المجالس السنية ـ الجزء الخامس 1


المجالس السنية

في

مناقب ومصائب العترة النبوية


تأليف
المجتهد الاكبر

السيد محسن الامين

رضوان الله عليه

الجزء الثالث

الطبعة الخامسة

1394هـ _ 1974م


المجالس السنية ـ الجزء الثالث 2

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين (وبعد) فهذا هو الجزء الثالث من كتاب (المجالس السنية) في ذكرى مصائب ومناقب العترة النبوية تأليف أفقر العباد إلى عفو ربه الغني محسن بن المرحوم السيد عبد الكريم الأمين الحسيني العاملي نزيل دمشق عفا الله عن جرائمه وحشره مع محمد وآله الطاهرين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين .

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 3

المجلس الرابع والأربعون بعد المائة

روى المسعودي في مروج الذهب بسنده عن المنذر بن الجارود قال لما قدم علي عليه السلام البصرة خرجت أنظر إليه فورد موكب نحو الف فارس يقدمهم فارس على فرس أشهب عليه قلنسوة وثياب بيض متقلد سيفاً معه راية وإذا تيجان القوم الأغلب عليها البياض والصفرة مدججين في الحديد والسلاح فقلت من هذا فقيل أبو أيوب الأنصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهؤلاء الانصار وغيرهم . ثم تلاهم فارس آخر عليه عمامة صفراء وثياب بيض متقلد سيفاً متنكب قوساً معه راية على فرس أشقر في نحو الف فارس فقلت من هذا فقيل هذا خزيمة بن ثابت الأنصاري ذو الشهادتين ثم مر بنا فارس آخر على فرس كميت معمم بعمامة صفراء من تحتها قلنسوة بيضاء وعليه قباء ابيض مصقول متقلد سيفاً متنكب قوساً في نحو الف فارس من الناس ومعه راية فقلت من هذا فقيل لي ابو قتادة بن ربعي الانصاري ثم مر بنا فارس آخر على فرس اشهب عليه ثياب بيض وعمامة سوداء قد سدلها بين يديه ومن خلفه شديد الأدمة عليه سكينة ووقار رافع صوته بقراءة القرآن متقلد سيفاً متنكب قوساً معه راية بيضاء في الف من الناس مختلفي التيجان حوله مشيخة وكهول وشباب كأن قد أوقفوا للحساب أثر السجود قد أثر في جباههم فقلت من هذا فقيل عمار بن ياسر في عدة من الصحابة من المهاجرين والانصار وأبنائهم ثم مر بنا فارس على فرس اشقر عليه ثياب بيض وقلنسوة بيضاء وعمامة صفراء متنكب قوساً متقلد سيفاً تخط رجلاء في الارض في الف من الناس الغالب على تيجانهم الصفرة والبياض معه راية خضراء قلت من

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 4

هذا قيل هذا قيس بن سعد بن عبادة في الانصار وابنائهم وغيرهم من قحطان ثم مر بنا فارس على فرس اشهل ما رأينا احسن منه عليه ثياب بيض وعمامة سوداء قد سدلها بين يديه بلواء قلت من هذا قيل هو عبد الله بن العباس في عدة من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم تلاه موكب آخر فيه فارس اشبه الناس بالاولين قلت من هذا قيل قثم بن العباس ثم اقبلت المواكب والرايات يقدم بعضها بعضاً واشتبكت الرماح ثم ورد موكب فيه خلق من الناس عليهم السلاح والحديد مختلفو الرايات كأنما على رؤوسهم الطير يقدمهم رجل كأنما كسر وجبر قال وهذه صفة رجل شديد الساعدين ـ كذلك تخبر العرب في وصفها اذا اخبرت عن الرجل انه كسر وجبر ـ نظره الى الارض أكثر من نظره الى فوق وعن يمينه شاب حسن الوجه وعن شماله شاب الحسن حسن الوجه قلت من هؤلاء قيل هذا علي بن ابي طالب وهذان الحسن والحسين عن يمينه وشماله وهذا محمد بن الحنفية بين يديه معه الراية العظمى وهذا الذي خلفه عبد الله بن جعفر بن ابي طالب وهؤلاء ولد عقيل وغيرهم من فتيان بني هاشم وهؤلاء المشايخ اهل بدر من المهاجرين والانصار فساروا حتى نزلوا الموضع المعروف بالزاوية فصلى علي عليه السلام اربع ركعات وعفر خديه على التربة وقد خالط ذلك دموعه ثم رفع يديه يدعوا فقال : اللهم رب السماوات وما اظلت والارضين وما اقلت ورب العرش العظيم هذه البصرة أسألك من خيرها وأعوذ بك من شرها .
هذا دخول علي عليه السلام البصرة من ارض العراق كما وصفه المنذر بن الجارود بما فيه من الجلالة والعظمة ولا يقتصر عنه في الجلالة والعظمة دخول ولده الحسين بن علي ارض العراق بأنصاره واهل بيته وهم نجوم الارض من آل عبد مناف من ولد علي والحسن والحسين وجعفر وعقيل الذين ليس لهم على وجه الارض شبيه ولكن دخول

