|
|
المهدي ، هل هو حي ، أم سيولد بعد ذلك ؟
|
تعتبر مسألة الإمام المهدي (عج) من المسائل الأساسية في بحث الإمامة الخاصة ، من هنا ورد التأكيد عليها في التراث الشيعي ، بما يناسب موقعها المهم هذا . كما إن فكرة مجيء المصلح في آخر الزمان ، فكرة لا خلاف عليها بين علماء المسلمين عامة ، حيث اتفقت كلمتهم إلا من شذ منهم ، على أنه لابد أن يأتي في آخر الزمان من يصلح الأرض ، ويملأها قسطاً وعدلاً ، بعد أن ملئت ظلماً وجوراً . وممن صرح بأحاديث المهدي ، الترمذي في السنن ، والنيسابوري في المستدرك ، والبغوي في مصابيح السنة ، وابن الاثير في النهاية ، وابن تيمية في منهاج السنة ، والذهبي في تلخيص المستدرك ، والتفتازاني في شرح المقاصد ، والهيثمي في مجمع الزوائد ، والجزري الدمشقي في أسنى المطالب ، والصبان في إسعاف الراغبين ، والشوكاني وعشرات غيرهم (1) .
وصحح النيسابوري كثير من روايات المهدي ، وعبر عن طائفة منها بأنها صحيحة على شرط الشيخين ولم يخرجاه ، كحديث أم سلمة حول خسف البيداء الذي يكون في زمن المهدي (2) ، وحديث ابن مسعود «لا تذهب الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بتي ، يواطيء اسمه اسمي» (3) ، وحديث ثوبان حول الرايات التي
|
(1) سنن الترمذي : ج 4 ، ص 505 ؛ مستدرك الحاكم : ج 4 ، ص 553 ؛ مصابيح السنة : ص 488 ، ح 4199 ؛ النهاية في غريب الحديث والأثر : ج 5 ، ص 254 ؛ منهاج السنة : ج 4 ، ص 211 ؛ تلخيص المستدرك : ج 4 ، ص 553 ؛ شرح المقاصد : ج 5 ، ص 312 ؛ مجمع الزوائد : ج 7 ، ص 313 ـ 314 ؛ أسنى المناقب في تهذيب أسنى المناقب : ص 163 ـ 168 ؛ إسعاف الراغبين : ص 145 ؛ الإذاعة : ص 125 .
(2) مستدرك الحاكم : ج 4 ، ص 429 .
(3) مستدرك الحاكم : ج 4 ، ص 442 .
|
توطيء للمهدي سلطانه (1) ، وحديث أبي سعيد : «المهدي مني أجلى الجبهة» (2) ، وحديث أبي سعيد أيضاً : «لا تقوم الساعة حتى تملأ الأرض ظلماً وجوراً وعدواناً ، ثم يخرج من أهل بيتي من يملأها قسطاً وعدلاً» (3) ، وحديث محمد ابن الحنفية عن أبيه علي عليه السلام أنه قال ، وقد سأله رجل عن المهدي : «ذاك يخرج في آخر الزمان» (4) .
وعبر عن طائفة ثانية منها ، بأنها صحيحة على شرط مسلم ولم يخرجه ، كحديث أبي سعيد الخدري : «المهدي منا أهل البيت» (5) ، وحديث الآخر أيضاً : «تملأ الأرض جوراً وظلماً فيخرج رجل من عترتي» (6) .
وعبر عن طائفة ثالثة بأنها صحيحة الإسناد ولم يخرجاه ، كحديث أبي سعيد : «ينزل بأمتي في آخر الزمان بلاء شديد ، فيبعث الله عزوجل من عترتي ، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً ، كما ملئت ظلماً وجوراً» (7) ، وحديث أبي سعيد أيضاً : «يخرج في آخر أمتي المهدي» (8) .
بل صرح بعض الأعلام بتواتر هذه الأحاديث ، كالابري في مناقب الشافعي ، كما نقل ذلك المزي في تهذيبه (9) ، والقرطبي في التذكرة (10) ، والعسقلاني في تهذيب التهذيب (11) ، والصخاوي في فتح المغيث ، والسيوطي في مصباح الزجاجة ، والمتقي
|
(1) مستدرك الحاكم : ج 4 ، ص 464 .
(2) مستدرك الحاكم : ج 4 ، ص 457 .
(3) مستدرك الحاكم : ج 4 ، ص 557 .
(4) مستدرك الحاكم : ج 4 ، ص 554 .
(5) مستدرك الحاكم : ج 4 ، ص 557 .
(6) مستدرك الحاكم : ج 4 ، ص 558 .
(7) مستدرك الحاكم : ج 4 ، ص 465 .
(8) مستدرك الحاكم : ج 4 ، ص 558 .
(9) تهذيب الكمال : ج 25 ، ص 146 / 5181 ، في ترجمة محمد بن خالد الجندي .
(10) التذكرة : ص 701 .
(11) تهذيب التهذيب : ج 9 ، ص 125 / 201 ترجمة محمد بن خالد الجندي .
|
الهندي في البرهان في علامات مهدي آخر الزمان ، والبرزنجي في الإشاعة لأشراط الساعة ، وعشرات غير هؤلاء لا مجال لذكرهم في هذه العجالة (1) .
فمثلاً ، قال ابن حجر في تهذيب التهذيب ، نقلاً عن الابري في ترجمة محمد بن خالد الجندي : (وقد تواترت الأخبار ، واستفاضت بكثرة رواتها ، عن المصطفى صلى الله عليه واله وسلم في المهدي ، وأنه من أهل بيته ، وأنه يملك سبع سنين ، ويملأ الأرض عدلاً ، وأن عيسى عليه السلام يخرج فيساعده على قتل الدجال ، وانه يؤم هذه الأمة ، وعيسى خلفه) (2) .
وقال أيضاً : (وفي صلاة عيسى عليه السلام خلف رجل من هذه الأمة ، مع كونه في آخر الزمان ، وقرب قيام الساعة ، دلالة للصحيح من الأقوال «أن الأرض لا تخلو من قائم لله بحجة» والله العالم) (3) .
ولم يقتصر الأمر على المتقدمين من علماء المسلمين ، بل نجد ذلك واضحاً في كتابات المتأخرين أيضاً ، حيث صرح أهل التحقيق منهم ، بصحة أحاديث المهدي ، بل بتاواترها، كالشيخ محمد الخضر المصري ، والشيخ محمد فؤاد عبد الباقي ، وأبو الأعلى المودودي ، وناصر الدين الألباني ، والشيخ حمود التويجري ، والشيخ عبد العزيز بن باز ، وغيرهم (4) .
وقال الشيخ منصور علي ناصف في كتابه (التاج الجامع للأصول) : (اشتهر بين
|
(1) نظم المتناثر من الحديث المتواتر للكتاني : ص 144 ؛ العطر الوردي لشرح القطر الشهدي للبلبيسي : ص 45 .
(2) تهذيب التهذيب : ج 9 ، ص 125 / 201 ، ترجمة محمد بن خالد الجندي .
(3) فتح الباري : ج 6 ، ص 385 .
