دفاع عن التشيع 171


الفصل الرابع

افتراءات وأكاذيب المؤلف


على مصاديق الإمامة الإلهية


دفاع عن التشيع 172



دفاع عن التشيع 173



المبحث الأول : الإمام علي عليه السلام

النص ام الأولوية عند الإمام علي عليه السلام : لم يستطع الكاتب تجاوز إحجام أمير المؤمنين عليه السلام عن بيعة أبي بكر بعد أن اتفق الجميع على ذلك ، فتراجع عن الشورى نسبياً وقال : (ولا شك أن تمنع الإمام علي من المسارعة إلى بيعة أبي بكر كان بسبب أنه كان يرى نفسه أولى وأحق بالخلافة) (1) .
إذن ، تراجع الكاتب عن مسألة الشورى ، لأن الشورى لا تنظر إلى ما يعتقده الشخص بقدر نظرها إلى اجتماع الناس وعدمه ، وهذا ما عليه المسلمون ، ولنقف مع الكاتب قليلاً لنتعرف على نظر الإمام في مسألة الخلافة بالرجوع إلى الفكر الذي ناشد فيه المسلمين بعدما حدث في سقيفة بني ساعدة ، هل كان فكراً قائماً على أساس النص ، ويدعي أن النص عليه من رسول الله ، أم قائماً على أساس أن الإمام يرى نفسه أولى من الجميع ؟ فلنذهب إلى علي بن أبي طالب للجواب عن هذا السؤال ، يقول عليه السلام في معرض رده :
«لا يقاس بآل محمد صلى الله عليه واله وسلم من هذه الأمة أحد ، ولا يسوى بهم من جرت نعمتهم عليه أبداً ، هم أساس الدين ، وعماد اليقين ، إليهم يفيء الغالي ، وبهم يلحق التالي ، ولهم خصائص حق الولاية ، وفيهم الوصية والوراثة» (2) .
(1) احمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 21 .
(2) نهج البلاغة : الخطبة 2 ، ص 25 .
دفاع عن التشيع 174

أي وصية هذه التي يحدث عنها أمير المؤمنين عليه السلام ؟ وأي وراثة ؟ فهو يطالب المسلمين بالتعرف على أهل البيت ، ومعرفة موقعهم في الإسلام ، وفي أي رتبة يصنفون : هل مع الناس ، ام أحق من الناس ؟ وهل هذا الحق من باب أولى ، أو من باب الوصية والوراثة ؟
ففي هذه الخطبة يبين أمير المؤمنين عليه السلام حق الأئمة من ولده ، وحقه في الخلافة بأنها وصية رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بالنص ، وليست بالأولوية ، ويتعجب أمير المؤمنين عليه السلام من هذه الأمة التي أقصته لا من باب أنه أولى بالخلافة ، بل من باب أنه وصي نبي ، أقصته من منصبه ورتبته التي وضعه الله فيها ، وينقل لنا تعجبه هذا بقوله : «فياعجبي ! ومالي لا أعجب من خطأ هذه الفرق على اختلاف حججها في دينها ، لا يتقصون أثر نبي ، ولا يقتدون بعمل وصي» (1) .
ما هو الأثر الذي تركه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ، ويطالب به أمير المؤمنين ؟ ومن هو الوصي الذي يتعجب أمير المؤمنين من الأمة التي لم تتبعه ؟
وأكثر من ذلك كله ندرس في فكر علي عليه السلام أن الأئمة هم من قريش بل من بني هاشم ، ولا تصلح الولاة من غيرهم ، فقال عليه السلام : «أين الذين زعموا أنهم الراسخون في العلم دوننا كذباً وبغياً ؟ . . . . إن الأئمة من قريش غرسوا في هذا البطن من هاشم ، لا تصلح على سواهم ، ولا تصلح الولاة من غيرهم» (2) .
وراح الإمام غير مرة يطالب الامة بالتعرف على أهل البيت ، ويأمرهم بالتزام سمتهم ، واتباع أثرهم ، فقال عليه السلام : «انظروا أهل بيت نبيكم ، فالزموا سمتهم ، واتبعوا أثرهم ، فلن يخرجوكم من هدى ، ولن يعيدوكم في ردىً ، فإن لبدوا فالبدوا ، وإن نهضوا فانهضوا ، ولا تسبقوهم فتضلوا ، ولا تتأخروا عنهم فتهلكوا» (3) .
فأي أولوية هذه تجعل من المتبوع مقياساً للحق ، سبقه ضلالة ، والتأخر عنه هلاك ؟ !
(1) نهج البلاغة : الخطبة 88 ، ص 143 .
(2) نهج البلاغة : الخطبة 144 ، ص 263 .
(3) نهج البلاغة : الخطبة : 97 ، ص 181 .
دفاع عن التشيع 175

