دفاع عن التشيع 76

له : «أتاني جبرئيل فقال : يا محمد ، إن ربك [يقرئك السلام] ويقول لك : إن علي بن أبي طالب وصيك وخليفتك على أهلك وامتك» (1) .
ويسأل جابر عن نتيجة من لم يؤمن بهذا ؟ فأجابه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ، فقال : «نعم ، يا جابر ، ما وضع هذا الموضع ليتابع عليه ، فمن تابعه كان معي غداً ، ومن خالفه لم يرد علي الحوض أبداً» (2) .
3 ـ إن الوصية التي تحدث عنها الكاتب وجدناها في المجلس (22) ، ولكنه حذف منها قول الرسول صلى الله عليه واله وسلم لعلي : «وأنت الإمام لأمتي ، والقائم بالقسط في رعيتي ، وأنت وليي ، ووليي ولي الله ، وعدوك عدوي ، وعدوي عدو الله» (3) .
فهذه الفقرة لم يذكرها الكاتب بل اكتفى بالقول : (هناك وصية ينقلها الشيخ المفيد . . . وهي أيضاً وصية أخلاقية روحية عامة) (4) ، فأين النزاهة العلمية باقتباس الروايات ؟! وأين الاحترام الذي يكنه الكاتب لذهن القارئ ؟!

بثلاث روايات عليلة نفى الإمامة وأقام الشورى

اكتفى الكاتب بثلاث روايات فقط ليقول بعدم وصية رسول الله صلى الله عليه واله وسلم للإمام علي عليه السلام بالخلافة والإمامة ، وترك الأمر شورى (5) . فكان عمدة استدلاله في الاولى أنها ذكرت في كتب الشيعة ، والمقصود من كتب الشيعة كتاب الشافي للسيد المرتضى ، ولم يذكر أن السيد المرتضى ذكرها ليرد على القاضي عبد الجبار المعتزلي الذي استدل بها .
وأما الرواية الثانية التي اعتمد عليها الكاتب ، فقد حذف الكاتب سندها ولم
(1) الأمالي : ص 167 ـ 168 ، باب 7 ، المجلس 21 .
(2) الأمالي : ص 167 ـ 168 ، باب 7 ، المجلس 21 .
(3) الأمالي : ص 174، المجلس 22 ، ح 4 .
(4) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 20 .
(5) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 20 .
دفاع عن التشيع 77

يتطرق إليه ، لأن فيه سهل بن زياد الذي ضعفه النجاشي ، وقال عنه الطوسي : (ضعيف جداً عند نقاد الأخبار) (1) .
وأما الثالثة ، فقد حذف منها قول الرسول صلى الله عليه واله وسلم لعلي عليه السلام : «وأنت الإمام لأمتي ، والقائم بالقسط في رعيتي» (2) .
وبهذه الروايات العليلة خرج الكاتب بنتيجة تقول : إن الرسول صلى الله عليه واله وسلم قد ترك الأمر شورى (3) .
وبالرغم من ذلك كله نتنازل للكاتب جدلاً ، ونسلم معه بما ذكر ، ولكن هل من المعقول أن يترك تراث ضخم قائم على النص والوصية لأجل ثلاث روايات فقط ، فلم يقنع الكاتب حتى نفسه بذلك فراح يجند الشواهد التي كان يعتقد أنها تؤيد رواياته الثلاث ، فلوى أعناقها ليؤكد ذلك التأييد ، فأول تلك الشواهد التي ذكرها هو إجحام أمير المؤمنين عليه السلام عن العرض الذي قدمه العباس إليه عندما قال له : (امدد يدك ابايعك) .
يقول الكاتب : (بالرغم من إلحاح العباس بن عبد المطلب عليه بذلك ، حيث قال له : امدد يدك ابايعك وآتيك بهذا الشيخ من قريش ( يعني أبا سفيان) ، فيقال : إن عم رسول الله بايع ابن عمه ، فلا يختلف عليك من قريش أحد ، والناس تبع قريش ، فرفض الإمام علي عليه السلام ذلك) (4) .
ففسر امتناع الإمام عن قبول البيعة إيماناً منه بالشورى ، ليؤكد نظريته التي استخرجها من ثلاث روايات فقط .
ونحن نشاطر الكاتب هذا الفهم لولا جواب الإمام للعباس الذي حذفه الكاتب ولم يشر إليه ، يقول الراوي : بعدما عرض العباس على الامام ذلك أجابه الإمام بقوله :
(1) الاستبصار : ج 3 ، ص 267 ، ح 935 .
(2) الأمالي : ص 74 ، المجلس 22 ، ح 4 .
(3) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 20 .
(4) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 20 .
دفاع عن التشيع 78