(4) نظرة في أحاديث المهدي : ص 829 ـ مقال نشرته مجلة التمدن الإسلامي ، دمشق 1370 هـ ـ 1950 م ؛ محاضرة نشرت في مجلة الجامعة الإسلامية للشيخ محمد فؤاد عبد الباقي ، العدد الثالث ، السنة الاولى ، 1388 هـ السعودية ؛ البيانات للمودودي : ص 116 ؛ حول المهدي ـ مقال ـ 644 ، نشرته مجلة التمدن الإسلامية 1371 هـ ـ دمشق ؛ الاحتجاج بالأثرعلى من أنكر المهدي المنتظر : ص 70 ـ 71 ؛ الاحتجاج بالأثر للتويجري : كلمة التصدير ، بقلم ابن باز ، ص 3 .
|
العلماء سلفاً وخلفاً ، أنه في آخر الزمان ، لا بد من ظهور رجل من أهل البيت ، يسمى المهدي ، يستولي على الممالك الإسلامية ، ويتبعه المسلمون ، ويعدل بينهم ، ويؤيد الدين ، وبعده يظهر الدجال ، وينزل عيسى عليه السلام فيقتله ، أو يتعاون عيسى مع المهدي على قتله . وقد روى أحاديث المهدي ، جماعة من خيار الصحابة ، وخرجها أكابر المحدثين ، كأبي داود والترمذي ، وابن ماجة . . . ، ولقد أخطأ من ضعف أحاديث المهدي كلها ، كابن خلدون وغيره) (1) .
وقال ابن باز : (فأمر المهدي معلوم ، والأحاديث فيه مستفيضة ، بل متواترة متعاضدة ، وقد حكى غير واحد من أهل العلم تواترها . . . وهي متواترة تواتراً معنوياً ، لكثرة طرقها واختلاف مخارجها ، وصحابتها ، ورواتها ، وألفاظها ، فهي تدل على أن هذا الشخص الموعود به ، أمره حق ثابت وخروجه حق) (2) .
وقال أيضاً : (ولقد تأملت ما ورد في هذا الباب من أحاديث ، فاتضح لي صحة كثير منها ، كما بين ذلك العلماء الموثوق بعلمهم ودرايتهم ، كأبي داود ، والترمذي ، والخطابي ، ومحمد بن الحسين الآبري ، وشيخ الإسلام ابن تيمية ، والعلامة ابن القيم ، والشوكاني وغيرهم) (3) .
وقد ورد في معجم أحاديث الإمام المهدي ما يقرب من (2000 رواية) عن رسول الله وأهل بيته تعرضت لمختلف شؤون المهدي ، كالأبحاث المتعلقة بمرحلة ما قبل ظهور المهدي (عج) ، ثم ما يتعلق بشخصيته ، وحركة ظهوره ، وأحداثها ، ثم ما يكون بعده (4) .
إذن ، فمسألة ظهور المهدي في آخر الزمان ، وأنه من أهل بيته صلى الله عليه واله وسلم وعترته ، وأنه
|
(1) التاج الجامع للاصول : ج 5 ، ص 341 .
(2) كلمة ابن باز في آخر محاضرة ، عقيدة أهل السنة والأثر ، مجلة الجامعة الإسلامية ، المدينة المنورة 1388 .
(3) الاحتجاج بالأثر للتويجري : كلمة التصدير لابن باز ، ص 3 .
(4) معجم أحاديث الإمام المهدي : ج 1 ، ص 11 ، تأليف ونشر مؤسسة المعارف الإسلامية .
|
يملأ الأرض قسطاً وعدلاً ، مما لا ريب فيها ، ولا مجال للتشكيك والتردد إزائها ، وبتعبير الشيخ محمود التويجري : (أنه لا ينكر خروجه إلا جاهل أو مكابر) (1) .
ولقد أجاد بعض الكتاب المعاصرين حيث قال : (إن في عالم الدجل ، الكثير من الذين يدعون العلم ويتاجرون بالورع ، يريدون أن يجعلون تراثنا خالياً من الهواء . . . ، لقد رفض فكرة المهدي رجال هناك ، أمثال (غولد سابهر) و (فلهوزن) فاتبعهم رجال هنا ، من منطلق أنهم يأكلون كل طعام يأتي من هناك) (2) .
نعم ، الذي وقع الخلاف فيه بين علماء المسلمين ، إنما هو في جهة اخرى من البحث ، هي : هل أن المهدي حي ؟ ولكنه غائب مستور ، كما ذهب إلى ذلك أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام تبعاً للروايات الصحيحة الواردة عن النبي الأكرم صلى الله عليه واله وسلم وأئمة أهل البيت عليهم السلام ، أم أنه سيولد بعد ذلك ؟ كما هو الاتجاه العام عند مدرسة الخلفاء .
من هنا لابد أن ينصب الحديث على إثبات أن المهدي المنتظر حي أم لا ؟ ويمكن ذكر طريقين في هذه العجالة لإثبات حياته :
الطريق الأول : وهو الطريق غير المباشر ، إن صح التعبير ، وذلك بأن يقال : بعد أن ثبتت ضرورة استمرار وجود معصوم ، لا يفارق الكتاب ولا يفارقه الكتاب ، كما هو نص حديث الثقلين ، وأن هؤلاء المعصومين لا يتجاوز عددهم (12) كما هو مقتضى أحاديث (خلفائي من بعدي إثنا عشر) ، وأن هؤلاء هم علي والحسن والحسين وتسعة من صلب الحسين عليهم السلام ينتهون بالمهدي المنتظر ، كما هو نص عشرات الروايات من الفريقين ، إذن يثبت بالدلالة الالتزامية العقلية ، أن الإمام الثاني عشر ، حي يرزق ، لكنه غائب مستور عن الخلق لحكمة إلهية في ذلك .
ومن الواضح أن هذا الطريق يثبت لنا وجود إمام معصوم غائب ، هو المهدي
|
(1) الاحتجاج بالأثر : ص 127 .
(2) عقيدة المسيح الدجال في الأديان ، قراءة في المستقبل ، تأليف سعيد أيوب ، ص 361 ، دار البيان للطباعة والنشر .
|
المتنظر ابن الإمام الحسن العسكري عليه السلام الذي ينتهي نسبه إلى الإمام الحسين بن علي عليهما السلام .
ولكنه لا يتعرض لتفاصيل سنة ولادته ، وكيفية ذلك ، ومن هي امه ، ومتى غاب ، وهل له غيبة واحدة أم أكثر . إلا أن هذا لا يؤثر في أصل فكرة إثبات وجوده ، وأنه حي غائب ، لأن الضرورة النقلية وما يلزمها عقلاً تثبت هذه الحقيقة .
الطريق الثاني : وهو الطريق المباشر ، ولكي يتضح ذلك جيداً لابد من الإشارة إلى التسلسل الوارد في الروايات ، لإثبات هذه الظاهرة الإلهية ، وهذا ما أحصاه بعض المحققين المعاصرين :
1 ـ الروايات التي تبشر بظهوره (عج)
657 رواية
2 ـ الروايات التي تبين أنه يملأ الأرض عدلاً وقسطاً
123 رواية
3 ـ الروايات التي تثبت أن المهدي المنتظر من أهل البيت
389 رواية
4 ـ الروايات التي تبين أنه من ولد أمير المؤمنين عليه السلام
214 رواية
5 ـ الروايات التي تثبت أنه من ولد فاطمة الزهراء عليها السلام
192 رواية
6 ـ الروايات التي تقول أنه من ولد الإمام الحسين عليه السلام
185 رواية
7 ـ الروايات التي تقول أنه التاسع من ولد الإمام الحسين عليه السلام
148 رواية
8 ـ الروايات التي تقول أنه من ولد علي بن الحسين عليهما السلام
185 رواية
9 ـ الروايات التي تقول أنه من ولد محمد الباقر عليه السلام
103 رواية
10 ـ الروايات التي تقول أنه من ولد الصادق عليه السلام
103 رواية
11 ـ الروايات التي تقول أنه السادس من ولد الصادق عليه السلام
99 رواية
12 ـ الروايات التي تقول أنه من ولد موسى بن جعفر عليهما السلام
101 رواية
13 ـ الروايات التي تقول أنه الخامس من ولد موسى بن جعفر عليهما السلام
98 رواية
14 ـ الروايات التي تقول انه الرابع من ولد علي بن موسى الرضا عليه السلام
95 رواية
15 ـ الروايات التي تقول أنه الثالث من ولد محمد بن علي التقي عليه السلام
90 رواية
16 ـ الروايات التي تقول أنه من ولد علي الهادي عليه السلام
90 رواية
17 ـ الروايات التي تقول أنه ابن أبي محمد الحسن العسكري عليه السلام
146 رواية
18 ـ الروايات التي تقول أنه الثاني عشر من الأئمة وخاتمهم
136 رواية
19 ـ في ولادته عليه السلام وتأريخها وبعض حالات امه
214 رواية
20 ـ في أنه له غيبتين
10 رواية
21 ـ في أنه له غيبة طويلة
91 رواية
22 ـ في أنه طويل العمر جداً
318 رواية (1)
ولا شك أن روايات بعض هذه العناوين ، قد تتداخل مع بعضها الآخر ، كما هو واضح .
