|
له : «أتاني جبرئيل فقال : يا محمد ، إن ربك [يقرئك السلام] ويقول لك : إن علي بن أبي طالب وصيك وخليفتك على أهلك وامتك» (1) .
ويسأل جابر عن نتيجة من لم يؤمن بهذا ؟ فأجابه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ، فقال : «نعم ، يا جابر ، ما وضع هذا الموضع ليتابع عليه ، فمن تابعه كان معي غداً ، ومن خالفه لم يرد علي الحوض أبداً» (2) .
3 ـ إن الوصية التي تحدث عنها الكاتب وجدناها في المجلس (22) ، ولكنه حذف منها قول الرسول صلى الله عليه واله وسلم لعلي : «وأنت الإمام لأمتي ، والقائم بالقسط في رعيتي ، وأنت وليي ، ووليي ولي الله ، وعدوك عدوي ، وعدوي عدو الله» (3) .
فهذه الفقرة لم يذكرها الكاتب بل اكتفى بالقول : (هناك وصية ينقلها الشيخ المفيد . . . وهي أيضاً وصية أخلاقية روحية عامة) (4) ، فأين النزاهة العلمية باقتباس الروايات ؟! وأين الاحترام الذي يكنه الكاتب لذهن القارئ ؟!
|
بثلاث روايات عليلة نفى الإمامة وأقام الشورى
|
|
|
 |
اكتفى الكاتب بثلاث روايات فقط ليقول بعدم وصية رسول الله صلى الله عليه واله وسلم للإمام علي عليه السلام بالخلافة والإمامة ، وترك الأمر شورى (5) . فكان عمدة استدلاله في الاولى أنها ذكرت في كتب الشيعة ، والمقصود من كتب الشيعة كتاب الشافي للسيد المرتضى ، ولم يذكر أن السيد المرتضى ذكرها ليرد على القاضي عبد الجبار المعتزلي الذي استدل بها .
وأما الرواية الثانية التي اعتمد عليها الكاتب ، فقد حذف الكاتب سندها ولم
|
(1) الأمالي : ص 167 ـ 168 ، باب 7 ، المجلس 21 .
(2) الأمالي : ص 167 ـ 168 ، باب 7 ، المجلس 21 .
(3) الأمالي : ص 174، المجلس 22 ، ح 4 .
(4) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 20 .
(5) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 20 .
|
يتطرق إليه ، لأن فيه سهل بن زياد الذي ضعفه النجاشي ، وقال عنه الطوسي : (ضعيف جداً عند نقاد الأخبار) (1) .
وأما الثالثة ، فقد حذف منها قول الرسول صلى الله عليه واله وسلم لعلي عليه السلام : «وأنت الإمام لأمتي ، والقائم بالقسط في رعيتي» (2) .
وبهذه الروايات العليلة خرج الكاتب بنتيجة تقول : إن الرسول صلى الله عليه واله وسلم قد ترك الأمر شورى (3) .
وبالرغم من ذلك كله نتنازل للكاتب جدلاً ، ونسلم معه بما ذكر ، ولكن هل من المعقول أن يترك تراث ضخم قائم على النص والوصية لأجل ثلاث روايات فقط ، فلم يقنع الكاتب حتى نفسه بذلك فراح يجند الشواهد التي كان يعتقد أنها تؤيد رواياته الثلاث ، فلوى أعناقها ليؤكد ذلك التأييد ، فأول تلك الشواهد التي ذكرها هو إجحام أمير المؤمنين عليه السلام عن العرض الذي قدمه العباس إليه عندما قال له : (امدد يدك ابايعك) .
يقول الكاتب : (بالرغم من إلحاح العباس بن عبد المطلب عليه بذلك ، حيث قال له : امدد يدك ابايعك وآتيك بهذا الشيخ من قريش ( يعني أبا سفيان) ، فيقال : إن عم رسول الله بايع ابن عمه ، فلا يختلف عليك من قريش أحد ، والناس تبع قريش ، فرفض الإمام علي عليه السلام ذلك) (4) .
ففسر امتناع الإمام عن قبول البيعة إيماناً منه بالشورى ، ليؤكد نظريته التي استخرجها من ثلاث روايات فقط .
ونحن نشاطر الكاتب هذا الفهم لولا جواب الإمام للعباس الذي حذفه الكاتب ولم يشر إليه ، يقول الراوي : بعدما عرض العباس على الامام ذلك أجابه الإمام بقوله :
|
(1) الاستبصار : ج 3 ، ص 267 ، ح 935 .