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 5

علي عليه السلام البصرة انتهى بنصره على اعدائه اما دخول ولده الحسين عليه السلام ارض العراق فابتدأ بملاقاة الحر بن يزيد له في الف فارس ومنعه عن الرجوع ثم اخذه طريقاً لا يدخله الكوفة ولا يرده الى المدينة حتى جاء امر بن مرجانة الى الحر بان يجعجع بالحسين ويضيق عليه ولا ينزله الا بالعراء في غير حصن وعلى غير ماء وجعل كلما اراد المسير يمنعونه تارة ويسايرونه اخرى حتى ورد كربلاء فقال أهذه كربلاء قالوا نعم يا ابن رسول الله قال انزلوا فهاهنا محط رحالنا وسفك دمائنا ومقتل رجالنا وكما دعا امير المؤمنين عليه السلام عند نزوله الزاوية دعا الحسين عليه السلام لما صبحته الخيل يوم عاشوراء فقال اللهم انت ثقتي في كل كرب وانت رجائي في كل شدة وانت لي في كل امر نزل بي ثقة وعدة كم من كرب يضعف عنه الفؤاد وتقل فيه الحيلة ويخذل فيه الصديق ويشمت فيه العدو انزلته بك وشكوته اليك رغبة مني اليك عمن سواك ففرجته عني وكشفته فانت ولي كل نعمة وصاحب كل حسنة ومنتهى كل رغبة . ثم انتهى الامر بقتل الحسين عليه وقتل انصاره وابنائه واخوته وابناء عمومته فليتك يا امير المؤمنين الذي قتل الابطال وافنى الرجال يوم البصرة لا غبت عن ولدك الحسين يوم كربلاء وقد بقي وحيداً فريداً لا ناصر له ولا معين .
خلوا من الانصـار غيـر مهـنـد صافي الغرار وصعـدة سمراء
منعـوه من مـاء الـفـرات وورده وابوه ساقي الحوض يوم جزاء
حتى قضى عطشاً كما اشتهت العدى باكـف لا صـيـد ولا أكفـاء


المجالس السنية ـ الجزء الثالث 6

المجلس الخامس والاربعون بعد المائة

روى نصر بن مزاحم في كتاب صفين عن عبد الرحمن بن عوف الأحمر قال لما قدمنا على معاوية واهل الشام بصفين وجدناهم قد نزلوا منزلاً اختاروه بساطاً واسعاً وأخذوا الشريعة فهي في ايديهم وقد صف ابو الاعور عليها الخيل والرجالة وقد أجمعوا ان يمنعونا الماء ففزعنا الى امير المؤمنين عليه السلام فاخبرناه بذلك فدعا صعصعة بن صوحان فقال إئت معاوية فقل انا سرنا مسيرنا هذا وانا اكره قتالكم قبل الاعذار اليكم وانكم قد قدمت بخيلك فقاتلتنا قبل ان نقاتلك وبدأتنا بالقتال ونحن من رأينا الكف حتى ندعوك ونحتج عليك وهذه أخرى قد فعلتموها حلتم بين الناس وبين الماء فخل بينهم وبينه حتى تنظر فيما قدمنا له وإن كان أحب اليك ان ندع ما جئنا له وندع الناس يقتتلون على الماء حتى يكون الغالب هو الشارب فعلنا (فقال) معاوية لاصحابه ما ترون (قال) الوليد بن عقبة امنعهم الماء كما منعوه ابن عفان اقتلهم عطشاً قتلهم الله (قال) عمرو بن العاص خل بين القوم وبين الماء فانهم لن يعطشوا وانت ريان ولكن لغير الماء فانظر فاعاد الوليد مقاتلته (وقال) عبد الله بن ابي سرح امنعهم الماء الى الليل فانهم ان لم يقدروا عليه رجعوا وكان رجوعهم هزيمتهم امنعهم الماء منعهم الله إياه يوم القيامة (فقال) صعصعة إنما يمنعه الله يوم القيامة الكفرة الفجرة شربة الخمر مثلك ومثل هذا الفاسق يعني الوليد بن عقبة فوثبوا اليه يشتمونه ويتهددونه فقال معاوية كفوا عن الرجل فانه رسول فقال صعصة لمعوية ما ترد علي قال سياتيكم رأيي (قال الراوي) : فوالله ما راعنا إلا تسوية الرجال والخيل والصفوف وارسل الى ابي