لا يقال : بأن الاستدلال بروايات أئمة أهل البيت عليهم السلام لإثبات إمامة أنفسهم وبيان خصائصها ، وعدد الأئمة ، وأن الثاني عشر حي ، ونحو ذلك ، إنما يلزم منه الدور ، لأن حجية أقوالهم موقوفة على إمامتهم وعصمتهم ، والمفروض أن إمامتهم متوقفة على حجية أقوالهم .
لأنه يقال : إن هذا الإشكال مدفوع ببيانين :
الأول : إننا بعد أن أثبتنا عصمتهم بإحدى الطرق المتقدمة في المحور الثالث ، يمكن الاحتجاج والاستناد إلى أقوالهم لإثبات خصائص إمامة المهدي المنتظر (عج) ، ولا يلزم محذور في المقام ، لاختلاف الموقوف عن الموقوف عليه ، فيرتفع الدور .
الثاني : إنه حتى لو لم تثبت عصمة أئمة أهل البيت عليهم السلام في الرتبة السابقة ، إلا أنه يمكن الاعتماد على رواياتهم ، وذلك من خلال أنهم رواة ثقاة عن الرسول الأعظم صلى الله عليه واله وسلم ، فتكون حجية قولهم على حد حجية قول أصحاب رسول الله صلى الله عليه واله وسلم الذين قبل المسلمون عامة ، الاعتماد على ما ينقلونه عن النبي الاكرم صلى الله عليه واله وسلم ، ولا اضن ان احد من المسلمين يتوقف في قبول مثل هذا الأمر بشأن أهل البيت عليهم السلام سواء فيما صرحوا فيه من الروايات ، بأنهم ينقلونه عن الرسول الأكرم صلى الله عليه واله وسلم ، أو التي لم يصرحوا فيها بذلك ، بل اكتفوا بالقاعدة الكلية التي بينوا فيها ، أن حديثهم هو
|
|
(1) منتخب الأثر ، للصافي الگلپايگاني .
|
حديث رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ، كما يقول الإمام الصادق عليه السلام : «حديثي حديث أبي ، وحديث أبي حديث جدي ، وحديث جدي حديث الحسين ، وحديث الحسين حديث الحسن ، وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين ، وحديث أميرالمؤمنين حديث رسول الله صلى الله عليه واله وسلم» (1) .
وعلى هذا ، لم نجد أحداً من المسلمين ، شكك فيما نقل الإمام الباقر أو الإمام الصادق عليهما السلام عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم مع علمنا أن كثيراً من هؤلاء الذي سمعوا هذه الأحاديث من الأئمة عليهم السلام وقبلوها ، ورووها ، لم يكونوا يعتقدون بعصمة الأئمة عليهم السلام كاعتقاد الشيعة بهم ، غير أنهم ، كانوا يعتقدون ، بأن هؤلاء في أعلى درجات التقى والعلم والوثاقة والصدق .
ولا يخفى أن هناك طرق اخرى لإثبات حياته (عج) كشهادة من رآه ، وهم جم غفير ، وفيهم الثقاة والعلماء فقد أحصى البعض (عدد من شاهد الإمام المهدي ، فبلغوا زهاء 304 شخص) (2) . ولعل ما فاته أكثر مما ذكره .
من هنا جاءت اعترافات عدد كبير من علماء السنة ، تبين ولادة المهدي (عج) ، وقد صرح بعضهم ، أنه هو الإمام الموعود بظهوره في آخر الزمان . وقد أحصيت بعض المؤلفات المعاصرة وهو (المهدي في نهج البلاغة) للشيخ مهدي فقيه إيماني ما يزيد عن (100) شخصية ، صرحت بولادته (عج) .
وكنموذج على ذلك ، ما ذكره العلامة الشعراني الحنفي في كتابه القيم (اليواقيت والجواهر) حيث قال : (فهناك يترقب خروج المهدي عليه السلام وهو من أولاد الإمام الحسن العسكري ، ومولده عليه السلام ليلة النصف من شعبان سنة خمسة وخمسين ومائتين ، وهو باق إلى أن يجتمع بعيسى بن مريم عليه السلام ـ إلى أن تقول ـ وعبارة الشيخ محي الدين في الباب السادس والستين وثلثمائة من (الفتوحات) : واعلموا أنه لا بد
|
(1) وسائل الشيعة : ج 27 ، ص 83 ، باب 8 ؛ الكافي : ج 1 ، ص 53 .
(2) من هو المهدي ، أبو طالب التجليلي التبريزي ، ص 460 ـ 505 ، نقلاً عن كتاب دفاع عن الكافي : ج 1 ، ص 562 .
|
من خروج المهدي عليه السلام ، لكن لا يخرج حتى تمتلئ الأرض جوراً وظلماً ، فيملأها قسطاً وعدلاً ، ولو لم يكن من الدنيا إلا يوم واحد ، طول الله تعالى ذلك اليوم ، حتى يلي ذلك الخليفة ، وهو من عترة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم من ولد فاطمة (رضي الله عنها) جده الحسين بن علي بن أبي طالب ، ووالده الحسن العسكري ، ابن الإمام علي النقي بالنون ، ابن الإمام محمد التقي بالتاء ، ابن الإمام علي الرضا ، ابن الإمام موسى الكاظم ، ابن الإمام جعفر الصادق ، ابن الإمام محمد الباقر ، ابن الإمام زين العابدين علي ، ابن الإمام الحسين ، ابن الإمام علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) ، اسمه اسم رسول الله صلى الله عليه واله ، يبايعه المسلمون بين الركن والمقام . . .) (1) .
كانت هذه عبارة صاحب الفتوحات المكية ، كما ينقلها أحد أعلام القرن العاشر الهجري ، ولكن مما يؤسف له ، فإن الأيادي غير الأمينة ، عبثت بهذا النص ، عندما طبعت الفتوحات ، فجاء النص بنحو آخر : (اعلم أيدنا الله ، إن لله خليفة يخرج وقد امتلأت الأرض ظلماً وجوراً ، فيملأها قسطاً وعدلاً ، لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد ، طول الله ذلك اليوم حتى يلي هذا الخليفة من عترة رسول الله صلى الله عليه واله ، من ولد فاطمة ، يواطيء اسمه اسم رسول الله صلى الله عليه واله ، جده الحسن بن علي بن أبي طالب ، يبايع بين الركن والمقام . . .) (2) .
وبهذا تخرج مسألة الإيمان بالمهدي المنتظر (عج) ، وأنه حي يرزق ، عن دائرة اتهام الشيعة ، باختلاقها وإيجادها في الفكر الإسلامي .
