المجالس السنية ـ الجزء الثالث 20

ومن الكوفة الى الشام امام عيني زين العابدين وأمام عيني زينب وسائر النساء ولما قربوا من دمشق دنت أم كلثوم من شمر فقاله له لي اليك حاجة فقال ما حاجتك قالت اذا دخلت بنا البلد فاحملنا في درب قليل النظارة وتقدم اليهم ان يخرجوا هذه الرؤوس من بين المحامل وينحونا عنها فقد خزينا من كثرة النظر الينا ونحن في هذه الحال فأمر في جواب سؤالها ان تجعل الرؤوس على الرماح في أوساط المحامل بغياً منه وكفراً وسلك بهم بين النظارة على تلك الصفة .
ليت المواكـب والوصي زعيمها وقفوا كموقفكم على صفين
بالطف كي يروا الاولى فوق القنا رفعت مصاحفها اتقاء منون
جعلت رؤوس بنـي النبي مكانها وشفت قديم لواعج وضغون
المجلس الخمسون بعد المائة

اجتمع عند معاوية بصفين ليلة عتبة بن أبي سفيان والوليد بن عقبة ومروان بن الحكم وغيرهم فقال عتبة ان امرنا وأمر علي لعجب ليس منا الا موتور أما أنا فقتل جدي وشرك في دم عمومتي يوم بدر وأما أنت يا وليد فقتل أباك يوم الجمل وأيتم اخوتك وأما انت يا مروان فكما قال الشاعر :
وافتلهن (1) علباء (2) جريضاً (3) ولو ادركنه صفر الوطاب (4)

(1) أنفلت منهن .
(2) اسم رجل .
(3) الجريض : المغموم .
(4) الوطاب جمع وطب وهو سقاء اللبن وصفرت الوطاب أي خلت من اللبن ويكنى به عن الموت يقال صفرت وطابه اي مات أو قتل =
المجالس السنية ـ الجزء الثالث 21


قال معاوية هذا الاقرار فأين الغير قال مروان أي غير تريد قال اريد ان يشجر بالرماح فقال والله انك لهازل ولقد ثقلنا عليك فقال الوليد بن عقبة في ذلك :
يقول لنا معـاوية بـن حرب اما فيكم لـواتركـم طلوب
يشد علـى أبي حسـن علـي باسمر لم تهجنـه الكعـوب
فقلت له أتلعتب يـا ابـن هند كانك وسطنا رجل غـريب
اتـامـرنا بحيـة بطـن واد اذا نهشت فليـس لنا طبيب
ومـا ضبـع اقـام ببطن واد اتيح له به اسـد مهـيـب
باضعف حيـلـة منـا اذا ما لقيناه وذا منـا عجـيـب
سوى عمـرو وقتـه خصيتاه نجـا ولقلبـه منـه وجيب
لعمرو أبي معـاوية بن حرب وما ظني ستلحقـه العيوب
لقد ناداه فـي الهيـجـا علي فأسمعه ولكـن لا يجيـب

فغضب عمرو وقال ان كان الوليد صادقاً فليلق علياً او ليقف حيث يسمع صوته وقال عمرو :
يذكرني الوليد دعا علـي وبطن المرء يملـؤه الوعيد
متى تذكر مشاهده قريش يطر من خوفه القلب الشديد
فأما في اللقاء فأين منـه معاوية بن حـرب والـوليد
وعيرني الوليد لقاء ليث اذا ما زار هابتـه الاسـود
لقيت ولست أجهله علياً وقد بلت من العلـق اللبـود
فأطعنه ويطعنني خلاساً وماذا بعـد طعنـتـه اريـد

= وهذا البيت ضربه كالمثل لمروان اي انه افلت يوم الجمل بآخر رمق ولو أدركه علي عليه السلام لقتله .
ـ المؤلف ـ
المجالس السنية ـ الجزء الثالث 22

فرمها منه يا ابن ابي معيط وانت الفارس البطل النجيد
فأقسم لو سمعت ندا علي لطار القلب وانتفخ الوريد
ولو لاقيته شقت جيوب عليك ولطمت فيك الخدود

وما زالت اضغان بني أمية كامنة في صدورهم بقتل من قتله منهم أمير المؤمنين عليه السلام يوم كانوا يقودون الجيوش لحرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومحو الاسلام في يوم بدر واحد والاحزاب ويظهرونها لعلي واولاده ويجهدون في محوهم عن جديد الأرض كلما سنحت لهم الفرصة ويهظرون الشماتة والفرح بما يصيب آل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من المصائب فمن ذلك لما جاء الخبر الى المدينة بقتل الحسين عليه السلام وكان لامير عليها من بني أمية وهو عمرو بن سعيد بن العاص فلما سمع أصوات نساء بني هاشم يبكين على الحسين عليه السلام ويندبنه ضحك وتمثل بقول بعض العرب :
عجت نساء بني زياد عجة كعجيج نسوتنا غداة الارنب

