دفاع عن التشيع 250

الأعداء لذلك سبيلاً (1) .
المحور الثالث


هل توجد نصوص على إمامة العسكري ؟ : لقد نص الإمام الهادي عليه السلام بعشرات الأحاديث على إمامة الحسن العسكري عليه السلام ، وتناقل الكليني والمفيد والطوسي وغيرهم هذه الحقيقة ، وأفردوا أبواباً خاصة بذلك ، ووضع الكليني باباً خاصاً نقل فيه أحاديث النص على العسكري .
يقول الكليني بسنده عن النوفلي ، قال : كنت مع أبي الحسن عليه السلام في صحن داره ، فمر محمد ابنه ، فقلت له : جعلت فداك هذا صاحبنا بعدك ؟ فقال :« لا ، صاحبكم بعدي الحسن » (2)
ووصف الإمام الهادي عليه السلام لأصحابه أن الأمر بعده إلى الأكبر من ولده ، ولكنهم لم يلتفتوا إلى أن الأكبر من ولده بعد حياته وليس في حياته ، بقرينة أن الأمر بعده ـ أي بعد حياته ـ فتمسكوا بمحمد الذي كان أكبر ولده في حياته ، ولكن بعد وفاة محمد في حياة أبيه أصبح العسكري هو الأكبر في ولد الهادي .
وجعل له علامة ، بأنه الذي يصلي عليه بعد مماته . ويقول عبد الله بن محمد الإصفهاني : (لما مات الهادي عليه السلام ، خرج العسكري أبو محمد ، فصلى عليه) (3) .
ثم أخذ الإمام يصف ابنه العسكري لأصحابه فقال : «أبو محمد ابني أنصح آل محمد غريزة ، وأوثقهم حجة ، وهو الأكبر من ولدي ، وهو الخلف ، وإليه ينتهي عرى الإمامة وأحكامها» (4) .
وأحال الإمام الهادي أصحابه من بعده إلى الحسن ، ووصفه بأن عنده ما يحتاج
(1) الفصول المختارة : ج 2 ، ص 317 .
(2) الكافي : ج 1 ، ص 386 ، ح 2 .
(3) الكافي : ج 1 ، ص 386 ، ح 3 .
(4) الكافي : ج 1 ، ص 388 ، ح 11 .
دفاع عن التشيع 251

الناس إليه (1) .
ونتيجة لكل هذه التأكيدات التف سائر أصحاب الهادي حول العسكري ، كما يقول النوبختي : (إن سائر أصحاب الإمام علي بن محمد الهادي قالوا بإمامة الحسن بن علي عليه السلام وثبتوا له الإمامة بوصية أبيه) (2) .
فهذه هي المقدمة الثالثة التي نستطيع أن نفهم بها كلام الإمام الهادي للعسكري : «يا بني أحدث لله شكراً ، فقد أحدث فيك أمراً» .



المحور الرابع


ما معنى «أحدث لله شكراً» ؟ : فبعد تلك المحاور الثلاثة التي أثبتنا فيها أن الإمام الهادي عليه السلام كان يتبنى خط الإمامة الإلهية ، وكان يعرف أصحابه بالأئمة من بعده ، وبعد نفيه إمامة محمد ابنه ، وإثبات النصوص الكثيرة على إمامة العسكري ، بعد كل ذلك نستطيع أن نفهم معنى كلمة الهادي عليه السلام للإمام العسكري عليه السلام : «يا بني أحدث لله شكراً ، فقد أحدث فيك أمراً» .
فلقد فهم بعض أصحاب الإمام ، أن الإمامة في محمد ، ونشأ فهمهم الخاطئ هذا مما روي عن أحدهم أنه دخل على الإمام الهادي وسأله عن الخلف من بعده ؟ فأجابه بأنه في الكبير من ولدي ، وكان الكبير هو السيد محمد (3) .
وتوهم اولئك بأن الإمام ينصب محمداً في حياته ، ولكن الإمام ناظر إلى أن الأمر من بعده ، وليس في حياته ، إلا لا معنى للأمر في حياته لمحمد ، والإمام حي يرزق ، ولما توفي محمد في حياة أبيه بقي الحسن أكبر ولده من بعده ، فأمره ان يشكر الله بأن أظهر الأمر بعد خفائه على الناس .
(1) المصدرالسابق .
(2) فرق الشيعة : ص 104 .
(3) الكافي : ج 1، ص 387 ، ح 6 .
دفاع عن التشيع 252


وهذا ما صرح به الإمام الهادي عليه السلام إلى أبي هاشم الجعفري ، الذي كان عنده لحظة وفاة محمد ، يقول الجعفري : بينما أنا أفكر فأقبل إلي الهادي عليه السلام وقال : «نعم يا أبا هاشم ، بدا لله في ابي محمد بعد أبي جعفر عليه السلام ما لم يكن يعرف له كما بدا له في موسى بعد مضي إسماعيل ما كشف به عن حاله» (1) .
ففسر الإمام الهادي عليه السلام لأبي هاشم البداء بمعنى الكشف ، أي كشف الله إمامة العسكري بعد ان اخفيت على الناس ، كما اخفيت إمامة الكاظم نتيجة الفهم الخاطئ للأحاديث ، وكشفها الله بوفاة إسماعيل .
فالناس كانوا يظنون بإمامة محمد بعد وفاة أبيه ، ولكن محمداً توفي في حياة أبيه ، فانكشف زيف ما توهموه ، وأن الأمر للحسن وليس لمحمد .
يقول الشيخ الطوسي : (بدا لله في محمد كما بدا له في إسماعيل ، معناه : ظهر من الله وأمره . . . أن الأمر في محمد من حيث كان الأكبر ، كما كان يظن جماعة أن الأمر في إسماعيل بن جعفر دون موسى عليه السلام ، فلما مات محمد ظهر من أمر الله فيه ، وأنه لم ينصبه إماماً كما ظهر في إسماعيل مثل ذلك ، لا أنه كان ينص عليه ثم بدا له في النص على غيره ، فإن ذلك لا يجوز على الله تعالى العالم بالعواقب (2) .
إذن ، بعد تلك المقدمات الأربع ، وهي تبني الإمام الهادي لخط الإمامة ، كما اتضح فيما تقدم ، وبعد عدم وجود أي نص على إمامة محمد ، بل شهادة الإمام الهادي عيه السلام بأنه ليس بإمام ، وبعد النصوص الكثيرة على إمامة الحسن العسكري في حياة محمد أخيه ، بعد كل ذلك يتضح قول الإمام : «يا بني أحدث شكراً ، فقد أحدث فيك أمراً» ، بأن الله أظهر أمر الحسن عليه السلام بعدما خفي على البعض ، لوجود محمد في الحياة .