وبإضافة هذا المحور إلى المحاور الثلاثة المتقدمة ، ونعني بها : استمرار الإمامة وعدد الأئمة ، ومصاديقهم ، يتم بحث الإمامة بشكل منطقي و ننتهي من خلاله إلى نتائج قطعية لا ينكرها أي عالم باحث عن الحق والحقيقة .
|
(1) اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر : ج 2 ، ص 562 ، دار إحياء التراث العربي ، مؤسسة التأريخ العربي ، بيروت ـ لبنان .
(2) الفتوحات المكلة : ج 3 ، ص 327 ، دار إحياء التراث العربي .
|
|
وفي الختام
|
|
|
 |
فإن الكتاب الماثل بين أيدينا ، وهو كتاب (دفاع عن التشيع) فقد طالعته ، وسرني ما وجدت فيه من الجهد العلمي والتحقيقي ، الذي بذله أحد أعزة تلامذتنا المتتبع ، السيد نذير الحسني ، حيث تصدى فيه للرد على بعض الأسئلة والاستفهامات ، بل جملة من الاتهامات التي جاءت في كتاب (تطور الفكر السياسي الشيعي) لأحمد الكاتب .
وأود الإشارة هنا إلى أن البحث في مسائل الإمامة ، يمكن أن يكون من خلال بعدين :
الأول : العبد الوجودي والتكويني .
الثاني : البعد السياسي والفقهي والتأريخي .
والمراجع لكتاب (تطور الفكر السياسي . . .) يجد أن المؤلف تجاهل البعد الأول تماماً ، وأغفل الحديث عنه بالكلية ، وإنما حاول أن يقرأ الإمامة من خلال البعد الثاني ، وهذا ما أوصله إلى جملة من النتائج الخاطئة ، وهذه هي النكتة التي أومأنا إليها في بداية هذا البحث ، وقلنا بأن المدرسة السنية ، انطلقت من نقطة مركزية لفهم نظرية الإمامة ، تمثلت في أن الإمام والخليفة ، يعني القائد والزعيم السياسي . لذا بينا أننا ما لم نحدد محل النزاع في الإمامة ، ونقف على المسؤوليات التي انيطت بها ، فإن البحث لا يمكن أن ينتهي إلى نتائج صحيحة .
وعلى هذا الأساس جاءت محاولة هذا الكتاب لعرض الجوانب السياسية والتأريخية لبحث الإمامة ، واستطاع مؤلفه أن يعطي صورة واضحة وتفضيلية عن هذا البعد ، مضافاً إلى بيان مدى الاشتباه والتحريف الذي وقع فيه الكاتب .
وما توفيقي إلا بالله ، عليه توكلت ، وإليه انيب
السيد كمال الحيدري 24 صفر 1421 هـ
قم المقدسة
|
المقدمة
|
|
|
 |
بينما أنا أتجول في خزائن السلف الصالح ، اقلب تلك الكنوز التي تركها مصنفوها والتي تحكي واقعهم العلمي والعملي من خلال نقلهم الحقائق بأدلة لا تقبل الشك والخلاف ، وقع نظري على كتاب أسفل المكتبة بعنوان (تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى إلى ولاية الفقيه) ، وكان مؤلفه باسم (أحمد الكاتب) ونظراً لعدم شهرة هذا الاسم لم أتعرف عليه بدقة ، ولكني أخذت أتصفح الكتاب واقلب فهارسه ، فوجدت فيه عناوين لمواضيع مختلفة شدتني إلى قراءته ، وبدأت في القراءة وإذا بالمؤلف يتحدث عن شبهات كثيرة قرأتها في كتب المتقدمين الشيعة سابقاً مع ردودها ، ولكن الذي أثار انتباهي هنا ان المؤلف ينسب في كثير من الأحيان هذه الشبهات إلى علماء الشيعة وليس إلى أصحاب المذاهب الأخرى الذين أثاروها ، فكان هناك فارق كبير بين ما أقرأه في كتب الشيعة الأوائل التي اعتمدها المؤلف وبين ما نسبه إليهم ، أضف إلى ذلك أنه نسب إلى علي عليه السلام وأبنائه القول بالشورى خلافاً لما نقل إلينا من تراث صحيح علم به المخالف والموالف ، وتحدث أيضاً عن امور نعلم خلافها بالضرورة ، ولعدم التسرع في الحكم على الكتاب حتى لا يظلم صاحبه ، عدت من جديد لقراءة الكتاب للمرة الثانية على التوالي وبدون فاصل زمني بين القراءتين ، فلم يسعفني محمل واحد من السبعين لحمل المؤلف عليه ، عندها بادرت إلى من له باع طويل في الحوزة وأبلغته بذلك ،
فقال لي : (قرأت الكتاب ولكنه لا يستحق الرد) ، والسر في هذه الكلمة أن هذه الشبهات اثيرت قبل مئات السنين وردها المفيد والصدوق والطوسي والمرتضى وغيرهم .
ولكن بعد فترة ليست طويلة أخذت هذه الشبهات تطلق وتنسب إلى المؤلف ، وتناقلت بعض الصحف ذلك ، وطبل لها الكثير ليؤججوا نار الفتنة بعدما أخذت الحقيقة تنجلي شيئاً فشيئاً ، ولكي تنصف الحقيقة ولا تحقق أهداف أولئك ، تركت ما تعودت عليه يومياً وتفرغت لهذا الكتاب بالكامل ـ صباحاً ومساءً ـ وأخذت في أول عملي بتخريح جل الروايات والأقوال التي اعتمدها المؤلف ، معتمداً بذلك ما أشار إليه هو في هامشه ، ولم يكن هذا العمل سهلا ، خصوصا وان المؤلف لم يتبع المنهج العلمي في ذكر المصادر ، ولم يذكر مشخصات الكتاب المقتبس منه بالكامل ، ومن المعلوم أن لأكثر الكتب طبعات مختلفة تختلف الأجزاء وأرقام الصفحات والمطالب بحسبها ، هذا فضلاً عن اعتماد المؤلف على اكثر من طبعة لمصدر واحد،فاستغرق العمل وقت طويلا جداً ، خرج بنتيجة تقول : (من يقرأ كتاب المؤلف يقرأ تأريخاً منكوساً على رأسه ، ومن يقرأ مصادره يقرأ تأريخاً قويماً ناصعاً لا شك فيه ولا خلاف) ، أضف إلى ذلك مخالفات كثيرة وقع فيها المؤلف عمداً تارة ، وسهواً اخرى ـ حملاً على قاعدة صحة عمل المسلم ـ ، ومن هذه المخالفات :
1 ـ مخالفات منهجية في أجزائه الثلاثة ، ففي جزئه الأول يقول في (صفحة 19) : (وبالرغم مما يذكره الإماميون من نصوص حول تعيين النبي صلى الله عليه واله وسلم للإمام علي بن أبي طالب كخليفة من بعده ، إلا أن تراثهم يحفل بنصوص اخرى تؤكد التزام الرسول الأعظم وأهل بيته بمبدأ الشورى) ، بارغم من هذا الاعتراف لم يقم المؤلف بمقارنة نصوص التعيين ونصوص الشورى ، ولم يوازن بينهما حسب المنهج العلمي المتعارف عليه ، فترك نصوص التعيين وتعلق بنصوص الشورى المزعومة .
وفي جزئه الثاني بحث عن وجود ولد للعسكري بعد أن نفى إمامته في جزئه
الأول ، ولا أعلم ما فائدة وجود ولد للعسكري أو عدم وجوده إذا لم يكن إماماً .
