دفاع عن التشيع 90

فهذا موقع السجاد من ناحية الصدق والكذب ، إلا أن يرفع أحمد الكاتب شعار الكذب بحق السجاد ، فهذا بحث آخر .

تزوير مفضوح

لقد نسب الكاتب إلى أحمد بن محمد بن عمرو بن أبي نصر البزنطي السكوني الكوفي ـ نسب إليه ـ أنه قد سأل الإمام الرضا ، وأجاب الإمام عن بعض المسائل الفقهية بخلاف ما جاء عن آبائه وأقرباؤه ، وجعل الكاتب من هذه الشبهة دليلاً لتوقف البزنطي عن القول بإمامة الرضا (1) .
ولم يذكر الرواية التي أكدت ذلك ، ولكنه صاغها بكلامه ، ونقف هنا لنكشف للقارئ حقد هذا الرجل ، وطريقته في التزوير والتحريف ، وننقل الرواية بالكامل ليتضح ما قلناه :
عن أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي ، قال : كتبت إلى الرضا عليه السلام : إني رجل من أهل الكوفة ، وإنا أهل بيت ندين الله عزوجل بطاعتكم ، وقد أحببت لقاءك لأسألك عن ديني وأشياء جاء بها قوم عنك بحجج يحتجون بها علي فيكم ، وهم الذين يزعمون أن آباك حي في الدنيا لم يمت يقيناً ومما يحتجون به إنهم يقولون : إنا سألناه عن أشياء فأجاب بخلاف ما جاء عن آبائه وأقربائه . . . إلخ (2) .
إذن ، البزنطي يسأل الإمام عن موقفه من اولئك الذين يدعون أن الإمام أجاب عن مسائل ، بخلاف ما أجاب عليها آبائه وأقربائه ، وليس البزنطي هو الذي سأل الإمام تلك المسائل ، كما حرف الكاتب مورد الرواية .
ولننظر إلى جواب الإمام الرضا عليه السلام على رسالة البزنطي هذه ، وهذه الإجابة تشمل اولئك الذين نسبوا للإمام ما قالوه ، وتشمل أيضاً أحمد الكاتب .
يقول البزنطي : فأجابني الإمام فقال : «ولعمري ما يسمع الصم ولا يهدي العمي إلا
(1) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 101 .
(2) قرب الإسناد : ص 348 ـ 349 ، ح 1260 .
دفاع عن التشيع 91

الله «ومن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون» .
فلقد جعل الله الرجس على الكاتب بتحريفه لهذه الرواية واتهام البزنطي بامور هو بريء منها ، وشوش ذهن القارئ بأكاذيبه وضلالته ، ولم يكتف بإلصاق التهم بأصحاب الإمام الرضا عليه السلام ، فراح يتهم بعضهم الآخر أمثال داود بن كثير الرقي وقال : إنه توقف بالإمام الرضا لرواية حول الكاظم أنه القائم (2) ، ولكنه لم يذكر الرواية ، ولا حتى أي شيء حول داود ، هذا ، والرواية تقول : إن داود سأل الإمام الرضا عليه السلام بأنه قد سمع رواية بأن سابعنا قائمنا ، ولم يفهم معنى القائم ، فهو معنى عام ، كما صرح به أحد الأئمة ، بأن كل إمام هو قائم ، فأجابه الإمام الرضا عليه السلام على مراده (3) .
أضف إلى ذلك ، أن الكاتب لم يكلف نفسه عناء البحث في موقف داود هذا ، فإن الشيخ المفيد عده من خاصة الإمام الكاظم عليه السلام وثقاته وأهل الورع والعلم والفقه من شيعتهم (4) .
ونحن هنا لا نريد أن نعطي الموقف النهائي بحق هذا الرجل ، الذي وثقه الكشي أيضاً باعتراف الكاتب (5) ، بقدر ما نشير إلى ما يجب عمله كمقدمات للبحث العلمي النزيه .
ثم راح يعتمد على الروايات الضعيفة ، فاعتمد على رواية ضعيفة ـ كما يقول السيد الخوئي (6) ، وجعل من عبد الله بن المغيرة واقفياً لم يقل بإمامة الرضا عليه السلام ، مع أن السيد الخوئي بعد بحثه عن الرجل قال : (لم يثبت أن عبد الله بن المغيرة كان مسبوقاً
(1) الأنعام : الآية 125 .
(2) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 101 .
(3) خاتمة المستدرك : ج 4 ، ص 286 .
(4) نقله عن الإرشاد محمد صادق آل بحر العلوم ، رجال الطوسي : هامش رقم 1 ، ص 190 ، دائر الذخائر .
(5) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 101 .
(6) معجم رجال الحديث : ج 10 ، ص 339 .
دفاع عن التشيع 92

بالوقف) (1) .
فيجب على الكاتب التدبر والمراجعة ، فإن في الروايات ما هو ضعيف لا يمكن الاعتماد عليه . وراح يتهم البعض بتهم مجردة عن التحقيق والبحث ، فاتهم الوشاء بمثل ما اتهم به أصحابه ، ولم يلتفت إلى أن الوشاء نقل رواية عن جده العباس قال : لما حضرته الوفاة قال : اشهدوا علي وليست ساعة الكذب هذه الساعة لسمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول : «والله لا يموت عبد يحب الله ورسوله صلى الله عليه واله وسلم ويتولى الأئمة فتمسه النار» (2) ، فالوشاء يعتقد بما يروي حول إمامة الأئمة عليهم السلام .
فكل هذا الكذب والدجل والتزوير لم ينفع الكاتب لحد الآن في النيل من الإمامة ومن مصاديقها ومن حملها من أصحاب الأئمة عليهم السلام .
ولم يقف الكاتب عند هذا الحد ، بل أضاف لبعض الروايات كلمات ليحرف معناها ، فقال : (وكان ابنه عبد الله ـ أي ابن الحسن ـ يقول : ليس لنا في هذا الأمر ما ليس لغيرنا ، وليس في أحد من أهل البيت إمام مفترض الطاعة من الله) (3) .
فحاول أن يدلس على القارئ ويزور الحقيقة ؛ لأن الرواية لم يكن فيها كلمة (ليس) ، فأضاف هذه الكلمة ليسهل عملية انكار الإمامة الإلهية على لسان عبد الله بن الحسن ، وإليك نص الرواية بالكامل ليتبين زيف الكاتب :
عن علي بن سعيد ، قال : كنت جالساً عند أبي عبد الله عليه السلام ، وعنده محمد بن عبد الله ابن علي إلى جنبه جالساً ، وفي المجلس عبد الملك بن أعين ومحمد الطيار وشهاب بن عبد ربه ، فقال رجل من أصحابنا : جعلت فداك ، إن عبد الله بن الحسن يقول : (لنا في هذا الأمر ما ليس لغيرنا) ، فقال أبو عبد الله عليه السلام ـ بعد كلام ـ : «أما تعجبون . . . » (4) ، إلى آخر الرواية .
(1) المصدر السابق .
(2) معجم رجال الحديث : ج 5 ، ص 34 ، رقم 2960 .
(3) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 31 .
(4) بصائر الدرجات :ص 153 ، رقم 5 .
دفاع عن التشيع 93

وحتى لو كان هناك ما يشير إلى هذا الإنكار من قبل عبد الله نجد أن السيد الخوئي ذكر رواية حول هذا الرجل وقال بشأنها : (هذه الرواية تدل على أن عبد الله بن الحسن كان قد نصب نفسه للإمامة وكان يفتي بغير ما أنزل الله . . . ) ، وقال عن الكشي : (إن عبد الله بن الحسن هذا كان مرجعاً للزيدية وكان يتصدى للفتيا) (1) .
إذن ، فليس من الغريب أن يدعي هذا الرجل الإمامة لنفسه ، ولكن الغريب أن الكاتب ينفي الإمامة الإلهية بإضافة كلمة (ليس) في الرواية على لسان هذا الرجل ، أضف إلى ذلك أن الرواية خالية من عبارات اخرى أضافها أحمد الكاتب ، والعبارات هي : (وليس في أحد من أهل البيت امام مفترض الطاعة من الله) .
وحاول الكاتب أن يركز فهمه هذا في ذهن القارئ بقطع جواب الإمام الصادق عليه السلام رداً على مزاعم عبد الله هذا ، والذي أكد فيه الإمام الصادق عليه السلام موقعه في الأمة ؛ لما يملك من تراث رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ، وتراث آبائه وأجداده عليهم السلام (2) .
وبعد عمليات التزوير والتحريف والقطع ، خلص إلى نتيجة تقول بعدم وجود إمامة إلهية (3) .

شبهة لا محل لها


أثار الكاتب شبهة نتجت عن عدم معرفته بالمفهوم العام للعصمة التي تقول بها الشيعة ، وتصور أن هذا المفهوم هو نفس المفهوم الذي دأب الأمويون على ترويجه ومطالبة الناس بطاعتهم طاعة عمياء .
والشبهة التي أثارها تقول : (كانت فلسفة العصمة تقوم على مفهوم الإطلاق في الطاعة وولي الأمر ، وعدم جواز امكانية النسبية فيها ، وذلك مثل الرد على الإمام ، ورفض طاعته في المعاصي والمنكرات لو أمر بها ، والأخذ على يده عند ظهور فسقه
(1) معجم رجال الحديث : ج 10 ، ص 161 ـ 162 ، رقم 6794 .
(2) بصائر الدرجات : ص 153 ، رقم 5 .
(3) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 31 .
دفاع عن التشيع 94

وانحرافه ، وهذا المفهوم . . . . أوقع فلاسفة الشيعة في شبهة التناقض ، بين ضرورة طاعة الله الذي يأمر بطاعة اولي الأمر في الآية ، وبين ضرورة طاعة الحكام بصورة مطلقة حتى في المعاصي والمحرمات) .
ومن هذا نستنتج أن الكاتب لم يفهم معنى العصمة عند الشيعة ، وإلا لما قال هذا الكلام ، لأن العصمة عندهم هي : (عصمتهم ـ الأئمة ـ عن جميع القبائح والفواحش من الصغر إلى الموت عمداً أو سهواً) (1) ، وهذا المعنى مأخوذ من النص القرآني «لا ينال عهدي الظالمين» .
والإمامة هي العهد الإلهي كما يقول الرازي (2) ، وصرح به الزمخشري بقوله : (أي من كان ظالماً من ذريتك لا يناله استخلافي وعهدي إليه بالإمامة ، وإنما ينال من كان عادلاً بريئاً من الظلم) (3) .
فمفهوم الإمام المعصوم هو الإمام العادل البريء من الظلم ، صغيراً كان الظلم أو كبيراً ، وهذا هو المراد من «أولى الأمر» الذين أمر الله بطاعتهم .
إذن ، لا يوجد مقتض للتناقض حتى يقع الشيعة فيه ؛ لأن اولئك الذين أمر الله بطاعتهم ليس الحكام والجبابرة حتى توفق الشيعة بين طاعة الله وطاعتهم التي أمر الله بها ، بل اولئك الأئمة المعصومون المطهرون من كل رجس صغيراً كان أو كبيراً ، وعلى أحمد الكاتب أن يوضح كيف يوفق بين طاعة الله في الآية وطاعة اولئك الذين أمر الله بطاعتهم ؛ لأن عنده أن اولي الأمر هم من ينتخبه الشورى ، فلا بد له أن يثبت كيف قرن طاعته بطاعة اولئك إن لم يكونوا معصومين مطهرين .
فالشيعة عندهم الطاعة مطلقة ، لأن الإمام معصوم من كل رجس ، ولهذا قال الشيخ الطوسي : (فإن قيل : فلم أنكرتم أن يكون الاقتداء بالإمام إنما يجب فيما نعلمه حسناً ، فأما ما نعلمه قبيحاً أو نشك في حاله فلا يجب الاقتداء فيه ؟
(1) نهج الحق وكشف الصدق : ص 164 .
(2) تفسير الفخر الرازي : ج 4 ، ص 31 ـ 42 .
(3) الكشاف : ج 1 ، ص 183 .
دفاع عن التشيع 95

قيل له : هذا يسقط معنى الاقتداء جملة ويزيله عن وجهه . . . وللزم أيضاً أن يكون الإمام نفسه مقتدياً برعيته من هذا الوجه ، وفساد ما أدى الى ما ذكرناه ظاهر) (1) .
وكذلك قول الصدوق : (إن الدليل على أن الإمام يجب أن يكون معصوماً هو أنه لو جاز عليه فعل الخطيئة ، فإن وجب الإنكار عليه سقط محله من القلوب فلا يتبع) (2) .
فلا معنى لأن يجعل الكاتب المعصوم هو الحاكم الذي يقع في الخطأ والمعاصي والمنكرات ، فهذا ليس معصوماً حتى يشكل أحمد الكاتب على مبنى الشيعة في ذلك .