(2) الأمالي : ص 74 ، المجلس 22 ، ح 4 .
(3) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 20 .
(4) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 20 .
|
«أو منهم من ينكر حقنا ويستبد علينا» (1) .
فهذا الجواب يوضح لنا أن الخلافة ليست بيعة ، حتى يوافق الإمام على ذلك العرض ، وإنما هي حق من الحقوق يؤخذ ولا يعطى ، فحذف الكاتب هذه العبارة التي تفسر لنا عقلية الصحابة الذين لا يستطيعون أن ينكروا حقه في الإمامة والخلافة ، إلا أن يقوموا بانقلاب ـ كما نسميه اليوم ـ على كل ما هو سائد لدى القوم . فحذف الكاتب تلك العبارة ليزور الحقائق ويشوش ذهن القارئ .
ولم يقف عند هذا الحد ، بل جاء بما هو أسوأ من ذلك ، جاء بالمعونة التي قدمها أبو سفيان للإمام علي عليه السلام عندما قال له : (ابسط يدك ابايعك فوالله لأملأها على أبي فصيل خيلاً ورجلاً) ، وجعل من رفض الإمام علي عليه السلام دليلاً على إيمانه بالشورى (2) ، ولكنه عاد من جديد وحذف جواب الإمام «ويحك يا أبا سفيان ، هذه من دواهيك» .
وعجباً لرجل يأتي في القرن العشرين ، ويستدل بعروض أبي سفيان بعدما عرف المؤلف والمخالف من هو أبو سفيان ، ولماذا عرض ذلك على الإمام ؟ وما هو قصده ؟ وهل آل الأمر بعلي بن أبي طالب أن ينتصر لدين الله بعدو الله أبي سفيان !
ولعل الكاتب استدل على إيمان الإمام علي عليه السلام بالشورى من عبارة اخرى موضوعة ذكرت في الرواية ، وهي : «ويحك يا أبا سفيان ، هذه من دواهيك ، وقد اجتمع الناس على أبي بكر» (3) .
فهذا الاجتماع المزعوم لم يؤيده عمر بن الخطاب الذي وصف لنا أجواء السقيفة بقوله : (كثر اللغط وارتفعت الأصوات) (4) ، فضلاً عن أمير المؤمنين الذي لا يملك اجتماع الناس على الخلافة أي مساحة في حساباته ، فهو يقول في هذا المجال : «لا يقاس بآل محمد صلى الله عليه واله وسلم من هذه الأمة أحد ، ولا يسوى بهم من جرت نعمتهم عليه أبداً ، هم
|
(1) نهج البلاغة : ج 1 ، ص 160 .
(2) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 20 ـ 21 .
(3) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 21 .
(4) فتح الباري في شرح صحيح البخاري ج 14 ، ص 111 ، طبعة دار الفكر .
|
أساس الدين ، وعماد اليقين ، إليهم يفيء الغالي ، وبهم يلحق التالي ، ولهم خصائص حق الولاية ، وفيهم الوصية والوراثة» (1) .
ولذا ناشد أمير المؤمنين عليه السلام كل المسلمين عندما قال : «انشد الله من سمع رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول يوم غدير خم : من كنت مولاه فعلي مولاه ، لما قام وشهد» ، فقام اثنا عشر بدرياً فقالوا : (نشهد إنا سمعنا رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول يوم غدير خم . . . إلخ) (2) .
إذن ، الإمامة عند أمير المؤمنين عليه السلام منصب إلهي ، مجعول من قبله تعالى ، كما ورد في الذكر الحكيم : «إني جاعلك للناس إماماً» ، وهذا ما أثبته ابن عباس لعمر عندما قال له عمر : (إن القوم كرهوا أن يجمعوا لكم النبوة والخلافة) .
فأجابه ابن عباس : (وأما قولك : إنهم أبوا أن تكون لنا النبوة والخلافة ، فإن الله عزوجل وصف قوماً بالكراهية فقال : «ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم» (3) ) ، فقد جعل ابن عباس مسألة الإمامة من المسائل المنزلة من الله تعالى ، لا من عطايا البشر حتى يجتمعوا عليها على فرض تحقق ذلك الاجتماع .
وتحدث الداوودي عن بيعة أبي بكر ـ شارحاً قول عمر ـ : (كانت فلتة) : (يعني وقعت من غير مشورة) (4) .