فهذا الكفر الذي كان أمير المؤمنين عليه السلام يطالب الناس أن يؤمنوا به ، ويتبعوه ، وحجهم يوماً من الأيام فقال لهم : «الله الله ، لا تنسوا عهد نبيكم إليكم في أمري» (1) .
أي عهد هذا الذي يتكلم عنه أمير المؤمنين ويطالب الأمة أن لا تنساه ؟ إنه عهد الإمامة والخلافة ، فهو بنفسه يقول : «فو الله الذي أكرمنا أهل البيت بالنبوة والخلافة ، وجعل منا محمد صلى الله عليه واله وسلم ، وأكرمنا بعده بأن جعلنا أئمة للمؤمنين ، لا يبلغ عنه غيرنا ، ولا تصلح الإمامة والخلافة إلا فينا» (2) . ولا تتحمل هذه الألفاظ التأويل القسري ليجرها الكاتب إلى ما يريد .
بالإضافة إلى ذلك ، ناشد أمير المؤمنين الناس يوماً ، فقال لهم : «انشد الله من سمع رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول يوم غدير خم : من كنت مولاه فعلي مولاه ، لما قام وشهد» ، فقام اثنا عشر بدرياً شهدوا لعلي بذلك (3) .
وأخيراً ننقل فكر الإمام علي عليه السلام من قول عمر لابن عباس ، حيث سأله مرة ، فقال له : ما زال ابن عمك يزعم أن رسول الله قد نص عليه (4) .
إذن ، علي عليه السلام أدرى بفكره من الكاتب ، وفكره قائم على أساس النص والوصية ، لا على أساس الشورى ، كما صرح هو بذلك وأيده عمر بن الخطاب ـ كما بيناه ـ .
لماذا علي عليه السلام في الشورى : يقول الكاتب : (مما يؤكد كون نظام الشورى دستوراً كان يلتزم به الإمام أمير المؤمنين . . . . هو دخوله في عملية الشورى التي أعقبت وفاة الخليفة
(1) الإحتجاج : ج 1 ، ص 153 .
(2) الإحتجاج : ج 1 ، ص 353 .
(3) مسند أحمد : ج 1 ، ح 642 و 672 و953 ؛ سنن النسائي : ح 8542 ؛ سنن الترمذي : ج 5 ، ح 3713 ؛ سنن ابن ماجه : ج 1 ، ح 116 و 121 ؛ البداية والنهاية : ج 5 ، ص 229 ـ 232 ، وج 7 ، ص 383 ـ 385 في نحو عشرين طريقاً .
(4) نهج البلاغة : ج 10 ، باب 223 ، ص 21 .
دفاع عن التشيع 176

عمر بن الخطاب) (1) .
ويلاحظ على هذا الكلام أن الإمام علي عليه السلام يؤمن بالنص والوراثة والوصية ، ولم يلتزم بمبدأ الشورى قط ـ كما اتضح فيما تقدم ـ ، وهذا منهج الإمام في الدفاع عن حق أهل البيت عليهم السلام ، فقد قال يوماً مبيناً مواقعهم وخصائصهم : «لا يقاس بآل محمد صلى الله عليه واله وسلم من هذه الامة أحد ، ولا يسوى بهم من جرت نعمتهم عليه أبداً ، هم أساس الدين ، وعماد اليقين ، إليهم يفيء الغالي ، وبهم يلحق التالي ، ولهم خصائص حق الولاية ، وفيهم الوصية والوراثة» (2) .
بهذا المنهج دافع الإمام عن موقع أهل البيت عليهم السلام ، وأما مسألة دخوله بالشورى بعد وفاة عمر بن الخطاب ، فتتبين وتتضح من الشروط التي سنها عمر ، ومنها :
الشرط الأول : يدخل في هذه الشورى ستة أشخاص ، يعينهم عمر بن الخطاب . وتسمية الخلافة بهذا الشرط شورى من ضيق الخناق واقعاً .
الشرط الثاني : الخليفة الموعود بالخلافة يخرج من هؤلاء الستة لا من غيرهم ، فكأنما الامة الإسلامية كانت عبارة عن ستة أشخاص فقط .
الشرط الثالث : ضرب أعناق اولئك الذين يعارضون إذا اتفق أكثر الستة على رجل واحد .
الشرط الرابع : في حالة اتفاق اثنين على رجل ، واثنين على آخر ، رجحت الكفة التي فيها عبد الرحمن بن عوف ـ أي حق النقض في كفة عبد الرحمن بن عوف ـ وإن لم يسلم الباقون ضربت أعناقهم .
الشرط الخامس : مدة التشاور ثلاثة أيام ، وإلا ضربت أعناق الستة ، أي أهل الشورى جميعاً .
الشرط السادس : يتكفل ضرب الأعناق صهيب الرومي في خمسين رجلاً
(1) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 23 .
(2) نهج البلاغة : الخطبة 2 ، ص 25 .
دفاع عن التشيع 177

يحملون السيوف ، على رأسهم أبو طلحة الأنصاري (1) .
فيا ترى كيف كانت الحالة السائدة عند أهل الشورى قبل الدخول فيها ؟ وهل هناك تهديدات بالقتل لمن لم يدخل في هذه الشورى ؟ كل ذلك حكاه لنا المأمون عندما رفض الرضا عليه السلام ما عرضه عليه ، قال : (إن عمر بن الخطاب جعل الشورى في ستة أحدهم جدك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، وشرط فيمن خالف منهم أن تضرب عنقه) (2) ، وحتى لو لم يقل المأمون ذلك فان شورى محاطة بالسيوف حري بها أن تهدد أعضاءها وتمارس بحقهم القتل والإرهاب .
هذا بالإضافة إلى أن الخلافة عند أمير المؤمنين أهم من حقه المغتصب ، وعدم دخوله معناه تهديد المنصب الوحيد الذي بقي بعد رسول الله تشرئب له الأعناق ، يقول الإمام بهذا الخصوص : «حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام ، يدعون إلى محق دين محمد ، فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلما أو هدماً ، تكون المصيبة به علي أعظم من فوت ولا يتكلم التي إنما هي متاع أيام قلائل ، يزول منها ما كان كما يزول السراب ، أو كما يتقشع السحاب» (3) .
فهو عليه السلام ينظر إلى الإسلام أولاً ، ثم إلى حقوقه ثانياً .
إذن ، مسألة دخوله في الشورى واضحة المعالم لمن عرف شرائط الشورى ، ومن عرف منهج الإمام في التعامل مع القضايا المختلفة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم .
وحتى لا يضيع هذا المنهج حقه المغتصب تبرم الإمام من الشورى ، واستهان بها حتى وصل به الأمر إلى أن يقول : «فيالله وللشورى ، متى اعترض الريب فيّ مع الأول منهم حتى صرت اقرن إلى هذه النظائر» (4) .
فالإمام ـ كما هو واضح ـ يغتصب نفسه اغتصاباً للدخول في الشورى المزعومة
(1) التكامل في التاريخ : ج 3 ، ص 67 .
(2) شرح شافية أبي فراس : ص 220 .
(3) نهج البلاغة : ص 427 .
(4) نهج البلاغة : خطبة رقم 2 ، ص 28 المعروفة بالشقشقية .
دفاع عن التشيع 178