صياغة نظرية شيعية من أعداء التشيع

صاغ أحمد الكاتب نظرية شيعية تقول : لم يكن عامة الشيعة يميزون بين أئمة أهل البيت (3) ؛ ليسهل له نفي النص الإلهي .
وحصل الكاتب على هذه النظرية من أقوال سليمان بن جرير ، وأبي الجارود زياد ابن أبي زياد الهمداني الكوفي ، ومن مواقف كثير النواء أبي إسماعيل ، أو كثير بن إسماعيل بن نافع النواء ، والحكم بن عيينة ، وسلمة بن كهيل ، وأبي المقدام ثابت الحداد .
وهؤلاء الذين صاغ أحمد الكاتب من أقوالهم ومواقفهم نظرية شيعية عامة هم من أعداء أئمة أهل البيت ، بل نسب بعضهم الكذب إلى الأئمة ، وإليك أقوالهم :
أما سليمان بن جرير الذي نظر للكذب على أئمة أهل البيت عليهم السلام ، ـ كما ذكر ذلك النوبختي ـ ونسب الكذب إليهم ، وخصوصاً في البداء والتقية ، وكفره أهل السنة لأنه كفر عثمان بن عفان ، فقد قال هذا متجرئاً على أئمة أهل البيت عليهم السلام : (إن أئمة الرافضة وضعوا لشيعتهم مقالتين لا يظهرون معهما من أئمتهم على كذب أبداً ، وهما القول بالبداء وإجازة التقية) (4) .
(1) تلخيص الشافي : ج 1 ، ص 192 .
(2) النكت الإعتقادية : ص 40 .
(3) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 45 .
(4) فرق الشيعة : ص 76 ـ 77 .
دفاع عن التشيع 96

فكيف تؤخذ نظرية شيعية من رجل نسب الكذب إلى الأئمة ، وكفره أهل السنة لتكفيره عثمان .
أما بالنسبة إلى أبي الجارود ، فيقول أحمد الكاتب : (كان يوالي الإمام الباقر في البداية ، ثم انتقل إلى حزب أخيه زيد بن علي) (1) .
وهذا ليس انتقالاً كما يصوره أحمد الكاتب ؛ لأن زيد بن علي لم يشكل حزباً أمام أخيه الباقر عليه السلام ، وكان زيد على علم بالإمامة .
ولما وجد الكاتب أن زيداً وأنصاره على علم تام بالإمامة ، وأن انضمام أبي الجارود لا يشكل نقطة سلبية على الإمامة ، راح يبحث عن مواقفه وأقواله ، ناسياً البحث العلمي الذي أثبت رجوع أبي الجارود إلى مذهب الحق بعد أن شرق يميناً وشمالاً ؛ لأن الحسن بن محبوب نقل عن أبي الجارود ، عن أبي جعفر عليه السلام ، عن جابر بن عبد الله الأنصاري ، قال : دخلت على فاطمة عليها السلام وبين يديها لوح فيه أسماء الأوصياء ، فعددت اثنى عشر آخرهم القائم ، ثلاثة منهم محمد وأربعة منهم علي (2) .
ورواية هكذا خبر تدل على رجوعه عن مذهب الزيدية ، خصوصاً وإن الحسن ابن محبوب الذي روى الخبر عن أبي الجارود ولد قريباً من وفاة الصادق عليه السلام ، فلا محالة ـ كما يقول السيد الخوئي ـ أن تكون هذه الرواية بعد تغيره ، وبعد اعتناقه مذهب الزيدية ـ أي بعد اعتناق مذهب الزيدية عاد وروى هذا الخبر الذي يعتقد بمضمونه ـ بكثير ، فإذا روى أن الأوصياء اثنا عشر ، آخرهم القائم ، ثلاثة منهم محمد ، وأربعة منهم علي ، كان هذا رجوعاً منه إلى الحق ، والله العالم (3) .
فلم يتطرق الكاتب إلى كل تلك البحوث والأقوال ، وراح يجرد النظرية الشيعية من كل الملازمات ، ويستخرجها من أقوال ومواقف سليمان بن جرير الذي عرفت موقفه وقوله ، ومن قول أبي الجارود الذي أرسله إرسال المسلمات بدون بحث
(1) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 45 .
(2) عيون أخبار الرضا : ج 2 ، ص 52 ، ح 6 و 7 .
(3) معجم رجال الحديث : ج 7 ، ص 325 ـ 326 .
دفاع عن التشيع 97

وتحقيق .
أما كثير النواء ، فقد تبرأ منه الصادق عليه السلام بقوله : «اللهم إني إليك من كثير النوى أبرأ في الدنيا والآخرة» (1) .
وأما بالنسبة إلى الحكم بن عيينة ـ أو عتيبة ـ فقد قال له الباقر ولسلمة بن كهيل : «شرقا أو غربا ، لن تجدا علماً صحيحاً إلا شيئاً خرج من عندنا أهل البيت» (2) .
وأيضاً حكم عليه الباقر عليه السلام وجعله ممن قال الله عزوجل عنهم : «ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين» .
وشمل الإمام الباقر عليه السلام بهذا الحكم سلمة بن كهيل ، وكثير النواء ، وأبا المقدام . . . إلخ .
وأما سلمة بن كهيل واولئك الذين ذكرهم أحمد الكاتب ، فإن الكشي يقول بحقهم ما هذا نصه : (والحسن بن صالح بن حي ، وسالم بن أبي حفصة ، والحكم بن عيينة ، وسلمة بن كهيل ، وأبو المقدام ثابت بن الحداد ، وهم الذين دعوا إلى ولاية علي عليه السلام ثم خلطوها بولاية أبي بكر وعمر ، ويثبتون لهما إمامتهما ، ويبغضون عثمان وطلحة والزبير وعائشة . . . إلخ) (3) .
إذن ، لا تصاغ نظرية شيعية عامة من هؤلاء الذين صدرت أحكام اللعن بحقهم من أهل البيت عليهم السلام ، والذين لا يميزون بين إمامة علي وأبي بكر وعمر ، ويثبتون لهم إمامتهم كما يقول الكشي .
ولا أدري لماذا لم يناقش الكاتب أقوال أبي خالد الوالبي ، الذي يقول للسجاد عليه السلام : (فعلمت أنك الإمام الذي فرض الله طاعته على كل مسلم) (4) . ومحمد بن الحنيفة ، الذي يقول : (إن الإمام علي بن الحسين علي وعليك وعلى كل مسلم) (5) مخاطباً أبا
(1) رجال الكشي : ترجمة كثير النوى ، ص 241 ، رقم 440 و 441 .
(2) الكافي : ج 1 ، ص 463 ، باب ليس شيء من الحق في يد الناس إلا ما خرج من الأئمة .
(3) معجم رجال الحديث : ج 8 ، ص 14 ، نقلاً عن الكشي في رجاله .
(4) معجم رجال الحديث : ج 14 ، ص 131 .
(5) معجم رجال الحديث : ج 18 ، ص 347 .
دفاع عن التشيع 98

خالد الوالبي .
وأمثال منصور بن حازم ، الذي يقول للصادق عليه السلام : (وأشهد بالله أنك انت الحجة ، وأن طاعتك مفروضة) (1) .
فالنظرية الشيعية تؤخذ من أنصار نفس تلك النظرية ، لا من أعدائها . أضف إلى ذلك ، أن الكاتب يحكم بدون بحث وتحقيق ، فهو يقول : (إن سالم بن أبي حفص الذي كان أول الدعاة إلى أمامة الصادق بعد وفاة أبيه ينضم إلى حركة زيد) (2) .
ونحن لا نناقش مسألة الانضمام إلى حركة زيد ؛ لأن الحركة كانت تعرف الإمامة والإمام ، كما صرح بذلك قائدها زيد الشهيد ، ولكن سالماً هذا ذمه الإمام الباقر عليه السلام بقوله : «ويل سالم ويل سالم ، ما يدري سالم ما منزلة الإمام ، إن منزلة الإمام أعظم مما يذهب إليه سالم والناس أجمعون» (3) .
فالرجل مذموم في زمن الباقر والد الصادق عليهما السلام ، فكيف يكون أول الدعاة إلى إمامة الصادق ، أضف إلى ذلك ، أنه ضال مضل منحرف ، كما عبر عنه السيد الخوئي (4) ، فلا تؤخذ منه نظرية شيعية .
واستنكر الإمام الصادق عليه السلام عليه أقواله وأفعاله وقال : «ما يريد مني سالم» (5) .
فمن هؤلاء وأمثالهم صاغ احمد الكاتب نظريته التي تقول : (لم يكن عامة الشيعة يميزون بين أئمة أهل البيت) .
وأراد من تلك النظرية نتيجة تقول : إن الإمامة ليست من الله . وبعد أن اطلع القارئ على أقوال ومواقف اولئك ، نترك له الحكم على ما كتبه أحمد الكاتب ، ثم راح يشوش على القارئ بقوله : (ويؤيد هذا ـ يؤيد قول الجارودية ـ قول قسم من الشيعة في
(1) الكافي : ج 1 ، ص 244 ـ 245 ، ح 15 .
(2) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 45 .
(3) معجم رجال الحديث : ج 8 ، ص 15 ـ 16 .
(4) معجم رجال الحديث : ج 8 ، ص 15 ـ 17 .
(5) معجم رجال الحديث : ج 8 ، ص 15 ـ 16 .
دفاع عن التشيع 99

ذلك الوقت بانقطاع الإمامة بعد الحسين) (1) .
ونسب هذا الكلام إلى النوبختي ، وبعد مراجعة كتاب فرق الشيعة للنوبختي وجدنا أن هؤلاء يسمون بالسرحوبية ، وقال النوبختي : (إن أبا الجارود زياد بن المنذر لقبه سرحوباً ـ وقال ـ : كلهم من الزيدية) (2) .
فلماذا عدهم الكاتب فرقة اخرى مناصرة للجارودية ، فهل أراد أن يكثر السواد ظناً منه أن القارئ غافل عن هكذا تدليس ؟ !


مخالفة نص القرآن الكريم

لقد خالف الكاتب نص القرآن الكريم عندما نفى عقلياً أن ينصب الله تعالى لقيادة المسلمين طفلاً صغيراً ، فقال : (لم يكن يعقل أن ينصب الله تعالى لقيادة المسلمين طفلاً صغيراً) (3) .
وهذا النفي العقلي من قبل الكاتب خالف به نص القرآن الكريم عندما قال متحدثاً على لسان عيسى : «قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا»ً (4) .
ويقول الرازي : الجمهور قالوا : (إنه قال هذا الكلام حال صغره) (5) .
فعلى قول الكاتب يكون القرآن قد خالف العقل في تنصيب عيسى نبياً لقيادة الناس وهو طفل صغير .
وقال تعالى : «وآتيناه الحكم صبياً» (6) .
والحكم هنا هو النبوة ، يقول الرازي : (والأقرب حمل الحكم على النبوة لوجهين :
(1) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 46 .
(2) فرق الشيعة : ص 67 ـ 68 .
(3) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 102 .
(4) سورة مريم : آية 30 .
(5) التفسير الكبير : ج 21 ، ص 182 .
(6) سورة مريم : الآية : 12 .
دفاع عن التشيع 100