بهذه الشواهد وأمثالها استدل الكاتب على الشورى متناسياً أن الاجتماع الذي يتحدث عنه قتل سعد بن عبادة لأنه لم يبايع ، ونسب قتله إلى الجن ، ولكن هذه الكذبة إذا انطلت على بعض ، لم تنطل على المفكرين ، أمثال طه حسين الذي عزا مقتل سعد بن عبادة إلى السياسة (5) .
|
(1) نهج البلاغة : الخطبة 2 ، ص 25 .
(2) مسند أحمد : ج 1 ، ح 642 و 672 ؛ البداية والنهاية : ج 5 ، ص 229 ـ 232 ؛ سنن الترمذي : ج 5 ، ح 3713 ؛ سنن ابن ماجة : ج 1 ، ح 116 و 121 .
(3) تاريخ الطبري : ج 3 ، ص 289 .
(4) فتح الباري : ج 14 ، ص 117 ، دار الفكر .
(5) طه حسين ، تاريخ الأدب العربي : ج 1 ، ص 146 .
|
وأخيراً ، لماذا لم يبادر الإمام علي عليه السلام إلى بيعة أبي بكر ، ومتابعة اجتماع الناس المزعوم ؟ ولماذا راح يناشد الناس عن حقه المغتصب ؟ فلو كان يؤمن بالشورى فكان عليه أن يبادر للبيعة ، ولا يتأفف هنا وهناك ، ولا يقول : «فيا لله وللشورى» (1) ، وهل يؤمن بالشورى من يقول : «أين الذين زعموا أنهم الراسخون في العلم دوننا كذباً وبغياً ؟ . . . . إن الأئمة من قريش ، غرسوا في هذا البطن من هاشم ، لا تصلح على سواهم ، ولا تصلح الولاة من غيرهم» (2) ، وكذلك قال محتجاً على البيعة : «احتجوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة» (3) .
اذن ، ما اعتمد عليه الكاتب من الروايات الثلاث العليلة ، ومن الشواهد المريضة ، لا ينطلي على القارئ ، فضلاً عن الباحث والمحقق .
|
الكذب على الصحابة
|
|
|
 |
يقول الكاتب : (إن الصحابة لم يفهموا من حديث الغدير أو غيره من الأحاديث معنى النص والتعيين بالخلافة ، ولذلك اختاروا طريق الشورى وبايعوا أبابكر) (4) .
ولنسأل الكاتب : أي قسم من أقسام الصحابة تقصد هنا ؛ لأن الصحابة بعد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم انقسموا إلى قسمين : الأول ذهب إلى السقيفة ، والقسم الثاني امتنع عن السقيفة .
وبلاإشكال لا يستطيع الكاتب أن يقول : كلاهما المقصود ، لأن الممتنعين لم نطلع على نواياهم لنعرف سبب امتناعهم ، هل لأنهم لم يفهموا من كلام الرسول صلى الله عليه واله وسلم تعيين علي وتنصيبه ، ولم يرغبوا في الدخول في هذه المعمعة السياسية ، أم لا ، امتنعوا لأنهم يقرون ويعترفون بأن الرسول نصب أمير المؤمنين عليه السلام ، وهذا الذي يحدث انقلاب
|
(1) نهج البلاغة : الخطبة 3 ، ص 28 .
(2) نهج البلاغة : الخطبة 144 ، ص 263 .
(3) نهج البلاغة : الخطبة 67 ، ص 102 ـ 103 .
(4) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 22 .
|
على ما وضعه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لهم .
وتحديد أي الطرفين متروك لهم في أقوالهم ، وسنبين تحت عنوان (النص أم الشورى في فكر الصحابة) آراء هذا القسم وأفكارهم ، وسيتضح أنها قائمة على أساس النص والوصية السياسية لعلي عليه السلام .
إذن ، الكاتب يقصد القسم الأول ، اولئك الذين ذهبوا إلى السقيفة ، فلو أثبتنا للكاتب ، أن رأس اولئك عمر بن الخطاب لا يعترف بمبدأ الشورى ، بل يعترف بمبدأ النص ، ويصرح بذلك ، فلا يبقى له كلام في هذا المجال .