المطوقة بالسيوف .
ولهذا جعل أمير المؤمنين عليه السلام كلام عمر في أن علياً أحد الستة ، جعله «زعما» وليس حقيقة ، يقول عليه السلام : «حتى إذا مضى لسبيله جعلها في جماعة زعم أني أحدهم ، فيالله وللشورى» (1) ، وإلا فالإمام قطب الرحى ، ينحدر عنه السيل ، ولا يرقى إليه الطير .
إذن ، دخول الإمام في الشورى كان محاطاً بهذا الواقع المرير الذي كان يعيشه ، ويصبر نفسه عليه بقوله : «لا يعاب المرء بتأخير حقه ، إنما يعاب من أخذ ما ليس له» (2) . كل ذلك تجاهله الكاتب ورتب على دخول الإمام في الشورى بسذاجه واضحة .


المبحث الثاني : الإمام الحسن عليه السلام

النص والوصية في فكر الإمام الحسن عليه السلام : حاول أحمد الكاتب أن يعتمد على حجة واهية اخرى تقول : (إن الإمام الحسين لم يعتمد في دعوة الناس لبيعته على ذكر أي نص حوله من الرسول صلى الله عليه واله وسلم ومن أبيه) (3) .
والمراجع المتأمل لكلمات الإمام الحسن عليه السلام يجد عكس ما يقوله هذا الرجل تماماً ، ولهذا نجد الكاتب يكتفي في هذا المجال بنقل الروايات بتعبيره الخاص فقط ؛ من دون أن يذكر لسان الرواية ليوهم القارئ بصحة ما يقول ، وإلا كيف لم يعتمد الإمام الحسن عليه السلام على النص وهو القائل : «والله ما فيها وما بينها حجة لله على خلقه غيري وغير أخي الحسين» (4) .
وكيف لا يعتمد على النص ، وهو يخاطب الناس بقوله : «ألا تعلمون إنني إمامكم
(1) نهج البلاغة : خطبة رقم 3 ، ص 28 ، وشرح النهج لابن أبي الحديد : ج 1 ، ص 184 .
(2) شرح نهج البلاغة : ج 18 ، ص 390 ، باب 168 .
(3) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 26 .
(4) الإرشاد : ج 2 ، ص 29 .
دفاع عن التشيع 179

مفترض الطاعة » (1) .
وكذلك خاطب الناس بمصطلح (أهل البيت) كالذي ان لا يشك أحد بأن مصاديق هذا المصطلح لهم امتيازات خاصة خلفها لهم رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بسلوكه العملي تارة ، والقولي اخرى ، فيقول الإمام الحسن عليه السلام في هذا المضمار : « أيها الناس ، أنا ابن البشير ، وأنا ابن النذير ، وأنا ابن السراج المنير ، وأنا الذي أرسله رحمة للعالمين . . . وأنا من أهل البيت » .
وأشار إلى مسألة النص والخلافة بعد وفاة أبيه عليه السلام عندما خطب بالناس قائلاً : «إن الله عزوجل بمنه ورحمته لما فرض عليكم الفرائض لم يفرض ذلك عليكم لحاجة منه إليه ، بل رحمة منه ، لا إله إلا هو . . . . ففرض عليكم الحج والعمرة وإقام الصلاة . . . . والولاية لنا أهل البيت ، وجعلها لكم باباً لتفتحوا به أبواب الفرائض ، ومفتاحاً إلى سبيله ، ولو لا محمد صلى الله عليه واله وسلم وأوصياؤه كنتم حيارى لا تعرفون فرضاً من الفرائض ، وهل تدخلون داراً إلا من بابها» (2) .
فلقد جعل الإمام الحسن عليه السلام مسألة الولاية والخلافة مفتاحاً لشرائع دين الله ، وباباً لقبول فرائضه وطاعاته ، وهل يوجد أجلى وأوضح من هذا الكلام من ابن بنت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ؟ ولكن إفلاس الكاتب من كل ما ذكرناه سابقاً جعله يتشبث بأبسط الطرق لإيهام القارئ وتشويش ذهنه ؛ ليجعل منه أداة طيعة لتصديق ما يقول ، ولكن أني له ذلك ؛ لأن القارئ ليس كالكاتب يصدق بمجرد أن يقرأ ، بل يبحث عن ذلك يجعله مقتنعاً بما يقول ويفعل .
ولم يقف الكاتب عند هذا الحد ، بل راح يبحث في الكتب السنية لينقل لنا قول عبد الله بن العباس : (لما توفي علي عليه السلام خرج عبد الله بن العباس فقال : إن أمير المؤمنين توفي ، ودق ترك خلفاً ، فإن أحببتم خرج إليكم ، وإن كرهتم فلا أحد على أحد ، فبكى الناس ،
(1) كمال الدين : ص 297 ، باب 29 .
(2) ينابيع المودة : ج 3 ، ص 364 ـ 365 ، نقلها عن أمالي الطوسي : ج 2 ، ص 268 .
دفاع عن التشيع 180