الحياة الشخصية لجعفرالكذاب

لقد تشبث الكاتب بمواقف جعفر هذا في أكثر من مرة ، وجعل من مواقفه دليلا
(1) الكافي : ج 1 ، ص 388 ، ح 10 .
(2) الغيبة للطوسي : ص 121 .
دفاع عن التشيع 253

على عدم الإمامة ، وإن كان ذلك عليلاً ، لأن الإمامة قبل جعفر ، كما تبين فيما تقدم ، واعترف الكاتب بذلك في أكثر من مورد ، فاستفاد الكاتب من مواقف جعفر ، ولكنه لم يتطرق إلى حياة جعفر هذا .
لقد اتفق الكليني والمفيد والطوسي والطبرسي على أن جعفر هذا معلن الفسوق فاجر شريب للخمور .... خفيف قليل في نفسه (1) .
وقال بحقه أبو الأديان الذي اعتمد الكاتب على تلك الرواية في (ص 191) وضعفها في (ص 224) قال : إن يكن هذا إماماً فقد بطلت الإمامة ، لأني كنت أعرفه يشرب النبيذ ويقامر في الجوسق ويلعب بالطنبور (2) .
ولقد ألفت كتب للرد على جعفر الكذاب هذا وأنصاره ، منها ما ألفه سعد بن عبد الله العتبي كتاباً للرد عليه (3) .
بالإضافة إلى ذلك كله توسله بالحكام والوزراء كي يجعلوا له منصب أخيه ، وردوه بأن منصب أخيه من الله ، فإذا أعطاه الله لك فلن يضرك ما عملنا ، كما حدث بذلك جعفر بن خاقان الوزير للوالي آنذاك .
فكل هذه الحقائق تنكر لها الكاتب ، ولم يشر إليها ، وجعل من جعفرهذا ركناً ركيناً لنظريته ، لأنه لم يجد من الثقات والصالحين من أصحاب الإمام الهادي وغيرهم من يسعفه فيما يقول .


المبحث الحادي عشر : الإمام العسكري عليه السلام

هل أخبر العسكري بوجود خلف له ؟ : أنكر الكاتب حقيقة ناصعة نقلت إلينا
(1) الكافي : ج 1 ، ص 571 ، باب 124 ، ح 1 ؛ كمال الدين : ص 51 المقدمة ؛ الإرشاد : ج 2 ، ص 323 : إعلام الورى بأعلام الهدى : ج 2 ، ص 148 .
(2) كمال الدين : ص 432 ، باب 43 من شاهد القائم .
(3) قاموس الرجال : ج 2 ، ص 395 ـ 396 .
دفاع عن التشيع 354

بأخبار الثقات ثقة عن ثقة ، بأن العسكري عليه السلام أخبر بوجود ولد له ، وأنه الخليفة من بعده على منصب الإمامة والقيادة .
يقول ثقة الإسلام الشيخ الكليني : عن محمد بن يحيى ، عن أحمد بن إسحاق ، عن أبي هاشم الجعفري ، قال : قلت لأبي محمد عليه السلام جلالتك تمنعني من مسألتك ، فتأذن لي أن أسألك ؟ فقال : «سل» ، قلت : يا سيدي ، هل لك ولد ؟ فقال : «نعم» .
وسند هذا الحديث لا مجال لإنكاره مطلقاً لأن الكليني هو ثقة الإسلام ، وهو غني عن التعريف .
ومحمد بن يحيى العطار ، يقول النجاشي بحقه : (شيخ أصحابنا في زمانه ، ثقة ، عين ، كثيرالحديث) (1) .
ويقول الطوسي مترجماً له : (قمي كثير الرواية) (2) . ونقل الحلي ما قاله النجاشي بحق الرجل (3) .
وأما أحمد بن إسحاق فهو مشترك بين الرازي والأشعري ، كمايقول السيد الخوئي (4) .
أما الأشعري : يقول النجاشي بحقه : (كان خاصة أبي محمد عليه السلام) (5) .
وقال الطوسي بحقه : (قمي ثقة) (6) . وقال الحلي : (ثقة . . . شيخ القميين ، رأى صاحب الزمان) (7) . وقال المامقاني مترجماً له : (ثقة) (8) .
(1) رجال النجاشي : ص 353 ، رقم 946 .
(2) رجال الطوسي : ص 439 ، رقم 6274 ، من لم يرو عن واحد من الأئمة عليهم السلام .
(3) خلاصة الأقوال ، القسم الأول : ص 260 ، رقم 908 .
(4) معجم رجال الحديث : ج 2 ، ص 43 .
(5) رجال النجاشي : ص 91 ، رقم 225 .
(6) رجال الطوسي : ص 397 ، رقم 5817 ، من أصحاب العسكري .
(7) خلاصة الأقوال : ص 63 ، رقم 73 .
(8) تنقيح المقال : ج 1 ، ص 8 ، رقم 294 .
دفاع عن التشيع 255