«أو منهم من ينكر حقنا ويستبد علينا» (1) .
فهذا الجواب يوضح لنا أن الخلافة ليست بيعة ، حتى يوافق الإمام على ذلك العرض ، وإنما هي حق من الحقوق يؤخذ ولا يعطى ، فحذف الكاتب هذه العبارة التي تفسر لنا عقلية الصحابة الذين لا يستطيعون أن ينكروا حقه في الإمامة والخلافة ، إلا أن يقوموا بانقلاب ـ كما نسميه اليوم ـ على كل ما هو سائد لدى القوم . فحذف الكاتب تلك العبارة ليزور الحقائق ويشوش ذهن القارئ .
ولم يقف عند هذا الحد ، بل جاء بما هو أسوأ من ذلك ، جاء بالمعونة التي قدمها أبو سفيان للإمام علي عليه السلام عندما قال له : (ابسط يدك ابايعك فوالله لأملأها على أبي فصيل خيلاً ورجلاً) ، وجعل من رفض الإمام علي عليه السلام دليلاً على إيمانه بالشورى (2) ، ولكنه عاد من جديد وحذف جواب الإمام «ويحك يا أبا سفيان ، هذه من دواهيك» .
وعجباً لرجل يأتي في القرن العشرين ، ويستدل بعروض أبي سفيان بعدما عرف المؤلف والمخالف من هو أبو سفيان ، ولماذا عرض ذلك على الإمام ؟ وما هو قصده ؟ وهل آل الأمر بعلي بن أبي طالب أن ينتصر لدين الله بعدو الله أبي سفيان !
ولعل الكاتب استدل على إيمان الإمام علي عليه السلام بالشورى من عبارة اخرى موضوعة ذكرت في الرواية ، وهي : «ويحك يا أبا سفيان ، هذه من دواهيك ، وقد اجتمع الناس على أبي بكر» (3) .
فهذا الاجتماع المزعوم لم يؤيده عمر بن الخطاب الذي وصف لنا أجواء السقيفة بقوله : (كثر اللغط وارتفعت الأصوات) (4) ، فضلاً عن أمير المؤمنين الذي لا يملك اجتماع الناس على الخلافة أي مساحة في حساباته ، فهو يقول في هذا المجال : «لا يقاس بآل محمد صلى الله عليه واله وسلم من هذه الأمة أحد ، ولا يسوى بهم من جرت نعمتهم عليه أبداً ، هم
(1) نهج البلاغة : ج 1 ، ص 160 .
(2) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 20 ـ 21 .
(3) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 21 .
(4) فتح الباري في شرح صحيح البخاري ج 14 ، ص 111 ، طبعة دار الفكر .
دفاع عن التشيع 79

أساس الدين ، وعماد اليقين ، إليهم يفيء الغالي ، وبهم يلحق التالي ، ولهم خصائص حق الولاية ، وفيهم الوصية والوراثة» (1) .
ولذا ناشد أمير المؤمنين عليه السلام كل المسلمين عندما قال : «انشد الله من سمع رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول يوم غدير خم : من كنت مولاه فعلي مولاه ، لما قام وشهد» ، فقام اثنا عشر بدرياً فقالوا : (نشهد إنا سمعنا رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول يوم غدير خم . . . إلخ) (2) .
إذن ، الإمامة عند أمير المؤمنين عليه السلام منصب إلهي ، مجعول من قبله تعالى ، كما ورد في الذكر الحكيم : «إني جاعلك للناس إماماً» ، وهذا ما أثبته ابن عباس لعمر عندما قال له عمر : (إن القوم كرهوا أن يجمعوا لكم النبوة والخلافة) .
فأجابه ابن عباس : (وأما قولك : إنهم أبوا أن تكون لنا النبوة والخلافة ، فإن الله عزوجل وصف قوماً بالكراهية فقال : «ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم» (3) ) ، فقد جعل ابن عباس مسألة الإمامة من المسائل المنزلة من الله تعالى ، لا من عطايا البشر حتى يجتمعوا عليها على فرض تحقق ذلك الاجتماع .
وتحدث الداوودي عن بيعة أبي بكر ـ شارحاً قول عمر ـ : (كانت فلتة) : (يعني وقعت من غير مشورة) (4) .
بهذه الشواهد وأمثالها استدل الكاتب على الشورى متناسياً أن الاجتماع الذي يتحدث عنه قتل سعد بن عبادة لأنه لم يبايع ، ونسب قتله إلى الجن ، ولكن هذه الكذبة إذا انطلت على بعض ، لم تنطل على المفكرين ، أمثال طه حسين الذي عزا مقتل سعد بن عبادة إلى السياسة (5) .
(1) نهج البلاغة : الخطبة 2 ، ص 25 .
(2) مسند أحمد : ج 1 ، ح 642 و 672 ؛ البداية والنهاية : ج 5 ، ص 229 ـ 232 ؛ سنن الترمذي : ج 5 ، ح 3713 ؛ سنن ابن ماجة : ج 1 ، ح 116 و 121 .
(3) تاريخ الطبري : ج 3 ، ص 289 .
(4) فتح الباري : ج 14 ، ص 117 ، دار الفكر .
(5) طه حسين ، تاريخ الأدب العربي : ج 1 ، ص 146 .
دفاع عن التشيع 80