الأول : أن الله تعالى ذكر في هذه الآية : «وآتيناه الحكم صبياً » صفات شرفه ومنقبته ، ومعلوم أن النبوة أشرف صفات الإنسان ، فذكرها في معرض المدح أولى من ذكر غيرها ، فوجب أن تكون نبوته مذكورة في هذه الآية ، ولا لفظ يصلح للدلالة على النبوة إلا هذه اللفظة ، فوجب حملها عليها .
الثاني : أن الحكم هو ما يصلح لأن يحكم به على غيره ولغيره على الإطلاق ، وذلك لا يكون إلا بالنبوة .
فإن قيل: كيف يعقل حصول العقل والفطنة والنبوة حال الصبا .
قلنا لهذا السائل : إما ان يمنع من خرق العادة أو لا يمنع فإن منع منه فقد سد باب النبوات ، لأن النبوة بناء الأمر فيها على المعجزات ولا معنى لها إلا خرق العادات ، وإن لم يمنع فقد زال هذا الاستبعاد ، فإنه ليس استبعاد صيرورة الصبي عاقلاً أشد من استبعاد انشقاق القمر وانفلاق البحر) .
إذن ، لقد خالف الكاتب نص القرآن عندما قال : (لم يعقل أن ينصب الله طفلاً) . وقصد الكاتب من نفيه العقلي هذا ، نفي إمامة الجواد عليه السلام لأنه صغير ، متناسياً أن الإمامة تجري مجرى النبوات ، فليس منكراً إذن ان تكون إمامة الجواد قبل أن يبلغ الرشد ، إذ يجوز للإمام أن يؤتى الحكم صبياً (1) .
ولا يوجد سبباً لإنكار إمامة الجواد عليه السلام إلا صغر السن كما يقول النوبختي : (إن أبا الحسن الرضا عليه السلام توفي وابنه محمد ابن سبع سنين فاستصبوه واستصغروه ، وقالوا : لا يجوز الإمام إلا بالغاً) (2) .
ومن المعلوم أن اولئك الذين استصغروه ليس كأمثال علي بن جعفر الذي جعل نفسه عبداً للإمام عندما وبخه أصحابه لتعظيمه هذا الصغير وهو شيخ كبير ، فقال لهم : (اسكتوا ، إذا كان الله عزوجل ـ وقبض على لحيته ـ لم يؤهل هذه الشيبة وأهل
(1) الإمامة وأهل البيت : ج 3 ، ص 168 .
(2) فرق الشيعة : ص 97 .
دفاع عن التشيع 101

هذا الفتى ووضعه حيث وضعه أنكر فضله ؟ نعوذ بالله مما تقولون ، بل أنا له عبد) (1) .
فاولئك الذين استصغروه هم عبدة العباسيين الذين دعوا له يحيى بن أكثم ليناظره .
فالمشكلة الرئيسية هي صغر الإمام ، ولكنهم نبذوا الكتاب وراء ظهورهم كما فعل أحمد الكاتب ، ولم يلتفتوا إلى أن عيسى ويحيى اعطيا النبوة صغيرين ، ولهذا رد الإمام الرضا عليه السلام مقالتهم عندما قال : «فقد قام عيسى بالحجة وهو ابن ثلاث سنين» (2) .
وبهذا المنهج دعا الإمام الجواد إلى إمامته عندما قالوا له : إن الناس ينكرون عليك حداثة سنك ، فقال : «وما ينكرون من ذلك ، وقد قال الله تعالى لنبيه : «قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني» (3) ، فوالله ما اتبعه حينئذ إلا علي وله تسع سنين وأنا ابن تسع سنين» (4) .


عدم توخي الأمانة في النقل من المصادر

اعتمد الكاتب هذا الأسلوب لتشويش ذهن القارئ عمداً ـ وهذه وسيلة العاجز ـ ولم نقل بالعمدية إلا بعد العجز عن تأويل ذلك لتبرئته حتى على مبدأ السبعين محملاً ، فلقد كذب الكاتب على الشيخ الصدوق من خلال نقله لشبهة وردها في كمال الدين ، لأن منهج الصدوق في كمال الدين هو ذكر إشكال الزيدية وغيرهم ، ثم يشرع بالرد . وعادة ما ينقل شبهتين أو ثلاث ثم يشرع بالرد عليها واحدة بعد واحدة ، ولكن الكاتب نقل اعتراض الزيدية على لسان الشيخ الصدوق ، وهذا الاعتراض شمل على اربع اشكالات ، ولم ينقل جواب الصدوق إلا على الإشكال الرابع حتى يشوش ذهن القارئ بذلك ، يقول أحمد الكاتب : (وقد نقل الصدوق اعتراض الشيعة الزيدية على الاثني عشرية وقولهم : إن الرواية التي دلت على أن الأئمة اثنا عشر قول أحدثته الإمامية قريباً
(1) الكافي : ج 1 ، ص 383 ـ 384 ، باب 73 ، ح 12 .
(2) الكافي : باب الإشارة والنص على أبي جعفر الثاني عليه السلام .
(3) يوسف : الآية 108 .
(4) الكافي : ج 1 ، ص 447 ، ح 8 .
دفاع عن التشيع 102

وولدوا فيه أحاديث كاذبة ، واستشهادهم على ذلك بتفرق الشيعة بعد وفاة كل إمام إلى عدة فرق ، وعدم معرفتهم للإمام بعد الإمام ، وعن معنى البداء في إسماعيل ومحمد بن علي الذي يتنافى مع وجود القائمة المسبقة بأسماء الأئمة ، ووفاة زرارة دون معرفته بالإمام بعد الصادق ، ثم رد الصدوق على الزيدية فقال : إن الإمامية لم يقولوا إن جميع الشيعة كانوا يعرفون الأئمة الاثنى عشر ، ولم ينكر أن زرارة لم يكن يعرف الحديث ، ولكنه انتبه بعد ذلك إلى منزلة زرارة وعدم إمكانية جهله بأي حديث من هذا القبيل ، وهو أعظم تلامذة الإمام الصادق ، فتراجع وقال : إن زرارة ربما كان يخفي ذلك تقية ، ثم عاد فتراجع مرة اخرى بعد قليل ، وقال : إن الكاظم قد استوهبه من ربه لجهله بالإمام ، لأن الشاك فيه على غير دين الله) (1) .
هذا هو نص الكاتب الذي نقل من كمال الدين للشيخ الصدوق ، وفي هذا النص عدة اعتراضات للزيدية :
الأول : الأئمة اثنا عشر قول أحدثته الإمامية .
الثاني : تفرق الشيعة بعد وفاة كل إمام .
الثالث : معنى البداء في إسماعيل ومحمد .
الرابع : وفاة زرارة من دون معرفة الإمام بعد الصادق .
ولكن للأسف لم ينقل الكاتب سوى رد واحد مزور للشيخ الصدوق على مسألة زرارة ، ونحن سنذكر ردود الشيخ الصدوق على تلك الإشكالات ، ونبين تزوير الكاتب وتحريفه .

رد الشيخ الصدوق على الاعتراض الأول :


نقل الشيخ الصدوق الروايات التي تؤكد أن أصل نظرية الاثنى عشرية هو رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ، ونقل ذلك من كتب العامة ، وليس من كتب الشيعة فقط ، فعن مجالد ، عن الشعبي ، عن مسروق ، قال : بينا نحن عند عبد الله بن مسعود نعرض مصاحفنا عليه ، إذ قال له شاب : هل عهد إليكم نبيكم صلى الله عليه واله وسلم كم يكون من بعده خليفة ؟ قال : إنك لحدث
(1) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 112 .
دفاع عن التشيع 103

السن ، وإن هذا شيء ما سألني عنه أحد من قبلك ، نعم عهد إلينا نبينا صلى الله عليه واله وسلم أن يكون من بعده اثنا عشر خليفة بعدد نقباء بني إسرائيل .
وذكر الشيخ الصدوق طرق هذا الحديث وألفاظه المختلفة من كتب السنة ، ثم قال : (وقد أخرجت طرق هذا الحديث أيضاً ، وبعضهم روى «اثنا عشر أميراً» ، وبعضهم روى «اثنا عشر خليفة» ، فدل بذلك أن الأخبار التي في يد الإمامية عن النبي صلى الله عليه واله وسلم والأئمة عليهم السلام بذكر الأئمة الاثنى عشر أخبار صحيحة (1) .
كل ذلك حذفه الكاتب ، ونقل فقط اشكال الزيدية ، ليشوش ذهن القارئ .

رد الشيخ الصدوق على الاعتراض الثاني :


ورد الشيخ اعتراضهم حول تفرق الشيعة بعد وفاة كل إمام ، والمعترضين هم الزيدية الذين يؤمنون بنص الرسول صلى الله عليه واله وسلم على علي بالإمامة ، فرد عليهم ناقضا : (انكم تقولون ان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم استخلف عليا وجعله الامام بعده ، ونص عليه ، وأشار إليه ، وبين أمره وشهره ، فما بال أكثر الأمة ذهبت عنه وتباعدت ) (2) .
وكلام الشيخ نقض على كلامهم ومبناهم ، وإلا فيوجد جواب حلي لهذه الشبهة ، ولكن حتى هذا النقض لم يذكره الكاتب ليجعل من الشيخ الصدوق مسلماً لشبهاتهم .

رد الشيخ الصدوق على الاعتراض الثالث :


ملخص الرد : إنكم قلتم إن الصادق نص على إسماعيل بالإمامة ، فأين هذا الخبر ، ومن رواه ، ومن تلقاه بالقبول ، وتحداهم الصدوق في أن يأتوا بحديث واحد على ذلك ، وقال : إنما هذه حكاية ولدها قوم قالوا بإمامة اسماعيل ، وليس لها أصل ، لأن الخبر بذكر الأئمة الاثنى عشر عليهم السلام قد رواه الخاص والعام عن النبي والأئمة .
وقال الشيخ الصدوق : (فأما قول الصادق « ما بدا لله في شيء كما بدا له في إسماعيل
(1) كمال الدين : ص 74 .
(2) كمال الدين : ص 74 .
دفاع عن التشيع 104

ابني» فإنه يقول : ما ظهر لله امر كما ظهر له في إسماعيل ابني ، إذ اخترمه في حياتي ليعلم بذلك أنه ليس بإمام بعدي) .
وقد ذكر الصدوق عقيدة الشيعة في البداء ليسد المنافذ على المتصيدين بالماء العكر . فقال : وعندنا من زعم أن الله عزوجل يبدو له في اليوم شيء لم يعلمه أمس فهو كافر والبراءة منه واجبة (1) .
ورد الشيخ الصدوق من قال بإمامة إسماعيل بالنصوص الواردة على الأئمة الاثني عشر ،و غير ذلك ، كل ذلك حذفه الكاتب ليوهم القارئ عدم وجود رد من قبل الصدوق عليه .

رد الشيخ الصدوق على الاعتراض الرابع :


لقد حرف الكاتب الشبهة وجوابها ، وصاغ ذلك بكلمات منمقة كالشعارات البراقة البعيدة عن الحق والحقيقة ، فلقد نسب للشيخ الصدوق أنه لم ينكر عدم معرفة زرارة بحديث الأئمة الاثني عشر (2) ، ولا يعرف الإمام موسى الكاظم .
وبمراجعة بسيطة لكلام الصدوق نجده يقول : (إن هذا كله غرور من القول وزخرف) ، راداً على الزيدية الذين أشكلوا بعدم معرفة زرارة بإمامة الكاظم عليه السلام ، ثم قال : فالصادق عليه السلام لا يجوز أن يقول لزرارة إنه من أحب الناس إليه وهو لا يعرف إمامة موسى بن جعفر (3) .
فحرف الكاتب كلام الشيخ الصدوق ، ونسب اليه انه لا ينكر عدم معرفة زرارة بالائمة الاثني عشر .
وما اتبعه الكاتب ليس جديداً على التشيع وعلمائه حتى ينطلي ببساطة على القارئ المسلم ، أضف إلى ذلك ، أن الشيخ الصدوق قد ضعف الخبر الذي يروي أن زرارة وضع المصحف على صدره ، لأن فيه أحمد بن هلال ، وهو مجروح عند مشايخنا ـ
(1) كمال الدين : ص 75 .
(2) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 112 .
(3) كمال الدين : ص 82 .
دفاع عن التشيع 105

كما يقول الصدوق ـ وقال أيضاً : حدثنا شيخنا الحسن بن أحمد بن الوليد ، قال : سمعت سعد بن عبد الله يقول : ما رأينا ولا سمعنا بمتشيع رجع عن التشيع إلى النصب إلا أحمد ابن هلال ، وكانوا يقولون إن ما تفرد بروايته أحمد بن هلال فلا يجوز استعماله (1) .
وما ذكره الكاتب بأن الكاظم قد استوهب زرارة من الله ، فهذا حديث ضعيف ، ومن أراد فليرجع إلى كتب الحديث والرجال ليطلع على ذلك .
ونحن قد بحثنا قضية زرارة بما فيه الكفاية ، فراجع .