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 7

الاعور امنعهم الماء فقام رجل من اهل الشام من همدان الى معاوية وكان ناسكاً فقال سبحان الله ان سبقتم القوم الى الفرات تمنعوهم عنه اما والله لو سبقوكم اليه لسقوكم منه اما تعلمون ان فيهم العبد والاجير والضعيف هذا والله اول الجور فاغلظ له معاوية فسار الهمداني في سواد الليل فلحق بعلي عليه السلام ومكث علي عليه السلام يوماً وليلة بغير ماء فخرج نحو رايات مذحج وإذا رجل ينادي في سواد الليل :
ايمنعنـا القوم ماء الفرات وفينا الرماح وفينا الحجف
وفينـا علـي له سـورة اذا خوفـوه الردى لم يخف
فنحـن الذين غداة الزبير وطلحة خضنا غمار التلف
فما بالنا امس اسد العرين ما بالنا اليوم شـاء النجف

وجاء الاشعث الى امير المؤمنين عليه السلام فقال يا امير المؤمنين ايمنعنا القوم ماء الفرات وأنت فينا ومعنا السيوف خل عنا وعن القوم فو الله لا نرجع حتى نرده او نموت فقال ذلك اليك فنادى الاشعث من كان يريد الماء او الموت فميعاده الصيح فاتاه اثنا عشر الفاً فلما اصبح حمل هو والاشتر وجعل الاشتر يلقي رمحه ويقول بابي انتم وامي تقدموا قاب رمحي هذا فلم يزل كذلك حتى خالط القوم وبعث الى الاشعث أن أقحم الخيل فاقحمها حتى وضعت سنابكها في الفرات واخذت اهل الشام السيوف فولوا مدبرين وقال معاوية لعمرو ما ظنك بعلي قال ظني به انه لا يستحل منك ما استحلك منه وان الذي جاء لغير الماء فقال اهل العراق والله لا نسقيهم فارسل اليهم علي عليه السلام خذوا من الماء حاجتكم وخلوا بينهم وبين الماء فان الله قد نصركم ببغيهم وظلمهم (وعلى) هذه السنة جرى ابن زياد واصحابه اتباع يزيد بن معاوية يوم كربلا فكما منع معاوية واتباعه أمير المؤمنين عليه السلام

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 8

واصحابه يوم صفين ماء الفرات منع الحسين عليه السلام وأصحابه ماء الفرات يوم كربلا وكتب ابن زياد الى ابن سعد أن حل بين الحسين وأصحابه وبين الماء فلا يذوقوا منه قطرة كما صنع بالتقي الزكي عثمان فبعث عمر بن سعد في الوقت عمرو بن الحجاج في خمسمائة فارس فنزلوا على الشريعة وحالوا بين الحسين عليه السلام واصحابه وبين الماء ومنعوهم أن يستقوا منه قطرة وذلك قبل قتل الحسين عليه السلام بثلاثة أيام (لكن) منع علي وأصحابه الماء يوم صفين انتهى بانتصار أمير المؤمنين عليه السلام واستيلائهم على الشريعة . ومنع الحسين عليه السلام الماء يوم كربلاء انتهى بقتل الحسين عليه السلام عطشاناً ظامياً وقتل أهل بيته وأصحابه وسبي نسائه وذراريه
منعوهم ماء الفرات ودونه بسيوفهم دمهم يطل محللا

* * *


المجلس السادس والاربعون بعد المائة

لما كان يوم صفين صلى علي عليه السلام صلاة الغداة ثم زحف الى اهل الشام فلما أبصروه قد خرج استقبلوه بزحوفهم فاقتتلوا قتالاً شديداً ثم ان خيل أهل الشام حملت على خيل أهل العراق فاقتطعوا من أصحاب علي الف رجل او أكثر فأحاطا بهم وحالوا بينهم وبين اصحابهم فلم يروهم فنادى علي يومئذ الا رجل يشري نفسه لله ويبيع دنياه بآخرته فأتاه رجل من جعف يقال له عبد العزيز بن الحارث على فرس ادهم كأنه غراب مقنعاً في الحديد لا يرى منه الا عيناه فقال يا امير المؤمنين مرني بامرك فوالله ما تأمرني بشيء الا صنعته