هذا بالنسبة للأشعري ، أما الرازي فهو ثقة كما يقول الطوسي (1) ، ووثقه الحلي وقال : (أورد الكشي ما يدل على اختصاصه بالجهة المقدسة) (2) . وقال المامقاني بحقه : (ثقة) (3) .
فسواء كان الرازي أو الأشعري ، فكلاهما ثقتان مصرح بوثاقتهما وجلالتهما عند علماء الرجال .
وأما الرجل الرابع الذي نقل الرواية عن العسكري مباشرة ، وهو أبو هاشم الجعفري داود بن القاسم ، فيقول النجاشي بحقه : (كان عظيم المنزلة عند الأئمة عليهم السلام ، شريف القدر ، ثقة) (4) .
وعده الطوسي ثقة جليل القدر (5) . وقال الحلي بحقه : (ثقة ، جليل القدر ، عظيم المنزلة عند الأئمة عليهم السلام ، وكان شريفاً عندهم ، له موقع وجليل عندهم) (6) .
فهذه كلمات أساطين فن الرجال بحق من نقل رواية تدل على وجود ولد للعسكري عليه السلام ، وهو الخلف من بعده ، كلها تنكر لها الكاتب ولم يشر إليها ، لأنها لا تتحمل التأويل والكذب حتى يشير إليها ويحرف المراد منها .
إذن ، بهذا الخبر الصحيح وبأمثاله المتوارث كابراً عن كابر ، أثبت الشيعة إمامة المنتظر الغائب ، أضف إلى ذلك ، إخبار العسكري لمحمد بن علي بن بلال بالخلف من بعده .
يقول ثقة الإسلام الكليني : عن علي بن محمد (الثقة) (7) (وقال بحقه الحلي :ثقة
(1) رجال الطوسي : ص 383 ، رقم 5643 ، أصحاب علي بن محمد أبي الحسن الثالث .
(2) خلاصة الأقوال : ص 62 ، ح 71 .
(3) تنقيح المقال : ج 1 ، ص 8 ، رقم 293 .
(4) رجال النجاشي : ص 156 ، رقم 411 .
(5) رجال الطوسي : ص 375 ، رقم 5553 ، أصحاب محمد بن علي الثاني عليه السلام .
(6) خلاصة الأقوال : ص 142 ، رقم 390 .
(7) معجم رجال الحديث : ج 12 ، ص 127 ، رقم 8384 .
دفاع عن التشيع 256

فاضل ، فقيه ، أديب) (1) ، عن محمد بن علي بن بلال (الذي وثقه الطوسي (2) ، والحلي (3) ، والخوئي) (4) ، قال : خرج إلي من أبي محمد قبل مضيه بسنتين يخبرني بالخلف من بعده ، ثم خرج إلي من قبل مضيه بثلاث أيام يخبرني بالخلف من بعده (5) .
كل تلك التوثيقات الرجالية والتصريحات من قبل العسكري عليه السلام بوجود ولد له انكرها الكاتب وأهملها ولم يشر إليها .
أضف إلى ذلك ، إخبار العسكري عمراً الأهوازي بالخلف من بعده ، وقال له : «هذا صاحبكم من بعدي‌» (6) .
وأفرد ثقة الإسلام الكليني باباً لإخبارات العسكري عليه السلام بإمامة ولده الحجة المنتظر سماها «باب الإشارة والنص إلى صاحب الدار» (7) .
فياترى لماذا تجاهل الكاتب هذا التراث الروائي الصحيح المنقول من ثقة إلى ثقة ؟ ولماذا أهمله من دون أن يشير إليه ؟ ولماذا بحث عن روايات حرفها وأولها قسرياً للاستدلال على مطلوبه ؟ كل ذلك يجعلنا نقف موقف التشكيك من نوايا مبيتة لهذا الرجل ليس للشيعة فحسب ، بل للإسلام كله .


الوضع السياسي عشية الغيبة وغداتها

عودنا الكاتب أن يطلق الشعارات الإعلامية الفارغة عند البحث في أي نقطة من النقاط الحساسة والمهمة في موضوع الإمامة أو الغيبة ، فرفع هنا شعار التعاطف
(1) خلاصة الأقوال : ص 187 ، رقم 559 .
(2) رجال الطوسي : ص 401 ، رقم 5888 ، أصحاب الحسن بن علي العسكري عليه السلام .
(3) خلاصة الأقوال : القسم الأول ، ص 242 ، رقم 825 .
(4) معجم رجال الحديث : ج 16 ، ص 311 .
(5) الكافي : ج 1 ، ص 389 ، ح 1 .
(6) الكافي : ج 1 ، ص 389 ، ح 3 .
(7) الكافي : ج 1 ، باب 76 الإشارة والنص إلى صاحب الدار .
دفاع عن التشيع 257

العباسي مع البيت العلوي ، ووضع لذلك عنوانا بارزاً في كتابه (1) ، وخالف بشعاره هذا الذي لم يذكر له أي مصدر ، أقوال المؤرخين ومروياتهم عن تلك الفترة ، وجعل الكاتب من عصر العسكري عصر الازدهار الذي عاشه أئمة أهل البيت عليهم السلام . ولفرض منهجية البحث هنا ، نحن نثبت للكاتب ثمانية بحوث من خلالها يستطيع القارئ أن يطلع على التعاطف الذي زعمه الكاتب بين العباسيون والبيت العلوي ، وبالخصوص مع الهادي والعسكري والحجة المنتظر (عج) .
البحث الأول : قائمة بأسماء المقتولين في أيام العسكري من العلويين .
البحث الثاني : قائمة بأسماء العلويين الذي قتلوا في أيام العسكري بالسجون .
البحث الثالث : موقف العسكري من خلفاء عصره (المعتز والمهتدي والمعتمد) .
البحث الرابع : قطع الرؤوس وحملها للخلفاء أيام العسكري .
البحث الخامس : منهج العسكري في التحرك السياسي .
البحث السادس : المؤرخين والصراع العباسي العلوي .
البحث السابع : وصف شعري لظلم العباسيين للبيت العلوي .
وبعدما يكمل القارئ هذه البحوث الثمانية يستطيع أن يفهم التعاطف العباسي العلوي الذي زعمه الكاتب .

البحث الأول


قائمة بأسماء المقتولين في أيام العسكري من العلويين فقط : لقد قفز الكاتب
(1) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 252 .
دفاع عن التشيع 258