وأخيراً ، لماذا لم يبادر الإمام علي عليه السلام إلى بيعة أبي بكر ، ومتابعة اجتماع الناس المزعوم ؟ ولماذا راح يناشد الناس عن حقه المغتصب ؟ فلو كان يؤمن بالشورى فكان عليه أن يبادر للبيعة ، ولا يتأفف هنا وهناك ، ولا يقول : «فيا لله وللشورى» (1) ، وهل يؤمن بالشورى من يقول : «أين الذين زعموا أنهم الراسخون في العلم دوننا كذباً وبغياً ؟ . . . . إن الأئمة من قريش ، غرسوا في هذا البطن من هاشم ، لا تصلح على سواهم ، ولا تصلح الولاة من غيرهم» (2) ، وكذلك قال محتجاً على البيعة : «احتجوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة» (3) .
اذن ، ما اعتمد عليه الكاتب من الروايات الثلاث العليلة ، ومن الشواهد المريضة ، لا ينطلي على القارئ ، فضلاً عن الباحث والمحقق .


الكذب على الصحابة

يقول الكاتب : (إن الصحابة لم يفهموا من حديث الغدير أو غيره من الأحاديث معنى النص والتعيين بالخلافة ، ولذلك اختاروا طريق الشورى وبايعوا أبابكر) (4) .
ولنسأل الكاتب : أي قسم من أقسام الصحابة تقصد هنا ؛ لأن الصحابة بعد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم انقسموا إلى قسمين : الأول ذهب إلى السقيفة ، والقسم الثاني امتنع عن السقيفة .
وبلاإشكال لا يستطيع الكاتب أن يقول : كلاهما المقصود ، لأن الممتنعين لم نطلع على نواياهم لنعرف سبب امتناعهم ، هل لأنهم لم يفهموا من كلام الرسول صلى الله عليه واله وسلم تعيين علي وتنصيبه ، ولم يرغبوا في الدخول في هذه المعمعة السياسية ، أم لا ، امتنعوا لأنهم يقرون ويعترفون بأن الرسول نصب أمير المؤمنين عليه السلام ، وهذا الذي يحدث انقلاب
(1) نهج البلاغة : الخطبة 3 ، ص 28 .
(2) نهج البلاغة : الخطبة 144 ، ص 263 .
(3) نهج البلاغة : الخطبة 67 ، ص 102 ـ 103 .
(4) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 22 .
دفاع عن التشيع 81