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 9

فقال علي عليه السلام :
سمحت بامر لا يطـاق حفيظة وصدقاً واخوان الحفاظ قليل
جزاك إله الناس خيراً فقد وفت يداك بفضل ما هناك جزيل

أبا الحارث شد الله ركنك احمل على اهل الشام حتى تأتي أصحابك فتقول لهم امير المؤمنين يقرأ عليكم السلام ويقول لكم هللوا وكبروا من ناحيتكم ونهلل نحن ونكبر من ناحيتنا واحملوا من جانبكم ونحمل نحن من جانبنا على أهل الشام فضرب الجعفي فرسه حتى اذا قام على السيابك حمل على أهل الشام المحيطين باصحاب علي فطاعنهم ساعة وقاتلهم فانفرجوا له حتى أتى أصحابه فلما رأوه استبشروا به وفرحوا وقالوا ما فعل أمير المؤمنين قال صالح يقرؤكم السلام ويقول لكم هللوا وكبروا واحملوا حملة رجل واحد من ذلك الجانب ونهلل نحن من جانبنا ونكبر ونحمل من خلفكم فهللوا وكبروا وحملوا وهلل علي وأصحابه وكبروا وحملوا على أهل الشام فانفرج أهل الشام عنهم فخرجوا وما أصيب منهم رجل واحد ولقد قتل من فرسان أهل الشام يومئذ زهاء سبعمائة رجل فقال علي عليه السلام من اعظم الناس غناء فقالوا أنت يا أمير المؤمنين قال كلا ولكنه الجعفي (ان) مقام هذا الجعفي بصفين لمقام عظيم وكفاه شهادة أمير المؤمنين عليه السلام له بانه أعظم الناس غناء (وما) أشبه مقامه بمقام أبي الفضل العباس يوم كربلاء حين برز عمرو بن خالد الصيداوي فقال له الحسين عليه السلام تقدم فانا لاحقون بك عن ساعة فحمل هو وسعد مولاه وجنادة ابن الحارث السلماني ومجمع بن عبد الله العائذي فشدوا مقدمين باسيافهم على الناس فلما وغلوا في أصحاب ابن سعد قطعوهم عن أصحابهم وأحاطوا بهم فندب الحسين عليه السلام لهم أخاه العباس

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 10

فحمل على القوم وحده فضرب بسيفه حتى فرقهم عن أصحابه وخلص اليهم فسلموا عليه واسنتقذهم وجاء بهم ولكنهم كانوا جرحى فأبوا عليه أن يستنقذهم سالمين فعادوا القتال وحملوا فقاتلوا وهو يدفع عنهم حتى قتلوا في مكان واحد فعاد العباس الى أخيه وأخبره بخبرهم (ولكن) شتان بين المقامين فالجعفي حمل على أهل الشام مستعيناً بامير المؤمنين عليه السلام وأصحابه حتى استنقذوه ومن معه وأبو الفضل العباس حمل وحده على ثلاثين الفاً من أهل الكوفة وضاربهم حتى وصل الى أصحابه وانصار أخيه الحسين واستنقذهم وحده لم يساعده أحد (قرت) عينك يا أمير المؤمنين بولدك أبا الفضل العباس الذي ورث منك الشجاعة والفروسية وقاتل بين يدي أخيه الحسين عليه السلام قتال الأبطال فلو تراه وهو مقطوع اليدين مرضوخ الجبين مشكوك العين بسهم مثخناً بالجراح وولدك أبا عبد الله الحسين واقف عنده منحنياً ثم جلس عند رأسه يبكي حتى فاضت نفسه الطاهرة .
أبا حسـن أبنـاؤك اليـوم حلقت بقادمة الأسياف عـن خطة الخسف
سل الطف عنهم أين بالأمس طنبوا وأين استقلوا اليوم عن عرصة الطف

* * *

ولمـا رأوا بعـض الحيـاة مذلة عليهم وعز الموت غيـر محرم
أبو أن يذوقوا العيش والذل واقع عليـه ومـاتـوا ميتـة لم تذمم
ولا عجـب للأسد إن ظفرت بها كلاب الأعادي من فصيح وأعجم
فحربة وحشي سقت حمزة الردى وحتف علي من حسـام ابن ملجم