البناء على أغلاط النساخ

من الامور التي استفاد منها الكاتب ، وجعلها ركناً لنظريته هي الأغلاط التي وقع بها النساخ لبعض الكتب ، أو بعض الروايات ، وستتعرف هنا على أحد الموارد التي طبل لها الكاتب من دون أن يبحث عن الحقيقة ، وهي أن الصادق عليه السلام أشار بصراحة إلى إسماعيل ، وأن الهادي عليه السلام أشار بصراحة أيضاً إلى محمد ، ثم عدلوا عن ذلك ، وصير الصادق عليه السلام الأمر في موسى ، وصير الهادي عليه السلام الأمر في الحسن العسكري ، وكلمة (أشار بصراحة) توقف الباحث ، فلقد نقل الكاتب هذه الإشارة بصراحة من البحار ، والرواية كما يلي :
عن أبي هاشم الجعفري ، قال : كنت عند أبي الحسن العسكري عليه السلام وقت وفاة ابنه أبي جعفر ، وقد كان أشار إليه ودل عليه ، وإني لافكر في نفسي وأقول هذه قصة أبي إبراهيم وقصة إسماعيل ، فأقبل علي أبو الحسن عليه السلام ، وقال : «نعم يا أبا هاشم ، بدا لله في أبي جعفر وصير مكانه أبا محمد ، كما بدا له في إسماعيل بعدما دل عليه أبو عبد الله عليه السلام ، ونصبه هو ، كما حدثتك نفسك وإن كره المبطلون ، أبو محمد ابني الخلف من بعدي عنده ما تحتاجون إليه ومعه آل الإمامة والحمد لله» (2) .
واستفاد الكاتب من عبارات ذكرت في الرواية ، والعبارات هي :
(1) كمال الدين : ص 81 .
(2) بحار الأنوار : ج 50 ، ص 241 .
دفاع عن التشيع 106


1 ـ وقد كان أشار إليه ودل عليه .
2 ـ وصير مكانه أبا محمد .
3 ـ بعد ما دل عليه ابوعبد الله ونصبه .
ورواية البحار هذه أخذت من رواية الشيخ الطوسي قدس سره والتي أخطأ النساخ عند نقلها ، وسنذكر رواية الطوسي ، ثم نبين كيفية خطأ النساخ في ذلك .
هذه الرواية نقلها الطوسي في الغيبة بنفس ما ذكر في البحار بلا زيادة أو نقيصة ، حرفاً بحرف (1) ، إذن مصدر الرواية هو الغيبة للشيخ الطوسي ، ولو تعمقنا في التاريخ قليلاً إلى ما قبل الشيخ الطوسي المتوفى سنة 460 ، أي لو ذهبنا إلى المفيد ، المتوفى سنة 413 ـ قبل الطوسي بـ 47 سنة ـ وإلى رواية الكليني المتوفى سنة 329 ـ قبل الطوسي بـ 131 سنة ـ نجد أن نفس هذه الرواية ، ونفس الطريق وجد عند المفيد وعند الكليني ، فيقطع بأن الطوسي أخذ الرواية من المفيد والكليني ، ولكن ما هي رواية المفيد والكليني ، هل فيها نفس تلك الألفاظ حتى يستفيد منها الكاتب أم لا ؟
يقول المفيد : عن أبي هاشم الجعفري ، قال : كنت عند أبي الحسن عليه السلام بعدما مضى ابنه أبو جعفر وإني لافكر في نفسي اريد أن أقول : كأنهما أعني أبا جعفر وأبا محمد في هذا الوقت كابي الحسن موسى وإسماعيل ابني جعفر بن محمد عليهما السلام ، وإن قصتهما كقصتهما ، إذ كان أبو محمد هو المرجى بعد أبي جعفر عليه السلام ، فأقبل علي أبو الحسن قبل أن أنطق فقال : «نعم يا أبا هشام ، بدا لله في أبي محمد بعد أبي جعفر عليه السلام ، ما لم يكن يعرف له ، كما بدا له في موسى بعد مضي إسماعيل ما كشف به عن حاله ، وهو كما حدثتك نفسك وإن كره المبطلون ، وأبو محمد ابني الخلف من بعدي عنده العلم وما يحتاج إليه ، ومعه آلة الإمامة» (2) .
وبنفس هذه الألفاظ حرفاً بحرف نقل الكليني الرواية ، فخلت من تلك العبائر التي استفاد منها الكاتب ، أضف إلى ذلك أنك عرفت معنى البداء ، وهو الكشف للناس
(1) الغيبة للطوسي : ص 55 ـ 56 .
(2) الإرشاد : ج 2 ، ص 319 ؛ الكافي : ج 1 ، ص 388 .
دفاع عن التشيع 107

بقوله «لم يكن يعرف له» ، فعرفها الله لهم بموت محمد ، وكذلك كشف الحال بالنسبة لموسى بموت إسماعيل .
وللأسف الشديد ، نسب الكاتب الرواية بتلك العبائر إلى الطوسي والمفيد والكليني وغيرهم (1). مع أن رواية المفيد والكليني التي هي المصدر خلت من هذه العبائر الي جعلها الكاتب ركناً أساسياً في عدم وجود إمامة إلهية .
ومما قدمنا يظهر كذب الكاتب في النسبة ، وحتى في الغيبة للطوسي ، فبالرغم من نقل تلك العبائر في الغيبة فإنها من أغلاط النساخ ، فالبناء على أغلاط النساخ لا ينتج نظرية مطلقاً .


إنكار المسلمات بدون بحث وتحقيق

أنكر الكاتب مسلمات كثيرة ، من دون بحث وتحقيق ، فبعد إنكار الإمامة الإلهية وإنكار ولادة وامامة محمد بن الحسن العسكري بكلمات إعلامية أكثر من كونها تحقيقية ، جره ذلك إلى إنكار الإمامة العمودية هاملاً كل الأحاديث التي ازدهرت بها كتب الشيعة حول هذا الموضوع ، فلم يشر الى حديث رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بحق الحسين عليه السلام : «أنت سيد ابن سيد أخو سيد ، أنت امام ابن امام أخو امام ، أنت حجة ابن حجة أخو حجة ، وأنت أبو حجج تسعة تاسعهم قائمهم» (2) . ولم يناقش ذلك تضعيفاً او تأويلاً .
ولم يشر إلى قول الصادق الأمين صلى الله عليه واله وسلم بحق ولده الحسين عليه السلام : «أنت حجة أبو حجج تسعة من صلبك ، تاسعهم قائمهم» (3) .
وأهمل قول رسول الله صلى الله عليه واله وسلم :«يكون تسعة ائمة بعد الحسين بن علي تاسعهم «
(1) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 115 .
(2) ينابيع المودة : ج 3 ، ص 394 ، باب 94 ، ح 44 .
(3) الخصال : ج 2 ، ص 486 ، باب التسعة ، ح 12 ؛ كمال الدين : ص 250 ، باب 24 ، ح 9 .
دفاع عن التشيع 108

قائمهم» (1) .
ولم يشر إلى عشرات الأحاديث التي تسالم على نقلها محدثو الشيعة وثقاتهم ، ونقلها بعض المنصفين من أهل السنة ، أمثال القندوزي الحنفي والجويني وغيرهم ، والتي أكدت تلك الحقيقة (2) .
أضف إلى ذلك ، أن كثيراً من الفرق التي سقطت في الطريق ، وانحرفت عن جادة الصواب لم تواصل الاعتراف بباقي أئمة البيت العلوي ، وكثيراً منهم لم يخرجوا عن فضاء التسلسل العمودي لأئمتهم كي يحافظوا على هذا الأصل الإسلامي .
ولم يجهد الكاتب نفسه عناء البحث في ذلك ، وما أن علم بتراث الشيعة الضخم المليء بالأحاديث التي نقلها صحابة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أمثال جابر بن عبد الله ، وسلمان الفارسي وغيرهم ، والتي تؤكد كون الإمامة عمودية ، عدل عن ذلك وشكك في ولادة الإمام المهدي ، التي نقلت إلينا بأحاديث صحيحة ، مثل قول أبي هاشم الجعفري للإمام العسكري : ألك ولد ؟ فقال : «نعم» .
وهذا الحديث الذي أثبت فيه العسكري الخلف من بعده ، نقله لنا ثقة الإسلام الكليني عن محمد بن يحيى العطار (الثقة) (3) ، عن أحمد بن اسحاق (الثقة) (4) ، عن أبي هاشم الجعفري (الثقة) عن الحسن العسكري .
وغير ذلك من الأحاديث التي امتلأت بها كتب الشيعة ، والتي بوبها محدثوهم وثقاتهم ، ووضعوها في أبواب وأخضعوها لمختلف الدراسات الحديثية والدرائية التي أكدت صحة عقيدتهم ، فلم يستطع الكاتب ولا غيره أن يوجد ثغرة في التراث الشيعي على مر القرون والذي دونه وحفظه ثقات المسلمين كابراً عن كابر .
(1) الكافي : ج 1 ، ص 599 ، باب 126 ، ح 15 .
(2) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 191 .
(3) رجال النجاشي : ص 353 ، رقم 946 .
(4) خلاصة الأقوال : ص 63 ، رقم 73 .
دفاع عن التشيع 109



تضعيف الحديث ثم الاحتجاج به

من الواضح الجلي أن الباحث إذا اعتقد بضعف حديث لسبب معين ، إما لوضعه أو لجهالة في السند أو ما شابه ذلك ، فإنه لا يحتج له على الخصوم ، لأن منتهى الحجة به خصومة نفسه بعد أن ضعفه ، وقد اتبع أحمد الكاتب هذا الطريق ، فقد نقل حواراً بين زيد الشهيد وبين أخيه الإمام الباقر عليه السلام ، وقال : (فدخل زيد ذات مرة على أخيه الباقر ومعه كتب من اهل الكوفة يدعونه فيها الى انفسهم ويخبرونه باجتماعهم ويأمرونه بالخروج ، فقال له أبو جعفر : «هذه الكتب ابتداء منهم أو جواب ما كتبت بهم إليه ودعوتهم إليه» ؟ فقال : بل ابتداء من القوم لمعرفتهم بحقنا وبقرابتنا من رسول الله ، ولما يجدون في كتاب الله عزوجل من وجوب مودتنا وفرض طاعتنا ، ولما نحن فيه من الضيق والضنك والبلاء ، فقال له أبو جعفر : «إن الطاعة مفروضة من الله عزوجل ، وسنة أمضاها في الأولين ، وكذلك يجريها في الآخرين ، والطاعة لواحد منا والمودة للجميع . . . » ، فغضب زيد عند ذلك . . . . ثم قال : ليس الإمام منا من جلس في بيته وأرخى ستره وثبط عن الجهاد ، ولكن الإمام منا من منع حوزته وجاهد في سبيل الله حق جهاده ، ودفع عن رعيته وذب عن حريمه . . . . فقال أبو جعفر : «هل تعرف يا أخي من نفسك شيئاً مما نسبتها إليه فتجيء عليه بشاهد من كتاب الله أو حجة من رسول الله أو تضرب به مثلاً . . . » ؟ (1) .
وقال الكاتب بعد ذلك : (ومن المحتمل أن يكون موضوعاً في وقت متأخر من قبل الإمامية) (2) .
والسر في ذلك أن هذا الحديث حمل لنا موقف الباقر عليه السلام : المساند للإمامة والمدافع عنها ، ثم بعد لحظات احتج بهذا الحديث وقال : (يعبر عن احتجاج الإمام الباقر على أخيه زيد بالعلم قبل نشوء نظرية النص أو الوصية في الإمامة) (3) ، واحتج به مرة اخرى ، وجعل
(1) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 37 .
(2) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 38 .
(3) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 38 .
دفاع عن التشيع 110

زيداً يتبنى الموقف بقوله : (أما زيد بن علي فقد كان يقول : ليس الإمام منا من جلس في بيته وأرخى ستره وثبط عن الجهاد . . . ) . إلى آخر ما في كلام زيد أعلاه .
أضف إلى ذلك ، أن الكاتب تجاهل في هذا الحوار قول زيد إلى الباقر عليه السلام : (إن الناس يجدون في كتاب الله فرض طاعتنا) . وأجابه الإمام الباقر عليه السلام : «إن الطاعة لواحد منا» (1) .
ألا يدل وجدان الناس ـ باعتراف زيد ـ في كتاب الله فرض طاعة أهل هذا البيت الحسيني على النص والوصية ، وهذا شاهد واضح لا يحتاج إلى استدلال وبحث وتفكير ، ولكن أحمد الكاتب استفاد من ذيل الحديث وترك صدره الذي صرح بأن الناس يعلمون من كتاب الله لا من شيء آخر ، بأن أحد رجال البيت الحسيني إمام مفترض من الله تعالى .
أما بالنسبة لموقف زيد من إمامة الباقر عليه السلام ، فأجاب عنه الصادق عليه السلام : «لو ملك لعرف كيف يضعها» (2) .
ونحن لا نريد أن نثبت صحة هذا الحوار بقدر تبين منهج الكاتب في الاستفادة من الروايات ، وأخذ ما ينفعه وترك ما يضره في نفس الرواية ، وإلا فإن ذلك الحوار ضعيف بالإرسال ، وبجهالة الحسين بن الجارود وموسى بن بكر ، كما يقول السيد الخوئي (3) .