على كل الحقائق التأريخية عندما نسب للعباسيين كلمة التعاطف التي أراد منها نتيجة تقول لا داعي للغيبة ما دام العباسيين يسعون إلى كسب خواطر العلويين وموادعتهم من خلال مشاعر الحب الي يكنونها إليهم ، ونحن هنا سنبرز (مشاعر الحب) التي قال بها الكاتب من خلال قائمة بأسماء العلويين الذين قتلوا أيام العسكري فقط ، وإلا فإن عدد العلويين الذين قتلوا زمن الدولة العباسية لا تسعه مجلدات وهم :
1 ـ أحمد بن عبد الله بن موسى بن محمد بن سليمان بن داود بن الحسن بن الحسن ابن علي عليه السلام .
2 ـ جعفر بن محمد بن جعفر بن الحسن بن علي بن عمر بن علي بن الحسين عليه السلام .
3 ـ يحيى بن علي بن عبد الرحمن بن القاسم بن الحسن بن زيد .
4 ـ محمد بن الحسن بن إبراهيم بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي .
5 ـ جعفر بن إسحاق بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي .
6 ـ موسى بن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب .
وقال الإصفهاني بحقه : كان رجلاً صالحاً راوياً للحديث . . . دس السم إليه سعيد الحاجب فقتله ، وأخذ رأسه وحمله إلى المهتدي في المحرم سنة 256 (1) .
7 ـ محمد بن عبد الله بن إسماعيل بن إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن أبي الكرام بن محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب .
8 ـ أحمد بن محمد بن عبد الله بن إبراهيم بن الحسن بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب .
9 ـ عبيد الله بن علي بن عيسى بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين .
10 ـ علي بن إبراهيم بن الحسن بن علي بن عبيد الله بن الحسين بن علي ، اغتيل هذا غدراً .
11 ـ محمد بن أحمد بن محمد بن الحسن بن علي بن عمر بن علي بن الحسين .
(1) مقاتل الطالبيين : 531 .
دفاع عن التشيع 259


12 ـ حمزة بن الحسن بن محمد بن جعفر بن القاسم بن إسحاق بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب . قتل ومثل به ، كما يقول المؤرخ السني الإصفهاني .
13 ـ حمزة بن عيسى بن محمد بن القاسم بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب .
14 ـ محمد وإبراهيم ابنا الحسن بن عبيد الله بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب .
15 ـ الحسن بن محمد بن زيد بن عيسى بن زيد بن الحسين .
16 ـ إسماعيل بن عبد الله بن الحسين بن عبد الله بن إسماعيل بن عبد الله بن جعفر ابن أبي طالب .
17 ـ الحسين بن إبراهيم بن علي بن عبد الرحمن بن القاسم بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب .
وهذا غيض من فيض من اولئك الذين لم تنقل لنا أخبارهم ، ودون ذلك المؤرخ الإصفهاني في كتابه مقاتل الطالبيين (1) ، ولا طريق لأحمد الكاتب لإثبات التعاطف العباسي العلوي إلا من خلال إنكار هذه الأسماء والشخصيات التاريخية ، ووضعها في خانة الأسطورة ليتخلص من شبحها في بحثه .

البحث الثاني


قائمة بأسماء العلويين الذين قتلوا في أيام العسكري عليه السلام بالسجون : وإذا استطاع الكاتب أن ينكر تلك القائمة التي حوت أسماء العلويين الذين قتلوا في المواجهات تارة ، والغدر والاغتيال اخرى ، فعليه أن يعد العدة لإنكار هذه القائمة الجديدة لاولئك الشرفاء الذين أبوا الموادعة مع الظالمين وترك أئمتهم ، فسجنوا وماتوا صبراً في السجون ، وهذه القائمة أيضاً خاصة بزمان العسكري عليه السلام ، الذي ادعى فيه الكاتب الحب والتعاطف العباسي للعلويين بشعارات فارغة ، وأما القائمة فهي :
(1) مقاتل الطالبيين : ص 525 ـ 539 .
دفاع عن التشيع 260


1 ـ الحسن بن محمد بن جعفر بن عبد الله بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي ابن أبي طالب ، وامه ام عبد الله بنت عبد الله بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، فهو علوي الأب والأم .
2 ـ عيسى بن إسماعيل ، وهو من أحفاد عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ، حبس بالكوفة ومات هناك .
3 ـ أحمد بن محمد بن يحيى بن عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب ، حبسه الحرث بن أسد عامل أبي الساج في دار مروان ، فمات بالحبس .
4 ـ علي بن موسى ، من احفاد الحسن علي السلام .
5 ـ محمد بن الحسين بن عبد الرحمن ، من أحفاد الحسن عليه السلام .
6 ـ علي بن موسى بن إسماعيل بن موسى بن جعفر .
7 ـ إبراهيم بن موسى ، من أحفاد الحسن ، حبسه محمد بن أحمد عامل المهتدي على المدينة فمات في حبسه .
8 ـ عبد الله بن محمد بن يوسف ، من أحفاد الحسن ، توفي في حبسه .
9 ـ موسى بن موسى بن محمد بن سليمان ، من أحفاد الحسن الزكي ، توفي بالسجن .
10 ـ محمد بن الحسين بن محمد ، من أحفاد الحسن .
11 ـ محمد بن أحمد بن عيسى ، من أحفاد زيد بن علي .
12 ـ ابنه أحمد بن محمد بن أحمد بن عيسى ، من أحفاد زيد .
13 ـ محمد بن عبد الله ، من أحفاد الحسن .
هذا ما جادت به قريحة المؤرخ الإصفهاني في كتابه المعروف مقاتل الطالبيين (1) ، وإلا فإن الأعداد كثيرة جداً ، لأن الحروب كانت دموية ، والمواجهة علنية بين أفراد البيت العلوي والعباسيين ، وكانت تزف إلى السجون جماعات جماعات ، منهم من يعلم قتله ومنهم من يغيب ولم يعلم حاله .
وأخيراً ننقل كلمة للمهتدي ـ الخليفة المعاصر للعسكري ـ تثبت وحشية هؤلاء .
(1) مقاتل الطالبيين : ص 434 ـ 456 .
دفاع عن التشيع 261

حيث قال متهدداً للعلويين : والله لأجلينهم عن جديد الأرض (1) .
وبعد ذلك كله ، هل يوجد من يشك في أن الكاتب كان كاذباً في عبارته الإعلامية الخالية من التوثيق بأن هناك تعاطفاً من قبل العباسيين تجاه العلويين ، والتي اعتمد عليها في ادعاء عدم وجود سبب للغيبة .