المجالس السنية ـ الجزء الثالث 11

المجلس السابع والأربعون بعد المائة

لما كان يوم صفين برز رجل من أهل الشام اسمه كريب بن الصباح الحميري من آل ذي يزن ليس في أهل الشام يومئذ رجل أشهر منه بشدة البأس ثم نادى من يبارز فبرز اليه المرتفع بن الوضاع الزبيدي فقتل المرتفع ثم نادى من يبارز فبرز اليه الحارث بن الجلاح فقتله ثم نادى من يبارز فبرز اليه عائذ بن مسروق الهمداني فقتل عائذاً ثم رمى باجسادهم بعضها فوق بعض ثم قام عليها بغياً واعتداءاً ثم نادى هل بقي من مبارز فبدر اليه علي عليه السلام ثم ناداه ويحك يا كريب إني أحذرك وأدعوك الى سنة الله وسنة رسوله ويحك لا يدخلنك ابن آكلة الأكباد النار فكان جوابه أن قال ما أكثر ما قد سمعنا هذه المقالة منك فلا حاجة لنا فيها أقدم إذا شئت (من يشتري سيفي وهذا أثره) فقال علي عليه السلام لا حول ولا قوة إلا بالله ثم مشى اليه فلم يمهله أن ضربه ضربة خر منها قتيلاً يتشحط في دمه ثم نادى علي عليه السلام من يبارز فبرز اليه الحارث بن وداعة الحميري فقتل الحارث ثم نادى من يبارز فلم يبرز اليه أحد (ثم) ان علياً نادى يا معشر المسلمين (الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع الصابرين) ويحك يا معاوية هلم إلي فبارزني ولا يقتتلن الناس فيما بيننا فقال عمرو اغتنمه منتهزاً قد قتل ثلاثة من أبطال العرب وإني أطمع أن يظفرك الله به فقال معاوية ويحك يا عمرو والله إن تريد إلا أن أقتل فتصيب الخلافة بعدي اذهب اليك عني فليس مثلي يخدع (قال) زياد بن النصر الحارثي

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 12

شهدت مع علي بصفين فاقتتلنا ثلاثة أيام وثلاث ليال حتى تكسرت الرماح ونفدت السهام ثم صرنا الى المسايفة فاجتلدنا بالسيوف الى نصف الليل حتى صرنا نحن وأهل الشام في اليوم الثالث يعانق بعضنا بعضاً وقد قاتلت تلك الليلة بجميع السلاح فلم يبق شيء من السلاح إلا قاتلت به حتى تحاثينا بالتراب وتكادمنا بالأفواه حتى صرنا قياماً ينظر بعضنا الى بعض ما يستطيع احد من الفريقين أن ينهض الى صاحبه ولا يقاتل فلما كان نصف الليل من الليلة الثالثة انحاز معاوية وخيله من الصف وغلب علي عليه السلام على القتلى تلك الليلة وقبل على أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه فدفنهم (فأين) كان أميرالمؤمنين عليه السلام عن ولده الحسين عليه السلام وأصحابه يوم طف كربلاء فيصلي عليهم ويدفنهم حتى لا يبقوا ثلاثة أيام بلياليها على وجه الصعيد كالأضاحي جثثاً بلا رؤوس تسفي عليهم الرياح زوارهم الوحوش والطيور وأكفانهم السواقي من الرمال .
مطرحين علـى الرمضاء قد لبسوا من المهابة أبـراداً لهـا قشبـا
مضرجيـن بمحمـر النجيـع بنى نبل العدى والقنا من فـوقهم قببا
من كل جسم بوجه الأرض مطرح وكل رأس برأس الرمح قد نصبا

وأين كان أمير المؤمنين عن ولده الحسين عليه السلام حين نادى عمر بن سعد من يبتدر للحسين فيدوس صدره بحوافر فرسه
ما شفى داء ضغنها القتل حتى بالعوادي عادت ترض قراها