وفي جزئه الثالث ربط قضايا فقهية بمسألة الغيبة ، وجعل الاختلاف فيها من الآثار السلبية لها ، مع أن الاختلاف في هذه المسائل نابع من دليلية الدليل وامو اخرى ذكرناها في المتن ، فضلاً عن اختلاف علماء أهل السنة في كثير منها وهم لا يؤمنون بأن المهدي هو ابن الحسن العسكري .
2 ـ بثلاث روايات عليلة ـ كما سنرى ـ نفى المؤلف الإمامة وأقام الشورى دستوراً للمسلمين .
3 ـ الكذب الصريح على علماء الشيعة ، وبالخصوص الشيخ المفيد والنوبختي والصدوق والطوسي والنعماني والسيد المرتضى وغيرهم .
4 ـ عدم التروي في نسبة الكتاب إلى مؤلفه ، فنسب «فرق الشيعة» إلى النوبختي ، مع أن هذه النسبة عليها عدة علامات استفهام .
5 ـ الاعتماد على روايات الضعفاء وتضعيف الثقة وتوثيق الضعيف ، كما فعل ذلك مع الريان بن الصلت ، وقال عنه : (ضعيف) ، مع أن النجاشي يقول : (ثقة ، صدوق) .
6 ـ قراءة منكوسة لتأريخ أئمة أهل البيت ، وتأويل بعض الروايات بالرأي ، وتحميلها معنىً قسرياً تأباه .
7 ـ الجهل التام بما ورد في التأريخ الإسلامي (الشيعي والسني) حول مسألة «الخلفاء اثنا عشر كلهم من قريش» ، فنسب عدم حصر الخلفاء باثني عشر إلى التراث السني ، مع أن البخاري ومسلم وبقية علماء السنة نقلوا هذا الحديث وبالحصر .
8 ـ التشبث بروايات تعلق المؤلف بأعناقها لاوياً إياها مطيعاً معناها إلى مرامه .
9 ـ الخلط الواضح في كثير من المسائل ، وعدم التمييز بين المصطلحات وخصوصاً في مسألة الاجتهاد .
10 ـ النتيجة التي توصل إليها (شورى الأمة على نفسها) لا تستدعي نفي
الإمامة الإلهية ـ كما فعل ـ لأن من يؤمن بالإمامة اليوم يؤمن بشورى الامة على نفسها .
وغير ذلك من المخالفات العلمية لأبسط قواعد البحث العلمي ، والتي سيجدها القارئ في هذا الكتاب الذي قسمنا فصوله إلى أحد عشر فصلاً .
تناول الفصل الأول المخالفات الصريحة والتحريف المتعمد والتجاهل لكثير من الحقائق في التأريخ .
وتناول الثاني موارد الكذب المتعمد الذي اعتمده المؤلف على علماء الشيعة ، أمثال المفيد والصدوق والمرتضى والطوسي والنوبختي والنعماني وغيرهم .
وتناول الثالث موارد الخلط التي وقع فيها المؤلف وعدم التمييز في المواقع .
وتناول الرابع افتراءات وأكاذيب المؤلف على مصاديق الإمامة الإلهية ابتداءً بعلي عليه السلام وانتهاءً بالمهدي المنتظر (عج) .
وأما الخامس فقد كرسناه لنظرية الشورى والتحديات التي واجهتها .
وتحدث السادس عن الافتراءات المتعمدة التي افتراها المؤلف على أركان نظرية الإمامة الإلهية .
وتحدثنا في السابع عن حديث «خلفاء اثنا عشر» ومصاديقه ، ودفعنا بعض الشبهات في ذلك .
وأما الثامن فتناول التسرع الذي وقع فيه الكاتب في إصدار الأحكام من دون بحث ودراسة للظروف الموضوعية لكثير من المسائل التأريخية .
وتحدث التاسع عن التقية في الفكر الإسلامي ، وقسم من أقسام العلم بالغيب الذي أطلع الله رسوله وأولياءه عليه .
وذكرنا في العاشر الحركات والفرق التي حاول الكاتب التعلق بأهدافها لخدمة نتائجه .
وفي الحادي عشر تحدثنا عن التشيع وعلمائه والظروف التي واجهوها .
وأخيراً ، دراسة النتيجة النهائية التي توصل إليها المؤلف والتي كانت غريبة
عن مقدماتها تماماً .
وبهذه الجولة المضنية والطويلة نقدم للقارئ دفاعاً عن التشيع الذي حاول المؤلف إثارة الغبار على كثير من مسائله العقائدية .
وأخيراً لا أنسى شكري العام إلى الاخوة العاملين في المكتبات المختصة في فروع الحديث والرجال والتأريخ والتفسير والفقه والاصول ، المنتشرة في مدينة قم المقدسة ، وشكري الخاص إلى الأخ الشيخ أياد كمالي ، الذي لم يدخر جهداً في المساعدة .
ونسأل الله أن يهدي اولئك الذين لم ينشدوا الحقيقة ، وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين .
نذير الحسني
محرم الحرام 1421 هـ
قم المقدسة
|
ادعاء خال من التوثيق
|
|
|
 |
ادعى أحمد الكاتب في مطلع بحثه ، أن الأمة الإسلامية كانت خلال العقود الاولى من تاريخها تؤمن بنظام الشورى (1) ، وأطلق هذا الشعار من دون الاستناد إلى أي وثيقة ، وأين يجد الوثيقة وصانع الشورى عمر بن الخطاب ـ كما يتضح فيما بعد ـ يحكي لنا بيعة أبي بكر بقوله : (كانت فلتة وقى الله شرها) (2) ، ثم لما أفلت الخلافة عنه قال : (لو كان أبو عبيدة حياً لوليته) (3) ، وقال أيضاً : (لو كان معاذ بن جبل حياً لوليته) (4) ؟ !
وبالاضافة إلى أقوال الخليفة الثاني عمر التي تعبر عن شعور راسخ بمسألة النص ، وعدم إيمان بمسألة الشورى ، نجد أن الخليفة الثالث عثمان بن عفان صرح بذلك أيضاً عندما خاطب ابن عباس قائلاً : (ولقد علمت أن الأمر لكم ، ولكن قومكم دفعوكم عنه واختزلوه دونكم) (5) .
وأما عبد الله بن عباس فكان لا يروق له أي صفة يصف بها علي عليه السلام إلا أنه
|
(1) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 19 .
(2) صحيح البخاري : كتاب المحاربين من أهل الكفر والردة ، باب رجم الحبلى ، ح 6442 ؛ تاريخ الطبري : ج 3 ، ص 446 ؛ سيرة ابن هشام : ج 4 ، ص 308 ـ 309 .
(3) الكامل في التاريخ : ج 3 ، ص 65 ؛ صفة الصفوة : ج 1 ، ص 3
؛ سير أعلام النبلاء : ج 1 ، ص 10 .
(4) صفوة الصفوة : ج 1 ، ص 367 .
(5) ابن الحديد ، شرح نهج البلاغة : ج 9 ، ص 9 .
|
وصي ، كما يقول المسعودي : (إن ابن عباس كان يصف علياً بأنه سيد الأوصياء) (1) .
وكذلك محمد ابن الخليفة الأول أبي بكر ، يصف علياً أنه وارث رسول الله ووصيه (2) .
هذا فضلاً عن موقع أمير المؤمنين عند الزبير وعمار بن ياسر وأبي ذر والمقداد وسلمان ، وعشرات الصحابة الذين آمنوا بمسألة النص والوصية .