وقالوا : بل يخرج إلينا) (1) .
واعتمد في نقل هذا النص على مصدر سني ، ولكن المقارن لهذا النص الوارد في ذلك المصدر مع نفس النص الوارد في الكتب الشيعية يجد أن هناك حذفاً تعرض إليه هذا النص حتى ينسجم مع مبادئ من نقله ، فلقد نقل الشيخ المفيد في الإرشاد قول ابن عباس : (معاشر الناس هذا ابن نبيكم ووصي إمامكم فبايعوه ، فاستجاب له الناس وقالوا : ما أحبه إلينا وأوجب حقه علينا . وتبادروا إلى البيعة له بالخلافة) (2) .
فالفقرة التي تقول : (ووصي إمامكم) ، تخالف تماماً ما استشهد به الكاتب ، وجعله شاهداً على فكره السياسي بأن الشورى هي الدستور السائد عند المسلمين ، وكان يجب على الكاتب ـ لو كان موضوعياً ـ أن يبحث النصوص الواردة عن الطرفين ـ على أقل التقادير ـ وتقييمها سنداً ومتناً والحكم عليها ، لا أن يكتفي بنقل نص من طرف واحد ، ويستخرج لنا نظريته السياسية .
أضف إلى ذلك ، أن مسألة النص كانت تعيش مع الإمام الحسن عليه السلام في كل جلساته ومحاججاته مع معاوية ، فعندما يحاول معاوية أن ينال من الإمام علي عليه السلام يتصدى الحسن عليه السلام لإبراز دور الإمام وموقعه في الشريعة ، ولقد جمعت إحدى الجلسات معاوية والحسن عليه السلام ، فنال معاوية من الإمام علي عليه السلام ، فقام الحسن عليه السلام خطيباً ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : «إنه لم يبعث نبي إلا وجعل له وصي من أهل بيته ، وإن علياً كان وصي رسول الله صلى الله عليه واله وسلم من بعده» (3) .
فهل يحتاج المنصف بعد هذا الكلام إلى إيضاح موقف الحسن عليه السلام من مسألة الوصية والخلافة .
إلى هنا لم يستطيع الكاتب أن يشوش ذهن القارئ حول موقف الإمام الحسن عليه السلام ودفاعه عن منصب أبيه ومنصبه في خلافة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ، ولكنه ولخبثه راح
(1) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 26 .
(2) الإرشاد : ج 2 ، ص 8 ـ 9 . نقلاً عن مقاتل الطالبيين : ص 51 .
(3) بحار الأنوار : ج 44 ، ص 90 ، باب سائر ما جرى بينه وبين معاوية .
دفاع عن التشيع 181

يبحث في بنود الصلح ، فيقتطع منها ما يحلو له فقال : (وقد تجلى هذا الإيمان ـ إيمان الإمام الحسن بالشورى ـ مرة اخرى عند تنازله عن الخلافة إلى معاوية واشتراطه عليه العودة بعد وفاته إلى نظام الشورى ، حيث قال في شروط الصلح: « . . . على أنه ليس لمعاوية أن يعهد لأحد من بعده ، وأن يكون الأمر شورى بين المسلمين») (1) .
ولكن خفي عليه أن الرجالي السني الشهير «الذهبي» نقل هذا النص بألفاظ اخرى في سير أعلام النبلاء ، قال : (واشترط عليه ـ اشترط الحسن على معاوية ـ أن يكون له الأمر من بعده) (2) .
فحاول الكاتب أن يخفي هذا البند الذي جاء به الذهبي ، والذي يثبت أن الخلافة للحسن من بعد معاوية ، وتنازل الإمام هذا ليس عن موقع الإمامة ، بل عن موقع القيادة ؛ للخلل الذي أصاب المسلمين آنذاك ، وهذا ما صرح به الإمام عندما خطب المسلمين قائلاً : «إنما هادنت إشفاقاً على نفسي وأهلي والمخلصين من أصحابي» (3) .
وترجم الإمام ذلك بقوله : «أنا المدفوع عن حقي» (4) .
إذن ، لو كانت الخلافة شورى ـ كما قال الكاتب ـ لم يجز للحسن عليه السلام أن يخاطب المسلمين بحفظ موقعه كإمام مفترض الطاعة من الله (5) ، ولم يجز له أن يقول : «والله ما فيها وما بينها حجة لله على خلقه غيري وغير أخي الحسين» (6) .
فكل ذلك دليل على تمسك الإمام الحسن عليه السلام بالولاية والخلافة بالنص والتعيين ، لا بالشورى والانتخاب ، ولهذا قال : «إنه لم يبعث نبي إلا وجعل له وصي من أهل بيته ،
(1) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 36 .
(2) سير أعلام النبلاء : ج 3 ، ص 278 .
(3) بحار الأنوار : ج 44 ، ص 56 ، باب كيفية مصالحة الحسن لمعاوية .
(4) بحار الأنوار : ج 44 ، ص 89 ، باب سائر ما جرى بينه وبين معاوية .
(5) كمال الدين : ص 297 ، باب 29 .
(6) الإرشاد : 11 / 2 ، ص 29 .
دفاع عن التشيع 182

وإن علياً كان وصي رسول الله صلى الله عليه واله وسلم من بعده» (1) .


