|
|
عدم التمييز بين الحسن المثنى والحسن المثلث
|
|
|
 |
ونتيجة لعدم إعطاء البحث حقه ، والتسرع في الأحكام لمجرد وجود ما يلائم الفكر الذي يراد دعمه ، لم يميز الكاتب بين الحسن المثنى والحسن المثلث ، فقد قال :
(وقد قيل للحسن بن الحسن بن علي الذي كان كبير الطالبيين في عهده ، وكان وصي أبيه وولي صدقة جده : ألم يقل رسول الله : «من كنت مولاه فعلي مولاه» ؟ فقال : بلى ، ولكن والله لم يعن رسول الله بذلك الإمامة والسلطان ، ولو أراد ذلك لأفصح لهم به) (1) .
وعلينا أن نعرف من هذا الحسن بن الحسن بن علي ، وهنا نطرح هذه الأسئلة :
1 ـ هل ورد في الرواية الاسم بالكامل ، أي (الحسن بن الحسن بن علي) أم ورد في الرواية فقط (الحسن بن الحسن) وأضاف الكاتب كلمة (علي) ؟
2 ـ هل هذا هو الحسن المثنى الذي كان يلي صدقات جده أمير المؤمنين عليه السلام ، كما يقول أحمد الكاتب ، كما في النص أعلاه ، أم هو الحسن المثلث الذي يقول عنه الإمام الصادق عليه السلام : «لو توفي الحسن بن الحسن ـ أي المثلث كما يقول السيد الخوئي ـ على الزنا والربا وشرب الخمر كان خيراً له مما توفي عليه» (2) .
أما بالنسبة للسؤال الأول ، فلم يرد في الرواية أنه (الحسن بن الحسن بن علي) ، بل أضاف أحمد الكاتب كلمة (علي) ليوهم القارئ بأن المقصود من هذا هو الحسن المثنى ، وليس المثلث ، وإليك نص السند الذي روى منه أحمد الكاتب في تهذيب ابن
|
(1) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 31 .
(2) معجم رجال الحديث : ج 4 ، ص 300 ـ 301 ، رقم 2760 .
|
عساكر : (عن فضيل بن مرزوق ، أنه قال : سئل الحسن بن الحسن فقيل له : ألم يقل رسول الله . . . ) ، إلى آخر الرواية (1) .
فهذا هو سند الرواية ، فلم يذكر فيه ان الحسن هذا هو الحسن بن الحسن بن علي ، بل ذكر فقط الحسن بن الحسن ، فلماذا أضاف احمد الكاتب (علي) ؟ لا نعرف له وجهاً إلا أنه أراد أن يوهم القارئ ، ويشوش ذهنه بأن الحسن هذا هو الحسن المثنى ، إذن سند الرواية خال من كلمة الإمام علي عليه السلام .
وأما بالنسبة للسؤال الثاني : إن الحسن هذا هل هو المثنى ـ أي الحسن بن الحسن ابن علي ـ ، أم هو الحسن المثلث الذي هو الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي ؟
الجواب على هذا السؤال يتوقف على معرفة الشخص الذي روى الخبر عن الحسن بن الحسن ؛ لأن سند الرواية لم يحدد من هو هذا الحسن ، وبمراجعة بسيطة لكتب الرجال السنية نجد أن فضيل بن مرزوق الذي روى هذا الخبر لم يرو عن الحسن المثنى مطلقاً ، بل روى عن الحسن المثلث ، ومن أراد ذلك فليرجع إلى تهذيب الكمال للمزي ليطلع على الحقيقة (2) .
إذن ، بقرينة الراوي عن الحسن نعرف أن الحسن هذا هو الحسن المثلث وليس الحسن المثنى .
ما الفرق بين الحسن المثنى أم الحسن المثلث ؟
الجواب : إن أحمد الكاتب نسب الكلام المتقدم إلى الحسن المثنى ، الذي كان يلي صدقات جده ، والذي يقول عنه الشيخ المفيد : (إنه كان جليلاً رئيساً فاضلاً ورعاً ، كان يلي صدقات أمير المؤمنين عليه السلام في وقته . . . . ـ إلى أن قال ـ : ومضى الحسن بن الحسن ـ المثنى ـ ولم يدع الإمامة ولا ادعاها له مدع) (3) .