ثم خطب الناس وقال في خطبته انها لدمة بلدمة وصدمة بصدمة كم خطبة بعد خطبة وموعظة بعد موعظة حكمة بالغة فما تغني النذر (ومن) ذلك لما وضع رأس الحسين عليه السلام ورؤوس اهل بيته وأصحابه بين يدي يزيد فدعا بقضيب خيزران وجعل ينكت به ثنايا الحسين عليه السلام ثم قال يوم بيوم بدر (وقيل) ان مروان بن الحكم اخذ الرأس الشريف وتركه بين يديه وقال :
يا حبذا بردك في اليدين ولونك الأحمر في الخدين
كانما حف بوردتين شفيت نفسي من دم الحسين

والله لكاني أنظر الى ايام عثمان .

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 23

قوم قتلتم على الاسلام او لهم حتى اذا استمكنوا جازوا على الكفر
ابناء حرب ومروان واسرتهم بنو معيـط ولاة الحـقـد والوغـر

* * *

بني أمية ما الأسياف نائمة عن ساهر في اقاصي الأرض موتور
اكل يوم لآل المصطفى قمر يهـوي بوقـع العـوالي والمبـاتيـر
المجلس الحادي والخمسون بعد المائة

من مواقف أمير المؤمنين عليه السلام في وقعة صفين ما كان يوم الهرير قال بعض الرواة فو الذي بعث محمداً بالحق نبياً ما سمعنا برئيس قوم منذ خلق الله السماوات والأرض اصاب بيده في يوم واحد ما أصاب علي عليه السلام انه قتل فيما ذكر العادون زيادة على خمسمائة من اعلام العرب يخرج بسيفه منحنياً فيقول معذرة الى الله واليكم من هذا لقد هممت ان افلقه (أي أكسره) ولكن يحجزني عنه أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لا سيف الا ذو الفقار ولا فتى الا علي وانا أقاتل دونه قال فكنا نأخذه فنقومه ثم يتناوله من أيدينا فيقتحم به في عرض الصف فلا والله ما ليث بأشد نكاية منه في عدوه (وكان) في أوائل أيام صفين يسهر الليل كله الى الصباح يعبئ الكتائب ويأمر الأمراء ويعقد الألوية (ومر) في اليوم السابع ومعه بنوه نحو الميسرة والنبل يمر بين عاتقيه ومنكبيه وما من بنيه الا من يقيه بنفسه فيكره علي عليه السلام ذلك ويتقدم نحو أهل الشام ويؤخر الذي يقيه الى ورائه (وجاء) احمر مولى بني أمية يوم صفين وقال لأمير المؤمنين عليه السلام قتلني الله ان لم اقتلك فخرج اليه كيسان مولى علي عليه

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 24

السلام فقتله أحمر واراد ان يضرب أمير المؤمنين بالسيف فانتهزه أمير المؤمنين عليه السلام ووضع يده في حيب درع أحمر فجذبه عن فرسه وحمله على عاتقه قال الراوي فوالله لكاني أنظر الى رجلي أحمر تختلفان على عنق علي عليه السلام ثم ضرب به الأرض فكسر منكبيه وعضديه وشد الحسين ومحمد بن الحنفية عليهما السلام فضرباه بأسيافهما حتى برد وبقي الحسن عليه السلام واقفاً مع أبيه فقال له ما منعك ان تفعل كما فعل اخواك قال كفياني يا أمير المؤمنين ثم دنا اهل الشام من أمير المؤمنين عليه السلام يريدونه قال فو الله ما يزيده قربهم منه ودنوهم اليه سرعة في مشيه فطلب منه الحسن عليه السلام ان يسرع في مشيه ليلحق بربيعة فقال له يا بني ان لأبيك يوماً لن يعدوه ولا يبطئ به عنه السعي ولا يقربه اليه الوقوف ان اباك لا يبالي ان وقع على الموت او وقع الموت عليه (ومن) هذه الشجاعة ورث ولده الحسين عليه السلام وعلى نهجها نهج وفي سبيلها درج
فهو ابن حيدرة البطين الأنزاع الـ ـمفني الألوف بحومة الهيجاء
له من علي فـي الحروب شجاعة ومن أحمد عنـد الخطابة قيل

ولما كان يوم عاشوراء دعا الناس الى البراز فلم يزل يقتل كل من يبرز اليه حتى قتل مقتلة عظيمة ثم حمل على الميمنة وهو يقول :
القتل اولى من ركوب العار والعار اولى من دخول النار
والله من هذا وهذا جاري

ثم حمل على الميسرة وهو يقول :
انا الحسين بن علي آليـت ان لا انثـنـي
احمي عيالات ابي امضي على دين النبي