إذن مسألة النص كانت من مرتكزات الفكر السياسي الإسلامي في الصدر الأول من تاريخه ، ومجرد دعوى من قبل الكاتب ـ وإن كان تشوش الأذهان ـ لا تمحو الواقع الإسلامي والتاريخ المكتوب ، وسيتضح ذلك ـ فيما بعد ـ بشكل جلي .
|
أخطاء منهجية
|
|
|
 |
الخطأ الأول : يقول الكاتب : (بالرغم مما يذكره الإماميون من نصوص حول تعيين النبي صلى الله عليه واله وسلم للإمام علي بن أبي طالب عليه السلام كخليفة من بعده إلا أن تراثهم يحفل بنصوص اخرى تؤكد التزام الرسول الأعظم وأهل البيت بمبدأ الشورى وحق الأمة في انتخاب أئمتها) (3) .
1 ـ تجاوز الكاتب الاعتبارات العلمية للبحوث ، فعلى الرغم من اعترافه بنصوص الإمامة التي ملأت كتب الشيعة ، إلا أنه لم يذكر نصاً واحداً في كتابه ، والمنصف في هذا المجال عليه أن يذكر أدلة الطرفين ويناقشها ، ويثبت صحة ما يعتقد به ، فهذا لم نجده عند الكاتب مطلقاً .
2 ـ حاول استغفال القارئ وإيهامه بأن نصوص تعيين الإمام واردة من طرق الشيعة فقط ، والمطالع للرواية السنية يجد مسألة تعيين الإمام كخليفة من قبل رسول
|
(1) مروج الذهب : ج 3 ، ص 8 .
(2) مروج الذهب : ج 3 ، ص 21 ؛ وقعة صفين : ص 118 ـ 119 .
(3) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 19 .
|
الله صلى الله عليه واله وسلم واضحة آبية عن التأويل القسري الذي تعرضت له ، ومن مصاديق ذلك :
قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : «فمن كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه» (1) .
وتعرض هذا الحديث إلى محاولتين :
فسرته بالنصرة والمحبة ، وأصبح معنى الحديث : إنكم تحبوني أكثر من أنفسكم ، فمن يحبني يحب علياً ، اللهم أحب من أحبه ، وعاد من عاداه (2) .
رأت الاولى غير كافية لتصحيح مواقف الصحابة الذين خرجوا على علي عليه السلام ، فأصدرت بنداً جديداً يقول : إن بعض الصحابة لهم حق على غرار ما يسمى بحق النقض ، بأن يجتهدوا أمام النصوص ، فقالت هذه المحاولة بأن من حق هؤلاء الذين نصبوا العداء لعلي الاجتهاد في مقابل النص ، وهم معذورون وإن أخطأوا (3) .
ولم يبق لهذا الحديث بعد ذلك أي معنى ، لأن من أحب علياً ومن أبغضه واحد من حديث التكليف ، مادام باب الاجتهاد مقابل النص مفتوحاً .
قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : «إن هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم ، فاسمعوا له وأطيعوا» (4) .
وحاولت كثير من الكتب الحديثية مصادرة هذا المعنى بعدم نقله ، ولكن رفضت كتب التاريخ ذلك وأبرزته بأجلى صوره ، ولما كان لسان الحديث آبياً عن التأويل القسري وجهت أصابع الاتهام إلى عبد الغفار بن القاسم الواقع في سنده ، حيث اتهمه
|
(1) مسند أحمد : ج 1 ، ح 642 و 672 و 953 و 964 ؛ سنن النسائي : كتاب الخصائص ، ح 8542 ؛ البداية والنهاية : ج 5 ، ص 229 ـ 232 و ج 7 ، ص 383 ـ 385 في عشرين طريقاً .
(2) روح المعاني : ج 6 ، ص 195 ـ 196 .
(3) الفصل في الملل والأهواء والنحل : ج 3 ، ص 291 ـ 292 ؛ الباعث الحثيث : ص 135 .
(4) تاريخ الطبري : ج 2 ، ص 63 ؛ الكامل في التاريخ : ج 2 ص 62 ـ 64 ؛ السيرة الحلبية : ج 1 ، ص 461 ؛ تفسير الخازن : ج 3 ، ص 333 .
|
ابن كثير بالكذب لأنه شيعي (1) .
والذي يهون الخطب أن ابن حجر قال بحقه : (ذا اعتناء بالعلم وبالرجال ، وقال شعبة : لم أر أحفظ منه) (2) .
قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى ، إلا أنه لا نبي بعدي» (3) .
فقالوا : هذا الحديث ورد تطييباً لخاطر الإمام عليه السلام ، وترغيباً له في البقاء بالمدينة ، ولئلا يلتفت إلى مقالة المنافقين ، وقد تناسوا تلك الآية التي نسبت كل أقوال الرسول صلى الله عليه واله وسلم إلى الوحي ، حيث قال تعالى : «إن هو إلا وحى يوحى» (4) .
هذا بعض ما ورد في كتب العامة الحديثية والتاريخية والتفسيرية بشأن تعيين الإمام خليفةً لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم ، فحتى هذا الواضح الذي لا يختلف فيه اثنان ، ولا يتناطح عليه عنزان ، لم يذكره الكاتب ، ولم يناقشه ، والسر الذي يكمن وراء عدم ذكره لهذه النصوص أنه لا يستطيع أن يستغفل القارئ بتلك التأويلات التي ما أنزل الله بها من سلطان ، فاكتفى بالعبارة المتقدمة : (بالرغم مما يذكره الإماميون من نصوص حول تعيين النبي صلى الله عليه واله وسلم للإمام علي بن أبي طالب عليه السلام كخليفة من بعده) ، متناسياً ما ورد من نصوص في كتب العامة الحديثية والتأريخية والتفسيرية ، التي هي كالشمس الطالعة في وضح النهار على إمامة علي عليه السلام .
ربط في جزئه الثالث القضايا الفقهية مثل ولاية الفقيه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وإقامة الحدود ، والجهاد ، والخمس ، وصلاة الجمعة ـ ربطها ـ بالغيبة ، وجعل اختلاف العلماء في ذلك من الآثار السلبية لنظرية الغيبة ، كما
|
(1) ابن كثير ، البداية والنهاية : ج 3 ، ص 53 .
(2) ابن حجر ، لسان الميزان : ج 4 ، ص 42 ـ 43 .
(3) مسند أحمد : ج 1 ، ح 1550 ؛ صحيح البخاري : باب مناقب علي ، ح 3503 ؛ صحيح مسلم فضائل علي ، ح 2404 ؛ مصنف ابن أبي شيبة : ج 7 ، ص 496 / 11 ـ 15 .
(4) النجم : آية 4 .
|
صرح هو بذلك (1) ، علماً إن هذه الأمور الفقهية قد اختلف فيها فقهاء السنة ، وهم لا يؤمنون بغيبة المهدي الذي هو الحجة بن الحسن العسكري .
يقول القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين الفراء :
وأما الإمامة في صلاة الجمعة ، فقد اختلف الفقهاء في وجوب تقليدها ، فذهب أبو حنيفة وأهل العراق إلى أنها من الولايات الواجبة ، وأن صلاة الجمعة لا تصح إلا بحضور السلطان او من يستنيبه فيها ، وذهب الشافعي (رضي الله عنه) وفقهاء الحجاز إلى أن التقليد فيها ندب ، وأن حضور السلطان ليس شرطاً فيها . . . ويجوز أن يكون الإمام فيها عبداً وإن لم تنعقد ولايته (2) .
ويقول مغنية متحدثاً عن صلاة الجمعة : (واختلفوا هل يشترط في وجوبها وجود السلطان أو من يستنيبه لها أو أنها واجبة على كل حال) .
وقال الحنفية والإمامية : (يشترط وجود السلطان أو نائبه ، ويسقط الوجوب مع عدم وجود أحدهما ، واشترط الإمامية عدالة السلطان ، وإلا كان وجوده كعدمه ، واكتفى الحنفية بوجود السلطان ولو غير العادل) .