المبحث الثالث : الإمام الحسين عليه السلام

النص والوصية في فكر الإمام الحسين عليه السلام : بعد أن لبى الإمام الحسن عليه السلام نداء الحق مسموماً على أيدي الطغاة ، ولم يترك في حياته أي إشارة على خلاف منهج أبيه لمعاوية وأنصاره ليتمسكوا بها من بعده ، وبعد أن بين موقع أخيه الحسين عليه السلام في الأمة قائلاً : «والله ما فيها وما بينها حجة لله على خلقه غيري وغير أخي الحسين» (2) ، بعد هذا كله جاء الإمام الحسين عليه السلام مدافعاً عن نظرية النص والولاية ، قائلاً : «أما بعد ، فانسبوني فانظروا من أنا ، ثم ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها فانظروا . . . ألست ابن بنت نبيكم وابن وصيه» (3) ، وقال أيضاً مخاطباً أصحاب ابن زياد : «ما بالكم تناصرون علي . . . . أما والله لئن قتلتموني لتقتلن حجة الله عليكم» (4) .
وبعد كل هذه التأكيدات من قبل أخيه الحسن ومن قبله عليهما السلام جاء الكاتب ليقول : (لا توجد أية آثار لنظرية النص في قصة كربلاء) (5) .
ولم يعط الكاتب أي رواية على ذلك ، بل اكتفى بذكر الكلام المتقدم ؛ لأنه لا يستطيع أن يحذف أو يحرف استدلالات الإمام الحسين عليه السلام أمثال «حجة الله عليكم» ، وغيرها العشرات من الشواهد التي حفلت بها قصة كربلاء ، متناسياً أن سبب وقعة كربلاء هي خلافة الحسين عليه السلام لأخيه الحسن عليه السلام في الولاية وتصديه لقيادة الشيعة سياسياً آنذاك .
(1) بحار الأنوار : ج 44 ، ص 90 ، باب سائر ما جرى بينه وبين معاوية .
(2) الإرشاد : ج 2 ، ص 29 .
(3) الإرشاد : ج 2 ، ص 97 .
(4) الإرشاد : ج 2 ، ص 29 .
(5) احمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 27 .
دفاع عن التشيع 183

وعلى عادته السابقة وفي نهاية كل بحث يختمه بالكذب على أحد العلماء مقتطعاً من كلامه قطعة يشوش فيها ذهن القارئ ، واختار هنا الشيخ المفيد ونسب إليه القول : بأن الإمام الحسين لم يدع أحداً إلى امامته في ظل عهد معاوية (1) . من دون أن يذكر السبب الذي ذكره الشيخ المفيد ، حيث قال : (فلما مات معاوية وانقضت مدة الهدنة التي كانت تمنع الحسين بن علي عليهما السلام من الدعوة إلى نفسه ، أظهر أمره) (2) ، فالكاتب يطلب من الحسين أن يسير على خلاف منهج رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ـ عدم نقض العهود ـ الذي انتهجه مع الكفار ، وخلاف منهج أبيه الذي انتهجه مع معاوية ، وخلاف منهج أخيه الحسن ، والغريب أن هذا الطلب وضعه على لسان الشيخ المفيد البريء من ذلك كله .


المبحث الرابع : الإمام علي بن الحسين (السجاد) عليه السلام

إمامة علي بن الحسين السجاد عليه السلام : ولما لم يجد الكاتب في النصوص ما يدعم نظريته ، راح يبحث عن أفكار الإمام الحسين عليه السلام وتأملاته ، وكأن الكاتب استقرأ فكر الإمام كاملاً وحصل منه على نتيجة تقول : (لم يفكر ـ الإمام الحسين ـ بنقل الإمامة إلى أحد من ولده ، ولم يوص إلى ابنه الوحيد الذي ظل على قيد الحياة) (3) .
ويظهر أن الكاتب لم يطلع ، أو تجاهل ما ورد في كتب الشيعة الإمامية المعتبرة أمثال الإمامة والتبصرة والكافي والإرشاد وغيرها حول النص على إمامة زين العابدين عليه السلام ، وتجاهل ما فيها من التركيز على وصية الحسين عليه السلام إلى ولده علي عليه السلام قبل أن يتوجه إلى العراق ، بالإضافة إلى دفعه لسلاح رسول الله صلى الله عليه واله وسلم إليه ، وغير ذلك من الشواهد والنصوص التي أدت بعم الإمام محمد بن الحنيفة أن يقول بإمامة علي بن
(1) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 27 .
(2) الإرشاد : ج 2 ، ص 31 .
(3) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 28 .
دفاع عن التشيع 184