المجالس السنية ـ الجزء الثالث 25


قال بعض الرواة فوالله ما رأيت مكنوراً (أي مغلوباً) قط قد قتل ولده وأهل بيته وأصحابه اربط جأشاً ولا أمضى جناناً ولا اجراً مقدماً منه والله ما رأيت قبله ولا بعده مثله وان كانت الرجالة لتشد عليه فيشد عليها بسيفه فتنكشف عن يمينه وعن شماله انكشاف المعزى إذا شد فيها الذئب ولقد كان يحمل فيهم وقد تكملوا ثلاثين الفاً فينهزمون من بين يديه كانهم الجراد المنتشر ثم يرجع الى مركزه وهو يقول لا حول ولا قوة إلا بالله وهو في ذلك يطلب شربة من ماء فلا يجد وكلما حمل بفرسه على الفرات حملوا عليه باجمعهم حتى أجلوه عنه .
منعـوه مـن مـاء الفـرات وورده وأبوه ساقي الحوض يوم جزاء
حتى قضى عطشاً كما اشتهت العدى با كف لا صيـد ولا اكـفـاء
المجلس الثاني والخمسون بعد المائة

لما كان يوم صفين جاء علي أمير المؤمنين عليه السلام ومعه بنوه نحو رايات ربيعة فنادى باعلى صوته لمن هذه الرايات قالوا هذه رايات ربيعة فقال بل هي رايات الله عصم الله اهلها وصبرهم وثبت أقدامهم ثم قال عليه السلام للحضين بن المنذر يا فتى الا تدني رايتك هذه ذراعاً فقال له نعم والله وعشرة أذرع فأقبل بها حتى ادناها فقال له حسبك مكانك (وقال) الحضين بن المنذر اعطاني علي الراية وقال سر

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 26

على اسم الله يا حضين واعلم انه لا يخفق على رأسك راية مثلها ابداً لأنها راية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وزحف الحضين بن المنذر برايته وكانت حمراء فأعجب علياً زحفه وثباته فأنشأ عليه السلام يقول :
لمن رايـة حمـراء يخفـق ظلهـا اذا قيل قدمها حضيـن تقـدمـا
ويدنو بها فـي الصف حتى يزيرها حياض المنايا تقطر الموت والدما
تراه اذا ما كـان يوم عظـيـمـة ابى فـيـه الا عـزه وتـكـرما
جزى الله قوماً صابروا فـي لقائهم لدى البأس خيراً ما أعف وأكرما
واحزم صبراً حين يدعى الى الوغى اذا كـان اصوات الرجال تغمغما
ربيعة اعنـي انهـم أهـل مجـدة وبـاس اذا لاقوا خميساً عرمرما

فلما اصبحوا في اليوم العاشر أصبحوا وربيعة محدقة بعلي احداق بياض العين بسوادها (قال) عتاب بن لقيط ان اصيب علي فيكم افتضحتم وقد لجأ الى راياتكم (وقال) لهم شقيق بن ثور يا معشر ربيعة ليس لكم عذر في العرب ان اصيب علي فيكم ومنكم رجل حي فقاتلوا قتالاً شديداً (وقام) خالد بن المعمر السدوسي فنادى من يبايع على الموت ويشري نفسه لله فبايعه سبعة آلاف على ان لا ينظر رجل منهم خلفه حتى يردوا سرادق معاوية فاقتتلوا قتالا شديداً وقد كسروا جفون سيوفهم فلما نظر اليهم معاوية قد أقبلوا قال :
اذا قلت قد ولت ربيعة اقبلت كتائب منهم كالجبال تجالد

ثم خرج عن سرادقه هارباً الى بعض مضارب العسكر فدخل فيه ونذر معاوية سبي نساء ربيعة ان ظفر بهم وقتل رجالهم فقال في

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 27

ذلك خالد بن المعمر :
تمنى ابن حرب نذره في نسائنا ودون الذي ينوي سيوف قواضب

ولم يرث يزيد سبي نساء المسلمين عن كلالة بل ورث ذلك عن ابيه فكما نذر ابوه سبي نساء ربيعة ان ظفر بهم سبي هو نساء سادات المسلمين وعقائل بيت النبوة وامر بحملهن اليه من العراق الى الشام فحملوا اليه على أقتاب الجمال وساروا بهن كما يسار بسبايا الكفار .
يسار بها عنفاً بلا رفق محرم بخا غير مغلول يحن على صعب

ولما وردوا دمشق اوقفوا على درج باب المسجد الجامع حيث يقام السبي وبينهم زين العابدين عليه السلام وهو مغلول بغل الى عنقه وهو اما اهل البيت الطاهر ووارث علوم جده الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ثم ادخلوا على يزيد وهم مقرنون في الحبال وزين العابدين عليه السلام مغلول فلما وقفوا بين يديه وهم على تلك الحال قال له علي بن الحسين عليه السلام انشدك الله يا يزيد ما ظنك برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لو رآنا على هذه الصفة فلم يبق في القوم أحد إلا وبكى فأمر يزيد بالحبال فقطعت وأمر بفك الغل عن زين العابدين عليه السلام .
خلت الحمية يا أمية فاخلعـي حلل الحيا وبثوب بغيك فارفلي
سودت وجه حفائظ العرب التي كرمت اذا ظفرت برحل مفضل
المجلس الثالث والخمسون بعد المائة