البحث الثالث


موقف العسكري من خلفاء عصره (المعتز والمهتدي والمعتمد) : بعد أن أثبتنا للقارئ قائمة بأسماء المقتولين ، وقائمة بأسماء الموتى في السجون من العلويين زمن العسكري عليه السلام ، نأتي إلى سياسة التوتر الشديدة بين العسكري عليه السلام وخلفاء عصره .
من المعروف تاريخياً أن العسكري عليه السلام عاصر المعتز العباسي والمهتدي العباسي والمعتمد العباسي .
أما بالنسبة إلى المعتز العباسي ـ الذي قتل أخاه المستعين بمعونة الأتراك وحمل رأسه إليه وهو يلعب بالشطرنج ـ فقد تعرض للعسكري أكثر من مرة لما يراه من العسكري بأنه العدو اللدود له ، فأمر بحبسه ـ كما يقول الكليني ـ وصير أمره في الحبس إلى أشر خلق الله كما اعترف صالح بن وهب بذلك (2) .
ولم يكتف المعتز بحبس العسكري عند احد من اشراره ، بل حبسه مرة اخرى عند علي بن اوتامش الذي كان يظهر العداوة لاهل البيت ، وعلى وصف الشيخ المفيد : كان شديد العداوة لال محمد (3) .
ولما احس المعتز بان وسائل الحبس غير كافية لمواجهة العسكري عليه السلام ، عزم على قتله ، وهذا ما طالعنا به الاربلي عندما قال : لما امر المعتز سعيد الحاجب بحمل الامام
(1) الكافي : ج1 ، ص576 ، باب 124 ، ح 16 .
(2) الكافي : ج1 ، ص 578 ، باب 124 ، ح 23 .
(3) الارشاد : ج2 ، ص 329 .
دفاع عن التشيع 262

ابي محمد الى الكوفة ، كتب اليه ابو الهيثم : جعلت فداك ، بلغنا خبر اقلقنا ؟
فاجابه الامام : «بعد ثلاثة ياتيكم الفرج ، فقتل المعتز يوم الثالث » (1) .
ويقول ابن شهر اشوب : ( ان المعتز تقدم الى سعيد الحاجب : ان اخرج ابا محمد الى الكوفة ثم اضرب عنقه في الطريق ) (2) .
فهذا هو موقف الخليفة المعاصر للعسكري والذي حاول بمختلف الوسائل القضاء على العسكري عليه السلام ، ولكن خيب الله مسعاه .
وأما المهتدي الذي عاصره العسكري عليه السلام أيضاً ، فلقد قال متوعداً العلويين ومهدداً لهم : (والله لأجلينهم عن جديد الأرض) (3) .
وهذا التهديد الذي انتهى بقتل العشرات منهم ، وزج الآخرين في السجون وموتهم فيها ـ كما اتضح من البحث الأول والثاني ـ ختم بحبس الإمام العسكري ، حيث نقل الطوسي عن أبي هاشم قوله : كنت محبوساً مع أبي محمد عليه السلام في حبس المهتدي بن الواثق (4) .
فهذا حال الخليفة الثاني المعاصر للعسكري .
وأما الثالث ، وهو المعتمد ، فقد سعى لقتل الإمام عليه السلام حينما حبسه وسلمه الى يحيى ابن قتببة الذي كان يضيق عليه حبسه ، كما قال ابن شهر آشوب (5) .
ولم يكتف المعتمد بحبس الإمام وإيداعه في ظلمات السجون ، بل راح حتى في تلك الظلمات يتجسس عليه ، فعندما حبسه في سجن علي بن جرين مع أخيه جعفر ، كان المعتمد يسأل علي بن جرين عن أخبار العسكري في كل وقت ، فحتى في ظلمات السجون لم يتركوا الأئمة وشأنهم ، بل كانوا يتابعونهم ويتابعون تحركاتهم ، ولعل هذه
(1) كشف الغمة : ج 3 ، ص 212 .
(2) مناقب آل أبي طالب : ج 4 ، ص 464 .
(3) الكافي : ج 1 ، ص 576 ، باب 124 ، ح 16 .
(4) الغيبة للطوسي : ص 134 .
(5) مناقب آل أبي طالب : ج 4 ، ص 462 .
دفاع عن التشيع 263

المتابعة توهم منها أحمد الكاتب ، وجعلها عنواناً للتعاطف العباسي العلوي .

البحث الرابع


قطع الرؤوس وحملها للخلفاء أيام العسكري : هذه الطريقة التي ورثها العباسيون من الأمويين ، عندما مثلوا بجثة سيد الشهداء أبي عبد الله الحسين ، وحملوا رأسه ورؤوس اخوانه وأصحابه إلى عاصمة الأمويين دمشق مستهينين بكل القيم والمعايير الإنسانية ، فضلاً عن الإسلامية ، ومروعين الأطفال والنساء ومهددين المناطق الإسلامية ، والفعلة الخسيسة هذه ورثها العباسيون من أسلافهم الأمويين ، ولا نريد أن نستعرض الحالات التي قطعت فيها الرؤوس وحملت إلى ملوك بني العباس على طول الحقبة الزمنية المشؤومة التي حكموا فيها المسلمين إلا بقدر الحاجة ، وإعلام أحمد الكاتب بأن التعاطف العباسي مع العلويين كان حلماً يراه ، وأراد أن يثبته في كتابه ، ولم تقتصر وحشية العباسيين في هذا العمل على البيت العلوي ، بل تعدت حتى إلى العباسيين أنفسهم ، حيث قام المعتز العباسي المعاصر للعسكري عليه السلام بقطع رأس أخيه المستعين وحمله بواسطة الأتراك إلى عاصمة الدولة العباسية إلى المعتز الذي كان مشغولاً بلعب الشطرنج حينها .
ونفس الفعلة فعلها المعتمد ـ الذي عاصر العسكري ـ مع العلويين ، فقد عمد ـ بعد أن شردهم وطاردهم وقتل من قتل منهم وحبس من حبس ـ إلى قطع رؤوسهم والطواف بها في البلدان الإسلامية ليشهر بهم ، فلقد قتل المعتمد أحمد بن محمد بن عبد الله بن إبراهيم ، وهو من البيت العلوي الطاهر ، وقطع رأسه ، وحمل إلى المسلمين (1) ، كدليل للتعاطف العباسي مع العلويين الذي قال به أحمد الكاتب .
والذي يطالع التاريخ يجد ان هذه الوسيلة ، وهي قطع الرؤوس وحملها إلى الخلفاء ، كانت ميزة الحكومات مع العلويين ، سار الأمويون عليها وورثها العباسيون ، وقتلوا
(1) راجع مقاتل الطالبيين : ص 536 .
دفاع عن التشيع 264

وقطعوا رؤوس بني فاطمة وحملوها ليطوفوا بها ، ومن ثم صلبها ونشرها على الطرق والممرات العامة لتكون عبرة لكل من يحاول التدخل في السياسة ، كل هذا تجاهله الكاتب ، وشوش ذهن القارئ بأن هناك تعاطفاً مزعوماً بين العباسيين والعلويين .