ولم يعتبر الشافعية والمالكية والحنابلة وجود السلطان ، وقال كثير من الإمامية : (إذا لم يوجد السلطان أو نائبه ، ووجد فقيه عادل يخير بينها وبين الظهر مع ترجيح الجمعة) (3) .
وقد اختلفوا في مسألة الخمس ، فمنهم من أسقط سهم رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بموته ، وهم الحنفية ، وأما المالكية فقالوا يرجع أمر الخمس الى الإمام يصرفه حسبما يراه من المصلحة .
وقالت الشافعية والحنبلية : (تقسم غنيمة الخمس إلى خمسة أسهم ، واحد منها سهم الرسول ، ويصرف على مصالح المسلمين ، وواحد يعطى لذوي القربى ، وهم من
|
(1) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 271 .
(2) الأحكام السلطانية : ص 134 .
(3) الفقه على المذاهب الخمسة : ص 120 .
|
انتسب إلى هاشم بالأبوة من غير فرق بين الأغنياء والفقراء ، والثلاثة الباقية تنفق على اليتامى والمساكين وأبناء السبيل ، سواء كانوا من بني هاشم أم من غيرهم) .
وقالت الإمامية : (إن سهم الله وسهم الرسول وسهم ذوي القربى يفوض أمرها إلى الإمام أو نائبه يضعها في مصالح المسلمين ، والأسهم الثلاثة الباقية تعطى لأيتام بني هاشم ومساكينهم وأبناء سبيلهم ، ولا يشاركهم فيها غيرهم) (1) .
وأما مسألة الإمامة والولاية فقد اختلف فيها السنة وفي كيفية انعقادها ، وفي شروطها ، وشروط الإمام ، وكيفية الاختيار (2) .
فكل هذه المسائل اختلف فيها أهل السنة مع عدم إيمانهم بغيبة الإمام الثاني عشر ، لأنها من المسائل الفقهية التي لا علاقة لها بوجود غائب أم لا ، مرد الاختلاف فيها إلى دليلية الدليل شرعاً عند واحد دون غيره ، أو الاختلاف في حصول الجزم والتصديق ببعض دون آخر او الاختلاف في الاذهان في الحدة والذكاء ، وسرعة الانتقال إلى المطالب وبطؤه من الأدلة الثابتة كالحجية المقررة (3) .
وراح الكاتب في هذه البحوث الفقهية التي لا يحق لأحد الخوض فيها ماعدا الفقهاء والعلماء ، راح يخلط بين الجهاد الابتدائي والجهاد للدفاع عن بيضة الإسلام الذي قال عنه الشهيد الثاني : (أما الجهاد الذي يخشى فيه على بيضة الإسلام يجب بغير إذن الإمام أو نائبه) (4) .
ولم ينقل الكاتب الصورة بأمانة للقارئ حول موقف الشيعة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، حيث يقول الشهيد الأول فيهما :
(وهما واجبان عقلاً ونقلاً على الكفاية . . . ويجوز للفقهاء حال الغيبة إقامة الحدود
|
(1) الفقه على المذاهب الخمسة : ج 1 ـ 2 ، ص 188 .
(2) الأحكام السلطانية : ص 6 ـ 21 .
(3) تاريخ حصر الاجتهاد : ص 80 .
(4) الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية : ج 2 ، ص 379 ـ 381 .
|
مع الأمن ، والحكم بين الناس مع اتصافهم بصفات المفتي . . .) (1) .
وهذه البحوث لا يحق لأي أحد أي يدلي بها دلوه إلا إذا كان فقيهاً مجتهداً معلوماً طريقة إلى الفقاهة .
وبعد أن عجز الكاتب من إيجاد أي ثغرة عند الإمامية ، راح يبحث عن سبب للغيبة بعد أن نفى إمامة المهدي (عج) (2) .
وهذا المنهج عليل ، لأن البحث عن سبب غيبة الإمام بعد نفي أمامته لا معنى له .
يقول الشيخ الطوسي : (ذلك لأن الكلام في سبب غيبة الإمام فرع على ثبوت إمامته ، فأما قبل ثبوتها فلا وجه للكلام في سبب الغيبة) (3) .
فلا بد أن نبحث أولاً إمامة المهدي (عج) ثم نبحث عن سبب الغيبة ، فإذا لم يكن إمام فسواء غاب أم لم يغيب لا ربط له بالمسألة المبحوث عنها .
وأثبت الشيعة بالأدلة العقلية والنقلية إمامة الإمام الثاني عشر ، وتجاهل الكاتب ولم يذكر تلك الأدلة والروايات الصحيحة ـ التي سنذكرها فيما بعد ـ ، بل اكتفى بالعبارات الإعلامية والشعارات الخالية من التوثيق ، والشيعة أثبتوا ذلك قبل أن يلجأوا إلى إثبات سبب غيبته ، لأن في الإثبات الأول استدلالاً لا يحتمل الاشتباه والغموض ، وإمكان التأويل . أما سبب الغيبة والعلة النهائية فيها فقد يخالطها الشك والغموض والتأويل من قبل من لا دين له ، وممن يعتمد على المنهج الحسي في إثبات الحقائق ويهمل المنهج الغيبي الذي صرح به القرآن مراراً وتكراراً .
يقول الشيخ الطوسي : (وإنما رجحنا الكلام في إمامته عليه السلام على الكلام في غيبته ، لأن الكلام في إمامته مبني على امور عقلية لا يدخلها الاحتمال ، وسبب الغيبة ربما غمض واشتبه ، فصار الكلام في الواضح الجلي أولى من الكلام في المشتبه الغامض ، كما فعلنا مع المخالفين للملة ، فرجحنا الكلام في نبوة نبينا صلى الله عليه واله وسلم على الكلام على ادعائهم
|
(1) اللمعة الدمشقية في فقه الإمامية : ص 84 .
(2) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 241 ـ 246 .
(3) الغيبة للطوسي : ص 59 .
|
تأبيد شرعهم لظهور ذلك وغموض هذا ، وهذا بعينه موجود هاهنا) (1) .
فبينما تتابع الشيعة وفقهاؤها البحوث الدقيقة التي لا تحتمل التأويل ، غير خائفين من نتائجها للقطع بعقيدتهم ، يتابع الكاتب وغيره منهجاً ملتوياً غامضاً ، يعومون المسائل خلاله ، ويشوشون أذهان القراء التي لم تسمح لهم الفرصة للاطلاع على التراث الشيعي .
وعندما نفى الكاتب إمامة الامام المهدي بالتزوير والتحريف للحقائق ، ونفى أي سبب للغيبة بنفس الأسلوب ، راح يبحث عن نظرية الخوف ، والتي نفى سببها من خلال إيجاد الموادعة بين البيتين العباسي والعلوي .
وهنا تخبط الكاتب تخبطاً عجيباً ، وضاق خناقه ، وأطلق شعاراً يقول : (لقد زال الخوف اليوم) (2) .
فلماذا لا يظهر المهدي ، وكأنه سلم بالخوف في تلك الحقبة الزمنية ، وتراجع عن الوداعة والسلام بين العباسيين . وهذا هو منهج الغريق ، وسنبين للكاتب بالأدلة القاطعة وضع العلاقة بين العباسيين والعلويين ، أضف إلى ذلك أن الخوف هو أحد الحكم التي غاب الإمام لأجلها .
|
استغفال القارئ
|
|
|
 |
حاول أحمد الكاتب أن يستغفل ذهن القارئ ، حيث ذكر رواية نقلها من كتاب الشافي للسيد المرتضى ، تقول تلك الرواية : إن علي بن أبي طالب خاطب رسول الله صلى الله عليه واله وسلم حول الخلافة هو والعباس بن عبد المطلب ، فقالوا له : يا رسول الله استخلف علينا ، فقال : «لا ، إني أخاف أن تتفرقوا عنه كما تفرقت بنو اسرائيل عن هارون ، ولكن إن يعلم الله في قلوبكم خيراً اختار لكم» (3) .
|
(1) الغيبة للطوسي : ص 59 ـ 60 .