على ما وضعه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لهم .
وتحديد أي الطرفين متروك لهم في أقوالهم ، وسنبين تحت عنوان (النص أم الشورى في فكر الصحابة) آراء هذا القسم وأفكارهم ، وسيتضح أنها قائمة على أساس النص والوصية السياسية لعلي عليه السلام .
إذن ، الكاتب يقصد القسم الأول ، اولئك الذين ذهبوا إلى السقيفة ، فلو أثبتنا للكاتب ، أن رأس اولئك عمر بن الخطاب لا يعترف بمبدأ الشورى ، بل يعترف بمبدأ النص ، ويصرح بذلك ، فلا يبقى له كلام في هذا المجال .
أما متى اعترف عمر بمبدأ النص ؟ ولماذا لم يعمل فيه ؟ كل ذلك تطالعنا به الرواية التاريخية المنقولة ، وهي قول عمر لابن عباس : (كيف خلفت ابن عمك ؟ قال ـ يعني ابن عباس ـ : فظننته يعني عبد الله بن جعفر ، فقلت : خلفته مع أترابه . قال : لم أعن ذلك ، إنما عنيت عظيمكم أهل البيت . قال : خلفته يحتج بالغرب وهو يقرأ القرآن . قال : يا عبد الله ، عليك دماء البدن إن كتمتنيها ، هل بقي في نفسه شيء من أمر الخلافة ؟ قال : قلت : نعم . قال : أيزعم أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم نص عليه ؟ قال ابن عباس : قلت : وأزيدك ، سألت أبي عما يدعي ـ من نص رسول الله صلى الله عليه واله وسلم عليه بالخلافة ـ فقال : صدق . فقال عمر : كان من رسول الله في أمره ذرو (1) من قول ، لا يثبت حجة ، ولا يقطع عذراً ، ولقد كان يربع (2) في أمره وقتاً ما ، ولقد أراد في مرضه أن يصرح باسمه فمنعته من ذلك) (3) .
واجتهاد عمر هذا بمنع رسول الله من التصريح نابع من قاعدة استنتجها تقول تلك القاعدة على لسان عمر : (إن قريشاً كرهت أن تجتمع فيكم ـ بني هاشم ـ النبوة
(1) الذرو : المكان المرتفع والعلو مطلقاً ، والمعنى أنه كان من رسول الله في أمر علي علو من القول في الثناء عليه ، أي مبالغة .
(2) يريد أن النبي كان في ثنائه على علي بتلك الكلمات البليغة يمتحن الأمة في أنها هل تقبله خليفة أم لا ؟
(3) شرح نهج البلاغة : ج 11 ، باب 223 ، ص 21 .
دفاع عن التشيع 82

والخلافة فتجحفون على الناس) (1) .
إذن ، زعيم الصحابة في السقيفة يعترف بأن النص هو الفكر الإسلامي الأصيل لولا رفض قريش لذلك ، أضف إلى ذلك أقواله المتكررة أمثال : (لو كان سالم حياً لوليته) وكذلك (لو كان أبو عبيدة حياً لوليته) ، كل ذلك يدلنا على أن الشورى بدعة حدثت متأخراً ، وسنتعرف على وقت حدوثها في البحث اللاحق إن شاء الله تعالى .


التزوير بتقطيع الحديث

يقول : (وهناك رواية في كتاب سليم بن قيس الهلالي تكشف عن إيمان الإمام علي بنظرية الشورى ، وحق الأمة في اختيار الإمام ، حيث يقول في رسالة له : الواجب في حكم الله وحكم الإسلام على المسلمين بعدما يموت إمامهم أو يقتل . . . أن لا يعملوا عملاً ، ولا يحدثوا حدثاً ، ولا يقدموا يداً ولا رجلاً ، ولا يبدؤوا بشيء قبل أن يختاروا لأنفسهم إماماً عفيفاً ، عالماً ، ورعاً ، عارفاً بالقضاء والسنة) (2) .
والواجب يفرض على كل باحث نزيه يتعامل مع التاريخ أن يحفظ الحقيقة العلمية ، ويدافع من أجلها ، ولا يحاول تشويش ذهن القارئ ظاناً منه عدم الرجوع إلى مصادره المعتمدة ، والتأكد من دقة كلامه ، فمن عاد إلى كتاب سليم بن قيس الهلالي يجد الرواية بهذا الشكل : «والواجب في حكم الله وحكم الإسلام على المسلمين بعدما يموت إمامهم او يقتل أن لا يعملوا عملاً ، ولا يحدثوا حدثاً ، ولا يقدموا يداً ولا رجلاً ، ولا يبدؤوا بشيء قبل أن يختاروا لأنفسهم إماماً عفيفاً ، عالماً . إن كانت الخيرة لهم ، وإن كانت الخيرة إلى الله عزوجل وإلى رسوله فإن الله قد كفاهم النظر في ذلك الاختيار ، ورسول الله صلى الله عليه واله وسلم قد رضي لهم إماماً ، وأمرهم بطاعته واتباعه» (3) .
فقد حذف الكاتب الترديد الثاني الذي رجحه أمير المؤمنين عليه السلام وقال : «فإن الله
(1) الكامل في التاريخ : ج 3 ، ص 63 ح 64 ؛ تاريخ الطبري : ج 3 ، ص 289 .
(2) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 23 .
(3) كتاب سليم : ج 2 ، ص 752 ـ 753 ، ح 25 .
دفاع عن التشيع 83