أما متى اعترف عمر بمبدأ النص ؟ ولماذا لم يعمل فيه ؟ كل ذلك تطالعنا به الرواية التاريخية المنقولة ، وهي قول عمر لابن عباس : (كيف خلفت ابن عمك ؟ قال ـ يعني ابن عباس ـ : فظننته يعني عبد الله بن جعفر ، فقلت : خلفته مع أترابه . قال : لم أعن ذلك ، إنما عنيت عظيمكم أهل البيت . قال : خلفته يحتج بالغرب وهو يقرأ القرآن . قال : يا عبد الله ، عليك دماء البدن إن كتمتنيها ، هل بقي في نفسه شيء من أمر الخلافة ؟ قال : قلت : نعم . قال : أيزعم أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم نص عليه ؟ قال ابن عباس : قلت : وأزيدك ، سألت أبي عما يدعي ـ من نص رسول الله صلى الله عليه واله وسلم عليه بالخلافة ـ فقال : صدق . فقال عمر : كان من رسول الله في أمره ذرو (1) من قول ، لا يثبت حجة ، ولا يقطع عذراً ، ولقد كان يربع (2) في أمره وقتاً ما ، ولقد أراد في مرضه أن يصرح باسمه فمنعته من ذلك) (3) .
واجتهاد عمر هذا بمنع رسول الله من التصريح نابع من قاعدة استنتجها تقول تلك القاعدة على لسان عمر : (إن قريشاً كرهت أن تجتمع فيكم ـ بني هاشم ـ النبوة
|
(1) الذرو : المكان المرتفع والعلو مطلقاً ، والمعنى أنه كان من رسول الله في أمر علي علو من القول في الثناء عليه ، أي مبالغة .
(2) يريد أن النبي كان في ثنائه على علي بتلك الكلمات البليغة يمتحن الأمة في أنها هل تقبله خليفة أم لا ؟
(3) شرح نهج البلاغة : ج 11 ، باب 223 ، ص 21 .
|
والخلافة فتجحفون على الناس) (1) .
إذن ، زعيم الصحابة في السقيفة يعترف بأن النص هو الفكر الإسلامي الأصيل لولا رفض قريش لذلك ، أضف إلى ذلك أقواله المتكررة أمثال : (لو كان سالم حياً لوليته) وكذلك (لو كان أبو عبيدة حياً لوليته) ، كل ذلك يدلنا على أن الشورى بدعة حدثت متأخراً ، وسنتعرف على وقت حدوثها في البحث اللاحق إن شاء الله تعالى .
|
التزوير بتقطيع الحديث
|
|
|
 |
يقول : (وهناك رواية في كتاب سليم بن قيس الهلالي تكشف عن إيمان الإمام علي بنظرية الشورى ، وحق الأمة في اختيار الإمام ، حيث يقول في رسالة له : الواجب في حكم الله وحكم الإسلام على المسلمين بعدما يموت إمامهم أو يقتل . . . أن لا يعملوا عملاً ، ولا يحدثوا حدثاً ، ولا يقدموا يداً ولا رجلاً ، ولا يبدؤوا بشيء قبل أن يختاروا لأنفسهم إماماً عفيفاً ، عالماً ، ورعاً ، عارفاً بالقضاء والسنة) (2) .
والواجب يفرض على كل باحث نزيه يتعامل مع التاريخ أن يحفظ الحقيقة العلمية ، ويدافع من أجلها ، ولا يحاول تشويش ذهن القارئ ظاناً منه عدم الرجوع إلى مصادره المعتمدة ، والتأكد من دقة كلامه ، فمن عاد إلى كتاب سليم بن قيس الهلالي يجد الرواية بهذا الشكل : «والواجب في حكم الله وحكم الإسلام على المسلمين بعدما يموت إمامهم او يقتل أن لا يعملوا عملاً ، ولا يحدثوا حدثاً ، ولا يقدموا يداً ولا رجلاً ، ولا يبدؤوا بشيء قبل أن يختاروا لأنفسهم إماماً عفيفاً ، عالماً . إن كانت الخيرة لهم ، وإن كانت الخيرة إلى الله عزوجل وإلى رسوله فإن الله قد كفاهم النظر في ذلك الاختيار ، ورسول الله صلى الله عليه واله وسلم قد رضي لهم إماماً ، وأمرهم بطاعته واتباعه» (3) .
فقد حذف الكاتب الترديد الثاني الذي رجحه أمير المؤمنين عليه السلام وقال : «فإن الله
|
(1) الكامل في التاريخ : ج 3 ، ص 63 ح 64 ؛ تاريخ الطبري : ج 3 ، ص 289 .
(2) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 23 .
(3) كتاب سليم : ج 2 ، ص 752 ـ 753 ، ح 25 .
|
قد كفاهم النظر في ذلك الاختيار ورسول الله صلى الله عليه واله وسلم قد رضي لهم إماماً ، وأمرهم بطاعته واتباعه» ، فالرسالة كانت تحمل أمرين اكتفى الكاتب بالأول وحذف الثاني الذي اعتمده أمير المؤمنين عليه السلام في كلامه وهما :
الأمر الأول : إن كانت الخيرة للناس فعليهم أن يختاروا إماماً عفيفاً . . . إلخ .