ولم يجعل أحمد الكاتب قائل هذا الكلام الحسن المثلث ، الذي كانت له مواقف
|
(1) تهذيب تاريخ دمشق : ج 4 ، ص 169 ، طبعة احياء التراث العربي .
(2) تهذيب لكمال : ج 23 ، ص 306 ، رقم 4769 ، ترجمة فضيل بن مرزوق .
(3) مجمع رجال الحديث : ج 4 ، ص 301 ـ 302 ، رقم 2761 .
|
سيئة مع الأئمة ، والذي لا يستغرب صدور هذا الكلام منه ، ولم يكن ذا شأن في المجتمع ، ولم تؤثر كلمته كما تؤثر كلمة الحسن المثنى ، ولهذا قال بحقه الإمام الصادق عليه السلام : «لو توفي الحسن بن الحسن ـ المثلث كما يقول السيد الخوئي ـ على الزنا والربا وشرب الخمر كان خيراً له مما توفي عليه» (1) .
فرجل مذموم بهذا الشكل من قبل الإمام الصادق عليه السلام لحري به أن ينكر الإمامة لحسده ، ولهذا يتأسف الإمام الصادق عليه السلام على ما مات عليه من إنكار الأمر ، أي الإمامة .
|
عدم التمييز بين موقع العقل والنقل في الاستدلال
|
|
|
 |
يقول : (ونظراً لضعف النصوص التي يرويها الإمامية حول النص بالخلافة على أهل البيت ، فقد اعتمد المتكلمون الاوائل بالدرجة الاولى على العقل في تسنيد نظريتهم) (2) .
وهذه النتيجة التي ارتجل بها الكاتب لم تسبقها دراسة لأسانيد ونصوص الروايات التي تقول بالنص والخلافة لأهل البيت ، أضف إلى ذلك أنه خلط بين موقع العقل وموقع النقل ، فهو لم يميز كما ميز المتكلمون الشيعة بين الموقعين في الاستدلال .
وحل هذا الخلط هو أن دور العقل هو إثبات أصل ووجوب الحاجة إلى الإمام ، أما موقع النص فهو إثبات هذا الإمام ، وهذا الإمام ، أي مصاديق الإمامة ، يقول الشيخ الجراجكي : (اعلم ـ أيدك الله ـ إن الله جل اسمه قد يسر لعلماء الشيعة من وجوه الأدلة العقلية والسمعية على صحة إمامة أهل البيت ما يثبت الحجة على مخالفيهم .
فالعقليات دالة على الأصل من وجوب الحاجة إلى الإمام في كل عصر وكونه على صفات معلومة كالعصمة مثلاً ، ليتميز بها عن جميع الامة ، ليست موجودة في غير من أشار إليه . والسمعيات ، منها القرآن الدال في الجملة على إمامتهم وفضلهم على الأنام) (3) .
|
(1) معجم رجال الحديث : ج 4 ، ص 299 ـ 301 ، رقم 2760 .
(2) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 67 ـ 68 .
(3) الإستنصار : ص 3 .
|
وكذا الشيخ المفيد يقول : (ولا يمنع الحجة لهم بها كونها أخبار آحاد ؛ لما اقترن إليها من الدلائل العقلية فيما سميناه وشرحناه من وجوب الإمامة وصفات الأئمة) (1) .
وغير ذلك من كلمات متكلمي الإمامية الذين أعطوا للعقل دوراً في مسألة وجوب الحاجة إلى الإمام وإن كانت هناك نصوص تدل على ذلك أيضاً .
وكذلك قال المرتضى حول وجوب النص على الإمام : (اعلم أن كلامنا في وجوب النص ، وأنه لا بد منه ، ولا يقوم غيره في الإمامة مقامه تقدم) .