كان عبد الله بن بديل الخزاعي مع علي عليه السلام يوم صفين

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 28

وعليه سيفان ودرعان وجعل يضرب الناس بسيفه قدماً (1) وهو يقول
لم يبق غير الصبر والتوكل والترس والرمح وسيف مصقل
ثم التمشي في الرعيل الأول مشي الجمال في حياض المنهل

فلم يزل يضرب بسيفه حتى انتهى الى معاوية فأزاله عن موقفه ومع معاوية عبد الله بن عامر واقفاً فأقبل أصحاب معاوية على عبد الله ابن بديل يرضخونه بالصخر حتى اثخنوه وقتلوه وأقبل اليه معاوية وعبد الله بن عامر فأما عبد الله بن عامر فألقى عمامته على وجهه وترحم عليه وكان له أخاً وصديقاً فقال له معاوية اكشف عن وجهه فقال عبد الله والله لا يمثل به وفي الروح فقال له معاوية اكشف عن وجهه فقد وهبته لك فكشف عن وجهه فقال معاوية هذا كبش القوم ورب الكعبة الله ظفرني بالأشتر النخعي والأشعث الكندي والله ما مثل هذا الا كما قال الشاعر :
اخو الحرب ان عضت به الحرب عضها وان شمرت عن ساقها الحرب شمرا
ويحمـي اذا ما المـوت كـان لـقـاؤه لدى الشـر يحمي الأنف أن يتأخرا
كليـث هـزبـر كـان يحمـي ذمـاره رمته المنايـا فصـدها فتقـطـرا

مع ان نساء خزاعة لو قدرت على ان تقاتلني فضلاً عن رجالها فعلت (اما) كان يوم كربلا رجل مثل عبد الله بن عامر فيضع عمامته على وجه الحسين عليه السلام ليمنع أهل الكوفة من ان يمثلوا به

(1) قدماً بضمتين المضي امام امام كذا في القاموس
ـ المؤلف ـ
المجالس السنية ـ الجزء الثالث 29

وباصحابه وذلك لما امر ابن سعد لعنه الله بقطع رأس الحسين ورؤوس اصحابه ففعل أهل الكوفة ما امرهم به فقطعوا الرؤوس وحملوها على رؤوس الرماح وبعث بها من كربلا الى الكوفة الى عبيد الله بن زياد مع خولي بن يزيد الأصبحي وحميد بن مسلم وشمر بن ذي الجوشن ولم يكفهم ذلك حتى نادى عمر بن سعد في أصحابه من ينتدب للحسين فيوطئ الخيل صدره وظهره فانتدب منهم عشرة فوارس فداسوا جسد الحسين عليه السلام بحوافر خيولهم حتى رضوا صدره وظهره وجاؤوا حتى وقفوا على ابن زياد لعنه الله فقال أحدهم :
نحن رضضنا الصدر بعد الظهر بكل يعبوب شديد الأسر

* * *

تطأ الصواهل جسمه وعلى القنا من رأسه المرفوع بدر سماء
المجلس الرابع والخمسون بعد المائة

روى غير واحد من المؤرخين عن ابي الأغر التميمي قال : اني لواقف يوم صفين اذ مر بي العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب وهو شاك في السلاح على رأسه مغفر وبيده صفيحة يمانية يقلبها وهو على فرس له أدهم وكان عينيه عينا أفعى فبينا هو يروض فرسه ويلين من عريكته اذ هتف به هاتف من اهل الشام يقال له غرار هلم يا عباس الى البزاز قال فالنزول إذاً فانه أباس من القفول فنزل الشامي وهو يقول :
ان تركبوا فركوب الخيل عادتنا او تنزلوا فانا معشر نزل

وثنى العباس رجله ثم عصب فضلات درعه في حجزته (أي في

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 30

وسطه) ودفع فرسه الى غلام له أسود ودلف كل واحد منهما الى صاحبه (قال ابو الأغر) فذكرت قول ابي ذؤيب :
فتنازلا وتواقفت خيلاهما وكلاهما بطل اللقاء مجدع