مخالفة جمهور المحدثين والمفسرين

لقد خالف الكاتب جمعاً كبيراً من المفسرين والمحدثين حول مصاديق أهل البيت ، حيث اتفق المفسرون على أن المراد من أهل البيت : محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام ، وقال بهذه الحقيقة الفخر الرازي في تفسيره ، والزمخشري في الكشاف ،
(1) الكافي : ج 1 ، ص 417 .
(2) معجم رجال الحديث : ج 17 ،ص 347 .
(3) معجم رجال الحديث : ج 7 ، ص 353 .
دفاع عن التشيع 111

والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن ، والشوكاني في فتح القدير ، والطبري في جامع البيان ، والسيوطي في الدر المنثور (1) .
وشارك أهل الحديث في هذا الاتفاق ، فقال بهذه الحقيقة كل من : ابن حجر في الإصابة ، والحاكم في المستدرك ، والذهبي في التلخيص ، وأحمد بن حنبل في مسنده ، ومسلم في صحيحه ، والترمذي في صحيحه ، والطبري في معجمه الصغير (2) .
فكل هؤلاء اتفقوا على أن المراد من أهل البيت هؤلاء الخمسة ، فضلاً عن إجماع الشيعة على ذلك ، ولكن الكاتب خالف ذلك وقال : (إن كلمة أهل البيت لم تكن محددة في أشخاص معينين) (3) .
فكيف يمكن الاعتماد على كلام شخص مثل أحمد الكاتب خالف كل هؤلاء ، وحتى أنه لم يشر إليهم لا من قريب ولا من بعيد .


الكذب على التراث السني

لم يقصر الكاتب كذبه على الشيعة وتراثهم فحسب ، بل طال تراث إخواننا أهل السنة أيضاً ، وهذا مما يؤكد هوية الكاتب الجديدة وانتماءه الأصيل إلى من كان يتولى . فلقد كذب على التراث السني قاطبة عندما نسب إليه أنه لم يحصر الخلفاء باثني عشر خليفة ، فقال : (وإن الأحاديث السنية بالذات لا تحصرهم في اثني عشر) (4) .
وبكلامه هذا كذب على البخاري ، لأن البخاري نقل في صحيحه قول رسول
(1) الجامع لأحكام القرآن : ج 14 ، ص 183 ؛ فتح القدير : ج 4 ، ص 279 ؛ جامع البيان : ج 12 ، ص 6 ؛ الدر المنثور : ج 6 ، ص 603 .
(2) المستدرك على الصحيحين : ج 3 ، ص 158 ـ 160 ، رقم 4705 ـ 4709 ؛ مسند أحمد : ج 4 ، ح 16540 ؛ صحيح مسلم : ح 2424 ؛ سنن الترمذي : ج 5 ، ح 3787 ؛ المعجم الصغير للطبري : 23 / 3 .
(3) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 99 .
(4) أحمد الكاتب ، تطورالفكر السياسي : ص 206 .
دفاع عن التشيع 112

الله صلى الله عليه واله وسلم : «يكون اثنا عشر أميراً . . . . كلهم من قريش» (1) .
وكذب على مسلم ، لأن مسلم نقل في صحيحه عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال : «ولا يزال الدين قائماً حتى تقوم الساعة أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة من قريش» (2) .
وكذب على أحمد ، فإن أحمد بن حنبل نقل في مسنده قول الرسول صلى الله عليه واله وسلم : «اثني عشر كعدة نقباء بني إسرائيل» (3) .
فهل يوجد عاقل يقول بأن هذه الأحاديث لا تحصر الخلفاء في اثنى عشر ؟ ولم يقف التراث السني عند البخاري ومسلم وأحمد بن حنبل ، ولكثرة من خرج هذا الحديث ننقل فقط المصادر محيلين القارئ إليها لمطالعتها :
سنن أبي داود : ج 4 ، ص 106 ، ح 4279 ـ 4281 ؛ المعجم الكبير للطبراني : ج 2 ، ص 238 ، ح 1996 ؛ سنن الترمذي : ج 4 ، ص 501 ؛ مستدرك الحاكم : ج 3 ، ص 618 ؛ حلية الأولياء : ج 4 ، ص 333 ؛ فتح الباري : ج 13 ، ص 211 ؛ البداية والنهاية : ج 1 ، ص 153 ؛ صحيح مسلم بشرح النووي : ج 12 ، ص 201 ؛ تفسير ابن كثير : ج 2 ، ص 24 في تفسير الآية 12 من سورة المائدة ؛ كتاب السلوك في دول الملوك للمقريزي : ج 1 ، ص 13 ـ 15 من القسم الأول ؛ شرح الحافظ ابن قيم الجوزية على سنن أبي داود : ج 11 ، ص 363 ، شرح حديث 4259 ؛ شرح العقيدة الطحاوية : ج 2 ، ص 736 ؛ الحاوي للفتاوي : ج 2 ، ص 85 ؛ عون المعبود شرح سنن أبي داود للعظيم آبادي : ج 11 ، ص 362 ، شرح حديث 4259 ؛ مشكاة المصابيح للتبريزي : ج 3 ، ص 327 ، ح 5983 ؛ السلسلة الصحيحة للألباني؛ حديث رقم 376 ؛ كنز العمال : ج 12 ص 32 ، حديث رقم 33848 و ص 33 ، حديث رقم 33858 وص 34 ، حديث رقم 33861 ؛ فرائد السمطين : ج 2 ، ص 145 ، ح 42 ؛ ينابيع المودة : ج 3 ، ص 104 ، باب 77 .
(1) صحيح البخاري : ج 6 ، ص 1640 ، رقم 6796 ، كتاب الأحكام ، باب الإستخلاف .
(2) صحيح مسلم : ج 3 ، ص 155 ، رقم 1822 ، كتاب الأمارة ، باب الناس تبع لقريش .
(3) مسند أحمد : ج 1 ، ص 657 ، رقم 3772 .
دفاع عن التشيع 113

كل هذا التراث رفضه الكاتب وقال : (إن الأحاديث السنية بالذات لا تحصرهم في اثنى عشر) (1) .
فياترى هل يوجد بعد ذلك من يصدق كلمة واحدة مما كتبه المؤلف ، ولماذا هذا الحقد على الأئمة بحيث أعماه حتى عن مشاهدة مسلمة من مسلمات الفكر الإسلامي السني والشيعي ؟ ولماذا أراد الكاتب أن يمسح من دواوين الإسلام الحديثية حتى الإشارة إلى العدد بشكل إجمالي ؟


انكار أحاديث صحيحة بدون علة

عودنا الكاتب بإنكاراته المتكررة التي طالت حتى المسلمات ، ولم يقف عند مسلمات الشيعة ، بل أنكر حتى مسلمات الفكر السني ، كما يتبين من إنكار حصر الخلفاء باثنى عشر ، وبعد أن أنكر ولادة المهدي (عج) التي أخبر بها والده العسكري وبأحاديث صحيحة ـ كما تقدم ـ تحتم عليه أن ينكر الغيبة وما شابه ذلك ، ونحن هنا لا نريد أن نبحث التراث الشيعي حول الغيبة إلا بقدر إعلام الكاتب بأن هناك أحاديث صحيحة أكدت هذا الموضوع ، ومن رجال ثقات ، فما هو توجيهه لتلك الأحاديث ؟
نقل الشيخ الصدوق عن محمد بن الحسن بن الوليد ، عن محمد بن الحسن الصفار ، عن يعقوب بن يزيد ، عن أيوب بن نوح ، قال : قلت للرضا عليه السلام : إنا لنرجو أن تكون صاحب هذا الأمر ، وأن يرده الله عزوجل إليك من غير سيف ، فقد بويع لك وضربت الدراهم بأسمك ، فقال عليه السلام : « ما منا احد اختلفت اليه الكتب وسئل عن المسائل وأشارت إليه الأصابع وحملت إليه الأموال إلا اغتيل أو مات على فراشه حتى يبعث الله عزوجل لهذا الأمر رجلاً خفي المولد والمنشأ ، وغير خفي في نسبه» (2) .
تؤكد هذه الرواية وضوح نسب المهدي الذي أنكره الكاتب ، فضلاً عن غيبته ، ولم
(1) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 206 .
(2) كمال الدين : ص 345 ، باب 35 ، ح 1 .
دفاع عن التشيع 114

يوجه لنا الكاتب هذه الأحاديث ، ولم يستطيع أن يرميها بتهمة الضعف السندي أو الإرسال أو ما شابه ذلك ، لأن السند هنا الشيخ الصدوق ، فلا يحتاج إلى تعريف ، فهو قطب الإمامية وثقتهم وصاحب شمعة من شموع تراثهم (من لا يحضره الفقيه) والذي نقل عنه الشيخ الصدوق هو محمد بن الحسن بن الوليد الذي يقول عنه النجاشي : (هو شيخ القميين وفقيههم ومتقدمهم ووجههم . . . ثقة ، ثقة ، عين مسكون إليه) (1) .
وترجم له الشيخ الطوسي بأنه : (جليل القدر ، بصير بالفقه ، ثقة) (2) .
وقال الحلي بحقه : (ثقة ، ثقة ، عين ، مسكون إليه ، جليل القدر ، عظيم المنزلة ، عارف بالرجال ، موثوق به) (3) . وقال المامقاني عنه : (ثقة) (4) .
فهذا الرجل الثاني في السند ، والرجل الثالث فيه هو محمد بن الحسن الصفار الذي جعله النجاشي وجهاً في القميين ، وقال عنه : (ثقة ، عظيم القدر ، راجحاً) (5) ، وعده الطوسي من أصحاب العسكري (6) ، ووثقه الحلي والمامقاني (7) .
وأما الرجل الرابع الذي أخبر بوضوح نسب المهدي وأنكره الكاتب هو يعقوب ابن يزيد الذي قال عنه النجاشي : (ثقة صدوقاً) (8) . وقال عنه الطوسي :(هو وأبوه ثقتان) (9) . وقال عنه الحلي : (ثقة صدوقاً) (10) . وقال عنه المامقاني (ثقة) (11) .
(1) رجال النجاشي : ص 383 ، رقم 1042 .
(2) رجال الطوسي : ص 439 ، رقم 6273 ، من لم يرو عن واحد من الأئمة .
(3) خلاصة الأقوال : ص 247 ، رقم 842 .
(4) تنقيح المقال : ج 1 ، ص 134 ، رقم 10534 .
(5) رجال النجاشي : ص 354 ، رقم 948 .
(6) رجال الطوسي : ص 402 ، رقم 5898 ، أصحاب العسكري عليه السلام .
(7) خلاصة الأقوال : ص 260 ـ 261 ـ رقم 910 ؛ تنقيح المقال : ج 1 ، ص 135 ، رقم 10551 .
(8) رجال النجاشي : ص 450 ، رقم 1215 .
(9) رجال الطوسي : ص 369 ، رقم 5488 ، أصحاب علي بن موسى الرضا عليه السلام .
(10) خلاصة الأقوال : ص 298 ، رقم 1107 .
(11) تنقيح المقال : ج 1 ، ص 168 ، رقم 13291 .
دفاع عن التشيع 115