وقال : (العصمة والفضل في الثواب والعلم على جميع الامة ؛ لأنه لا شبهة في أن هذه الصفات لا تستدرك بالاختيار ولا يوقف عليها إلا بالنص) .
فخلط أحمد الكاتب بين موقع العقل وموقع النقل ، وحمل الشيعة أخطاءه الناجمة عن سوء فهمه .
|
معاني الاجتهاد وخلط الكاتب فيها
|
|
|
 |
خلط الكاتب بين معاني الاجتهاد ، حيث يوجد معنيان ، أحدهما حرمه الأئمة واستمر تحريمه عند فقهائهم ، وهو المعنى الخاص ، ومعنى جائز يستعمل بين علماء الإمامية ، وأدى خلط الكاتب في المعنيين إلى إثارة الشبهات على الشيعة من قبله ، وربط ذلك بمسألة الإمام المهدي (عج) ، وسنقف على مداخل البحث حول الإجتهاد ومعانيه ، ونميز المحرم من المحلل حتى يتضح للكاتب ولغيره معنى الاجتهاد الذي تقول به الشيعة .
الاجتهاد في اللغة هو بذل الوسع في طلب الأمر (2) .
وأما في الاصطلاح عند الفقهاء والأصوليين فله معنيان :
1 ـ معنى خاص . 2 ـ معنى عام .
المعنى الخاص : هو المعنى المرادف للقياس عند البعض ، وللقياس والاستحسان
|
(1) الثقلان ، عدة رسائل : ص 180 .
(2) لسان العرب : ج 2 ، ص 397 ، مادة جهد .
|
والاستنباط عند البعض الآخر .
يقول الشافعي : (فما القياس ؟ أهو الاجتهاد أم هما مفترقان ؟ قلت : هما اسمان بمعنى واحد) (1) .
أما مصطفى عبد الرزاق ، فقد عد القياس والاستنباط والاستحسان معاني مرادفة للاجتهاد ، فقال : (فالرأي الذي نتحدث عنه هو الاعتماد على الفكر في استنباط الأحكام الشرعية ، وهو مرادنا بالاجتهاد والقياس ، وهو أيضاً مرادف للاستحسان والاستنباط) (2) .
وظل هذا المعنى مرافقاً لكلمة الاجتهاد عند السنة ، الأمر الذي دعا أئمة أهل البيت وفقهاء الشيعة إلى رفض هذا المعنى ، وكان في طليعة الرافضين جعفر بن محمد الصادق عليه السلام ، فقال لأبي حنيفة القائل بهذه المباني المرادفة للاجتهاد : «أيهما أعظم قتل النفس أو الزنا » ؟ وعندما قاس الأمر أبو حنيفة في عقله وجد قتل النفس أعظم ، فقال : قتل النفس .
فسأله الإمام : «فإن الله قبل في قتل النفس شاهدين ، ولم يقبل في الزنا إلا أربعة» !
ثم سأله أيهما أعظم الصلاة أم الصوم ؟
فقاس أبو حنيفة فوجد الصلاة يومية والصوم شهر واحد في السنة ، فقال : الصلاة .
فرد عليه الإمام عليه السلام : «فما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة» ؟
ثم قال له الإمام : «اتق الله ولا تقس الدين برأيك» (3) .
وتابع فقهاء الإمامية أئمتهم في هذا الرفض ، فألفوا الكتب في ذلك ، فصنف عبد الله ابن عبد الرحمن الزبيري كتاباً أسماه «الاستفادة في الطعون على الأوائل والرد على أصحاب الاجتهاد والقياس» (4) .
|
(1) الرسالة للشافعي : ص 477 .
(2) تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية : 138 كما في مقدمة النص والاجتهاد .
(3) حلية الأولياء : ج 3 ، ص 196 ـ 197 .
(4) رجال النجاشي : ترجمة عبد الله بن عبد الرحمن الزبيري ، ص 220 ، رقم 575 .
|
وصنف علي بن أحمد الكوفي أبو القاسم كتاباً أسماه «الرد على أصحاب الاجتهاد في الأحكام» (1) .