البحث الخامس


منهج العسكري عليه السلام في التحرك السياسي : تقول الروايات : إن العسكري كان على اتصال دائم بأصحابه ، لموقعه القيادي الذي شغله بعد أبيه الهادي عليه السلام ، ونقف هنا لنتعرف على طريق الاتصال هذا .
هل هو الطريق العلني الواضح ، وأمام أعين الناس ـ بناءً على التعاطف العباسي العلوي المزعوم من قبل الكاتب ـ أم هناك طريق آخر غير ذلك فرضته الظروف والأحوال على تحركات الإمام ؟ فالتاريخ ـ وليس العبارات الإعلامية ـ هو الذي يحدد هذا الطريق أو ذاك !
ونستطيع أن نعرف واسطة الاتصال من خلال وصف العسكري عليه السلام لعصره ، قال عليه السلام :«اللهم وقد شملنا زيغ الفتن واستولت غشوة الحيرة ، وقارعنا الذل والصغار ، وحكم علينا غير المأمونين في دينك ، وابتز امورنا معادن الابن ممن عطل حكمك وسعى في إتلاف عبادك وإفساد بلادك . . . ثم قال : واشتريت الملاهي والمعازف بسهم اليتيم والأرملة ، وحكم في ابشار أهل الذمة وولي القيام بامورهم فاسق كل قبيلة ، فلا ذائد يذودهم عن هلكه ، ولا راع ينظر إليهم بعين الرحمة ، ولا ذو شفقة يشبع الكبد الحرى من مسغبة ، فهم اولوا ضرع بدار مضيعة ، واسراء مسكنة ، وخلفاء كأبه وذلة» (1) .
بهذه الكلمات التي لا تحتاج إلى شرح لفهم معناها ، يتلاشى العصر الذهبي الذي رسمه الكاتب للعسكري ، وجعل أبرز سماته التعاطف بين بني العباس والعلويين ، وعلى أساس ذلك تحرك العسكري للاتصال بأصحابه وخلص شيعته ، فلم يكن اتصالاًً
(1) مهج الدعوات : ص 86 .
دفاع عن التشيع 265

علنياً .
نقل ابن شهر آشوب عن داود بن الأسود قوله : (دفع إلي العسكري عصا وقال لي اعطها للعمري ، وفي الطريق انكسرت العصا ، فإذا في وسطها كتاب) ، ويقول ابن الأسود : لما رجعت قال لي الإمام بعدما أخبرني بما حدث لي في الطريق : «وإذا سمعت لنا شاتماً فامض لسبيلك ، وإياك أن تجاوب من شيعتنا أو تعرفه من أنت ، فإننا ببلد سوء ومصر سوء ، وامض في طريقك ، فإن أخبارك وأحوالك ترد إلينا ، فاعلم ذلك» (1) .
فبينما يضع العسكري كتابه في وسط عصا ، يقول الكاتب لا داعي لغيبة الإمام الحجة ، لعدم الخوف ، وبينما يصف العسكري بلده بأنه بلد سوء ومصر سوء ، يقول الكاتب بأن الحياة كانت تملأها العاطفة بين بني العباس والعلويين .
إذن ، تحرك العسكري كان بأقصى درجات السرية ، بحيث وصل الأمر إلى تحذير داود بن الأسود في نهاية الخبر : بأن ما يفعله يعلم به العسكري ، حتى يكون هذا الرجل أميناً في تصرفاته تحسباً لمواقف السلطة الغاشمة .
ولم يقف العسكري على هذا المنهج فحسب ، بل أوصى أصحابه بقوله : «ألا لا يسلمن علي أحد ، ولا يشير إلي بيده ، ولا يوميء ، فإنكم لا تؤمنون على أنفسكم» (2) .
ورسم لهم طريقاً للاتصال ، ألا وهو التجمع في أحد البيوت في عتمة الظلمات ، يقول السيد المرتضى واصفاً ذلك الزمان :
كان أبو محمد يبعث إلى أصحابه وشيعته : «صيروا إلى موضع كذا وكذا وإلى دار فلان بن فلان العشاء العتمة في ليلة كذا ، فإنكم تجدوني هناك» (3) .
ويقول محمد بن عبد العزيز البلخي : (كنت واقفاً عندما مر العسكري بباب العامة بسر من رأى ، فقال في نفسه : تراني إن صحت يا أيها الناس هذا حجة الله عليكم فاعرفوه يقتلونني) .
(1) مناقب ابن شهر آشوب : ج 4 ، ص 460 ـ 461 .
(2) البحار : ج 50 ، ص 269 .
(3) عيون المعجزات من دلائل المولى أبي محمد الحسن الأخير عليه السلام وبراهينه : ص 140 .
دفاع عن التشيع 266


يقول هذا الرجل : فلما دنا مني العسكري ونظرت إليه . . . فقال لي : «أما إنك لو أذعت لهلكت» ، وقال : «إنما هو الكتمان أو القتل ، فأبقوا على أنفسكم» (1) .
كل ذلك أدى بأصحاب العسكري أن لا يصرحوا حتى باسمه عندما ينقلون رواية عنه لتوصياته عليه السلام بذلك .
يقول الأردبيلي : (وكلما ورد عن الرجل فالظاهر أنه العسكري عليه السلام) (2) .
فهذه هي توصيات الإمام لشيعته ، وهذه هي استجابات الشيعة لتلك التوصيات ، والتي حدثنا عنها التاريخ ، وهذا عصر العسكري المليء بالظلم والانحراف وسيطرة الذين لا يؤتمن عليهم في الدين والدنيا على مقاليد الحكم آنذاك . ولهذا العصر قلد الكاتب وسام التعاطف .