وآخر ما في السند الذي أنكر الكاتب ، والذي روى عن الإمام الرضا عليه السلام هو أيوب بن نوح الذي تحدث عنه النجاشي بقوله : (كان وكيلاً لأبي الحسن وأبي محمدعليهما السلام ، عظيم المنزلة عندهما ، مأموناً ، وكان شديد الورع ، كثير العبادة ، ثقة في رواياته (1) . وقال عنه الطوسي إنه ثقة (2) . وقال الحلي بحقه : (ثقة، مأموناً ، شديد الورع ، صحيح الاعتقاد) (3) . وقال المامقاني بحقه : (ثقة) (4) .
هذا هو حال السند الذي أثبت غيبة المهدي المنتظر ، وأثبت وضوح نسبه الذين أنكرهما الكاتب من دون سبب يذكر .
وأنكر الكاتب الحديث الذي نقله الشيخ الصدوق عن أبيه علي بن الحسين بن بابويه القمي ، عن سعد بن عبد الله ، عن الحسن بن موسى الخشاب ، عن العباس بن عامر القصابي ، قال : سمعت أبا الحسن موسى بن جعفر عليه السلام يقول : «صاحب هذا الأمر من يقول الناس لم يولد بعد» (5) .
فأثبت الإمام الكاظم عليه السلام في هذا الحديث وقبل الغيبة بعشرات السنين بأن الناس سيختلفون في مولده ، وإنكار الكاتب لهذا الحديث لا وجه له لا من ناحية المتن ولا من ناحية السند ، وكيف ينكر السند الذي فيه والد الصدوق علي بن الحسين بن بابويه القمي ، الذي قال عنه النجاشي : (شيخ القميين في عصره ومتقدمهم وفقيههم وثقتهم) (6) . وقال عنه الطوسي : (ثقة) (7) . ووثقه كل من الحلي والمامقاني (8) .
(1) رجال النجاشي : ص 102 ، رقم 254 .
(2) رجال الطوسي : ص 253 ، رقم 5214 ، أصحاب علي بن موسى الرضا عليه السلام .
(3) خلاصة الأقوال : ص 59 ، رقم 58 .
(4) تنقيح المقال : ج 1 ، ص 19 ، رقم 1195 .
(5) كمال الدين : ص 336 ، باب 34 ، ح 2 .
(6) رجال النجاشي : ص 261 ، رقم 684 .
(7) رجال الطوسي : ص 432 ، رقم 6191 ، من لم يرو عن واحد من الأئمة عليهم السلام .
(8) خلاصة الأقوال : ص 178 ، رقم 531 ، تنقيح المقال : ج 1 ، ص 106 ، رقم 8246 .
دفاع عن التشيع 116

وأما سعد بن عبد الله فجعله النجاشي شيخ هذه الطائفة وفقيهها ووجيهها (1) . وقال عنه الطوسي : (جليل القدر) (2) . وقال الحلي : (واسع الأخبار ، كثير التصانيف ثقة ، شيخ هذه الطائفة وفقيهها ووجهها) (3) . ووثقه المامقاني (4) .
ونقل سعد بن عبد الله الحديث عن الحسن بن موسى الخشاب ، وهو من وجوه أصحابنا ، مشهور كثير العلم والحديث كما يقول النجاشي (5) . وعده الطوسي من أصحاب العسكري (6) ، وتابع الحلي النجاشي بقوله المتقدم (7) .
وأما الرجل الأخير في السند الذي نقل الحديث الذي أثبت مولد الإمام المهدي واختلاف الناس فيه ، هو العباس بن عامر القصابي ، الذي ترجم له النجاشي بقوله : (الشيخ الصدوق الثقة ، كثير الحديث) (8) . وذكره الطوسي في رجاله (9) وعده الحلي من الثقات (10) ، وكذلك المامقاني (11) .
فهذا حال السند الذي أنكر متنه الكاتب ، وكذلك أنكر حديثاً رواه الشيخ الصدوق عن أبيه ، عن عبد الله بن جعفر الحميري ، عن أيوب بن نوح ، عن محمد بن أبي عمير ، عن جميل بن دراج ، عن زرارة ، قال : قال : أبو عبد الله عليه السلام : «يأتي على الناس زمان يغيب عنهم إمامهم» ، فقلت له ـ والكلام لزرارة ـ ما يصنع الناس في ذلك
(1) رجال النجاشي : ص 177 ـ 178 ، رقم 467 .
(2) رجال الطوسي : ص 427 ، رقم 6141 ، من لم يرو عن واحد من الأئمة عليهم السلام .
(3) خلاصة الأقوال : ص 156 ، رقم 452 .
(4) تنقيح المقال : ج 1 ، ص 62 ، رقم 4702 .
(5) رجال النجاشي : ص 42 ، رقم 85 .
(6) رجال الطوسي : ص 398 ، رقم 5840 ، أصحاب العسكري .
(7) خلاصة الأقوال : ص 104 ، رقم 240 .
(8) رجال النجاشي : ص 281 ، رقم 744 .
(9) رجال الطوسي : ص 434 ، رقم 6222 ، من لم يرو عن واحد من الأئمة عليهم السلام .
(10) خلاصة الأقوال : ص 210 ، رقم 682 .
(11) تنقيح المقال : ج 1 ، ص 81 ، رقم 6214 .
دفاع عن التشيع 117

الزمان ؟ قال : «يتمسكون بالأمر الذي هم عليه حتى يتبين لهم» (1) .
هذا الحديث الذي أنكره الكاتب نقله الشيخ الصدوق الثقة ، عن والده (الثقة) كما قال النجاشي والطوسي والحلي والمامقاني (2) ، نقله والد الصدوق عن عبد الله بن جعفر الحميري شيخ القميين ووجههم بتعبير النجاشي (3) ، ووثقه الطوسي والحلي والمامقاني (4) ، ونقل عبد الله بن جعفر الحميري هذا الحديث ـ الذي أثبت غيبة الإمام المنتظر (عج) وحدد موقف الناس منه ـ عن أيوب بن نوح الثقة عند النجاشي والطوسي والحلي والمامقاني (5) ، ونقل أيوب بن نوح عن محمد بن أبي عمير الذي ترجمه له النجاشي بقوله : (جليل القدر ، عظيم المنزلة فينا وعند المخالفين) (6) ، وجعله الطوسي من أوثق الناس عند الخاصة والعامة (7) والذي قال الكشي بحقه : (إنه ممن أجمع أصحابنا على تصحيح ما يصح عنه وأقر له بالفقه والعلم) (8) ، وأما المحقق المامقاني فقد قال بحقه : ثقة ، مراسيله كالمسانيد الصحاح (9) .
ونقل الرجل هذا الحديث الذي أنكره الكاتب عن جميل بن دراج ، الذي تحدث
(1) كمال الدين : ص 328 ، باب 33 ، ح 44 .
(2) رجال النجاشي : ص 261 ، رقم 684 ؛ رجال الطوسي : ص 433 ، رقم 6191 ، من لم يرو عن واحد من الأئمة عليهم السلام ؛ خلاصة الأقوال : ص 178 ، رقم 531 : تنقيح المقال : ج 1 ، ص 106 ، رقم 8246 .
(3) رجال النجاشي : ص 219 ، رقم 573 .
(4) رجال الطوسي : ص 400 ، رقم 5857 أصحاب العسكري عليه السلام ؛ خلاصة الأقوال : ص 193 ـ 194 ، رقم 605 ؛ تنقيح المقال : ج 1 ، ص 88 ، رقم 6785 .
(5) رجال النجاشي : ص 102 ، رقم 254 ، رجال الطوسي : ص 352 ، رقم 5214 ، أصحاب الرضا عليه السلام : خلاصة الأقوال : ص 59 ، رقم 58 : تنقيح المقال : ج 1 ، ص 19 ، رقم 1195 .
(6) رجال النجاشي : ص 326 ـ 327 ، رقم 887 .
(7) الفهرست للطوسي : ص 218 ـ 219 ، رقم 617 .
(8) خلاصة الأقوال : ص 239 ـ 240 ، رقم 816 ، نقلاً عن الكشي .
(9) تنقيح المقال : ج 1 ، ص 13 ، رقم 10272 .
دفاع عن التشيع 118

عنه النجاشي ، فقال : (شيخنا ووجه الطائفة ثقة) (1) ، ووثقه الطوسي والحلي والمامقاني (2) ، وقال بحقه الكشي إنه : (ممن اجتمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه فيما يقول ، والإقرار له بالفقه) (3) .
وأما الرجل الأخير في السند ، والذي سمع الحديث من فم الإمام الصادق عليه السلام والذي أثبت للناس على لسان الصادق عليه السلام أن للمهدي غيبة ، فهو زرارة بن أعين الذي تحدث عنه النجاشي بقوله : (شيخ أصحابنا في زمانه ومتقدمهم ، وكان قارئاً ، فقيهاً ، متكلماً ، شاعراً ، أديباً ، قد اجتمعت فيه خلال الفضل والدين ، صادقاً فيما يرويه) (4) ، وقال بحقه الطوسي إنه ثقة (5) ، وقد تابع الحلي النجاشي في توثيقه المتقدم (6) ، وأما المامقاني فقد قال : (ثقة ، وأي ثقة) (7) . فهذا موقع الرجل الذي نسب إليه الكاتب بأنه يجهل إمام زمانه .
هذه الأحاديث الصحاح التي نقلناها من الشيخ الصدوق فقط هي غيض من فيض من الأحاديث الصحاح التي نقلها الإمامية الاثنا عشرية حول مولد الإمام الثاني عشر وغيبته واختلاف الناس فيه ، وتلقوها كابراً عن كابر ، كل ذلك أنكره الكاتب بكلمات إعلامية وشعارات واهية لا تنطلي إلا على جهال الناس .
(1) رجال النجاشي : ص 126 ـ 127 ، رقم 328 .
(2) الفهرست للطوسي : ص 94 ، رقم 154 ؛ خلاصة الأقوال : ص 92 ـ 93 ، رقم 209 ؛ تنقيح المقال : ج 1 ، ص 28 ، رقم 1933 .
(3) رجال الكشي : ترجمة محمد بن أبي عمير .
(4) رجال النجاشي : ص 175 ، رقم 463 .
(5 رجال الطوسي : ص 337 ، رقم 5010 .
(6) خلاصة الأقوال : ص 152 ، رقم 441 .
(7) تنقيح المقال : ج 1 ، ص 56 ، رقم 4213 .
دفاع عن التشيع 119



إنكار علائم الظهور بدون بحث وتحقيق

أنكر الكاتب علائم الظهور التي تحدث عنها الفكر الإسلامي عامة (السني والشيعي) ، والتي رويت بأسانيد صحاح لا يعتريها الشك مطلقاً ، فقال في هذا المجال : (إن جميع هذه الروايات الواردة في هذا الشأن هي مرسلة أو مروية عن مجاهيل وغلاة ووضاعين) (1) .
وهذا الشعار ـ كالشعارات السابقة ـ خلا من التحقيق لسند أو متن روايات علائم الظهور ، فهو إنكار ساذج لأسانيد صحيحة روت لنا علائم الظهور ، منها :
ما رواه الحاكم ، عن علي بن أبي طالب عليه السلام عندما سأله رجل عن المهدي فقال : «هيهات» ، ثم عقد بيده سبعاً فقال : «ذلك يخرج في آخر الزمان ، ثم إذا قال الرجل الله الله قتل ، فيجمع الله تعالى له قوماً كقزح السحاب ، يؤلف الله بين قلوبهم ، لا يستوحشون إلى أحد ، ولا يفرحون بأحد ، يدخل فيهم على عدة أصحاب بدر ، لم يسبقهم الأولون ، ولا يدركهم الآخرون ، وعلى عدد أصحاب طالوت الذين جازوا معه النهر» .
وقال الحاكم : (صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه) (2) .
وأخرج ابن ماجه حديثاً في علائم الظهور عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال : «يقتل عند كنزكم ثلاثة كلهم ابن خليفة ، لا يصير إلى واحد منهم ، ثم تطلع الرايات السود من قبل المشرق ، فيقتلونكم قتلاً لم يقتله قوم» . ثم ذكر شيئاً لا أحفظ ـ على حد تعبير الراوي ـ ثم قال : «فإذا رأيتموه فبايعوه ولو حبواً على الثلج ، فإنه خليفة الله المهدي» (3) .
قال الحاكم ـ متحدثاً عن سند هذا الحديث ـ : (صحيح على شرط الشيخين) (4) . وقال ابن كثير : (وهذا إسناد قوي صحيح) (5) .
(1) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 255 .
(2) مستدرك الحاكم : ج 4 ، ص 596 ـ 597 ، رقم 8659 .
(3) سنن ابن ماجه : ج 2 ، ص 1367 ، رقم 4084 .
(4) مستدرك الحاكم : ج 4 ، ص 510 ، رقم 8432 .
(5) كتاب النهاية ( الفتن والملاحم ) : ج 1 ، ص 301 .
دفاع عن التشيع 120