وصنف الشيخ المفيد كتاباً رد فيه على ابن الجنيد أسماه «النقض على ابن الجنيد في اجتهاد الرأي» (2) .
وتركت تصانيف ابن الجنيد ؛ لما نسب إليه من العمل بالاجتهاد بهذه المعاني المرفوضة عند الشيعة ، كما قال الشيخ الطوسي في الفهرست (3) .
فهذا المعنى مرفوض عند الشيعة وأئمتهم من ذلك الزمان إلى يومنا هذا .
أما المعنى العام للاجتهاد ، فلقد تحدث عنه الغزالي (المتوفى سنة 505 هـ) ، فقال : (الاجتهاد عبارة عن بذل المجهود واستفراغ الوسع في فعل من الأفعال . . . ، ولكن صار اللفظ في عرف العلماء مخصوصاً ببذل المجتهد وسعه في طلب العلم بأحكام الشريعة) (4) .
وقال الآمدي : (استفراغ الوسع في طلب الظن بشيء من الأحكام الشريعة على وجه يحس من النفس العجز عن المزيد فيه) (5) .
وقال محمد الخضري بيك : (بذل الجهد في استنباط الحكم الشرعي مما اعتبره الشارع دليلاً) (6) .
وقال المحقق الحلي (المتوفى سنة 676 هـ) : (الاجتهاد في عرف الفقهاء بذل الجهد في استخراج الأحكام الشرعية ، وبهذا الاعتبار يكون استخراج الأحكام الشرعية ، من أدلة الشرع اجتهاداً لأنه يبتني على اعتبارات نظرية ليست مستفادة من ظواهر
|
(1) رجال النجاشي : ترجمة علي بن أحمد الكوفي ، ص 265 ـ 266 ، رقم 691 .
(2) رجال النجاشي : ترجمة الشيخ المفيد ، ص 399 ، رقم 1067 .
(3) فهرست الطوسي : ص 209 ، رقم 601 .
(4) المستصفى : ج 2 ، ص 350 .
(5) الإحكام في اصول الأحكام : ج 4 ، ص 396 .
(6) تاريخ التشريع الإسلامي : ص 87 .
|
النصوص في الأكثر) .
وفصل المحقق الحلي الاجتهاد عن القياس فقال : (على هذا يلزم أن يكون الإمامية من أهل الاجتهاد ؟ قلنا : الأمر كذلك ، لكن فيه إيهام من حيث أن القياس من جملة الاجتهاد ، فإذا استثني القياس كنا من أهل الاجتهاد في تحصيل الأحكام بالطرق النظرية التي ليس أحدها القياس) (1) .
وقال السيد الخوئي في تعريفه للاجتهاد : (بذل الوسع لتحصيل الحجة على الواقع أو على الوظيفة العملية الظاهرية) .
فقالت الشيعة بهذا المعنى من الاجتهاد ، ورفضوا المعنى الأول ، فخلط الكاتب بين المعنيين ، ولم يستطع التمييز بينهما ، فحمل الشيعة ما لم يقولوه ، حملهم تبعات استنتاجه الخاطئ وعدم تمييزه بين المعنى الخاص للاجتهاد ومعناه العام .
وبقي هنا سؤال : لماذا لجأ السنة إلى الاجتهاد بهذه المعاني : القياس ، الاستحسان، المصالح المرسلة ؟
السر في ذلك هو نقص النصوص اللفظية لتغطية وقائع الحياة ، لأنهم وقفوا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم على عدم استمرار الإمامة ، ولهذا يقول ميمون بن مهران :
(وكان أبو بكر إذا ورد عليه الخصم نظر في كتاب الله ، فإن وجد فيه ما يقضي بينهم قضى به ، وإن لم يكن في الكتاب وعلم عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في ذلك الأمر سنة قضى بها ، فإن أعياه خرج ، فسأل المسلمين ، فقال : أتاني كذا وكذا ، فهل علمتم أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قضى في ذلك بقضاء ؟ فربما اجتمع اليهم النفر كلهم يذكر فيه قضايا ، فيقول أبو بكر : الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ علينا علم نبينا ، فإن أعياه أن يجد فيه سنة عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم جمع رؤوس الناس وخيارهم فاستشارهم ، فإذا اجتمع رأيهم على أمر قضى به) (2) .