قد كفاهم النظر في ذلك الاختيار ورسول الله صلى الله عليه واله وسلم قد رضي لهم إماماً ، وأمرهم بطاعته واتباعه» ، فالرسالة كانت تحمل أمرين اكتفى الكاتب بالأول وحذف الثاني الذي اعتمده أمير المؤمنين عليه السلام في كلامه وهما :
الأمر الأول : إن كانت الخيرة للناس فعليهم أن يختاروا إماماً عفيفاً . . . إلخ .
الأمر الثاني : إن كانت الخيرة لله ورسوله فإن الله قد كفاهم النظر في ذلك الاختيار ، ورسول الله صلى الله عليه واله وسلم قد رضي لهم إماماً وأمرهم بطاعته واتباعه .
ولم يشر الكاتب لا من قريب ولا من بعيد إلى الأمر الثاني ، محاولاً استغفال القارئ وتشويش ذهنه ، بل اعتمد على الأول وجعله ركناً أساسياً في نظريته .
هذا مضافاً إلى أن كتاب سليم بن قيس الهلالي معد لتركيز نظرية الإمامة وتعداد الأئمة وأسمائهم ، فكيف بكتاب يكون هذا منهجه ينقل رواية تخالف منهجه بالمرة ؟!
اضف الى ذلك ، ان الكاتب ضعف كتاب سليم ، وحاول جاهداً أن يتتبع كلمات العلماء في تضعيف كتاب سليم (1) ، وما هذا التتبع الخالي عن الموضوعية إلا لأن كتاب سليم نص على الأئمة عليهم السلام ، وعندما وجد ما توهم أنه ينفعه اعتمد على الكتاب ، وهذا منهج الغريق ، فإنه يتعلق بالقشة لعلها تنفعه .


شواهد عليلة وكذب صريح

حاول الكاتب أن يحشد أكبر عدد من الشواهد كدليل على نظريته الجديدة (الشورى) فاستدل بقول الإمام علي عليه السلام إلى طلحة والزبير : «بايعتماني ثم نكثتما» (2) ، واتخذ من هذا الكلام دليلاً على إيمان الامام بالشورى ؛ لأنه لو كان يؤمن بالنص لاحتج عليهم به .
وهذا من عجيب القول ؛ لأن طلحة والزبير بايعا ثم نكثا ، فكيف يؤمنان بالنص على علي عليه السلام كي يحتج الإمام عليهما به ، واحتجاج الإمام هنا من باب «ألزموهم بما
(1) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 205 .
(2) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 24 .
دفاع عن التشيع 84

ألزموا به أنفسهم» ، وهذا منهج للإمام عليه السلام كان يتبعه مع خصومه ، حتى مع معاوية عندما قال له : «فإن بيعتي بالمدينة قد لزمتك وأنت بالشام» . وهذه أساليب عرفية في الاحتجاج يتبعها كل إنسان ، فضلاً عن أمير المؤمنين ، أضف إلى ذلك ، أن طلحة والزبير كانا على علم تام بنص رسول الله صلى الله عليه واله وسلم على أمير المؤمنين عليه السلام ، ولهذا امتنعوا عن بيعة أبي بكر .
وبعد أن أفلس الكاتب من ذلك ، عدل عن مسألة إيمان الإمام علي بالشورى ، وراح يبحث عن طريق آخر ينفي فيه عصمة الإمام ليسوغ لنفسه الخطأ إليه ، فقال : (كان الإمام علي عليه السلام ينظر إلى نفسه كإنسان عادي غير معصوم ، ويطالب الشيعة المسلمين أن ينظروا إليه كذلك . . . ) (1) ، ونقل الكاتب دليلاً لذلك الادعاء ، كلام الإمام أمير المؤمنين عليه السلام : «إني لست في نفسي بفوق أن اخطئ ولا آمن ذلك من فعلي ، إلا أن يكفيني الله من نفسي ما هو أملك به مني» .
ونسي الكاتب أن الإمام علي عليه السلام هو المربي الأول للإنسانية ، بعد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم اعتماداً على قوله صلى الله عليه واله وسلم : «يا علي أنا وأنت أبوا هذه الأمة» فهو يربي الناس على أخلاق التعامل فيما بينهم ، فكيف يكون إنساناً عادياً ـ كما يقول أحمد الكاتب ـ وهو يقول : «ينحدر عني السيل ، ولا يرقى إلي الطير» ، فهل يوجد إنسان عادي أو غير عادي ـ عبقري مثلاً ـ يقول هذه الكلمة ، ونحن في هذا القرن .
أضف إلى ذلك أنه بناءً على منهج الكاتب يكون الإمام علي عليه السلام قد ارتكب كل الذنوب ، صغيرة وكبيرة ، لأن الإمام هو القائل : «اللهم اغفر لي الذنوب التي تهتك العصم ، اللهم اغفر لي الذنوب التي تنزل النقم ، اللهم اغفر لي الذنوب التي تحبس الدعاء ، اللهم اغفر لي الذنوب التي تنزل البلاء . . . » (2) .
فإذا لم تحمل هذه الامور على أن أمير المؤمنين عليه السلام يحاول تربية الناس على أخلاق التعامل فيما بينهم تارة ، وفيما بينهم وبين ربهم اخرى ، يكون أمير المؤمنين عليه السلام
(1) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 24 .
(2) دعاء كميل للإمام علي عليه السلام .
دفاع عن التشيع 85