ثم تحدث ابن كثير عن هذا الحديث فقال : (هذه الرايات ليست هي الرايات التي أقبل بها أبو مسلم الخراساني فاستلب بها دولة بني أمية في 132 هـ بل رايات سود تأتي بصحبة المهدي) (1) .
وغير ذلك من العلامات التي نقلت بالأحاديث الصحاح عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وعن أمير المؤمنين ، والعشرات من هذه الروايات نقلت عن أئمة أهل البيت عليهم السلام ، وقد رماها الكاتب بسهام الضعف والوضع من دون مناقشة تذكر ، أضف إلى ذلك أن الصحابة رووا بالآثار الصحيحة الكثير من العلامات ، كما ذكر ابن حماد .
يقول عبد الرزاق في مصنفه ، عن معمر بن راشد الأزدي أبي عروة البصري ، عن ابن طاووس وهو عبد الله بن طاووس بن كيسان ، عن علي بن عبد الله بن عباس ، قال : (لا يخرج المهدي حتى تطلع مع الشمس آية) (2) .
فهذا الأثر الذي روي عن معمر بن راشد الثقة الثبت الفاضل ، الذي قال عنه ابن حجر في تهذيبه : (إن حديثه عن ابن طاووس مستقيم) (3) ، وكذلك قال الذهبي (4) ، وأما ابن طاووس فهو ثقة فاضل (5) ، وأخيراً علي بن عبد الله بن عباس أبو محمد فهو ثقة عابد (6) .
فهذه الأحاديث ، وعشرات مثلها ، وبأسانيد صحيحة من ثقات تؤكد وجود علامات للمهدي قبل ظهوره ، استهزأ بها الكاتب من غير دراسة ولا بحث ، ورماها بالوضع والاختلاق ، وجره هذا القول إلى قول آخر ، وهو أن أحاديث علامات الظهور لم تحدد هوية المهدي ، بينما نجد علي بن المكي الهلالي يقول في حديث إنه دخل
(1) كتاب النهاية (الفتن والملاحم) : ج 1 ، ص 301 .
(2) مصنف عبد الرزاق : ج 11 ، ص 373 ، رقم 2775 .
(3) تهذيب التهذيب : ج 10 ، ص 220 ، رقم 441 .
(4) ميزان الإعتدال : ج 4 ، ص 154 ، رقم 8682 .
(5) تقريب التهذيب : ص 251 ، رقم 3397 .
(6) تقريب التهذيب : ص 342 ، رقم 4761 .
دفاع عن التشيع 121

على رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وفاطمة عليها السلام عند رأسه في مرضه ، فبكت ، فأخبرها رسول الله صلى الله عليه واله وسلم باختياره واختيار علي عليه السلام والأوصياء من بعده ، وهم خير الأوصياء ، وأخذ رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يعدد علائم الظهور التي أنكرها الكاتب ، ثم أخيراً ـ وكما يقول الحديث ، أخبر رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فاطمة بأن المهدي من ولدها ، ومن ولد الحسين بالذات . وأخرج هذا الحديث الذي أنكر الكاتب مضمونه الطبراني والهيثمي والجويني وغيرهم ، والذي حدد فيه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم هوية المهدي من فاطمة عليها السلام من الحسين عليه السلام ، وحدد الأوصياء فيه .
وهذا غيض من فيض من الأحاديث التي حددت معالم الظهور وعلاماته ، ومن أراد الاطلاع أكثر فليراجع معجم أحاديث الإمام المهدي (1) ، كل ذلك أنكره الكاتب بكلمة إنشائية خالية من المصادر .


الاشتباه في فهم ألفاظ الروايات

ونتيجة للفهم الخاطئ لألفاظ الروايات وقع الكاتب في اشتباهات فضيعة ، أدت به إلى إنكار نص رسول الله صلى الله عليه واله وسلم على أئمة أهل البيت عليهم السلام ، ومن مصاديق ذلك قوله : (إن الإئمة لم يكونوا يعرفون بخلفهم من قبل) (2) .
والسر في فهمه الخاطئ هذا أنه لم يستطيع أن يميز بين الروايات جيداً ،أي لم يستطيع التمييز بين معرفة الإمام بنفسه أنه إمام ، وبين بداية إمامته .
اما الامرالاول ، وهو معرفة الامام بنفسه انه امام ، فهذا مما دلت عليه كتب الحديث ، وطالعتنا به الروابات التاريخية بالتصريح باسمائهم من قبل رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ، كما نقل ذلك القندوزي الحنفي في ينابيعه ، والصدوق في إكمال الدين ، والكليني في الكافي ، مضافاً إليه حديث اللوح الذي نقله الصدوق والكليني .
أما الصدوق فقد قال : حدثنا الحسين بن أحمد بن إدريس ، قال : حدثنا أبي عن
(1) معجم أحاديث الإمام المهدي 5 مجلدات .
(2) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 73 .
دفاع عن التشيع 122

أحمد بن محمد بن عيسى ، وإبراهيم بن هاشم ، جميعاً ، عن الحسن بن محبوب ، عن أبي الجارود ، عن أبي جعفر عليه السلام ، عن جابر بن عبد الله الأنصاري ، قال : دخلت على فاطمة عليها السلام وبين يديها لوح فيه أسماء الأوصياء ، فعددت اثنى عشر اسماً ، آخرهم القائم ، ثلاثة منهم محمد ، وأربعة منهم علي صلوات الله عليهم (1) .
وروى الصدوق هذا الحديث بطريق آخر ، وهو : عن أحمد بن محمد بن يحيى العطار ، عن أبيه ، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب ، عن الحسن بن محبوب ، عن أبي الجارود ، عن أبي جعفر ، عن جابر بن عبد الله الأنصاري . . . الحديث .
وقد يقال : إن السند غير حجة من وجهين :
الأول : أن الحسين بن أحمد بن إدريس في السند الأول ، وأحمد بن محمد بن يحيى العطار في السند الثاني لم يوثقا .
قلت : هما من مشايخ الإجازة ، ولم يذكر الصدوق أحدهما في جميع كتبه إلا مترضياً عليه ، ومن البداهة أن لا يقال للفاسق : (رضي الله عنه) ، بل يقال ذلك للرجل الجليل .
ولو تنزلنا بعدم دلالة هذا اللفظ على الوثاقة ، فإنه من البعيد كل البعد أن يتفق كل منها على الكذب على أبيه ، لأنهما رويا الحديث عن أبويهما .
ومما يدل على صدقهما أن الكليني أخرج الحديث بسند صحيح ، عن أبي الجارود ، وابتدأ السند بوالد الشيخ الصدوق عن محمد بن يحيى العطار ، عن محمد بن الحسين ، عن ابن محبوب ، عن أبي الجارود ، عن أبي جعفر ، عن جابر بن عبد الله الأنصاري (2) ، والمشايخ الثلاثة الاول في هذا السند من أجلاء المحدثين وثقاتهم المشهورين بالاتفاق .
الثاني : أن أبا الجارود قد طعن عليه ، فالسند ليس بحجة .
والجواب : إن أبا الجارود تابعي ، ومن أين للتابعي أن يعلم بأن في اسماء الأوصياء عليهم السلام ثلاثاً باسم محمد وأربعة باسم علي ؟ ! وهذا هو المنطبق مع الواقع ، وقد مات أبو الجارود قبل إتمام هذا الواقع بعشرات السنين ، على أن الشيخ المفيد قد وثقه
(1) كمال الدين : ص 293 ، باب 28 ، ح 3 .
(2) الكافي : ج 1 ، ص 532 ، باب 126 ، ح 9 .
دفاع عن التشيع 123

في رسالته العددية .
هذا ، والصدوق أخرج حديث اللوح في أول الباب بهذا السند ، قال : حدثني أبي ومحمد بن الحسن (رضي الله عنهما) قالا : حدثنا سعد بن عبد الله وعبد الله بن جعفر الحميري ، عن أبي الحسن صالح بن حماد والحسن بن طريف ، عن بكر بن صالح .
وحدثنا أبي ، ومحمد بن موسى المتوكل ، ومحمد بن علي بن ماجيلويه ، وأحمد بن علي بن إبراهيم ، والحسن بن إبراهيم بن تاتانه ، وأحمد بن زياد الهمداني (رضي الله عنهم) قالوا : حدثنا علي بن إبراهيم ، عن أبيه إبراهيم بن هاشم ، عن بكر بن صالح ، عن عبد الرحمن بن سالم ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد الله . . . الحديث .
والسندان صحيحان ، إلا بكر بن صالح الذي ضعف ، ولا يضر ضعفه هنا لأنه من غير المعقول أن يخبر الرجل الضعيف عن شيء قبل أوانه ، ثم يتحقق ذلك الشيء على طبق ما أخبر له ، ثم لا يكون الخبر ـ بعد ذلك ـ صادقاً ، فالرجل روى عن الإمام موسى بن جعفر عليه السلام ، فمن أين له أن يعلم بأولاده وصولاً إلى المهدي عليهم السلام ؟ ! وهو كما يبد من طبقته لم يدرك الأئمة (الهادي والعسكري والمهدي عليهم السلام) ، ويدلك على هذا أن من مشايخ الحسن بن طريف الراوي عن بكر بن صالح في السند الأول هو ابن أبي عمير (ت 217) ، ومن في طبقته (1) .
فحديث اللوح : ـ عهد من رسول الله صلى الله عليه واله وسلم إلى الأئمة من ولده ، كما قال الصادق عليه السلام : «أترون الأمر إلينا نضعه فيمن نشاء ؟ كلا والله ، إنه عهد من رسول الله صلى الله عليه واله وسلم إلى علي بن أبي طالب ، رجل فرجل إلى أن ينتهي إلى صاحب هذا الأمر» (2) ـ يخبر بحقيقة علم الأئمة بأنفسهم بأنهم أئمة ، وقد أنكر أحمد الكاتب ذلك (3) .
وأما الأمر الثاني ـ وهو معرفة الإمام وقت بداية إمامته ـ فيقول الصادق عليه السلام : «إن
(1) المهدي في الفكر الإسلامي : ص 86 ـ 88 .
(2) بصائر الدرجات : ص 471 ، باب 1 ، ح 2 .
(3) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 73 .
دفاع عن التشيع 124

الإمام التالي يعرف إمامته في آخر دقيقة من حياة الأول» (1) ، أي يعرف بداية إمامته بقرينة آخر دقيقة من حياة الأول .
وعبرت رواية صفوان بن يحيى عن هذا المعنى الذي خلط الكاتب فيه ، قال : قلت لأبي الحسن الرضا عليه السلام أخبرني عن الإمام متى يعلم أنه إمام ، حين يبلغ أن صاحبه قد مضى ، أو حين يمضي مثل أبي الحسن عليه السلام قبض ببغداد وأنت هيهنا ؟ قال : «يعلم ذلك حين يمضي صاحبه» (2) .
فالإمام الرضا عليه السلام أكد أن الإمام اللاحق يعرف بداية إمامته حينما يمضي الإمام السابق ، لا حينما يبلغ بأن الإمام السابق قد مضى ، فلعل هذا الإبلاغ ليس له حقيقة وواقع ، فلا يمكن أن يكون هناك إمامان في وقت واحد ، فبداية إمامته تبدأ بعد وفاة السابق .
وهذا الخلط الذي وقع فيه الكاتب بين معرفة الإمام نفسه بأنه إمام ، وبين بداية إمامته ، أدى به إلى القول : (لم تكن هناك قائمة مسبقة بأسماء الأئمة القادمين ، وإنما كانت هذه القضية متروكة للزمن . . . . ـ وقال : ـ إن الأئمة لم يكونوا يعرفون بخلفهم من قبل) (3) .
وبعد ما تقدم تبين أن هذا الكلام لا معنى له ، ناشئ من عدم التحقيق والبحث والتمييز بين الروايات .
وعندما لم يجد الكاتب أدلة على ما يقول ، راح يبحث عن قضية سؤال الشيعة للأئمة عن هوية الإمام اللاحق ، وفي بعض الأسئلة يرفض الأئمة تحديد الهوية (4) ، ولكنه تجاهل السبب الذي حدا بالأئمة عدم تحديد هوية الإمام اللاحق لاولئك الذين لم يؤنس منهم رشد (5) ، واكتفى بالنتيجة ، لأن السبب يدينه ، والسبب ـ كما هو واضح
(1) بصائر الدرجات : ص 477 ـ 478 .
(2) بصائر الدراجات : ص 466 ، ح 1 .
(3) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 73 .
(4) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 74 .
(5) معجم رجال الحديث : ج 19 ، ص 229 ـ 300 .
دفاع عن التشيع 125

عملاً ـ ما قام به أبو جعفر المنصور ببث جواسيسه ينظرون إلى من تتفق شيعة جعفر عليه فيضربون عنقه (1) .
فلهذا السبب رفض الأئمة تحديد هوية الإمام اللاحق لاولئك الذين لم يؤنس منهم رشداً ، فالمسألة ليست كما يتصور الكاتب بهذه السهولة أن يطرح الإمام هوية الإمام اللاحق ، لأن ذلك معناه الذبح ، كما يقول الكاظم عليه السلام (2) .