المجالس السنية ـ الجزء الثالث 13

المجلس الثامن والاربعون بعد المائة

لما كان يوم صفين خرج رجل من أهل الشام يسأل المبارزة فخرج اليه رجل من أهل العراق فاقتتلا بين الصفين قتالاً شديداً ثم ان العراقي اعتنق الشامي فوقعا جميعاً تحت قوائم فرسيهما فجلس العراقي على صدره وكشف المغفر عنه يريد ذبحه فلما رآه عرفه فاذا هو أخوه فصاح به أصحاب علي عليه السلام أجهز على الرجل فقال إنه أخي قالوا فتركه فقال له حتى ياذن لي أمير المؤمنين فأخبر علي عليه السلام بذلك فأرسل اليه دعه فتركه (وكان) لمعاوية مولى يقال له حريث وكان فارس معاوية الذي يعده لكل مبارز ولكل عظيم وكان حريث يلبس سلاح معاوية متشبهاً به فإذا قاتل قال الناس ذاك معاوية وان معاوية دعاه وقال له يا حريث اتق علياً وضع رمحك حيث شئت فأتاه عمرو ابن العاص فقال : يا حريث لو كنت قرشياً لأحب مساوية ان تقتل علياً ولكن كره ان يكون لك حظها فان رأيت فرصة لعلي فاقحم عليه وقاتله قال وخرج أمير المؤمنين عليه السلام أمام الخيل فحمل عليه حريث مولى معاوية وكان شديداً ذا باس ونادى يا علي هل لك في المبارزة فأقدم أبا حسن اذا شئت فأقبل أمير المؤمنين عليه السلام وهو يقول :
أنا علي وابـن عبـد المطلب نحن لعمر الله أولى بالكتب
منا النبي المصطفى غير كذب أهل اللواء والمقام والحجب
يا أيها العبـد الغريب المنتدب أثبت لنا أيها الكلـب الكلب

ثم ضربه علي عليه السلام فقتله فجزع عليه معاوية جزعاً شديداً

المجالس السنية ـ الجزء الثالث 14

وعاتب عمرو بن العاص في ذلك ثم أنشأ معاوية يقول :
حريـث الم تعلم وجهلك ضائر بـان عليـاً للفـوارس قاهر
وأن عليـاً لم يبـارزه فـارس من الناس إلا أقصدته الاظافر
أمرتك أمراً حازمـاً فعصيتنـي فجدك اذ لم تقبل النصح عاثر
ودلاك عمـرو والحوادث جمة غروراً وماجرت عليك المقادر
وظن حريث ان عمرواً نصيحه وقد يهلك الانسان من لا يحاذر

ولما قتل أمير المؤمنين عليه السلام حريثاً برز عمرو بن الحصين السكسكي وهو من أهل الشام فنادى باعلى صوته يا أبا حسن هلم إلى المبارزة فأنشأ علي عليه السلام يقول :
ما علتـي وأنا جلـد حـازم وعن يميني مذحـج القمـاقم
وعن يساري وائل الخضارم والقلب حولي مضر الجماجم
اقسمـت بالله العلـي العـالم لا أنثـنـي إلا بـرد الراغم

ثم حمل عمرو بن الحصين على أمير المؤمنين عليه السلام ليضربه فبادر اليه سعيد بن قيس الهمداني ففلق صلبه فقال أمير المؤمنين عليه السلام
دعـوت فلباني من القوم عصبة فوارس من همـدان غير لئام
فـوارس من همدان ليسوا بعزل غداة الوغى من شاكـر وشبام (1)
وكـل ردينـي وعضـب تخاله اذا اختلـف الأقوام شعل ضرام
لهمدان أخلاق وديـن يزينـهـم وبأس اذا لاقـوا وحـد خصام
وجد وصدق في الحروب ونجدة وقـول اذا قـالوا بغيـر أثـام
متى تاتهم في دارهم تستضـفهم تبت ناعما فـي خـدمة وطعام

(1) شاكر وشبام بطنان من همدان .
ـ المؤلف ـ
المجالس السنية ـ الجزء الثالث 15

جزى الله همدان الجنان فإنها سمام العدى في كل يوم سمام
فلو كنت بوابا على باب جنة لقلـت لهمـدان ادخلي بسلام

وكانت قبيلة همدان من القبائل الموالية لأمير المؤمنين عليه السلام والمتفانية في حبه وكفاهم قوله عليه السلام :
فلو كنت بوابا على باب جنة لقلت لهمدان ادخلي بسلام

وكان منهم مع ولده الحسين عليه السلام عدد غير قليل (منهم) أبو ثمامة الصائدي الذي قال للحسين عليه السلام يوم عاشوراء يا أبا عبد الله نفسي لنفسك الفداء هؤلاء اقتروا منك ولا والله لا تقتل حتى أقتل دونك وأحب ان القى الله وقد صليت هذه الصلاة معك فرفع الحسين عليه السلام طرفه الى السماء وقال ذكرت الصلاة جعلك الله من المصلين الذاكرين نعم هذا أول وقتها ثم قال سلوهم ان يكفوا عنا حتى نصلي ثم ان أبا ثمامة قال للحسين عليه السلام يا أبا عبد الله اني قد هممت ان الحق باصحابي وكرهت ان أتخلف واراك وحيداً من أهلك قتيلا فقال له الحسين عليه السلام تقدم فإنا لاحقون بك عن ساعة فتقدم فقاتل حتى أثخن بالجراحات ولم يزل يقاتل حتى قتل (ومنهم) برير بن خضير الهمداني الذي جلس هو وعبد الرحمن بن عبد ربه الانصاري على باب الفسطاط الذي دخله الحسين عليه السلام يوم عاشوراء ليصلي فجعل برير يضاحك عبد الرحمن فقال له عبد الرحمن يا برير ما هذه ساعة باطل فقال برير لقد علم قومي اني ما أحببت الباطل كهلا ولا شابا وإنما أفعل ذلك استبشاراً بما نصير اليه فو الله ما هو الا ان نلقى هؤلاء القوم باسيافنا نعالجهم بها ساعة ثم نعانق الحور العين .
فوارس تخذوا سمر القنا سمرا فكلما سجعت ورق القنا طربوا