مرتكباً لكل المعاصي ، وحاشاه من ذلك ، فسيرته الذاتية دلت على أنه أمير المؤمنين بنص من الله تعالى ، وليس بانتخاب أو شورى .
وبعدما أفلس الكاتب من كل ما اعتمد عليه ، وأحس في نفسه أن كل هذا غير كاف لإيهام القارئ وتشويش ذهنه ، راح يكذب على إصحاب الكتب ، وبالخصوص السيد المرتضى ، فقال : (إن السيد المرتضى ينقل رواية يتجلى فيها إيمان الإمام علي بالشورى دستوراً للمسلمين بصورة واضحة ، وذلك في خلافة الإمام الحسن عليه السلام ، ويقول الكاتب نقلاً عن كتاب الشافي : إن المسلمين دخلوا على الإمام علي عليه السلام بعدما ضربه عبد الرحمن بن ملجم ، وطلبوا منه أن يستخلف ابنه الحسن ، فقال : «لا ، وسألوا علياً أن يشير عليهم بأحد فما فعل» (1) .
ويلاحظ على كلامه هذا الذي نسبه إلى الشافي أنه كذب على السيد المرتضى ؛ لأن الشافي هو رد السيد المرتضى على القاضي عبد الجبار المعتزلي ، فيورد السيد المرتضى ما آثاره القاضي ويرده ، فأحمد الكاتب أخذ فقط الرواية التي نقلها السيد المرتضى من المغني ـ كتاب القاضي عبد الجبار ـ ولم يذكر الرد على تلك الرواية من قبل السيد المرتضى ، فأين الأمانة العلمية ؟ وأين النزاهة التي يفترض أن تتصف بها البحوث ؟
يقول السيد المرتضى قدس سره : رداً على تلك الرواية التي ذكرها أحمد الكاتب ونسبها للشافي ، يقول قدس سره : (إن الخبر الذي رواه عن أمير المؤمنين ـ رواه القاضي ـ متضمن لما يكاد يعلم بطلانه ضرورةً . والظاهر من أحوال أمير المؤمنين والمشهور من أقواله وأفعاله جملة وتفصيلاً ، يقتضي أنه كان يقدم بنفسه على أبي بكر وغيره من الصحابة ، وأنه كان لا يعترف لأحدهم بالتقدم عليه) .
وذكر السيد المرتضى قدس سره الأمثلة الكافية على ذلك ، وجعل هذا الخبر ـ الذي ذكره الكاتب ـ شاذاً ، وجعل بإزاءه الأخبار التي ترويها الشيعة من جهات عدة ، وطرق مختلفة ، تضمنت الوصية السياسية من الإمام علي عليه السلام لابنه الحسن حيث أشار إليه واستخلفه ، وأرشد إلى طاعته من بعده ، وهي أكثر من أن تحصى ، فمنها : ما رواه ابو
(1) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 24 .
دفاع عن التشيع 86