الحسين عليهما السلام من بعد أبيه (1) .
أضف إلى ذلك ، هناك أبواب خاصة في كتب الشيعة سميت باسم ( الإشارة والنص على علي بن الحسين ) (2) .
كل ذلك نبذة الكاتب وراء ظهره ، وأطلق عبارته المتقدمة بدون دراية ورواية ولا تفكير ومطالعة .
ثم لجأ إلى التزوير والتقطيع بعدما وجد عليه السلام وصية لولده علي ، فقال : ( إنها وصية عادية جداً ، تتعلق باموره الخاصة ، ولا تتحدث أبداً عن موضوع الإمامة والخلافة ) (3) .
وهذه الوصية ( العادية جداً ) ! يقول الراوي فيها : ( فيها جميع ما يحتاج إليه ولد آدم الى ان تفنى الدنيا ) (4).
فهل توجد وصية عادية وشخصية جدا ، فيها جميع ما يحتاج اليه الناس إلى يوم القيامة .
فأحمد الكاتب لم ينقل هذا المقطع تزويراً منه للحقائق ، وتحريفاً لنصوص الروايات .
إلى هنا تبين أن الكاتب اتبع كل أنواع التزوير والقطع والتحريف ، لكنه لم يستطيع أن ينفي إمامة الحسين عليه السلام ، ومن بعده إمامة ولده الإمام زين العابدين عليه السلام ، ووصية الإمام الحسين عليه السلام إليه .
النص والوصية في فكر الإمام زين العابدين عليه السلام : لقد أوضح الإمام زين العابدين عليه السلام نظرية النص والخلافة والإمامة الإلهية بقوله : « إن اولي الأمر الذين
(1) الإمامة والتبصرة : ص 60 ـ 61 ؛ بصائر الدرجات : ص 502 ؛ الكافي : ج 1 ، ص 409 ؛ إعلام الورى : ج 1 ، ص 482 ؛ الإحتجاج : ج 2 ، ص 147 ـ 148 .
(2) الكافي : ج 1 ، ص 364 ، باب 68 ، باب الإشارة والنص على علي بن الحسين .
(3) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 28 .
(4) بصائر الدرجات : ص 148 / 9 .
دفاع عن التشيع 185

جعلهم الله عزوجل أئمة للناس ، وأوجب عليهم طاعته أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، ثم الحسن ، ثم الحسين ابنا علي بن أبي طالب ، ثم انتهى الأمر إلينا » (1) .
ولام الإمام زين العابدين الناس على تقصيرهم بحق أهل البيت ، وعلى تأوليهم القرآن بآرائهم ، فأدى بهم الأمر في نهاية المطاف إلى الاختلاف والفرقة ، ولم يبق شخص موثوق به يمكن الرجوع إليه والركون إلى قوله ، ولو أنهم تمسكوا بأحاديث رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بحق أهل البيت وساروا على طريق الإمامة الإلهية لما حدث كل ذلك ، فقال عليه السلام :
« وذهب آخرون إلى التقصير في أمرنا ، واحتجوا بمتشابه القرآن ، فقالوا بآرائهم . . . . فإلى من يفزع خلف هذه الأمة وقد درست أعلام هذه الملة ، ودانت الأمة بالفرقة والاختلاف ، يكفر بعضهم بعضاً ، والله تعالى يقول : « ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات » ، فمن الموثوق به على إبلاغ الحجة وتأويل الحكم ؟ إلا أعدال الكتاب وأبناء أئمة الهدى ومصابيح الدجى ، الذين احتج الله بهم على عباده ، ولم يدع الخلق سدى من غير حجة ، هل تعرفونهم أو تجدونهم إلا من فروع الشجرة المباركة وبقايا الصفوة الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً » (2) .
فيؤكد الإمام عليه السلام على الأمة موقع هؤلاء الحجج ، وقرناء الكتاب ، وأبناء الأئمة .
وبعد كلام الإمام هذا ومنهجه في التعامل مع أهم قضية من قضايا المسلمين ، يقول أحمد الكاتب : ( إن الإمام زين العابدين لم يدع الإمامة ولم يتصد لها ) (3) .
فهذه أقوال الإمام زين العابدين عليه السلام التي تكشف زيف ادعاء الكاتب وتزويره وتحريفه .
أحمد الكاتب يتهم الإمام السجاد عليه السلام : لقد اتهم الكاتب الإمام زين العابدين
(1) كمال الدين : ص 299 ـ 300 . (2) الصواعق المحرقة : ج 2 ، ص 443 ـ 444 ، تفسير الآية « واعتصموا بحبل الله جميعاً » . (3) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 29 .
دفاع عن التشيع 186

بالانعزال ، ووضع عنواناً بارزاً سماه (اعتزال الإمام زين العابدين) (1) .
ويكفي لرد هذه التهمة ما قاله العالم السني الشهير«الذهبي» بحق الإمام زين العابدين ، فقد قال : (فقد كان ـ زين العابدين ـ أهلاً للإمامة العظمى لشرفه وسؤدده وعلمه وتألهه وكمال عقله) (2) .
أضف إلى ذلك ، أن الانعزال المقصود هنا ؛ إما اجتماعياً ، أو سياسياً . أما الأول فقد خالفه التاريخ المنقول عن زين العابدين ، يقول أبو حمزة الثمالي : (كان زين العابدين يحمل الخبز بالليل على ظهره ، يتبع به المساكين في الظلمة) (3) . ويقول شيبة بن نعاقة : (لما مات علي وجدوه يعول مائة أهل بيت) (4) .
فكيف بحال المنعزل أن يتبع هؤلاء ؟ ! ونحن نجد اليوم من يتصدى للمواقع ، ومن يدعي ألقاباً كثيرة ، نجده غافلاً عما يدور حوله ، فثم من يدعي أنه أبو الأيتام وصاحب نظرية الدفاع عن حقوق الإنسان ، بينما نجد في الواقع أن الناس تتضورون من حوله جوعاً ولا يعلم بهم .
إذن ، الانعزال الاجتماعي لا ينسجم مع التاريخ الذي وصف لنا مواقف الإمام زين العابدين .
أما إذا كان المقصود منه سياسياً ، فهو لا ينسجم أيضاً مع أقوال الإمام عليه السلام في الدفاع عن الحق المغتصب ، وعن بيان دور الأئمة في المجتمع ، فهو الذي يقول : «وأبناء أئمة الهدى ، ومصابيح الدجى الذين احتج الله بهم على عباده ، ولم يدع الخلف سدى من غير حجة» ، وراح الإمام يحدد اصولهم وفروعهم حيث يقول : «هل تعرفونهم أو تجدونهم إلا من فروع الشجرة المباركة ، وبقايا الصفوة الذين أذهب الله عنهم الرجس
(1) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 29 .
(2) سير أعلام النبلاء : ج 4 ، ص 398 / 157 .
(3) تاريخ دمشق : ح 41 ، ص 383 ؛ حلية الأولياء : ج 3 ، ص 135 ـ 136 .
(4) طبقات ابن سعد : ج 5 ، ص 172 / 755 .
دفاع عن التشيع 187

