (قالوا) نقمنا عليك انك ابحتنا عسكر أهل البصرة ومنعتنا النساء والذرية فقال لهم ان أهل البصرة قاتلونا فاقتسمتم سلب من قاتلكم والنساء لم تقاتل والذرية ولدوا على الفطرة ولم ينكثوا ولا ذنب لهم ولقد من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على المشركين فلا تعجبوا ان مننت على نسائهم وذرياتهم (قالوا) ونقمنا عليك انك حكمت في دين الله برأينا فقال أما تعلمون ان الله تعالى قد أمر بالتحكيم في شقاق بين الرجل وامرأته فقال فابعثوا حكما من أهله وحكماً من أهلها وفي صيد أصيب كارنب يساوي نصف درهم فقال يحكم به ذوا عدل منكم (قالوا) ونقمنا عليك انك محوت اسمك من امارة المؤمنين يوم صفين حين كتب كتاب الصلح وذلك انه قال لكاتبه اكتب هذا ما تقاضى عليه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ومعاوية بن ابي سفيان فلم يقبل معاوية فقال أمير المؤمنين عليه السلام للكاتب أكتب هذا ما تقاضى عليه علي بن ابي طالب ومعاوية فقال لهم أنا كنت كاتب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم الحديبية فقال لي اكتب هذا ما اصطلح عليه محمد رسول الله وسهيل بن عمرو فقال سهيل لو علمنا أنك رسول الله لما صددناك ولا قاتلناك فأمرني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فمحوت ذلك وكتبت هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد الله وسهيل وانما محوت اسمي من امرة المؤمنين كما محا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اسمه من الرسالة وكان لي به اسوة (قالوا) وانك قلت للحكمين انظرا في كتاب الله فان كنت افضل من معاوية فأثبتاني في الخلافة والا فأثبتاه

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 54

فان كنت شاكا فنحن فيك اعظم شكا فقال انما اردت بذلك النصفة كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لنصارى تجران تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وانفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فجعل لعنة الله على الكاذبين (قالوا) ونقمنا عليك انك حكمت حكما في حق هو لك فقال ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حكم سعد بن معاذ في بني قريظة ولو شاء لم يفعل فصاح منهم جماعة من كل ناحية التوبة التوبة يا أمير المؤمنين فاستأمن منهم ثمانية آلاف وبقي أربعة آلاف مصرين على حربه فقاتلهم حتى أفناهم ولم يسلم منهم غير تسعة أنفس (فياليت) أمير المؤمنين الذي أفنى الخوارج بسيفه لاغاب عن يوم كربلاء ليرى خوارج أهل الكوفة اللذين حاربوا ولده الحسين عليه السلام بل كانوا شراً من الخوارج ولم تفعل فرقة من الفرق الضالة مهما بلغت في الضلال وقساوة القلب ما فعله أهل الكوفة مع أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وأله وسلم ولم يجر في حرب من حروب الدنيا من الفظاعة ما جرى من اهل الكوفة في حرب ذرية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فكم من طفل بالسهام ذبحوه وآخر بالسيوف قطعوه ذبحوا عبد الله الرضيع بالسهم وهو بين يدي أبيه الحسين وذبحوا عبد الله بن الحسن بالسهم وهو في حجر عمه الحسين بعدما ضربوه على يمينه بالسيف فقطعوه وبقيت معلقة ومنعوا الحسين وعياله وأطفاله من ورود الماء وتركوه وأصحابه على وجه الصعيد جثثاً بلا رؤوس تصهرهم الشمس وتسفي عليهم الرياح
فيا وقعة لم يحدث الدهر مثلها يبيد الليالي ذكرها وهو خالد
لألبست هذا الديـن اثواب ذلة ترث لها الأيـام وهي جدائد

* * *


المجالس السنية ـ الجزء الثالث 55

المجلس الثالث والستون بعد المائة

في العقد الفريد وغيره عن الشعبي قال : وفدت سودى ابنة عمارة ابن الأشتر الهمدانية على معاوية بن ابي سفيان فاستأذنت عليه فأذن لها فلما دخلت عليه سلمت فقال لها كيف أنت يا ابنة الأشتر قالت بخير يا أمير المؤمنين قال لها أنت القائلة لأخيك :
شمر كفعل أبيك يا ابن عمارة يوم الطعان وملتقى الأقران
وانصر علياً والحسين ورهطه واقصد لهند وابنهـا بهوان
ان الامـام أخا النبـي محمد علم الهدى ومنـارة الايمان
فقد الجيوش وسـر أمام لوائه قدماً بابيض صـارم وسنان