الجارود ، عن أبي جعفر عليه السلام : «إن أمير المؤمنين لما أن حضره الذي حضره قال لابنه الحسن عليه السلام : ادن مني حتى أسر إليك ما أسر إلي رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ، وأئتمنك على ما ائتمني عليه» (1) .
وروى حماد بن عيسى ، عن عمرو بن شمر ، عن جابر ، عن أبي جعفر عليه السلام ، قال : «أوصى أمير المؤمنين عليه السلام إلى الحسن عليه السلام ، وأشهد على وصيته الحسين ومحمداً عليهما السلام ، وجميع ولده ورؤساء شيعته وأهل بيته ثم دفع إليه الكتب والسلاح» (2) .
وأضاف السيد المرتضى : (وأخبار وصية أمير المؤمنين عليه السلام إلى ابنه الحسن عليه السلام واستخلافه له ظاهرة مشهورة بين الشيعة ) (3) .
فهذا منهج السيد المرتضى الذي حاول الكاتب أن يحرفه عن معناه الحقيقي من خلال نقله الرواية من كتاب الشافي بدون رد السيد عليها .
بالإضافة إلى ذلك ، فإن الرواية لم تذكر في كتب الشيعة أبداً .
وبعد أن أعلن الكاتب إفلاسه من كتب الشيعة راح يبحث في كتب السنة أمثال كتب ابن أبي الدنيا ، صاحب الموسوعة المتعلقة بالامور الروحية الأخلاقية ، ليستدل بشواذ ما نقلوه حتى يدعم نظريته (الشورى) الجديدة ، وذكر رواية ينقلها ابن أبي الدنيا حول عدم نص الإمام علي على ولده الحسن ، وبغض النظر عن القيمة العلمية لكتب ابن أبي الدنيا ، فقد اعتمد على شاهد عليل وترك العشرات من روايات الإشارة والنص على الحسن بن علي عليهما السلام في كتب الشيعة ، فعن جابر ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : «أوصى أمير المؤمنين عليه السلام إلى الحسن ، وأشهد على وصيته الحسين عليه السلام ، ومحمد وجميع ولده ورؤساء الشيعة وأهل بيته ، ثم دفع إليه الكتاب والسلاح ، ثم قال لابنه الحسن : يا بني امرني رسول الله ودفع الي كتبه وسلاحه ، وأمرني أن آمرك إذا حضرك الموت أن تدفع إلى أخيك الحسين . . . ثم أقبل على ابنه الحسن فقال : يا بني أنت ولي
(1) الشافي : ج 3 ، ص 99 ـ 102 .
(2) المصدر نفسه .
(3) الشافي : ج 3 ، ص 199 ـ 102 .
دفاع عن التشيع 87

الأمر وولي الدم ، فإن عفوت فلك ، وإن قتلت فضربة مكان ضربة» (1) .
وبعد كل ذلك راح يكذب على العلماء ، أمثال الشيخ المفيد ، حيث نسب إليه عدم القول بوصية الإمام علي إلى ابنه الحسن عليهما السلام ، ونسب ذلك إلى «الإرشاد» ولم ينقل الكاتب كلام المفيد حول المسألة ، وبمراجعة بسيطة إلى «الإرشاد» نجد أن الشيخ المفيد يقول عندما حضرت الإمام الحسن الوفاة : (ثم وصى عليه السلام إليه ـ إلى الحسين ـ بأهله وولده وتركاته ، وما كان وصى به إليه أمير المؤمنين عليه السلام حين استخلفه وأهله لمقامه ، ودل شيعته على استخلافه ونصبه لهم علماً من بعده) (2) .
فالإمام الحسن عليه السلام كان وصي أبيه ، والحسين عليه السلام وصي أخيه ، وتوجهت لهم الناس ، واشرأبت إليهم الأعناق ، وحوربوا من طغاة زمانهم أشد محاربة ؛ لما يعرفه اولئك الطغاة من موقع لهم عليهم السلام في الدين المحمدي الحنيف .
أضف إلى ذلك عشرات الروايات التي دلت على إمامة الحسن عليه السلام ، والتي آمن بها المفيد والمرتضى والطوسي والكليني والصدوق وغيرهم من أقطاب الفكر الشيعي ، ويكفي القارئ تصفح كتبهم للاطلاع على ذلك .


تحريف الحقائق

يقول : (وتبعاً لمفهوم الأولوية قالت أجيال من الشيعة الأوائل ، وخاصة في القرن الأول الهجري : إن علياً كان أولى الناس بعد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لفضله وسابقته . . . ) (3) .
ونسب الكاتب هذا الكلام إلى النوبختي في (فرق الشيعة) ، ولو سلمنا أن هذا الكتاب للنوبختي ، ورجعنا إلى نص النوبختي وجدناه يقول هكذا : (فجميع اصول الفرق كلها الجامعة لها أربع فرق : الشيعة ، والمعتزلة ، والمرجئة ، والخوارج . فأول الفرق الشيعة ، وهم فرقة علي بن أبي طالب عليه السلام المسمون بشيعة علي في زمان النبي صلى الله عليه واله وسلم ،
(1) الكافي : ج 1 ، ص 358 ـ 309 ، ح 5 .
(2) الإرشاد : ج 2 ، ص 17 .
(3) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 30 .
دفاع عن التشيع 88