البحث السادس


المؤرخون والصراع العباسي العلوي : خلف ذلك الصراع الدموي عشرات الآلاف من القتلى ومثلهم من الأيتام والأرامل ، وعلى مدى سنين وسنين طال فيها الحكم العباسي ، يقول الخوارزمي متحدثاً عن السفاح :
(وسلط عليهم ـ على العلويين ـ أبا مجرم لا أبا مسلم يقتلهم تحت كل حجر ومدر ويطلبهم في كل سهل وجبل) .
ويقول الخطيب البغدادي وابن كثير : (إن أبا مسلم هذا اعترف بذلك حينما قال : امرت أن اجرد السيف وآخذ بالظنة ، وأقتل على التهمة ، ولا أقبل المعذرة ، فهتكت حرمات حتم الله صونها ، وسفكت دماءً فرض الله حقنها ، وزويت الأمر عن أهله ، ووضعته في غير محله) (3) . ولكن جاء هذا الاعتراف عندما ضربت مصالح هذا المجرم
(1) إثبات الوصية : ص 251 .
(2) جامع الرواة : ج 2 ، ص 461 ـ 462 .
(3) تاريخ بغداد :ج 7 ، ص 20 .
دفاع عن التشيع 267

من قبل المنصور .
وما زلنا مع السفاح وظلمه ، حيث يقول أحمد أمين : (كانت حياته حياة سفك للدماء وقضاء على المعارضين) (1) . واعترف الجنرال جلوب بذلك في كتابه إمبراطورية العرب (2) .
وبعد أن زالت هذه الغمة ، جاء المنصور الذي افتتح دولته بقتل أخيه السفاح للسيطرة على مقاليد السلطة ، وقتل عمه عبد الله بن علي وأبا مسلم مؤسس الدولة العباسية .
يقول المسعودي : (إن السر في تسمية نفسه بالمنصور ، لأنه انتصر على العلويين) (3) .
واعترف بعظمة لسانه عندما قال : (قتلت من ذرية فاطمة ألفاً أو يزيدون ، وتركت سيدهم ومولاهم وإمامهم جعفر بن محمد) (4) .
يقول الطبري : (إنه ترك خزانة فيها رؤوس من العلويين ، وقد علق في كل رأس ورقة كتب فيها ما يستدل على اسمه واسم أبيه ومنهم شيوخ وشبان وأطفال) (5) .
وعندما لامه عمه عبد الصمد بن علي على هذا الإسراف في القتل ، قال له : (آل أبي طالب لم تغمد سيوفهم ونحن بين قوم رأوناً بالأمس سوقة واليوم خلفاء ، فليس نتعهد هيبتنا إلا بنسيبان العفو واستعمال القوة) (6) .
يقول السيوطي : (قتل خلقاً كثيراً حتى استقام ملكه) (7) .
(1) ضحى الإسلام : ج 1 ، ص 105 .
(2) امبراطورية العرب : ص 420 ـ 499 .
(3) التنبيه والاشراف : ص 295 .
(4) الأدب في ظل التشيع : ص 63 .
(5) النزاع والتخاصم للمقريزي : ص 63 .
(6) تاريخ الخلفاء : ص 323 .
(7) تاريخ الخلفاء : ص 315 .
دفاع عن التشيع 268


وتوعد الإمام الصادق بالقتل ، يقول ابن شهر آشوب : (إن المنصور هذا قال للصادق عليه السلام ، لأقتلنك ولأقتلن أهلك حتى لا ابقي على الأرض منكم قامة سوط) (1) .
فهذا الرجل الذي توغل في سفك دماء العلويين هو وعماله ، يقول المسعودي الذي نقل كلام المسيب ابن زهرة عندما قال له المنصور :
(إني أرى أن الحجاج أنصح لبني مروان ، فأجابه المسيب : يا أميرالمؤمنين ، ما سبقنا الحجاج إلى أمر فتخلفنا عنه ، والله ما خلق الله على جديد الأرض خلقاً أعز علينا من نبينا صلى الله عليه واله وسلم ، قد أمرتنا بقتل أولاده فأطعناك) (2) .
فهم يتسابقون على قتل أولاد النبي صلى الله عليه واله وسلم طاعة للعباسيين ، الذي يقول الكاتب إنهم يتعاطفون مع العلويين .
وجاء من بعده المهدي الذي أضاف وسيلة جديدة للمحاربة والنزاع ، وهي خلق الفرق وبأسماء أصحاب الأئمة ، حتى يشوه سمعتهم عند الناس ، فاخترع فرقة الزرارية نسبة إلى زرارة ، واخرى الجواليقية (3) .
واتهم الشيعة وأصحاب الأئمة بالزندقة لكي يسوغ لنفسه قتلهم وتشريدهم ومطاردتهم ، يقول عبد الرحمن بدوي : (إن الاتهام بالزندقة في ذلك العصر كان يسير جنباً إلى جنب مع الانتساب إلى مذهب الرافضة) (4) .
وجاء بعد المهدي الهادي ابنه ، يقول اليعقوبي عنه : (أخاف الطالبيين خوفاً شديداً ، وألح في طلبهم وقطع أرزاقهم وعطياتهم ، وكتب إلى الآفاق يطلبهم) (5) .
ويكفيك واقعة فخ التي روعت المسلمين عموماً ، ولم يكتف هؤلاء بالقتل والتشريد ، بل كانوا يعمدون إلى قطع الرؤوس وحملها لإرهاب الناس ، وجاء بعده
(1) مناقب ابن شهر آشوب : ج 3 ، ص 251 ؛ بحار الأنوار : ج 47 ، ص 178 .
(2) مروج الذهب : ج 3 ، ص 328 .
(3) تنقيح المقال : ج 3 ، ص 269 ؛ قاموس الرجال : ج 9 ، ص 324 .
(4) من تاريخ الإلحاد في الإسلام : ص 37 .
(5) تاريخ اليعقوبي : ج 3 ، ص 148 .
دفاع عن التشيع 269