وقال عمر بن الخطاب لأحد عماله : (فإن جاءك ما ليس في كتاب الله ولم يكن فيه
|
(1) معارج الأصول : ص 117 .
(2) دائرة المعارف ، الإنصاف في بيان سبب الإختلاف : ج 3 ، ص 212 .
|
سنة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ولم يتكلم فيه أحد قبلك ، فاختر أي الأمرين شئت ، وإن شئت أن تجتهد برأيك لتقدم فتقدم ، وإن شئت تتأخر فتأخر) (1) .
وكلام أبي بكر أكثر احتياطاً من كلام عمر ، لأنه لم يجعل الأمر لرأي واحد ، بل جعله لآراء متعددة لعلها تنم عن تصرف معين زمن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم .
وعن ابن مسعود قال : (من عرض له منكم قضاء فليقضي بما في كتاب الله ، فإن لم يكن في كتاب الله فليقضي بما قضى فيه نبيه صلى الله عليه واله وسلم ، فإن جاء أمر ليس في كتاب الله ولم يقض فيه نبيه ، ولم يقض به الصالحون فليجتهد برأيه) (2) .
أضف إلى ذلك الاجتهادات المقابلة للنصوص الذي تبرع بالقيام بها مجموعة من الصحابة ، أعطت الضوء الأخضر لمن يأتي بعدهم أن يجتهد بقياسه واستحسانه ومصالحه في الدين .
أما الإمامية الاثنى عشرية فقد آمنوا باستمرار الرسالة وحملها من قبل خلفاء رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ، الذي خصهم بما تحتاج إليه الأمة ، فقاموا بتغطية المستجدات الزمانية والمكانية بالنصوص المودعة عندهم من قبل رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ، ولقد تخرج في زمن الصادق عليه السلام وحده أربعة آلاف من طلبة العلم ، منهم أصحاب المذاهب الأربعة ، واعترف اولئك بفضل حضور حلقة درس الصادق عليه السلام كما روي عن أبي حنيفة قوله : (لو لا السنتان لهلك النعمان) (3) ، تلك السنتان التي قضاها تحت منبر الصادق عليه السلام ، فهذه الجامعة النصوصية المستمدة من رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أغنت الإمامية عن دخول صراع مع المستجدات ، ووضعت في تلك الفترة التي عاش الأئمة فيها القواعد الأصولية والفقهية التي مهدت للغيبة ، يقول محمد علي الأنصاري متحدثاً عن تلك الفترة :
(وضعت نواة القواعد العامة للفقه الجعفري ، ونقلت إلينا بشكل روايات ، ثم وضعت على طاولة البحث العلمي ، فكانت نتيجة ذلك بروز القواعد الأصولية
|
(1) المصدر السابق .
(2) تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية : ص 177 ، كما في مقدمة النص والاجتهاد .
(3) التحفة الإثنى عشرية : ص 8 .
|
والفقهية التي يعتمد عليها الاجتهاد (بالمعنى العام) حتى اليوم ، من ؛ الاستصحاب والبراءة الشرعية ، وقاعدة اليد ، وترجيح الروايات المتعارضة ، والعمل بالخبر الواحد وأمثال ذلك ، وهذه كلها لها أهميتها الخاصة التي تميز المذهب عن غيره ، وتجعله غنياً يماشي احتياجات كل عصر من دون تحريف) (1) .
ومن خلال هذه القواعد المنبثة في نصوص الروايات ، قضى أئمة الشيعة على أكبر مشكلة تواجه فقهاء هذه الطائفة بعد الغيبة ، وبهذه القواعد أرسى المذهب الشيعي اصوله المحمدية ، فهرع العلماء في عصر الغيبة لتلك السفرة ، فألفوا كتباً في جمعها ليدور رحى الاجتهاد حولها ، فألف السيد المرتضى (المتوفى سنة 436 هـ) كتاب «كتاب الذريعة إلى اصول الشريعة» بحث فيه عن القواعد الأصولية .