المجالس السنية ـ الجزء الثالث 16

يستنجعـون الـردى شوقاً لغايته كانما الضرب في أفوهها الضرب (1)
واستأثروا بالردى من دون سيدهم قصـداً وما كل ايثـار به الارب

* * *

المجلس التاسع والاربعون بعد المائة

لما كان يوم صفين قام علي عليه السلام بين الصفين ونادى يا معاوية يكررها فقال معاوية اسألوه ما شأنه قال أحب أن يظهر لي فأكلمه كلمة واحدة فبرز معاوية ومعه عمرو بن العاص فلم يلتفت الى عمرو وقال لمعاوية ويحك علام يقتتل الناس بيني وبينك ابرز الي فأينا قتل صاحبه فالأمر له فالتفت معاوية الى عمرو فقال ما ترى يا أبا عبد الله أبارزه فقال عمرو لقد أنصفك الرجل واعلم انك ان نكلت عنه لم تزل سبة عليك وعلى عقبك ما بقي عربي فقال معاوية يا عمرو ليس مثلي يخدع عن نفسه . والله ما بارز ابن ابي طالب رحلا قط الا سقى الارض من دمه ثم انصرفا راجعين حتى انتهيا الى آخر الصفوف وحقدها معاوية على عمرو وقال ما أظنك الا ما مازحاً فلما جلس معاوية مجلسه دخل عليه عمرو فقال معاوية
يا عمرو انك قد قشرت لي العصا برضاك في وسط العجاج برازي
ولقد أعدت فقلـت مزحـة مازح والمزح يحملـه مقـال الهـازي

(1) الضرب : العسل وزناً ومعنىً .
ـ المؤلف ـ
المجالس السنية ـ الجزء الثالث 17

فاذا الذي منتك نفسك خالياً قتلي جزاك بما نويت الجازي

فقال له عمرو أتجبن عن خصمك وتتهم نصيحتك وقال مجيباً له :
معاوي ان نكلت عـن البراز لك الويلات فانظر في المخازي
وما ذنبـي بان نـادى علي وكبـش القـوم يدعـى للبـراز
فلـو بـارزتـه لـيـثـاً حديد الناب ينفـذ كـل بـازي
وتزعم أنني أضمرت غشاً جزاني بالذي أضمرت جـازي

وبرز عمرو بن العاص في بعض أيام صفين فاعترضه علي عليه السلام ثم طعنه فصرعه واتقاه عمرو برجله فبدت عورته فصرف علي وجهه عنه فقال القوم أفلت الرجل يا أمير المؤمنين قال وهل تدرون من هو قالوا لا قال فانه عمرو بن العاص تلقاني بعورته فصرفت وجهي عنه والى ذلك أشار أبو فراس الحمداني بقوله :
ولا خير في دفع الردى بمذلة كما ردها يوماً بسوأته عمرو

ورجع عمرو الى معاوية فقال له ما صنعت قال لقيني علي فصرعني فاتقيته بعورتي قال أحمد الله وعورتك أما والله لو عرفته ما أقحمت عليه وقال معاوية في ذلك :
ألا والله من هفوات عمرو يعـاتبنـي علـى تركي برازي
فقد لاقى أبا حسـن علياً فـآب الوائلـي مـآب خـازي
فلو لم يبد عورتـه للاقى بـه ليثـاً يـذلل كـل نـاري
له كف كـأن بواحتيهـا منايا القوم يخطف خطف بازي
فان تكـن المنية أخطأته فقـد غنـى بهـا أهل الحجاز