الرشيد ليعلن الحرب الشعواء على آل أبي طالب وشجرة النبوة ، وعلى حد تعبير الخوارزمي : (حصد شجرة النبوة واقتلع غرس الإمامة) .
ويقول الفخري في الآداب السلطانية : (كان يقتل أولاد بيت الرسول من غير جرم) .
واعترف هو بنفسه على جرمه بحق آل أبي طالب ، ونقل اعترافه أبو الفرج الإصفهاني في الأغاني ، حيث قال على لسان الرشيد : (حتام أصبر على آل بني أبي طالب ، والله لأقتلنهم ولأقتلن شيعتهم ولأفعلن وأفعلن) .
ونفذ هذا المخطط الإرهابي بقتل أولاد فاطمة وشيعتهم ، كما يقول ابن عبد به (1) .
وعندما أرسل الجلودي لحرب محمد بن جعفر بن محمد ، أمره أن يغير على دور آل أبي طالب في المدينة ويسلب ما على نساءهم من ثياب وحلي ، ولا يدع على واحدة منهن إلا ثوباً واحداً (2) .
ولم يرق له أن يرى أحداً من الطالبيين في بغداد ، يقول الطبري وابن الأثير : (أمر بإخراج الطالبيين جميعاً من بغداد إلى المدينة كرهاً لهم) (3) .
ولم يكتف هذا بالقتل والتشريد والمطاردة للأحياء حتى عطف حقده على الأموات وهدم قبر الحسين ، وحرث أرض كربلاء على يد عامله هناك .
وختم ملف الإجرام والعداء لآل أبي طالب بقتل الإمام الكاظم عليه السلام في قعر السجون المظلمة ، واعترف بذلك جل المؤرخين المنصفين ، ولم يشكك به إلا أحمد الكاتب ، ليبريء الرشيد من إجرامه ، حتى تستقيم نظريته .
ونحن لا نريد في بحثنا هذا أن نستقريء مواقف ملوك بني العباس : السفاح ، المنصور ، المهدي ، الهادي ، الرشيد ، الأمين ، المأمون ، المعتصم ، الواثق ، المتوكل ، المنتصر ، المستعين ، المعتز ، المهتدي ، المعتمد ، المعتضد ، المكتفي ، المقتدر ، القاهر ، الراضي ، المتقي ،
(1) العقد الفريد : ج 2 ، ص 180 .
(2) أعيان الشيعة : ج 1 ، ص 29 ؛ عيون أخبار الرضا : ج 2 ، ص 479 .
(3) تاريخ الطبري : ج 8 ، ص 235 ؛ الكامل لأبن الأثير : ج 5 ، ص 85 .
دفاع عن التشيع 270

المطيع ، إلا بقدر إعلام القارئ بأن هذا التعاطف ـ المزعوم ـ خيال وليس حقيقة ، فتاريخهم كان صفحة سوداء ملوثة بدماء عترة الرسول صلى الله عليه واله وسلم ، ووصمة عار على جبين الإنسانية بمواقفهم من آل أبي طالب ، ومطاردتهم وتشريدهم وقتلهم ومحاصرتهم اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً ، حيث وصل الأمر إلى العلويات ، كما يقول الإصفهاني : (كن يتداولن الثوب الواحد من أجل الصلاة) (1) .
وسار هؤلاء جميعهم بسياسة واحدة مع العلويين ، يقول بندها الأساسي : من كان بينه وبين أحد من الطالبيين خصومة فاقبل قوله بدون بينه ، ولا تسمع لطالبي بينه أو قولاً .
هذا هو البند الأساسي للدولة العباسية الذي عمل به وكتبه المنتصر إلى عماله (2) .
واستمر هذا الإرهاب الذي لا مثيل له في التاريخ ، والذي أدى في بعض الحالات إلى إبادة مناطق كاملة ، كما حدث في الموصل (3) .
ولاقى أئمة أهل البيت وشيعتهم أقسى أنواع السياسات الظالمة والجائرة من بني العباس ، بحيث أصبح ذلك الظلم انشودة الشعراء ، حيث يقول أحدهم :
تالله ما فعلت امية فيهم معشار ما فعلت بنو العباس

وقال أبو عطاء أفلح بن يسار السندي المتوفى (سنة 180 هـ ) وهو ممن عاصر الدولتين الأموية والعباسية ، قال في زمن السفاح :
ياليت جور بني مروان دام لنا وليت عدل بني العباس في النار (4)

ولقد تكلمنا سابقاً في مواقف المعتز والمهتدي والمعتمد الذين حاصروا العسكري عليه السلام ، وذكرنا ما لاقاه منهم ، فلا نعيد .
حتى المستشرقون اقروا بهذا الظلم ، الذي سماه أحمد الكاتب تعاطفاً .
(1) مقاتل الطالبيين : ص 477 .
(2) الخطط للمقريزي : ج 4 ، ص 153 .
(3) النزاع والتخاصم للمقريزي : ص 99 .
(4) المحاسن والمساوئ : ص 246 : الشعر والشعراء : ص 484 .
دفاع عن التشيع 271


يقول فان فلوتن : ولا غرو ، فإن العلويين لم يلقوا من الاضطهاد مثل ما لقوا في عهد الأولين من خلفاء بني العباس (1) .
وقد وصل هذا الظلم إلى حد أن إبراهيم بن هرمة المعاصر للمنصور دخل إلى المدينة وأتاه رجل من العلويين فسلم عليه ، فقال له إبراهيم : (تنح عني ولا تشط بدمي) (2) .
وأخيراً ننقل كلمات الخضري والشبراوي حول هذه العصور المظلمة ، يقول الخضري حول الوضع العباسي مع البيت العلوي : (فكان نصيب آل علي في خلافة بني هاشم أشد وأقسى مما لاقوه في عهد خصومهم من بني امية ، فقتلوا وشردوا كل مشرد ، وخصوصاً في زمن المنصور والرشيد والمتوكل من بني العباس ، وكان اتهام شخص في هذه الدولة بالميل إلى واحد من بني علي كافياً لإتلاف نفسه ومصادرة أمواله ، وقد حصل فعلاً لبعض الوزراء وغيرهم) (3) .
ويقول الشبراوي : (وخلف العسكري بعد ولده ، وهو الثاني عشر من الأئمة أبو القاسم محمد عليه السلام ، وكان أبوه قد أخفاه حين ولد ، وستر أمره لصعوبة الوقت وخوفه من الخلفاء ، فإنهم كانوا في الوقت يتطلبون الهاشميين ويقصدونهم بالحبس والقتل ويريدون إعدامهم) (4) .
وما نقلناه غيض من فيض من الاعترافات التي ملأت كتب التاريخ والحديث ، والتي تحدثت عن الظلم العباسي للبيت العلوي ، والتي تجاوزها الكاتب بهدوء من دون إشارة ، ووضع لها عنواناً بارزاً في كتابه ، مجرداً من الوثائق ، أسماه : (تعاطف الخلفاء العباسيين مع العلويين) (5) .
(1) السيادة العربية والشيعة والإسرائيليات : ص 134 .
(2) تاريخ بغداد : ج 6 ، ص 127 .
(3) محاضرات تاريخ الأمم الإسلامية : ج 1 ، ص 161 .
(4) الإتحاف بحب الأشراف : ص 179 .
(5) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 252 .