يقول الأنصاري محمدعلي : (إن الكتب الفقهية كانت على شكل كتب روائية ، ثم أخذت تتسع شيئاً فشيئاً ، فظهرت بشكل كتب فقهية مبوبة واستدلالية مبنية على القواعد العامة ، ومن كان لهم الأثر الكبير في هذه المحاولة الشيخ محمد بن محمد بن النعمان المفيد المتوفى (سنة 413 هـ) وتلميذه الشريف السيد المرتضى علم الهدى المتوفى (سنة 436 هـ) ، وكان أكثرهم جهداً في هذه العملية شيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي المتوفى (سنة 460 هـ) ، فقد ألف عدة كتب فقهية وروائية واصولية ، منها الخلاف والنهاية والمبسوط في الفقه ، والتهذيب والاستبصار في الحديث ، والعدة في الأصول) (2) .
وحمل الشيخ الطوسي على اولئك الذين يتهمون التشيع بقلة فروعه لعدم استخدامه القياس والاجتهاد بالمعنى الخاص المتقدم ، فقال :
(أما بعد ، فإني لا أزال أسمع معاشر مخالفينا من المتفقهة والمنتسبين إلى علم الفروع يستحقرون فقه أصحابنا الإمامية ويستنزرونه وينسبونهم إلى قلة الفروع وقلة المسائل ، ويقولون : إنهم أهل حشو ومناقضة ، وإن من ينفي القياس والاجتهاد لا
|
(1) مقدمة تاريخ حصر الاجتهاد : ص 41 ـ 42 .
(2) مقدمة تاريخ حصر الاجتهاد : ص 43 ـ 44 .
|
طريق له إلى كثرة المسائل ولا التفريع على الأصول ، لأن جل ذلك وجمهورهم من هذين الطريقين ، وهذا جهل منهم بمذاهبنا ، وقلة تأمل لأصولنا ، ولو نظروا في أخبارنا وفقهنا لعلموا أن جل ما ذكروه من المسائل موجودة في أخبارنا) .
ثم قال : (وأما ما كثروا به كتبهم من مسائل الفروع فلا فرع من ذلك إلا وله مدخل في اصولنا ومخرج على مذاهبنا ، لا على وجه القياس ، بل على طريقة توجب علماً يجب العمل عليها ويسوغ الوصول إليها من البناء على الأصل وبراءة الذمة وغير ذلك) (1) .
والغريب هنا أن التشيع سابقاً كان يتهم بعدم العمل بالقياس ، واليوم يتهمه الكاتب بالعمل بالقياس لجهله حتى بشبهات أسلافه على الإمامية .
فالاجتهاد بالمعنى الخاص لا رصيد له عند التشيع لا ماضياً ولا حاضراً ، والاجتهاد بالمعنى العام الذي يدور حول تلك القواعد الأصولية والفقهية المبثوثة بالروايات عليه المعول ، وإليه المفزع لتحصيل الحجة على الواقع أو على الوظيفة الفعلية ، كما يقول السيد الخوئي (2) .
وخاب مسعى أحمد الكاتب عندما ظن بوجود ثغرة في الفكر الشيعي ، واراد ان ينفذ منها ، فعاد خائبا ، ولكن هل يعود بدون تخليط وكذب وافتراء ام لا ؟
فهو على عادته السابقة ، وكما في كل مورد يفشل في الحصول على مؤيد له ، راح ينسب القول بالقياس إلى الشيخ المفيد ، بينما نجد المفيد ألف كتباً للرد على ابن الجنيد الذي يقول بالقياس حسب ما نسب إليه .
أما اجتهاد الشيخ المفيد هو بذل الجهد والوسع في الكتاب والسنة .
ثم كذب الكاتب على السيد المرتضى عندما نسب إليه القول ببطلان الاجتهاد (3) .
|
(1) المبسوط : ج 1 ، ص 1 .