قالت مات الرأس وبتر الذنب فدع عنك تذكار ما قد نسي قال هيهات ليس مثل مقام أخيك ينسى قالت صدقت والله ما كان أخي خفي المقام ذليل المكان ولكن كما قالت الخنساء :
وان صخراً لتأتم الهداة به كأنه علم في رأسه نار

وبالله أسأل اعفائي مما استعفيته قال قد فعلت فقولي حاجتك قالت ان الله سائلك عما افترض عليك من حقنا ولا تزال تقدم علينا من ينهض بعزك ويبسط بسلطانك فيحصدنا حصاد السنبل ويدوسنا دياس البقر ويسومنا الخسيسة ويسألنا الجليلة هذا ابن ابي ارطاة قدم بلادي وقتل رجالي وأخذ مالي ولولا الطاعة لكان فينا عز ومنعة فاما عزلته فشكرناك واما لا فعرفناك فقال معاوية اياي تهددين بقومك والله لقد هممت ان اردك اليه على قتب اشرس فينفذ حكمه فيك فسكتت ثم قالت :

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 56

صلـى الاله على روح تضمنه قبـر فأصبح فيه العدل مدفونا
قد حالف الحق لا يبغي به ثمناً فصار بالحق والايمان مقرونا

قال ومن ذلك ؟ قالت علي بن أبي طالب قال ما ارى عليك منه أثراً قالت بلى أتيته يوماً في رجل ولاه صدقاتنا فكان بيننا وبينه ما بين الغث والسمين فوجدته قائماً يصلي فانفتل من الصلاة وقال برأفة وتعطف ألك حاجة فأخبرته خبر الرجل فبكى ثم رفع يديه الى السماء فقال اللهم اني لم آمرهم بظلم خلقك وترك حقك ثم أخرج من جيبه قطعة من جراب فكتب فيها بسم الله الرحمن الرحيم«قد جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين بقية الله خير لكم ان كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ» اذا أتاك كتابي هذا فاحتفظ بما في يديك حتى يأتي من يقبضه منك والسلام فعزله فقال معاوية اكتبوا لها بالانصاف لها والعدل عليها فقالت ألي خاصة أم لقومي عامة قال وما أنت وغيرك قالت والله هي اذاً الفحشاء واللؤم ان كان عدلا شاملاً ولا يسعني ما يسع قومي قال هيهات علمكم ابن أبي طالب الجرأة وغركم قوله :
فلو كنت بوابا على باب جنة لقلت لهمدان ادخلي بسلام

وقوله :
ناديت همدان والأبواب مغلقة ومثل همدان سنى فتحة الباب
كالهندواني لم تفلل مضاربه وجه جميل وقلب غير وجاب

اكتبوا لها حاجتها (هكذا) كانت عادة الملوك والأمراء في الحلم عن النساء واكرامهن والرأفة بهن وعدم مؤاخذتهن بشيء من القول لأنهن ضعيفات الى ان آل الأمر الى ابن زياد وادخلت عليه حوراء

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 57

النساء زينب بنت علي عليهما السلام فانه لم يكرمها بشيء الا انه التفت اليها وقال لها الحمد لله الذي قتلكم وفضحكم واكذب احدوثتكم فقالت عليها السلام الحمد لله الذي أكرمنا بنبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم وطهرنا من الرجس تطهيراً انما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر وهو غيرنا فقال لها كيف رأيت صنع الله باخيك الحسين وأهل بيتك قالت ما رأيت الا جميلا هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا الى مضاجعهم وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاج وتخاصم فانظر لمن الفلج يومئذ هبلتك أمك يا ابن مرجانة فغضب ابن زياد واستشاط وكانه هم بها فقام اليه عمرو ابن حريث وقال انها امرأة والمرأة لا تؤاخذ بشيء من منطقها فقال لها ابن زياد لقد شفى الله قلبي من طاغيتك الحسين والعصاة المردة من أهل بيتك فرقت زينب وبكت وقالت له العمري لقد قتلت كهلي وابرزت أهلي وقطعت فرعي اجتثثت اصلي فان كان هذا شفاءك فقد اشتفيت فقال ابن زياد هذه سجاعة ولعمري لقد كان ابوها سجاعاً شاعراً فقالت يا ابن زياد ما للمرأة وللسجع .
احتاجت لتكليم الأجانب وهي لم تفكك لهم افواهها بشظاظ
كم حرمة للمصطفى هتكت على ايدي شداد في العتو غلاظ