الأمر الثاني : إن كانت الخيرة لله ورسوله فإن الله قد كفاهم النظر في ذلك الاختيار ، ورسول الله صلى الله عليه واله وسلم قد رضي لهم إماماً وأمرهم بطاعته واتباعه .
ولم يشر الكاتب لا من قريب ولا من بعيد إلى الأمر الثاني ، محاولاً استغفال القارئ وتشويش ذهنه ، بل اعتمد على الأول وجعله ركناً أساسياً في نظريته .
هذا مضافاً إلى أن كتاب سليم بن قيس الهلالي معد لتركيز نظرية الإمامة وتعداد الأئمة وأسمائهم ، فكيف بكتاب يكون هذا منهجه ينقل رواية تخالف منهجه بالمرة ؟!
اضف الى ذلك ، ان الكاتب ضعف كتاب سليم ، وحاول جاهداً أن يتتبع كلمات العلماء في تضعيف كتاب سليم (1) ، وما هذا التتبع الخالي عن الموضوعية إلا لأن كتاب سليم نص على الأئمة عليهم السلام ، وعندما وجد ما توهم أنه ينفعه اعتمد على الكتاب ، وهذا منهج الغريق ، فإنه يتعلق بالقشة لعلها تنفعه .
|
شواهد عليلة وكذب صريح
|
|
|
 |
حاول الكاتب أن يحشد أكبر عدد من الشواهد كدليل على نظريته الجديدة (الشورى) فاستدل بقول الإمام علي عليه السلام إلى طلحة والزبير : «بايعتماني ثم نكثتما» (2) ، واتخذ من هذا الكلام دليلاً على إيمان الامام بالشورى ؛ لأنه لو كان يؤمن بالنص لاحتج عليهم به .
وهذا من عجيب القول ؛ لأن طلحة والزبير بايعا ثم نكثا ، فكيف يؤمنان بالنص على علي عليه السلام كي يحتج الإمام عليهما به ، واحتجاج الإمام هنا من باب «ألزموهم بما
|
(1) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 205 .
(2) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 24 .
|
ألزموا به أنفسهم» ، وهذا منهج للإمام عليه السلام كان يتبعه مع خصومه ، حتى مع معاوية عندما قال له : «فإن بيعتي بالمدينة قد لزمتك وأنت بالشام» . وهذه أساليب عرفية في الاحتجاج يتبعها كل إنسان ، فضلاً عن أمير المؤمنين ، أضف إلى ذلك ، أن طلحة والزبير كانا على علم تام بنص رسول الله صلى الله عليه واله وسلم على أمير المؤمنين عليه السلام ، ولهذا امتنعوا عن بيعة أبي بكر .
وبعد أن أفلس الكاتب من ذلك ، عدل عن مسألة إيمان الإمام علي بالشورى ، وراح يبحث عن طريق آخر ينفي فيه عصمة الإمام ليسوغ لنفسه الخطأ إليه ، فقال : (كان الإمام علي عليه السلام ينظر إلى نفسه كإنسان عادي غير معصوم ، ويطالب الشيعة المسلمين أن ينظروا إليه كذلك . . . ) (1) ، ونقل الكاتب دليلاً لذلك الادعاء ، كلام الإمام أمير المؤمنين عليه السلام : «إني لست في نفسي بفوق أن اخطئ ولا آمن ذلك من فعلي ، إلا أن يكفيني الله من نفسي ما هو أملك به مني» .
ونسي الكاتب أن الإمام علي عليه السلام هو المربي الأول للإنسانية ، بعد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم اعتماداً على قوله صلى الله عليه واله وسلم : «يا علي أنا وأنت أبوا هذه الأمة» فهو يربي الناس على أخلاق التعامل فيما بينهم ، فكيف يكون إنساناً عادياً ـ كما يقول أحمد الكاتب ـ وهو يقول : «ينحدر عني السيل ، ولا يرقى إلي الطير» ، فهل يوجد إنسان عادي أو غير عادي ـ عبقري مثلاً ـ يقول هذه الكلمة ، ونحن في هذا القرن .