وطهر تطهيراً؟ ! » (1) .
وأخيراً لجأ إلى ما عودنا عليه من التزوير والقطع ، فراح يجرد الحقائق التاريخية عما يحيط بها ، وينقلها للقارئ ليشوش ذهنه ، فيقول في هذا المضمار : (وقد بايع الإمام علي بن الحسين يزيد بن معاوية بعد واقعة الحرة) (2) .
ولم ينقل ما أحاط بهذه الواقعة من امور وتهديدات ، ونحن هنا ننقل إليك كامل الظروف التي أحاطت ذلك الموقف :
يقول الكليني في روضته : (ثم أرسل ـ يزيد ـ إلى علي بن الحسين عليهما السلام ، فقال له مثل مقالته للقرشيين ، فقال له علي بن الحسين عليهما السلام : «أرأيت إن لم أقر لك أليس تقتلني كما قتلت الرجل بالأمس» ؟ فقال له يزيد ـ لعنه الله ـ : بلى . فقال له علي بن الحسين عليهما السلام : «قد أقررت لك بما سألت ، أنا عبد مكره ، فإن شئت فأمسك ، وإن شئت فبع» ، فقال له يزيد ـ لعنه الله ـ : أولى لك ، حقنت دمك ، ولم ينقصك ذلك من شرفك) (3) .
فهذه الرواية التاريخية التي استند إليها احمد الكاتب وتبجح بها من غير أن ينقلها للقارئ كما هي ، لا تحتاج إلى تعليق ، فالإمام مكره مهدد بهدر الدم ، غير قادر على دفع ما يواجهه ، ولا يحق لأحمد الكاتب أن يستند إلى هذه الرواية ليجعل الاعتزال هو العنوان لزين العابدين ، وإلا لما اضطر يزيد أن يهدد الإمام بهذا الاسلوب ، فكان عليه أن يبحث عن رواية في ظرف طبيعي ، وليس تحت التهديد والوعيد ، هذا كله إذا سلمنا بصحة صدور البيعة من الإمام عليه السلام ليزيد .
موقف ابن الحنفية من علي بن الحسين عليهما السلام : كان موقف ابن الحنفية من زين العابدين واضحاً لا ريب فيه ، وطالعتنا الرواية التاريخية بذلك ، فقد ذكر جعفر بن محمد بن نما في كتابه (أنه اجتمع جماعة قالوا لعبد الرحمن بن شريح : إن المختار يريد
(1) الصواعق المحرقة : ج 2 ، ص 443 ـ 444 ، في تفسير الآية «واعتصموا بحبل الله جميعاً» .
(2) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 29 .
(3) روضة الكافي : ص 160 ، حديث علي بن الحسين مع يزيد .
دفاع عن التشيع 188

الخروج بنا للأخذ بالثأر ، وقد بايعناه ولا نعلم ، أرسله إلينا محمد بن الحنفية أم لا ؟ فانهضوا بنا إليه نخبره بما قدم به علينا ، فإن رخص لنا اتبعناه ، وإن نهانا تركناه ، فخرجوا وجاؤوا إلى ابن الحنفية . . . . فيما سمع ابن الحنفية كلامهم . . حمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي ، وقال : أما ما ذكرتم بما خصنا الله ، فإن الفضل لله يعطيه من يشاء ، والله ذو الفضل العظيم ، وأما مصيبتنا بالحسين فذلك في الذكر الحكيم ، وأما الطلب بدمائنا فقوموا بنا إلى إمامي وإمامكم علي بن الحسين ، فلما دخل ودخلوا عليه أخبر خبرهم الذي جاؤوا لأجله ، قال : «يا عم ، لو أن عبداً زنجياً تعصب لنا أهل البيت ، لوجب على الناس مؤازرته ، وقد وليتك هذا الأمر ، فاصنع ما شئت» ، فخرجوا وقد سمعوا كلامه ، وهم يقولون : أذن لنا زين العابدين عليه السلام ومحمد بن الحنفية) (1) .
فأعطى زين العابدين عليه السلام الخطوط العريضة لمحمد بن الحنفية وأتباعه بقوله : «لو أن عبداً زنجياً يتعصب لنا أهل البيت وجب على الناس مؤازرته» ، وفهم محمد وأصحابه من هذا الضوء الأخضر الالتفات حول أي ثورة تدعو للإطاحة بالواقع القائم ، أضف إلى ذلك اعتراف محمد بن الحنفية وأصحابه بإمامة زين العابدين عليه السلام ، وذلك عندما قال لهم : (قوموا بنا إلى إمامي وإمامكم علي بن الحسين) .
فهذا الموقف لابن الحنفية واضح وجلي ، لا يستطيع أحمد الكاتب ولا غيره أن يدغدغ فيه ، ولقد تسالم عليه علماء الشيعة ، فهذا الشيخ المفيد يقول : (محمد بن الحنفية لم يدع قط الإمامة لنفسه ، ولا دعا أحداً إلى اعتقاد ذلك فيه ، وقد كان سئل عن ظهور المختار وادعائه عليه أنه أمره بالخروج والطلب بثأر الحسين عليه السلام وأنه أمره أن يدعو الناس إلى امامته عن ذلك وصحته فأنكره ، وقال لهم : والله ما أمرته بذلك ، لكنني لا ابالي أن يأخذ بثأرنا كل أحد ، وما يسوءني أن يكون المختار هو الذي يطلب بدمائنا فنصر بعض الشيعة المختار بناءً على الطلب بدم الحسين ، ولم ينصره على القول بإمامة إبي القاسم) (2) .
(1) البحار : ج 45 ، ص 365 ، ح 2 ، الطبعة الحديثة : معجم رجال الحديث : ج 18 ، ص 100 ـ 101 .
(2) الفصول المختارة ، المفيد : ج 2 ، ص 300 ـ 301 .
دفاع عن التشيع 189