(2) الرأي السديد في الاجتهاد والتقليد : ص 9 .
(3) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 279 .
|
ثم نسب إليه العمل بالقياس (1) .
بينما نجد السيد المرتضى لا يعمل بالاجتهاد بمعنى القياس ، حيث يقول : (إن الاجتهاد ـ بالمعنى الخاص ـ والقياس لا يثمران فائدة ولا ينتجان علماً ، فضلاً عن أن تكون الشريعة محفوظة بهما (2) .
|
أحمد الكاتب لم يفهم معنى الاجتهاد
|
|
|
 |
|
مقابل النص ويكذب على السيد الخميني
|
|
|
 |
حاول الكاتب الكذب على السيد الخميني قدس سره من خلال اتهامه بالاجتهاد بمعنى القياس ، واتهامه بمسألة الاجتهاد مقابل النص (3) .
ولم يستطيع الكاتب أن يثبت ذلك بدليل ، بل اكتفى ـ وعلى طريقته السابقة ـ بالكلام اليتيم الخالي من التوثيق .
فلقد عرف الإمام الخميني قدس سره الاجتهاد بأنه : (تحصيل الحكم الشرعي المستنبط بالطرق المتعارفة لدى أصحاب الفن ، أو تحصيل العذر كذلك) (4) .
فالسيد الإمام لم يذكر شيئاً جديداً خلافاً لما عليه الإمامية ، بل اتبع نفس الطرق والوسائل المستخدمة لاستنباط الحكم الشرعي ، وأطلق عليها ومن خلال التعريف أعلاه «الطرق المتعارفة» .
وكذلك حمل السيد الخميني الأخباريين مسؤولية الفهم الخاطئ لمباني الأصوليين وقال :
(وظني أن تشديد نكير بعض أصحابنا الأخباريين على الأصوليين في تدوين
|
(1) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 327 .
(2) الشافي : ج 1 ، ص 276 .
(3) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 332 .
(4) الرسائل : ج 2 ، ص 96 .
|
الأصول وتفرع الأحكام عليها إنما نشأت من ملاحظة بعض مباحث كتب الأصول مما هي شبيهة في كيفية الاستدلال والنقض والإبرام بكتب العامة ، فظنوا أن بيان استنباطهم الأحكام الشرعية أيضاً شبيهة بهم من استعمال القياس والاستحسان والظنون ، مع أن المطلع على طريقتهم في استنباطها يرى أنهم لم يتعدوا عن الكتاب والسنة والإجماع الراجح إلى كشف الدليل المعتبر) (1) .
وبكلام الإمام هذا برأ نفسه والأصوليين الإمامية من التهم الموجهة إليهم من رجل لا يحق له التحدث عن هكذا مباحث لأنها من شأن الفقهاء .
وبعد أن وجد الكاتب أن الإمام الخميني يصرح بنفي القياس والاستحسان وغيرهما ، كذب عليه مرة اخرى ، فنسب إليه العمل بالاجتهاد مقابل النص (2) .
وخالف الكاتب في نسبته هذه إلى السيد الإمام أبسط قضية اتفق عليها الفكر الشيعي ، وهي حرمة الاجتهاد مقابل النص الذي عرفها السيد تقي الحكيم بأنها : إعمال الرأي في التماس الحكم الشرعي مع إغفال النص القائم على خلافه (3) .
وتسمية ذلك باجتهاد من قبل الإمامية مراعاة لبعض الأمور ، وإلا أي اجتهاد هذا يضرب النص الشرعي ويأتي برأيه ، وبمعنى آخر : تكذيب للشريعة ، وإدخال الأهواء فيها .
فالإمامية لم يقفوا عند حد إنكار مسألة الاجتهاد مقابل النص الذي اتهم الكاتب السيد الخميني بها فقط ، بل لم يسموا ذلك اجتهاداً أصلاً ، إلا لظروف استثنائية حفاظاً على وحدة المسلمين ، وإلا أي اجتهاد هذا الذي يقول : (متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وأنا أنهى عنهما واعاقب عليهما ، متعة الحج ومتعة النساء) (4) .