أضف إلى ذلك أنه بناءً على منهج الكاتب يكون الإمام علي عليه السلام قد ارتكب كل الذنوب ، صغيرة وكبيرة ، لأن الإمام هو القائل : «اللهم اغفر لي الذنوب التي تهتك العصم ، اللهم اغفر لي الذنوب التي تنزل النقم ، اللهم اغفر لي الذنوب التي تحبس الدعاء ، اللهم اغفر لي الذنوب التي تنزل البلاء . . . » (2) .
فإذا لم تحمل هذه الامور على أن أمير المؤمنين عليه السلام يحاول تربية الناس على أخلاق التعامل فيما بينهم تارة ، وفيما بينهم وبين ربهم اخرى ، يكون أمير المؤمنين عليه السلام
|
(1) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 24 .
(2) دعاء كميل للإمام علي عليه السلام .
|
مرتكباً لكل المعاصي ، وحاشاه من ذلك ، فسيرته الذاتية دلت على أنه أمير المؤمنين بنص من الله تعالى ، وليس بانتخاب أو شورى .
وبعدما أفلس الكاتب من كل ما اعتمد عليه ، وأحس في نفسه أن كل هذا غير كاف لإيهام القارئ وتشويش ذهنه ، راح يكذب على إصحاب الكتب ، وبالخصوص السيد المرتضى ، فقال : (إن السيد المرتضى ينقل رواية يتجلى فيها إيمان الإمام علي بالشورى دستوراً للمسلمين بصورة واضحة ، وذلك في خلافة الإمام الحسن عليه السلام ، ويقول الكاتب نقلاً عن كتاب الشافي : إن المسلمين دخلوا على الإمام علي عليه السلام بعدما ضربه عبد الرحمن بن ملجم ، وطلبوا منه أن يستخلف ابنه الحسن ، فقال : «لا ، وسألوا علياً أن يشير عليهم بأحد فما فعل» (1) .
ويلاحظ على كلامه هذا الذي نسبه إلى الشافي أنه كذب على السيد المرتضى ؛ لأن الشافي هو رد السيد المرتضى على القاضي عبد الجبار المعتزلي ، فيورد السيد المرتضى ما آثاره القاضي ويرده ، فأحمد الكاتب أخذ فقط الرواية التي نقلها السيد المرتضى من المغني ـ كتاب القاضي عبد الجبار ـ ولم يذكر الرد على تلك الرواية من قبل السيد المرتضى ، فأين الأمانة العلمية ؟ وأين النزاهة التي يفترض أن تتصف بها البحوث ؟
يقول السيد المرتضى قدس سره : رداً على تلك الرواية التي ذكرها أحمد الكاتب ونسبها للشافي ، يقول قدس سره : (إن الخبر الذي رواه عن أمير المؤمنين ـ رواه القاضي ـ متضمن لما يكاد يعلم بطلانه ضرورةً . والظاهر من أحوال أمير المؤمنين والمشهور من أقواله وأفعاله جملة وتفصيلاً ، يقتضي أنه كان يقدم بنفسه على أبي بكر وغيره من الصحابة ، وأنه كان لا يعترف لأحدهم بالتقدم عليه) .
وذكر السيد المرتضى قدس سره الأمثلة الكافية على ذلك ، وجعل هذا الخبر ـ الذي ذكره الكاتب ـ شاذاً ، وجعل بإزاءه الأخبار التي ترويها الشيعة من جهات عدة ، وطرق مختلفة ، تضمنت الوصية السياسية من الإمام علي عليه السلام لابنه الحسن حيث أشار إليه واستخلفه ، وأرشد إلى طاعته من بعده ، وهي أكثر من أن تحصى ، فمنها : ما رواه ابو
|
|
(1) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 24 .
|
الجارود ، عن أبي جعفر عليه السلام : «إن أمير المؤمنين لما أن حضره الذي حضره قال لابنه الحسن عليه السلام : ادن مني حتى أسر إليك ما أسر إلي رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ، وأئتمنك على ما ائتمني عليه» (1) .
وروى حماد بن عيسى ، عن عمرو بن شمر ، عن جابر ، عن أبي جعفر عليه السلام ، قال : «أوصى أمير المؤمنين عليه السلام إلى الحسن عليه السلام ، وأشهد على وصيته الحسين ومحمداً عليهما السلام ، وجميع ولده ورؤساء شيعته وأهل بيته ثم دفع إليه الكتب والسلاح» (2) .
وأضاف السيد المرتضى : (وأخبار وصية أمير المؤمنين عليه السلام إلى ابنه الحسن عليه السلام واستخلافه له ظاهرة مشهورة بين الشيعة ) (3) .