ثم تكافحا بسيفهما ملياً لا يصل واحد منهما الى صاحبه لكمال لامته الى ان لحظ العباس وهناً في درع الشامي فأهوى اليه بيده فهتكه الى صدره ثم عاد لمجاولته وقد أصحر له مفتق الدرع فضربه العباس ضربة انتظم بها جوانح صدره وخر الشامي صريعاً لخلده وسما العباس في الناس وكبر الناس تكبيرة ارتجت لها الأرض (قال ابو الأغر) فسمعت قائلا يقول من ورائي (قاتلوهم يعذبهم الله بايديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ قلوبكم ويتوب الله على من يشاء) فالتفت فاذا هو أمير المؤمنين عليه السلام فقال يا أبا الأغر من المبارز لعدونا قلت العباس بن ربيعة قال يا عباس قال لبيك قال الم انهك وحسناً وحسيناً وعبد الله بن جعفر ان تخلوا بمراكزكم وأن تباشروا حربا قال افأدعى يا أمير المؤمنين الى البزار فلا أجيب جعلت فداك قال نعم طاعة امامك اولى . ود معاوية انه ما بقي من بني هاشم نافخ ضرمة الا طعن في قلبه إطفاء لنور الله « ويابى الله الا ان يتم نوره ولو كره المشركون » (وبلغ) الخبر الى معاوية فقال الا رجل يطلب بدم غرار فانتدب له رجلان من لخم فقال معاوية ايكما قتل العباس فله كذا فأتيا العباس فقال ان لي سيداً أو امره فأتى الى أمير المؤمنين فأخبره فقال ناقلني سلاحك بسلاحي فناقله وركب علي فرس العباس فلم يشك الشاميان انه العباس فقالا له أذن لك سيدك فقال «أذن للذين يقاتلون بانهم ظلموا وان الله على نصرهم لقدير»فبرز اليه احدهما فكانما اختطفه ثم برز اليه الثاني فالحقه بالأول وأنصرف وهو يقول «الشهر

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 31

الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم»
فبلغ ذلك معاوية فقال قبح الله اللجاج ما ركبته الا خذلت فقال عمرو بن العاص المخذول والله اللخميان لا أنت (اقول) ان الذي خفته يا أمير المؤمنين على بني هاشم يوم صفين فكنت تقيهم بنفسك ولا تأذن لهم في المبارزة خوفاً عليهم قد ادركه منهم بنو أمية يوم كربلا فأفنوهم قتلا ولم يتركوا منهم نافخ ضرمة قتلوا ولدك الحسين عليه السلام وذبحوه كما يذبح الكبش وقتلوا معه سبعة عشر رجلا من أهل بيتك من بني هاشم ما لهم على وجه الأرض شبيه ولئن نجا منهم بسببك ابن عمك العباس بن ربيعة يوم صفين فلم ينج منهم ولدك ابو الفضل العباس يوم كربلا .
قطعوا يديه وهامه فلقوه في عمد الحديد فخـر خيـر طعين
ومشى اليه السبط ينعاه كسر ت الآن ظهري يا أخي ومعيني
عباس كبش كتيبتي وكنانتي وسري قومي بل أعز حصوني
فرس ملكت بها الشريعة انها عادت الي بصفقـة المغبـون
المجلس الخامس والخمسون بعد المائة

روى نصر بن مزاحم في كتاب صفين عن عمار بن ربيعة قال صلى علي عليه السلام بالناس صلاة الغداة بصفين ثم زحف الى أهل الشام وكانت الحرب أكلت الفريقين ولكنها في أهل الشام أشد نكاية وأعظم وقعاً فقد ملوا الحرب وكرهوا القتال وتضعضعت أركانهم فخرج من أهل العراق رجل على فرس كميت ذنوب عليه السلاح لا يرى منه الا عيناه وبيده الرمح فجعل يضرب رؤوس أصحاب علي بالقناة ويقول سووا

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 32

صفوفكم حتى اذا عدل الصفوف والرايات استقبلهم بوجهه وولى أهل الشام ظهره ثم حمد الله وأثنى عليه (ثم قال) الحمد لله الذي جعل فيكم ابن عم نبيكم اقدمهم هجرة واولهم اسلاماً سيف من سيوف الله صبه على أعدائه فانظروا اليّ اذا حمي الوطيس وثار القتام وتكسر المران وجالت الخيل بالأبطال فلا أسمع الا غمغمة أو همهمة ثم حمل على أهل الشام وكسر فيهم رمحه ثم رجع فاذا هو الأشتر (وزحف) الناس بعضهم الى بعض فارتموا بالنبل حتى فنيت ثم تطاعنوا بالرماح حتى كسرت واندقت ثم مشى القوم بعضهم الى بعض بالسيوف وعمد الحديد فلم يسمع السامع الا وقع الحديد على الحديد قال وانكسفت الشمس وثار القتام وضلت الألوية والرايات والأشتر يسير فيما بين الميمنة والميسرة فيأمر كل قبيلة أو كتيبة من القراء بالأقدام على التي تليها قال فاجتلدوا بالسيوف وعمد الحديد من صلاة الغداة الى نصف الليل لم يصلوا لله صلاة فلم يزل يفعل ذلك الأشتر بالناس وافترقوا على سبعين الف قتيل في ذلك اليوم وتلك الليلة وهي ليلة الهرير (وقتل) يوم صفين عبد الله بن كعب فمر به الأسود بن قيس بآخر رمق فقال عز والله علي مصرعك اما والله لو شهدتك لآسيتك ولدافعت عنك ولو أعرف الذي صرعك لأحببت أن لا يزايلني حتى يلحقني بك ثم نزل اليه فقال والله ان كان جارك ليأمن بواثقك وان كنت من الذاكرين الله كثيراً أوصني رحمك الله قال أوصيك بتقوى الله وان تناصح أمير المؤمنين وأن تقاتل معه المحلين حتى يظهر الحق او تلحق بالله وأبلغه عني السلام وقل له قاتل على المعركة حتى تجعلها خلف ظهرك فانه من اصبح والمعركة خلف ظهره كان الغالب ثم لم يلبث ان مات فاقبل الأسود الى علي عليه السلام فأخبره فقال رحمه الله جاهد معنا عدونا في الحياة