والسر الذي دعا الكاتب أن يفقد عقله في نسبة الاجتهاد مقابل النص إلى السيد
|
(1) الرسائل : ج 2 ، ص 97 .
(2) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي: ص 333 .
(3) مقدمته الاجتهاد والنص : ص 14 .
(4) تفسير الرازي : تفسير قوله : «من تمتع بالحج إلى العمرة» ، سورة البقرة .
|
الخميني هو عدم فهم المنهج العام للسيد الإمام في فهم الدين الذي رآه نظاماً شاملاً متكاملاً لمختلف جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، ويقوم هذا الدين بالإشراف المباشر على حياة الناس ، وسعى السيد الإمام إلى تطبيق ذلك ، فواجه مختلف التحديات التي تحاول إبعاد الدين عن السياسة وعن الإشراف العام على أعمال الناس ، فأخطأ الكاتب في فهم هذا المنهج المشرف على حياة المجتمع فسماه اجتهاداً مقابل النص ، ومنهج السيد هذا قد ورثه من أسلافه علماء الإمامية ، فالمتتبع في صلاحيات الفقيه الشيعي من عصر الغيبة إلى يومنا هذا يجد انبساطاً وانقباضاً في تلك الصلاحيات ، نشأ الانقباض في الظروف الزمانية والمكانية ، فكان استثناءاً .
|
الخلط بين الأقوال
|
|
|
 |
يقول : (وقد اندسّ السبئية في الحركة الكيسانية التي انطلقت للثأر من مقتل الإمام الحسين عليه السلام بقيادة المختار بن عبيد الله الثقفي) (1) .
لقد أطلق أحمد الكاتب هذا الشعار بدون أن يسنده إلى أي مصدر ، فلقد ذكره إنشاءً فقط ، ولا يستطيع أن يذكر مصدراً لهذا الكلام ؛ للفرق الشاسع بين الحركتين السبئية والكيسانية ، ولهذا نجد بعض المستشرقين وأذنابهم عندما أرادوا أن يؤرخوا للتشيع قالوا : التشيع من صنيع عبد الله بن سبأ . وآخرون قالوا : التشيع نتيجة لحالة الندم التي عبر عنها الشيعة بعد مقتل الحسين وقيامهم بالثورة .
ولكل من القولين أنصاره ، ففصل هؤلاء بين السبيئة وبين الحركة التي قام بها الشيعة بعد مقتل الحسين عليه السلام للثأر ، والتي وصفها البعض من دون بحث وتحقيق بالكيسانية .
فجاء أحمد الكاتب ودمج بين الحركتين من دون بحث وتحقيق ، أضف إلى ذلك أن أحمد الكاتب قد اعترف بأن عبد الله بن سبأ شخصية أسطورية ، قال : (سواء كان
|
|
(1) احمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 33 ـ 34 .
|
عبد الله بن سبأ شخصية حقيقية أم اسطورية) (1) . فالسبيئة ليست مقطوعاً بها عند الكاتب حتى تندس في الحركة الكيسانية .
أضف إلى ذلك أنهم زعموا أن السبئية قائلة بالإمامة السياسية للإمام علي ، ولم يثبت لنا أحمد الكاتب ان السبئية قالت بالأئمة من ولده أم لا ؟ فإذا قالت بالأئمة من ولده ، أي الحسن والحسين والتسعة من ولد الحسين عليهم السلام فلا معنى لأن تندس مع الكيسانية القائلة بإمامة محمد بن الحنفية لاختلاف المعتقد ، وإذا لم تقل بإمامة الحسن والحسين عليهما السلام فعلى أحمد الكاتب أن يثبت بقاء الحركة السبئية المزعومة إلى وقت انطلاق الثورة على قتلة الحسين عليه السلام حتى تندس بها ، فكل ذلك لم يتطرق له أحمد الكاتب لا من قريب ولا من بعيد ، بل اكتفى بالكلام الإنشائي فقط .
|
|
(1) احمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 33 ـ 34 .
|
|
|