المجالس السنية ـ الجزء الثالث 18


فغضب عمرو وقال هل هو الا رجل لقيه ابن عمه فصرعه أفترى السماء قاطرة لذلك دماً قال معاوية ولكنها تعقبك جبناً .
وبرز عروة بن داود الدمشقي فقال ان كان معاوية كره مبارزتك يا أبا الحسن فهلم فتقدم اليه علي فقال له أصحابه ذر هذا الكلب فانه ليس لك بخطر فقال والله ما معاوية اليوم باغيظ لي منه دعوني واياه ثم حمل عليه فضربه فقطعه قطعتين سقطت احداهما يمنة والاخرى يسرة فارتج العسكران لهول الضربة ثم قال يا عروة اذهب فأخبر قومك أما والذي بعث محمداً بالحق لقد عاينت النار وأصبحت من النادمين (وحمل) ابن عم لعروة على علي فطعنه فضرب علي عليه السلام الرمح فبراه ثم قنعه ضربة فألحقه بابن عمه ومعاوية ينظر فقال معاوية تباً لهذه الرجال وقبحاً أما فيهم من يقتل هذا يعني أمير المؤمنين عليه السلام مبارزة أو غيلة أو في اختلاط الفيلق وثور ان النقع فقال الوليد ابن عقبة ابرز اليه انت فانك اولى الناس بمبارزته فقال والله لقد دعاني الى البراز حتى استحييت من قريش وإني والله لا أبرز اليه ، ما جعل العسكر بين يدي الرئيس إلا وقاية له فقال عتبة ابن سفيان الهوا عن هذا كانكم لم تسمعوا نداءه فقد علمتم أنه قتل حريثاً وفضح عمراً ولا يتحكك به أحد الا قتله فقال معاوية لبسر بن أرطاة أتقوم لمبارزته فقال ما أحد أحق بها منك واذا أبيتموه فأنا له وكان عند بسر ابن عم له قدم من الحجاز يخطب ابنته فقال لبسر ما يدعوك الى ذلك قال الحياء فضحك الغلام وقال :
تنـازله يـا بسـر ان كنت مثله والا فان الليث للضبـع آكل
كانك يا بسر بـن أرطـاة جاهل بآثاره في الحرب أو متجاهل
متى تلقه فالموت في رأس رمحه وفي سيفه شغل لنفسك شاغل


المجالس السنية ـ الجزء الثالث 19


فقال بسر هل هو الا الموت فغدا علي منقطعاً من خيله ومعه الاشتر فناداه بسر ابرز الي أبا حسن فجاءه علي بتؤدة غير مكترث فلما قاربه طعنه وهو دارع فالقاه على الأرض ومنع الدرع السنان ان يصل اليه فاتقاه بسر وقصد ان يكشف سوأته ليستدفع باسه فانصرف علي عليه السلام عنه مستدبراً له فقال له الأشتر انه بسر بن أرطاة عدو الله وعدوك يا أمير المؤمنين فقال دعه عليه لعنة الله أبعد ان فعلها ورجع سر فقال له معاوية ارفع طرفك قد أدال الله عمراً منك فقال في ذلك النضر بن الحارث :
أفي كـل يـوم فـارس تـنـدبونه له عورة وسـط العجـاجة باديه
يكف بهـا عنـه عـلـي سنـانـه ويضحك منها في الخلاء معاويه
بدت أمس من عمـرو وفقنـع رأسه وعورة بسر مثلها حـذو حـاذيه
فقولوا العمرو وابـن أرطـاة ابصرا سبيلكمـا لا تلقيـا الليـث ثانيه
ولا تحمـدا الا الحـيا وخصـا كما هما كانتـا والله للنفـس واقيـه
فلولاهمـا لم تنجـوا من سنـانـه وتلك بما فيها عن العود ناهـيه
متـى تلقيـا الخيل المشيحة صبحة وفيها علي فاتركا الخيـل ناحيه
وكـونا بعيـداً حيـث لا يبلغ القنا نحوركما ان التجـارب كافيـه
وان كان منه بعد في النفس حاجة فعودا الى ما شئتما هـي ماهيه

وعمرو هذا هو الذي دبر الحيلة على مولانا أمير المؤمنين عليه السلام برفع المصاحف على رؤوس الرماح حتى اغتر بذلك أهل العراق واضطروا أمير المؤمنين عليه السلام الى القبول بالتحاكم الى القرآن وهو يقول لهم أنا كتاب الله الناطق وهذا كتاب الله الصامت فلم يسمعوا ولولا رفع تلك المصاحف على رؤوس الرماح لم يرفع رأس الحسين عليه السلام ورؤوس أصحاب على رؤوس الرماح يوم كربلا يسار بها من بلد الى بلد فمن كربلا الى الكوفة

الفهرس التالي التالي