وقال السيد الخوئي : (هذا القول باطل جزماً ، فإن محمد بن الحنفية لم يدع الإمامة لنفسه حتى يدعو المختار الناس إليه) (1) .
وقد صرح ابن الحنفية ثانياً إلى أبي خالد الكابلي ، بأن الإمام هو علي بن الحسين عليهما السلام عندما سأله قائلاً : (جعلت فداك ، إن لي حرمة ومودة وانقطاعاً ، فأسألك بحرمة رسول الله وأمير المؤمنين ، إلا أخبرتني أنت الإمام الذي فرض الله طاعته على خلقه ؟ قال : فقال : يا أبا خالد حلفتني بالعظيم ، الإمام علي بن الحسين عليهما السلام علي وعليك وعلى كل مسلم . . .) (2) .
لقد طالعتنا هذه الرواية بأمرين :
الأول : أن الإمامة هي الفكر السائد لدى الناس ، ومن يمثله يحمل امتياز الطاعة المفروضة .
الثاني : أن الإمام هو علي بن الحسين عليهما السلام .
ولهذا وغيره قال المسعودي : (لم تكن إمامة محمد بن الحنفية إلا بعد أن أبى علي بن الحسين عليهما السلام) ، والإمامة التي يقصدها المسعودي هنا ليس الإمامة الإلهية ، بل قيادة المسلمين الذين أرادوا الطلب بثأر الحسين عليه السلام .


المبحث الخامس : الإمام الباقر عليه السلام

الإمامة الإلهية عند الإمام الباقر عليه السلام : اعتمد الإمام الباقر عليه السلام في طرح إمامته على ثلاثة محاور :
المحور الأول : النص .
المحور الثاني : العلم ووراثة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم .
المحور الثالث : امتلاكه سلاح رسول الله صلى الله عليه واله وسلم .
(1) معجم رجال الحديث : ج 18 ، ص 101 ـ 102 .
(2 معجم رجال الحديث : ج 14 ، ص 131 .
دفاع عن التشيع 190

أما بالنسبة للمحور الأول ، فقد ترجمه الباقر عليه السلام بقوله :«من عبد الله عبادة اهتمام وتعب ولم يعتقد بإمام عادل ، وأنه منصوب من الله ، فلا يقبل الله منه سعياً ، ومثله كمثل نعجة فقدت راعيها وقطيعها ، فظلت حائرة نهارها ، فلما جن الليل ظنت أنها وجدت راعيها وقطيعها لتلحق بهم ، فلما أصبح الصباح رأت الراعي غير راعيها ، فعادت إلى حيرتها تبحث ، ثم رأت قطيعاً آخر ، فأرادت أن تلحق بها ، ودعاها راعي ذلك القطيع ، وقد رأى أنها ضالة ، ولما وجدت أنه غير راعيها عادت إلى حيرتها ، حتى لقيها الذئب فافترسها ، ذلك هو حال من أصبح لا إمام له ، حتى إذا مات ميتة جاهلية» (1) .
فلقد صرح الإمام الباقر عليه السلام بأن الإمام منصوب من الله بالنص بقوله : «وأنه منصوب من الله» ، وجعل اتباع الإمام من امهات المسائل في الشريعة الإسلامية ، وإلا كانت النتيجة الحتمية لكدحه ميتة الجاهلية .
أما بالنسبة إلى المحور الثاني ، وهو العلم ووراثة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ، فلقد ركز الإمام الباقر عليه السلام ذلك في أذهان الناس ، وراح يصرح به ويطرحه كمسألة من مسائل الإمامة الإلهية ، يقول أبو بصير : قلت يوماً للباقر عليه السلام : أنتم ورثة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ؟ قال : «نعم» ، قلت : رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وراث الأنبياء جميعهم ؟ قال : «وراث علومهم»، قلت : وأنتم ورثتم جميع علوم رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ؟ قال : «نعم» . . . إلخ (2) .
فكيف لا يكون وارث رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وهو خليفة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بالنص والتعيين ؟!
أما المحور الثالث ، وهو امتلاك سلاح رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ، يقول الباقر عليه السلام : «إن السلاح فينا كمثل التابوت في بني إسرائيل ، كان حيثما دار فثم الملك ، وحيث ما دار السلاح فثم العلم» (3) .
إذن ، نظرية الإمام الباقر عليه السلام تركزت على هذه المحاور الثلاثة في طرح الامامة
(1) الإمامة وأهل البيت : ج3 ، ص 23 .
(2) نور الأبصار : ص 220 .
(3) بصائر الدرجات : ص 176 ـ 177 ، ح 5 .