(2) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 246 .
(3) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 19 .
|
وعمدة استدلال الكاتب هنا : إن هذه الرواية التي تدل على الشورى ذكرت في كتب الشيعة ، ويقصد من كتب الشيعة ـ كما أشار في الهامش ـ كتاب الشافي للسيد المرتضى ، ولم يشر إلى منهج السيد المرتضى في كتابه الشافي الذي هو رد على الشبهات التي أثارها القاضي عبد الجبار المعتزلي في كتابه المغني ، فيقوم السيد المرتضي بعرض الشبهة ثم يشرع بالرد عليها ، وواحدة من تلك الشبهات التي أثارها القاضي عبد الجبار هذه الرواية ، التي ذكرها السيد للرد عليها ، فاقتنص الكاتب الرواية من كتاب الشافي وترك الرد عليها لنزاهته في البحث العلمي ! وإليك رد السيد المرتضي :
قال السيد المرتضى : يقال له ـ أي للقاضي عبد الجبار المعتزلي ـ : أما سؤال العباس (رض) عن بيان الأمر من بعده فهو خبر واحد غير مقطوع عليه ، ومذهبنا في أخبار الآحاد ، التي لا تكون متضمنة لما يعترض على الأدلة والأخبار المتواترة المقطوع عليها ، معروف ، فكيف بما يعترض بما ذكرناه من أخبار الآحاد ؟ فمن جعل هذا الخبر المروي عن العباس دافعاً لما تذهب إليه الشيعة من النص الذي قد دللنا على صحته ، وبينا استفاضة الرواية به ، فقد أبعد ، على أن الخبر إذا سلمناه وصحت الرواية به غير دافع للنص ، ولا مناف له ، لأن سؤاله (رحمه الله) يحتمل أن يكون عن حصول الأمر لهم وثبوته في أيديهم ، لا عن استحقاقه ووجوبه ، يجري ذلك مجرى رجل نحل بعض أقاربه نحلاً وأفرده بعطية بعد وفاته ، ثم حضرته الوفاة ، فقد يجوز لصاحب النحلة أن يقول له : أترى ما نحلتنيه وأفردتني به يحصل لي من بعدك ، ويصير إلى يدي ، أم يحال بيني وبينه ويمنع من وصوله إلي ورثتك ؟ ولا يكون هذا السؤال دليلاً على شكه في الاستحقاق ، بل يكون دالاً على شكه في حصول الشيء الموهوب له إلى قبضته . والذي يبين صحة تأويلنا وبطلان ما توهموه قول النبي صلى الله عليه واله وسلم في جواب العباس على ما وردت به الرواية : «إنكم المقهورون» ، وفي رواية اخرى : «إنكم المظلومون» (1) .
|
|
(1) الشافي في الإمامة : ج 2 ، ص 152 ـ 153 .
|
|
الاعتماد على رواية الضعفاء
|
|
|
 |
خالف الكاتب المنهج العلمي في قبول الرواية وردها ، وراح ـ كالقصاصين ـ يسرد الروايات ، من دون بحث وتحقيق ، فنقل رواية تقول : إن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم عرض على العباس بن عبد المطلب بقوله : «يا عم النبي محمد ، تأخذ تراث محمد وتقضي دينه وتنجز عداته» ، فرفض العباس وقال : يا رسول الله ، بأبي أنت وأمي ، إني شيخ كبير ، كثير العيال ، قليل المال ، من يطيقك وأنت تباري الريح ، فعرضها رسول الله صلى الله عليه واله وسلم على العباس مرة اخرى ، وعاد العباس مقالته ، ثم عرضها على علي عليه السلام فقبلها .
وقال بعدها : (إنها وصية عادية شخصية آنية ، لا علاقة لها بالسياسة والإمامة والخلافة الدينية) (1) .
وجعل الكاتب هذه الرواية ركناً لنفي الإمامة الإلهية ، ولكنه تناسى أن الشيعة لا تعتمد على هذه الرواية لإثبات الخلافة السياسية للإمام علي عليه السلام مطلقاً ، ولم نجد في كتبهم ذلك ، بل تعتمد على ما جاء بطريق لا يقبل الشك ، أمثال حديث الدار ، وحديث المنزلة ، وحديث الغدير ، والعشرات من هذه الأحاديث ، وسر عدم استدلال الشيعة بهذه الرواية أن في سندها سهل بن زياد الذي ضعفه النجاشي (2) ، وقال عنه الطوسي : (ضعيف جداً عند نقاد الأخبار) (3) .
فعرض الكاتب هذه الرواية مجردة عن السند ، خوفاً من اطلاع القراء عليه ، والحكم عليها قبل قراءتها .
|
لماذا لم يذكر أحمد الكاتب الرواية ؟
|
|
|
 |
يقول : (هناك وصية أخرى ، ينقلها الشيخ المفيد في بعض كتبه عن الإمام أمير
|
(1) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 19 ـ 20 .
(2) خلاصة الأقوال : ص 356 ـ 357 ، ر 1411 .
(3) الاستبصار : ج 3 ، ص 267 ، ح 935 .
|
المؤمنين عليه السلام ، ويقول : إن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قد أوصى بها إليه قبل وفاته ، وهي أيضاً وصية أخلاقية روحية عامة ، وتتعلق في الوقوف والصدقات) (1) .
1 ـ لم يرو الشيخ المفيد في (المجلس رقم 21) من كتاب الأمالي ـ الذي اقتبس الكاتب الكلام منه ـ أي رواية عن الإمام علي عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ، ولم يوجد أي ذكر لأي وصية جاء في طريقها علي عليه السلام من قبل الرسول صلى الله عليه واله وسلم في المجلس (21) ، نعم هذا المعنى جاءعن جابر ، عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم كما سنوضحه ، فلقد وردت في المجلس (21) سبع روايات :
الأولى : عن أبي حمزة الثمالي رحمه الله ، عن أبي جعفر الباقر محمد بن علي عليه السلام قال : سمعته . . . .
الثانية : عن أنس بن مالك ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : . . . .
الثالثة : عن جابر بن عبد الله الأنصاري ، قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ، فقلت : يا رسول الله . . . .
الرابعة : عن أبي ذر الغفاري رحمه الله قال : رأيت رسول الله . . . .
الخامسة : عن عبد الرحمن بن جندب ، عن أبيه قال . . . سمعت المقداد بن الأسود يقول لعبد الرحمن بن عوف . . . .
السادسة : عن عبد الملك بن عمير اللخمي ، قال : قدم جارية بن قدامة السعدي على معاوية . . .
السابعة : عن أنس بن مالك ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم . . .
فهذه سبع روايات لم نجد فيها ما يقوله الكاتب بأن هناك وصية عن أمير المؤمنين ، ويقول ـ أي أمير المؤمنين عليه السلام ـ إن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قد أوصى بها إليه قبل وفاته .
2 ـ إن في المجلس (21) في الرواية الثالثة ، أن جابر بن عبد الله الأنصاري سأل رسول الله : يا رسول الله ، من وصيك ؟ فأجابه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بعد ما أمسك عنه ، قال
|
|
(1) أحمد الكاتب ، تطور الفكر السياسي : ص 20 .
|
|