وبعده معروفون بانقطاعهم إليه ، والقول بإمامته ، منهم المقداد بن الأسود وسلمان الفارسي وأبو ذر : جندب بن جنادة ، وعمار بن ياسر) (1) .
فهذا نص النوبختي الذي يؤكد أن الشيعة الأوائل في زمن النبي صلى الله عليه واله وسلم أو بعده كانوا يقولون بإمامة علي بن أبي طالب عليه السلام ، ولم يقولوا بمفهوم الأولوية كما يزعم أحمد الكاتب .
ولكن بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم افترقت الشيعة إلى ثلاث فرق ، فرقة قالت : الإمام علي عليه السلام إمام مفترض الطاعة بعد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ، وفرقة قالت : إن علياً عليه السلام أولى الناس بعد رسول الله . . . . (2) .
وهذا كما هو واضح حدث بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ، والذين قالوا : إن علياً أولى الناس بعد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لم يكونوا هم الجيل الأول للشيعة كما شوش أحمد الكاتب أذهان القراء بذلك ، بل صرح النوبختي ـ كما ذكرنا سابقاً ـ بأن الشيعة الأوائل انقطعوا إلى القول بإمامة علي بن أبي طالب عليه السلام ، واستمروا على ذلك حتى آخر حياتهم .


كذب وافتراء

كذب الكاتب على الإمامية من جديد بقوله : (. . . مؤرخي الإمامية لم يستطيعوا إثبات أي نص حول إمامة الأئمة الآخرين ، وخاصة علي بن الحسين . . . ) (3) .
ولا أظن من له أدنى اطلاع بتراث التشيع يصدق هذا الكلام ، لأن الشيعة في موسوعاتهم الحديثية أفردوا أبواباً كاملة تحت عنوان (أبواب النص والإشارة على الأئمة) ابتداءً من أمير المؤمنين وحتى الإمام المهدي (عج) (4) ، وأما إمامة علي بن
(1) فرق الشيعة : ص 36 ـ 37 .
(2) فرق الشيعة : 37 ـ 38 .
(3) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 67 .
(4) الكافي : أبواب الإشارة والنص على إمامة أمير المؤمنين .
دفاع عن التشيع 89

الحسين عليهما السلام فقد نص عليها رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ، وتسالم عليها المحدثون كحقيقة موضوعية مفروغ منها ، نقلها المسعودي (ت 346) والكليني (ت 329) والصدوق (ت 381) والطوسي (ت 460) والنعماني والمفيد (ت 413) وابن شهر آشوب (ت 588) (1) .
بالإضافة إلى نصوص الإمامة عليه من قبل أبيه الحسين عليه السلام ، والتي أوردها الكافي في (باب الإشارة والنص على علي بن الحسين عليهما السلام) (2) .
وينقل المؤرخ المسعودي : (إن الحسين عندما تزوج ام علي السجاد قال له أمير المؤمنين : «احتفظ بها وأحسن إليها ، فستلد لك خير أهل الأرض بعدك» (3) .
هذا من ناحية النصوص الواردة بحق السجاد عليه السلام .
ومن ناحية اخرى ، أن السجاد عليه السلام جعل نفسه من اولي الأمر الذين وجبت طاعتهم ، فقال : «إن اولي الأمر الذين جعلهم الله عزوجل أئمة للناس وأوجب طاعتهم : أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، ثم ألحسن ثم الحسين ابنا علي بن أبي طالب ، ثم انتهى الأمر إلينا» (4) .
فهذا كلام السجاد عليه السلام نفسه ، الذي يقول عنه حماد بن زيد بن سعيد الأنصاري : (إنه ـ أي السجاد ـ أفضل هاشمي أدركته) (5) . ويقول الزهري بحقه : (لم أدرك من أهل البيت أفضل من علي بن الحسين) (6) .
(1) إثبات الوصية : ص 168 ـ 170 ؛ الكافي ؛ ج 1 ، ص 592 ـ 594 ، باب 126 ؛ عيون أخبار الرضا : ج 2 ، ص 47 / ح 1 ؛ الغيبة للطوسي : ص 91 ؛ الغيبة للنعماني : ص 59 ؛ الإرشاد : ج 2 ، ص 138 ـ 139 ؛ مناقب ابن شهر آشوب : ج 4 ، ص 143 .
(2) الكافي : ج 1 ، ص 364 .
(3) إثبات الوصية : ص 170 .
(4) كمال الدين : ص 299 ، ح 2 ، باب ما أخبر به سيد العابدين .
(5) تهذيب الكمال : ج 20 ، ص 387 .
(6) الجرح والتعديل : ج 6 ، ص 178 ، رقم 977 .