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 33

ونصح لنا في الوفاة (ما أشبه) وصية عبد الله للأسود بوصية مسلم بن عوسجة لحبيب بن مظاهر وذلك لما صرع عوسجة فمشى اليه الحسين عليه السلام ومعه حبيب بن مظاهر فقال الحسين عليه السلام رحمك الله يا مسلم « فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا » ودنا منه حبيب فقال عز علي مصرعك يا مسلم أبشر بالجنة فقال له مسلم قولاً ضعيفاً بشرك الله بخير ثم قال له حبيب لولا اني اعلم أني في الأثر من ساعتي هذه لأحببت أن توصيني بكل ما أهمك فقال له مسلم فاني أوصيك بهذا وأشار الى الحسين عليه السلام فقاتل دونه حتى تموت فقال له حبيب لأنعمنك عيناً ثم مات رضوان الله عليه
ان امـرءاً يمشي لمصرعه سبط النبـي لفـاقد التـرب
اوصى حبيبـاً ان يجود له بالنفس من مقلة ومن حـب
اعزز علينا يا ابن عوسجة من أن تفارق ساعة الحرب
عانقت بيضهـم وسمرهم ورجعت بعد معانق التـرب
أبكي عليك وما يفيـد بكا عيني وقد أكل الأسـى قلبي

* * *

المجلس السادس والخمسون بعد المائة

عن ابن عباس قال عقمت النساء ان ياتين بمثل علي بن أبي طالب عليه السلام فوالله ما كشفت ذيولهن عن مثله وقد شهدته يوم صفين وعلى رأسه عمامة سوداء وعيناه كانهما سراجا سليط يتوقدان من تحتها وهو يقف على كل شرذمة يحرضهم على الحرب اذ طلعت علينا خيل لمعاوية وهي عشرة آلاف دارع على عشرة آلاف أشهب فاقشعر الناس

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 34

لما رأوها وانحاز بعضهم الى بعض قال أمير المؤمنين عليه السلام فيم الهلع والنخع يا أهل العراق هل هي الا اشخاص ماثلة فيها قلوب طائرة لو مستها سيوف أهل الحق لتهافتت تهافت الفراش في النار سفتها الريح في يوم عاصف فادرعوا الصبر وغضوا الأصوات وقلقلوا الأسياف في الأغماد وصلوا السيوف بالخطى والرماح بالنبال فإنكم بعين الله ومع أخي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعليكم بهذا السرادق الأدلم والرواق المظلم فاضربوا ثجه فان الشيطان راقد في كسره نافج حضنيه مفترش ذراعيه قد قدم للوثبة يداً وأخر للنكوص رجلاً الا ان خضاب النساء الحناء وخضاب الرجال الدماء فصمداً صمداً حتى ينجلي لكم عمود الحق وانتم الأعلون فشدوا على اسم الله تعالى ثم حمل عليه السلام وتبعته خويلة لم تبلغ المائة فارس وهو عليه السلام يقول :
دبوا دبيب النمل لا تفوتوا وأصبحـوا بحربكم وبيتوا
حتى تنالوا الدين او تموتوا او لا فاني طالما عصيت

قال فأجالها ابو الحسن جولان الرحا فارتفعت عجاجة منعتني النظر فلم أر الا رأساً نادراً ويداً طائحة فما كان أسرع من ان ولى أهل الشام مدبرين كانهم حمر مستنفرة فرت من قسورة وإذا بامير المؤمنين عليه السلام يمسح العلق عن ذراعيه وسيفه ينطف دماً ووجهه كشقة القمر الطالع وهو يقول قاتلوا ائمة الكفر انهم لا ايمان لهم لعلهم ينتهون .
فلا سيـف الا ذوالفقار ولا فتى سوى حيدر الكرار مردي القساور
فيا ليته لا غاب عن يوم كربـلا فتلـك لعـمـر الله ام الكـبـائر