فهذا منهج السيد المرتضى الذي حاول الكاتب أن يحرفه عن معناه الحقيقي من خلال نقله الرواية من كتاب الشافي بدون رد السيد عليها .
بالإضافة إلى ذلك ، فإن الرواية لم تذكر في كتب الشيعة أبداً .
وبعد أن أعلن الكاتب إفلاسه من كتب الشيعة راح يبحث في كتب السنة أمثال كتب ابن أبي الدنيا ، صاحب الموسوعة المتعلقة بالامور الروحية الأخلاقية ، ليستدل بشواذ ما نقلوه حتى يدعم نظريته (الشورى) الجديدة ، وذكر رواية ينقلها ابن أبي الدنيا حول عدم نص الإمام علي على ولده الحسن ، وبغض النظر عن القيمة العلمية لكتب ابن أبي الدنيا ، فقد اعتمد على شاهد عليل وترك العشرات من روايات الإشارة والنص على الحسن بن علي عليهما السلام في كتب الشيعة ، فعن جابر ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : «أوصى أمير المؤمنين عليه السلام إلى الحسن ، وأشهد على وصيته الحسين عليه السلام ، ومحمد وجميع ولده ورؤساء الشيعة وأهل بيته ، ثم دفع إليه الكتاب والسلاح ، ثم قال لابنه الحسن : يا بني امرني رسول الله ودفع الي كتبه وسلاحه ، وأمرني أن آمرك إذا حضرك الموت أن تدفع إلى أخيك الحسين . . . ثم أقبل على ابنه الحسن فقال : يا بني أنت ولي
|
(1) الشافي : ج 3 ، ص 99 ـ 102 .
(2) المصدر نفسه .
(3) الشافي : ج 3 ، ص 199 ـ 102 .
|
الأمر وولي الدم ، فإن عفوت فلك ، وإن قتلت فضربة مكان ضربة» (1) .
وبعد كل ذلك راح يكذب على العلماء ، أمثال الشيخ المفيد ، حيث نسب إليه عدم القول بوصية الإمام علي إلى ابنه الحسن عليهما السلام ، ونسب ذلك إلى «الإرشاد» ولم ينقل الكاتب كلام المفيد حول المسألة ، وبمراجعة بسيطة إلى «الإرشاد» نجد أن الشيخ المفيد يقول عندما حضرت الإمام الحسن الوفاة : (ثم وصى عليه السلام إليه ـ إلى الحسين ـ بأهله وولده وتركاته ، وما كان وصى به إليه أمير المؤمنين عليه السلام حين استخلفه وأهله لمقامه ، ودل شيعته على استخلافه ونصبه لهم علماً من بعده) (2) .
فالإمام الحسن عليه السلام كان وصي أبيه ، والحسين عليه السلام وصي أخيه ، وتوجهت لهم الناس ، واشرأبت إليهم الأعناق ، وحوربوا من طغاة زمانهم أشد محاربة ؛ لما يعرفه اولئك الطغاة من موقع لهم عليهم السلام في الدين المحمدي الحنيف .
أضف إلى ذلك عشرات الروايات التي دلت على إمامة الحسن عليه السلام ، والتي آمن بها المفيد والمرتضى والطوسي والكليني والصدوق وغيرهم من أقطاب الفكر الشيعي ، ويكفي القارئ تصفح كتبهم للاطلاع على ذلك .
|
تحريف الحقائق
|
|
|
 |
يقول : (وتبعاً لمفهوم الأولوية قالت أجيال من الشيعة الأوائل ، وخاصة في القرن الأول الهجري : إن علياً كان أولى الناس بعد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لفضله وسابقته . . . ) (3) .
ونسب الكاتب هذا الكلام إلى النوبختي في (فرق الشيعة) ، ولو سلمنا أن هذا الكتاب للنوبختي ، ورجعنا إلى نص النوبختي وجدناه يقول هكذا : (فجميع اصول الفرق كلها الجامعة لها أربع فرق : الشيعة ، والمعتزلة ، والمرجئة ، والخوارج . فأول الفرق الشيعة ، وهم فرقة علي بن أبي طالب عليه السلام المسمون بشيعة علي في زمان النبي صلى الله عليه واله وسلم ،
|
(1) الكافي : ج 1 ، ص 358 ـ 309 ، ح 5 .
(2) الإرشاد : ج 2 ، ص 17 .
(3) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 30 .
|
وبعده معروفون بانقطاعهم إليه ، والقول بإمامته ، منهم المقداد بن الأسود وسلمان الفارسي وأبو ذر : جندب بن جنادة ، وعمار بن ياسر) (1) .