* * *

المجلس الرابع والستون بعد المائة

في العقد الفريد عن الشعبي قال استأذنت بكارة الهلالية على معاوية

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 58

ابن أبي سفيان فأذن لها وهو يومئذ بالمدينة فدخلت عليه وكانت امرأة قد اسنت وغشي بصرها وضعفت قوتها ترعش بين خادمين لها فسلمت وجلست فرد عليها معاوية السلام وقال كيف انت يا خالة فقالت بخير قال غيرك الدهر قالت كذلك هو ذو غير من عاش كبر ومن مات فقد قال عمرو بن العاص هي والله القائلة :
يا زيد دونك فاحتفر من دارنا سيفاً حساماً في التراب دفينا
قد كنت أذخـره ليـوم كريهة فاليوم أبرزة الزمان مصونا

قال مروان وهي والله القائلة :
أترى ابن هـند للخلافـة مالكاً هيهات ذاك وان اراد بعيد
منتك نفسك في الخلاء ضلالة أغراك عمرو للشقا وسعيد

قال سعيد بن العاص هي والله القائلة :
قد كنت أطمع أن أموت ولا ارى فوق المنابـر من أمية خاطبا
فالله أخـر مدتـي فتـطـاولت حتى رأيت من الزمان عجائبا
في كل يوم لا يزال خطيـبـهم بين الجميـع لآل أحمد عائبا

ثم سكتوا فقالت يا معاوية انا والله قائلة ما قالوا وما خفي عليك مني أكثر فضحك وقال ليس يمنعنا ذلك من برك اذكري حاجتك قالت اما الآن فلا (هكذا) يكون الاباء وعزة النفس هذه بكارة الهلالية بعد ان اجابت معاوية بما اجابته لم تقبل منه براً ولا عطاءً أنفة منها وحمية لأنها علمت انه اراد بذلك اسكاتها ومع ذلك فقد أظهر الحلم عنها كما هي عادة الأمراء في الاحسان الى النساء ولو كانت المرأة من أعدى الأعداء وكثيراً ما كان الأمير يحلم عن المرأة وان سبته وشتمته ويرى

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 59

من العار ان يضربها او يشتمها حتى آل الأمر الى ابن مرجانة وابن هند فانه ما كفاهما حمل بنات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سبايا على أقتاب المطايا من بلد الى بلد كما تحمل سبايا الروم حتى قابلوهن من الشتم والجفاء والغلظة بما تقشعر منه الجلود وتنفظر له القلوب (اما) عبيد الله بن زياد فانه لما ادخل عليه سبايا آل الرسول قال لزينب بنت علي عليه السلام في جملة ما قال الحمد لله الذي قتلكم وفضحكم وأكذب احدوثتكم فقالت الحمد لله الذي أكرمنا بنبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم وطهرنا من الرجس تطهيراً انما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر وهو غيرنا فقال كيف رأيت فعل الله باخيك وأهل بيتك قالت ما رأيت الا جميلا هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا الى مضاجعهم وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاج وتخاصم فانظر لمن الفلج هلبتك أمك يا ابن مرجانة فاستشاط غضبا وكانه هم بضربها فقال له عمر بن حريث انها امرأة والمرأة لا تؤاخذ بشيء من منطقها فقال لها ابن زياد لقد شفى الله قلبي من طاغيتك الحسين والعصاة المردة من أهل بيتك فرقت زينب وبكت وقالت لعمري لقد قتلت كهلي وابرزت أهلي وقطعت فرعي واجتثثت اصلي فان كان هذا شفاؤك فقد اشتفيت (واما) يزيد فانه لما أدخل عليه نساء الحسين عليه السلام التفت الى سكينة بنت الحسين عليه السلام وقال لها كيف رأيت صنع الله بكم قالت اقصر عن كلامك يا ابن الطليق حرمك وجوارك خلف الستور وبنات رسول الله سبايا .
فقل لسرايـا شيبة الحمد ما لكم قعدتـم وقد ساروا بنسوتكـم اسرى
واعظم ما يشجي الغيور دخولها الى مجلس ما بارح اللهـو والخمرا
يقارضها فيـه يـزيـد مسبـة ويصرف عنها وجهه معرضاً كبرا

* * *



السابق السابق الفهرس التالي التالي