المجالس السنية ـ الجزء الثالث 35


اي والله يا ليته لا غاب عن يوم كربلا ليرى عزيزه الحسين عليه السلام وقد أحاط به ثلاثون الفاً من أهل الكوفة وهو ينادي هل من ذاب يذب عن حرم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هل من موحد يخاف الله فينا هل من مغيث يرجو الله في اغاثتنا هل من معين يرجو ما عند الله في اعانتنا فارتفعت اصوات النساء بالعويل وحمل الناس عليه عن يمينه وشماله فحمل على الذين عن يمينه فتفرقوا ثم حمل على الذين عن يساره فتفرقوا (قال) بعض الرواة فوالله ما رأيت مكثوراً قط قد قتل ولده واهل بيته وأصحابه أربط جأشاً ولا مضى جناناً ولا أجراً مقدماً منه والله ما رأيت قبله ولا بعده مثله وان كانت الرجالة لتشد عليه فيشد عليها بسيفه فتنكشف عن يمينه وعن شماله انكشاف المعزى اذا شد فيها الذئب ولقد كان يحمل فيهم وقد تكملوا ثلاثين الفاً فينهزمون من بين يديه كانهم الجراد المنتشر ثم يرجع الى مركزه وهو يقول لا حول ولا قوة الا بالله وهو في ذلك يطلب شربة من ماء فلا يجد وكلما حمل بفرسه على الفرات حملوا عليه باجمعهم حتى اجلوه عنه
وعاد ريحانة المختار منفرداً بين العدى ما له حام ولا عضد
يكر فيهـم بماضيه فيهزمهم وهم ثلاثـون الفـاً وهو منفرد

* * *

المجلس السابع والخمسون بعد المائة

كان عمار بن ياسر رضوان الله عليه من السابقين الأولين هاجر الهجرتين الى الحبشة والمدينة وصلى الى القبلتين وشهد بدراً واليمامة وأبلى فيهما بلاءاً حسناً وكان هو وامه ممن يعذب في الله فاعطاهم عمار

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 36

ما ارادوا بلسانه فنزل فيه « الا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان» وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما رواه ابن حجر في الإصابة : من عادى عماراً عاداه الله ومن ابغض عماراً ابغضه الله ، (قال) وتواترت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ان عماراً تقتله الفئة الباغية وأجمعوا على أنه قتل مع علي بصفين (وفي الاستيعاب) هذا من اخباره صلى الله عليه وآله وسلم بالغيب واعلام نبوته وهو من اصح الأحاديث (وقال) رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ان عماراً مليء ايمانا الى مشاشه (1) ويروى الى اخمص قدميه (وقال) صلى الله عليه وآله وسلم عمار جلدة ما بين عيني (ورآه) النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم بناء المسجد يحمل لبنتين لبنتين وغيره لبنة لبنة فجعل ينفض التراب عنه ويقول : ويح عمار يدعوهم الى الجنة ويدعونه الى النار (وقيل) لحذيفة حين احتضر وقد ذكر الفتنة اذا اختلف الناس بمن تامرنا قال عليكم بابن سمية (يعني عماراً) فانه لن يفترق الحق حتى يموت (وروى) نصر بن مزاحم انه لما كانت وقعة صفين ونظر عمار الى راية عمرو بن العاص قال والله هذه الراية قد قاتلتها ثلاث عركات وما هذه بارشدهن (ولما) كان يوم صفين خرج عمار الى أمير المؤمنين عليه السلام فقال يا أخا رسول الله أتاذن لي في القتال فقال مهلاً رحمك الله فلما كان بعد ساعة أعاد عليه الكلام فأجابه بمثله فأعاده ثالثاً فبكى أمير المؤمنين عليه السلام فنظر اليه عمار فقال يا أمير المؤمنين انه لايوم الذي وصفه لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فنزل أمير المؤمنين عليه السلام عن بغلته وعانق عماراً وودعه ثم قال يا ابا القيظان جزاك الله عن الله وعن نبيك خيراً فنعم الأخ كنت ونعم الصاحب كنت ثم بكى أمير المؤمنين عليه السلام وبكى عمار ثم ركب أمير المؤمنين

(1) المشاش جمع مشاشة وهي رأس العظم الممكن المضغ .
ـ المؤلف ـ
المجالس السنية ـ الجزء الثالث 37

عليه السلام وركب عمار( ما أشبه) حالة أمير المؤمنين عليه السلام حين استتأذنه عمار في المبارزة بحالة الحسين عليه السلام حين استأذنه ولده علي الأكبر في المبارزة وكان علي من اصبح الناس وجهاً وأحسنهم خلقاً وكان عمره تسع عشرة سنة فاستأذن اباه في القتال فأذن له ثم نظر اليه نظرة آيس منه وارخى عينيه فبكى ثم رفع سبابتيه نحو السماء وقال اللهم كن انت الشهيد عليهم فقد برز اليهم غلام أشبه الناس خلقاً وخلقاً ومنطقاً بنبيك وكنا اذا اشتقنا الى نبيك نظرنا اليه اللهم امنعهم بركات الأرض وفرقهم تفرقاً ومزقهم تمزيقاً واجعلهم طرائق قدداً ولا ترض الولاة عنهم ابداً فانهم دعونا لينصرونا ثم عدوا علينا يقاتلوننا . (قال) وبرز عمار الى القتال وكان قد جاوز التسعين وانشأ يقول :
نحن ضربناكـم على تنزيله فاليوم نضربكم على تاويله
ضرباً يزيل الهام عن مقيله ويذهل الخليل عن خليلـه
او يرجع الحق الى سبيله