مخالفة المفسرين واتهامهم

خالف الكاتب المفسرين في تفسيرهم لقوله تعالى : «يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول واولى الأمر منكم» (3) ، ونفى الكاتب دلالة الآية على العصمة ، وقال : (إن الآية قد تفهم على أساس النسبية ، بل إن هذا ـ النسبية في الطاعة ـ ما يوحي به العرف والعقل والآيات الاخرى في القرآن الكريم) (4) .
ومراد الكاتب من النسبية في الطاعة أو اولي الأمر ليسوا بمعصومين ، ولكن فلنستمع إلى الرازي في تفسيره لهذه الآية ، يقول الرازي : (إن الله تعالى أمر بطاعة اولي الأمر على سبيل الجزم في هذه الآية ، ومن أمر الله بطاعته على سبيل الجزم والقطع لابد أن يكون معصوماً عن الخطأ ، إذ لو لم يكن معصوماً عن الخطأ كان بتقدير إقدامه على الخطأ يكون قد أمر الله بمتابعته ، فيكون ذلك أمراً بفعل ذلك الخطأ ، والخطأ لكونه خطأ منهي عنه ، فهذا يفضي إلى اجتماع الأمر والنهي في الفعل الواحد بالاعتبار الواحد ، وإنه محال ، فثبت أن الله تعالى أمر بطاعة اولي الأمر على سبيل الجزم ، وثبت أن كل من أمر الله بطاعته على سبيل الجزم وجب أن يكون معصوماً عن الخطأ ، فثبت
(1) الكافي : ج 1 ، ص 412 ، ح 7 .
(2) نفس المصدر السابق .
(3) النساء : الآية 59 .
(4) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 79 .
دفاع عن التشيع 126

أن اولي الأمر المذكور في الآية لابد أن يكون معصوماً) (1) .
بينما نجد الكاتب يقول : بأن من يفهم من الآية هذا المعنى مخالف للعرف والعقل والآيات الاخرى ، لأنه جعل العرف والعقل والآيات الاخرى كلها أدلة على فهم النسبية في الطاعة التي تتحدث عنها الآية ، فاتهام الرازي بعدم معرفته بالعرف والعقل وآيات القرآن ومن قبل الكاتب من عجائب الدنيا .
ثم راح الكاتب يشوش ذهن القارئ فقال : (فإن المسلمين الأوائل لم يكونوا يفهمون من معنى الإطلاق والطاعة لاولي الأمر حتى في المعاصي والمنكرات ، وقد رفضت جماعة من المسلمين كان الرسول الأكرم قد أرسلها في سرية وأمر عليها رجلاً طاعة ذلك الرجل عندما أمر الجماعة في وسط الطريق بدخول نار أشعلها وطالبهم بالامتثال لأوامره ، وقالوا له : لقد فررنا من النار فكيف ندخل فيها) (2) .
ومن الغريب جدا ان يجعل الكاتب مورد نزول الاية دعابة فعلها عبد الله بن حذافة ، تقول الرواية : ان عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي السهمي اذ بعثه النبي صلى الله عليه وآله في سرية ، قال ابو عمر : وكان في عبد الله بن حذافة دعابة معروفة ، ومن دعابته ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمره على سرية فأمرهم أن يجمعوا حطباً ويوقدوا ناراً ، فلما أوقدوها أمرهم بالتقحم فيها ، فقال لهم : ألم يأمركم رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بطاعتي ؟ وقال : « من أطاع أميري فقد أطاعني» ، فقالوا : ما آمنا بالله واتبعنا رسوله إلا لننجو من النار ، فصوب رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فعلهم ، كما يقول القرطبي (3) .
لقد أصبح القرآن عند الكاتب نازلاً لدعابات يلعب بها عبد الله بن حذافة ، وليس لهداية البشرية ، فمورد نزول الآية عند الكاتب هو دعابة يلعب بها عبد الله بن حذافة ، ورفض أن يكون مورد نزول الآية علي بن طالب عليه السلام ، تقول الرواية : رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بعث سرية يوماً على رأسها علي ، فصنع علي شيئاً أنكروه ، فتعاهد أربعة
(1) التفسير الكبير : ج 10 ، ص 116 .
(2) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 79 ـ 80 .
(3) الجامع لأحكام القرآن : ج 5 ، ص 260 .
دفاع عن التشيع 127

من أصحاب رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أن يعلموه ، وكانوا إذا قدموا من السفر بدأوا برسول الله صلى الله عليه واله وسلم ، فقالوا له ذلك ، فنهرهم وقال غاضباً : «ما تريدون من علي ، ما تريدون من علي ، علي مني وأنا من علي ، وعلي ولي كل مؤمن بعدي» (1) .
أضف إلى ذلك قول الباقر عليه السلام في قوله تعالى : «أطيعوا الله وأطيعوا الرسول واولى الأمر منكم» (2) قال : «هي في علي وفي الأئمة ، جعلهم الله مواضع الأنبياء» (3) .
ويقول أمير المؤمنين عليه السلام : «إن هذه الآية نزلت فيمن قرنهم الله بنفسه ونبيه ، هم اولئك الذين قال عنهم رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : إني تارك فيكم أمرين لن تضلوا بعدي إن تمسكتم بهما ، كتاب الله عزوجل وعترتي أهل بيتي» (4) . كل ذلك نبذه الكاتب وراء ظهره ليشتري به ثمناً قليلاً ، فبئس ما يشترون .


ادعاءات إعلامية فارغة

امتلأ كتاب أحمد الكاتب بالادعاءات الإعلامية الفارغة التي في كثير منها لا يسوق لها أي شاهد ، وفي بعضها الآخر يحرف المراد الواقعي لها من قبل فقهاء الإمامية ومتكلميهم ، وأنكر في بعض آخر حقائق اتفق عليها الفكر الإسلامي ، أعم من كونه سنياً أو شيعياً ، فلقد أنكر العدد المحدد للأئمة أو الخلفاء من بعد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم (5) . في الوقت الذي نجد فيه أن العدد الاثنى عشر (خليفة ، امام ، أمير ) ورد في روايات كتب الفريقين ، كما سيتضح فيما بعد .
ثم شنع على الشيعة فهمه الخاطئ لألفاظ أحاديث تقول : إن الإمامة مستمرة في
(1) مصنف بن أبي سنية : ج 7 ، ص 504 ، ح 58 ؛ مسند أحمد : ج 4 ، ح 19426 ؛ سنن الترمذي ج 5 ، رقم 3712 ؛ الإحسان بترتيب صحيح ابن حيان : ج 6 ، ص 269 ، رقم 6938 .
(2) النساء : الآية 59
(3) الميزان : ج 4 ، ص 421 .
(4) الميزان : ج 4 ، ص 421 .
(5) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 109 .
دفاع عن التشيع 128

الخلق ، وقال : (إن الإمامة لا تنقطع ولا تنحصر في عدد معين) (1) ، ولكنه لا يستطيع أن يطلي أكاذيبه على القارئ ، لتسالم الفكر الشيعي والسني على وجود اثنى عشر خليفة حتى تقوم الساعة ، يقول مسلم في صحيحه :
«لا يزال الدين قائماً حتى تقوم الساعة ، ويكون عليكم اثنى عشر خليفة كلهم من قريش» (2) .
فالحديث واضح المعنى ، إن الرقم المحدد اثني عشر ، هو خلفاء الله على البشرية من بعد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم حتى تقوم الساعة ، ولكن عندما أنكر الكاتب ذلك العدد زور كلمة (حتى تقوم الساعة) وما يشابهها في كتب الشيعة ، ليجعل الإمامة إلى يوم القيامة وإنها مستمرة بدون عدد محدد .
وبعد هذا وذاك ، كذب على الشيعة من جديد عندما قال : (إن النظرية الإمامية تقول : إن النص قد حدث على علي فقط ، وان النص على الأئمة الآخرين يتم من قبل الأول للثاني ، وهكذا) (3) .
وهذا كذب محض ، وافتراء واضح ، لأن الشيعة تسالموا في نقل النصوص على إمامة أهل البيت عليهم السلام من رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ، وأعد بعض الفقهاء أبواباً خاصة باسم (النصوص العامة على إمامة الأئمة الاثنى عشر عليهم السلام وخلافتهم على لسان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم . . . إلخ) ، كما نقل ذلك الحر العاملي وغيره (4) ، ومسألة النص على الأئمة من قبل رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ، كما في حديث اللوح الذي نقله جابر وغيره من أصحاب رسول الله صلى الله عليه واله وسلم كسلمان ، مسألة مفروغ عنها في الفكر الشيعي ، وكذلك بعض كتب المنصفين من السنة ، أمثال القندوزي الحنفي الذي جعل باباً بعنوان : (بيان الأئمة الاثني
(1) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 109 .
(2) صحيح مسلم : ح 1822 .
(3) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 110 .
(4) إثبات الهداة : ج 2، ص 244 ـ 566 .
دفاع عن التشيع 129

عشر بأسمائهم) (1) ، ونقل حديث رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : «أنا وعلي والحسن والحسين وتسعة من ولد الحسين مطهرون معصومون» .
يقول الحر العاملي : إن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال : «أوحى الله إلي يا محمد ، إني اطلعت إلى الأرض إطلاعة فاخترتك منها فجعلتك نبياً ، ثم اطلعت ثانياً فاخترت منها علياً فجعلته وصيك ووارث علمك والإمام بعدك ، وأخرج من أصلابكما الذرية الطاهرة والأئمة المعصومين ، خزان علمي ، فلولاكم لما خلقت الدنيا والآخرة ولا الجنة ولا النار ، يا محمد أتحب أن تراهم ؟ فقلت : نعم ، فنوديت ، يا محمد ، ارفع رأسك ، فرفعت رأسي ، فإذا أنوار علي ، وفاطمة ، والحسن ، والحسين ، وعلي بن الحسين ، ومحمد بن علي ، وجعفر بن محمد ، وموسى بن جعفر ، وعلي بن موسى ، ومحمد بن علي ، وعلي بن محمد ، والحسن بن علي ، والحجة يتلالأ من بينهم كأنه كوكب دري ، يا محمد هم الأئمة بعدك المطهرون من صلبك . . . » (2) .
هذا ما ذكره الحر العاملي في إثبات الهداة ، والغرض من نقلنا لهذا الكلام هو أن نبين أن الكاتب نسب إلى الحر العاملي أنه قال بأن النص حدث على الإمام علي فقط ، وأن النص على الأئمة الآخرين يتم من قبل الأول للثاني (3) ، بينما نرى أن الحر العاملي نقل الحديث أعلاه ، وعشرات مثله تؤكد النص على الأئمة من قبل الرسول صلى الله عليه واله وسلم .
ثم أطلق الكاتب شعارات فارغة ، لم تعترف بها الشيعة في أي زمان ، فقال : (وكانت النظرية تعترف بعدم وجود النص الصريح من بعض الأئمة على بعض) (4) .
فلو تفضل علينا الكاتب ، وذكر لنا مورداً واحداً تقول الشيعة فيه أن النص على هذا الإمام لم يقم عليه دليل ؟ بل على العكس تماماً ، فقد ذكروا أحاديث للنص عليهم من رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ، وثم من آبائهم واحداً بعد واحد، وأنه أمر إلهي لا يضعه الإمام
(1) ينابيع المودة : ح 3 ، ص 281 ، باب 76 .
(2) إثبات الهداة : ج 2 ، ص 520 ؛ عيون أخبار الرضا : باب النصوص على الرضا عليه السلام .
(3) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 110 .
(4) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 110 .