فهذا نص النوبختي الذي يؤكد أن الشيعة الأوائل في زمن النبي صلى الله عليه واله وسلم أو بعده كانوا يقولون بإمامة علي بن أبي طالب عليه السلام ، ولم يقولوا بمفهوم الأولوية كما يزعم أحمد الكاتب .
ولكن بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم افترقت الشيعة إلى ثلاث فرق ، فرقة قالت : الإمام علي عليه السلام إمام مفترض الطاعة بعد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ، وفرقة قالت : إن علياً عليه السلام أولى الناس بعد رسول الله . . . . (2) .
وهذا كما هو واضح حدث بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ، والذين قالوا : إن علياً أولى الناس بعد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لم يكونوا هم الجيل الأول للشيعة كما شوش أحمد الكاتب أذهان القراء بذلك ، بل صرح النوبختي ـ كما ذكرنا سابقاً ـ بأن الشيعة الأوائل انقطعوا إلى القول بإمامة علي بن أبي طالب عليه السلام ، واستمروا على ذلك حتى آخر حياتهم .
|
كذب وافتراء
|
|
|
 |
كذب الكاتب على الإمامية من جديد بقوله : (. . . مؤرخي الإمامية لم يستطيعوا إثبات أي نص حول إمامة الأئمة الآخرين ، وخاصة علي بن الحسين . . . ) (3) .
ولا أظن من له أدنى اطلاع بتراث التشيع يصدق هذا الكلام ، لأن الشيعة في موسوعاتهم الحديثية أفردوا أبواباً كاملة تحت عنوان (أبواب النص والإشارة على الأئمة) ابتداءً من أمير المؤمنين وحتى الإمام المهدي (عج) (4) ، وأما إمامة علي بن
|
(1) فرق الشيعة : ص 36 ـ 37 .
(2) فرق الشيعة : 37 ـ 38 .
(3) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 67 .
(4) الكافي : أبواب الإشارة والنص على إمامة أمير المؤمنين .
|
الحسين عليهما السلام فقد نص عليها رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ، وتسالم عليها المحدثون كحقيقة موضوعية مفروغ منها ، نقلها المسعودي (ت 346) والكليني (ت 329) والصدوق (ت 381) والطوسي (ت 460) والنعماني والمفيد (ت 413) وابن شهر آشوب (ت 588) (1) .
بالإضافة إلى نصوص الإمامة عليه من قبل أبيه الحسين عليه السلام ، والتي أوردها الكافي في (باب الإشارة والنص على علي بن الحسين عليهما السلام) (2) .
وينقل المؤرخ المسعودي : (إن الحسين عندما تزوج ام علي السجاد قال له أمير المؤمنين : «احتفظ بها وأحسن إليها ، فستلد لك خير أهل الأرض بعدك» (3) .
هذا من ناحية النصوص الواردة بحق السجاد عليه السلام .
ومن ناحية اخرى ، أن السجاد عليه السلام جعل نفسه من اولي الأمر الذين وجبت طاعتهم ، فقال : «إن اولي الأمر الذين جعلهم الله عزوجل أئمة للناس وأوجب طاعتهم : أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، ثم ألحسن ثم الحسين ابنا علي بن أبي طالب ، ثم انتهى الأمر إلينا» (4) .
فهذا كلام السجاد عليه السلام نفسه ، الذي يقول عنه حماد بن زيد بن سعيد الأنصاري : (إنه ـ أي السجاد ـ أفضل هاشمي أدركته) (5) . ويقول الزهري بحقه : (لم أدرك من أهل البيت أفضل من علي بن الحسين) (6) .
|
(1) إثبات الوصية : ص 168 ـ 170 ؛ الكافي ؛ ج 1 ، ص 592 ـ 594 ، باب 126 ؛ عيون أخبار الرضا : ج 2 ، ص 47 / ح 1 ؛ الغيبة للطوسي : ص 91 ؛ الغيبة للنعماني : ص 59 ؛ الإرشاد : ج 2 ، ص 138 ـ 139 ؛ مناقب ابن شهر آشوب : ج 4 ، ص 143 .
(2) الكافي : ج 1 ، ص 364 .
(3) إثبات الوصية : ص 170 .
(4) كمال الدين : ص 299 ، ح 2 ، باب ما أخبر به سيد العابدين .
(5) تهذيب الكمال : ج 20 ، ص 387 .
(6) الجرح والتعديل : ج 6 ، ص 178 ، رقم 977 .
|
|
|