ثم قال والله لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعلمنا انا على الحق وانهم على الباطل ثم قال الجنة تحت ظلال الأسنة اليوم القى الأحبة محمداً وحزبه واشتد به العطش فاستسقى فأتي اليه بلبن فشربه ثم قال هكذا عهد الي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ان يكون آخر زادي من الدنيا شربة من لبن وحمل عليه ابن جون السكسكي وابو العادية الفزاري فاما ابو العادية فطعنه واما ابن جون فاحتز رأسه (وكما) حمل عمار على الناس وارتجز حمل علي بن الحسين على الناس وجعل يرتجز ويقول :
انا علي بن الحسين بن علي نحن وبيت الله اولى بالنبي


المجالس السنية ـ الجزء الثالث 38

تالله لا يحكم فينا ابن الدعي اضرب بالسيف أحامي عن أبي
ضرب غلام هاشمي علوي

ولكن لما اشتد العطش بعمار رجع واستسقى فسقي اللبن ولما اشتد العطش بعلي الأكبر رجع الى أبيه وهو يقول يا أبت العطش قتلني وثقل الحديد أجهدني فهل الى شربة من الماء سبيل فبكى الحسين عليه السلام وقال واغوثاه يا بني من اين آتي لك بالماء قاتل قليلاً فما أسرع ما تلقى جدك محمداً صلى الله عليه وآله وسلم فيسقيك بكاسه الاوفى شربة لا تظمأ بعدها ابداً فجعل يكر كرة بعد كرة وأهل الكوفة يتقون قتله فطعنه مرة ابن منقذ فصرعه فنادى يا أبتاه عليك السلام هذا جدي يقرئك السلام ويقول لك عجل القدوم علينا واعتوره الناس فقطعوه باسيافهم فجاء الحسين عليه السلام حتى وقف عليه وقال قتل الله قوماً قتلوك يا بني ما أجرأهم على الرحمن وعلى انتهاك حرمة الرسول على الدنيا بعدك العفا وخرجت زينب بنت علي عليه السلام وهي تنادي يا حبيباه ويا ابن أخاه فأكبت عليه فجاء الحسين عليه السلام فأخذ بيدها وردها الى الفسطاط واقبل بفتيانه وقال احملوا اخاكم فحملوه من مصرعه حتى وضعوه بين يدي الفسطاط الذي كانوا يقاتلون امامه .
يا كوكباً ما كان اقصر عمره وكذا تكون كواكب الأسحار
جاورت اعدائي وجاور ربه شتان بين جواره وجواري

ولما قتل عمار صلى عليه أمير المؤمنين عليه السلام ودفنه بثيابه وهو مقطوع الرأس (اقول) وذلك لأن الشهيد يدفن بثيابه ودمائه ولا تنزع عنه ثيابه ولا يغسل ليخاصم من قتله بين يدي ربه وهو كذلك (اجل) فمن صلى على شهيد كربلا ابي عبد الله الحسين عليه السلام وهو مقطوع الرأس ودفنه ، لم يصل عليه احد ولم يدفنه بل ترك

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 39

ثلاثا على وجه الصعيد بغير دفن ولما دفن لم يدفن بثيابه لماذا لأنه لم يكن عليه ثياب بل كان عاريا قد سلبت منه ثيابه كلها حتى الثوب الذي خرقه ووضعه تحت ثيابه لئلا يسلب منه فلم يتركوه له وسلبوه اياه وتركوه عارياً .
لله ملقى على الرمضاء غص به فم الـردى بين اقدام وتشمير
تحنو عليـه الربى ظلاً وتستره عن النواظر اذيال الأعاصير
تهابه الوحش ان تدنوا لمصرعه وقد اقـام ثلاثـاً غير مقبور

* * *

المجلس الثامن والخمسون بعد المائة

لما كان يوم صفين دفع علي عليه السلام الراية الى هاشم بن عتبة ابن ابي وقاص ويسمى المرقال لأنه كان يرقل بالراية ارقالا وكان عليه درعان وكان من خيار اصحاب أمير المؤمنين عليه السلام وشجعانهم وكان أعور فقال له علي عليه السلام كالممازح اما تخشى ان تكون اعور جباناً قال ستعلم يا امير المؤمنين والله لألفن بين جماجم القوم لف رجل ينوي الآخرة فأخذ رمحاً فهزه فانكسر ثم أخذ آخر فوجده جاسياً فألقاه ثم أخذ رمحاً ليناً فشد به اللواء وهزه وقال :
اعور يبغي رمحه محلا قد عالج الحياة حتـى ملا
لا بد ان يغـل او يغلا اشلهم بذب الكعـوب شلا
مع ابن عم احمد المعلى فيه الرسول بالهدى استهلا
اول من صدقه وصلى فجاهد الكفـار حتـى ابلى


السابق السابق الفهرس التالي التالي