تعاليم اسلامية 139

الحج

تعاليم اسلامية 140



تعاليم اسلامية 141


الحج من أعظم أركان الإسلام ، وأهم تكاليفه وأثقل فروضه . يتوفر فيه من الصعوبات والمشاق ما لا يتوفر في غيره من العبادات البدنية . ((لأنه تكليف شاق ، جامع بين كسر النفس ، واتعاب البدن ، وصرف المال ، والتحرز عن الشهوات ، والاقبال على الله ، وهو من المعلوم وجوبه ومشروعيته من دين الإسلام ضرورة)) (1) .
ومن أجل ذلك جعل الحج في الإسلام بمنزلة الرهبانية في الأمم السابقة ، فأن الرجل من تلك الأمم إذا اراد أن يأخذ نفسه بأشق الأعمال المقربة إلى الله تعالى انفرد عن الخلق ، وانحاز إلى الجبال والكهوف ، وترك المجتمع ورائه ، وهجر الدنيا وما فيها من اللذات والطيبات ، وحمل نفسه أشق الرياضات ، إيثاراً للانس بالله سبحانه وتعالى ، وقد اثنى الله سبحانه على تلك الأمم في ترهبها .
قال تعالى : «ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله» (2) . الحديد آية 67 .
(1) كنز العرفان في فقه القرآن ج 1 ص 219 .
(2) انظر جامع السعادات ج 3 ص 382 ـ 383 .
تعاليم اسلامية 142


إن الإسلام لم يقر تلك الرهبانية ، بل نفر منها ونهى عنها قال النبي محمد (ص) : ((لا رهبانية في الإسلام)) .
نعم جاء الدين الحنيف لأبنائه باعمال وتكاليف تعد بمنزلة الترهب في تلك الامم كالحج والجهاد والصوم قال رسول الله (ص) ((أبدلنا بالرهبانية الجهاد ، والتكبير على كل شرف ـ يعني الحج ـ وأبدلنا بالسياحة الصوم)) (1) .

فضل الحج :

إن كتب الحديث حافلة بالكثير من الاخبار في فضل الحج ، وبيان ما اعد الله تعالى للحاج والمعتمر من الثواب العظيم والأجر الجزيل ، ولا ضير فإن في الحج وفادة للعبد على ربه ، ونزولاً في بيته وأمنه ، ومحل ضيافته ، وعلى الكريم إكرام ضيفه ، وإجارة الملتجئ إليه ، وإليك بعض تلك الاحاديث . عن أبي عبد الله عليه السلام عن ابيه عن آبائه عليهم السلام : ((ان رسول الله (ص) لقيه اعرابي ، فقال : يا رسول الله إني رجل خرجت أريد الحج ففاتني ، وأنا رجل مميل ، فأمرني ماذا أصنع في مالي ما أبلغ به مثل أجر الحج .
قال : فالتفت إليه رسول الله (ص) فقال : أنظر إلى ابي قبيس فلو أن أبا قبيس لك ذهبة حمراء وانفقته في سبيل الله ما بلغت به مثل ما يبلغ الحاج)) .
وقال (ص) : ((حجة مبرورة خير من الدنيا وما فيها وحجة مبرورة ليس لها أجر إلا الجنة)) وقال (ص) ((الحجاج والعمار وفداء الله وزواره ، إن سألوه أعطاهم ، وإن استغفروه غفر لهم ، وإن دعوه استجاب لهم ، وإن شفعوا إليه شفعهم)) وجاء عن أهل البيت عليهم السلام : ((أعظم الناس ذنباً من وقف بعرفة وطن أن الله لم يغفر له)) (2) .
(1) جامع السعادات ج 3 / ص 383 .
(2) شرح نهج البلاغة للشيخ ميثم البحراني ج 1 ص 223 ط ايران الحديثة .
تعاليم اسلامية 143


موقع الحج من الإسلام :

الحج من الأإشياء التي بني عليها الإسلام كما يصرح بذلك الإمام الباقر (ع) قال :
((بني الإسلام على خمسة اشياء : على الصلاة والزكاة والحج والصوم والولاية)) (1) . وكفى الحج محلاً من الإسلام أن من تركه بعد الاستطاعة مستحلاً خرج عن الدين ، وعد مساوياً لليهود والنصارى . قال الصادق عليه السلام : ((من مات ولم يحج حجة الإسلام لم يمنعه من ذلك حاجة تجحف به أو مرض لا يطيق فيه الحج أو سلطان يمنعه فليمت يهودياً أو نصرانياً(( .
قال أمير المؤمين علي عليه السلام :
((وفرض عليكم حج بيته الحرام ، الذي جعله قبلة للانام ، يردونه ورود الأنعام ، ويألهون اليه ولوه الحمام ، جعله سبحانه علامة لتواضعهم لعظمته وإذعانهم لعزته ، واختار من خلقه سماعاً أجابوا اليه دعوته ، وصدقوا كلمته ، ووقفوا مواقف أنبيائه ، وتشبهوا بملائكته المطيفين بعرشه ، يحرزون الأرباح في متجر عبادته ، ويتبادرون عنده موعد مغفرته جعله سبحانه وتعالى للاسلام علماً ، وللعائذين حرماً فرض حجه ، وأوجب حقه ، وكتب عليكم وفادته فقال سبحانه : «ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ، ومن كفر فإن الله غني عن العالمين» (2) آل عمران آية 96 .

العبودية الكاملة :

يتجلى في القيام بفريضة الحج : الرق والعبودية الكاملة لله سبحانه وتعالى ، إذ أن في هذا التشريع العظيم أعمالاً لا تأنس بها النفوس ، ولا تميل
(1) الحدائق ج 13 ص 8 ط النجف .
(2) نهج البلاغة .
تعاليم اسلامية 144

إليها الطباع ، لأن العقل لا يهتدي إلى معانيها ، ولا يصل إلى اسرارها مهما تعمق الإنسان في التفكير . إذن فالمسلم إذ يقوم بتلك الأعمال انما يقوم بها لمجرد العبادة ومحض الامتثال لأمر الله سبحانه ، وتلك الأعمال ((كرمي الجمار بالاحجار ، والتردد بين الصفا والمروة على سبيل التكرار ، وبمثل هذه الاعمال يظهر كمال الرق والعبودية بخلاف سائر العبادات كالزكاة التي هي انفاق في وجه معلوم وللعقل اليه ميل ، والصوم الذي هو كسر للشهوة التي هي عدو الله ، وتفرغ للعبادة بالكف عن الشواغل ، وكالركوع والسجود في الصلاة ، الذي هو تواضع لله سبحانه بأفعال على هيئآت التواضع ، وللنفوس انس بتعظيم الله تعالى .
وأما امثال هذه الأعمال فإنه لا اهتداء للعقل إلى اسرارها فلا يكون للاقدام عليها باعث إلا الأمر المجرد ، وقصد امتثاله ، من حيث هو واجب الاتباع فقط ، وفيه عزل للعقل عن تصرفه ، وصرف للنفس والطبع عن محل انسه المعين على الفعل من حيث هو ، فإن كل ما ادرك العقل وجه الحكمة في فعله مال الطبع اليه ميلاً تاماً ، فيكون ذلك الميل معيناً للأمر وباعثاً على الفعل ، فلا يكاد يظهر به كمال الرق والانقياد ، ولذلك قال صلى الله عليه وآله في الحج على الخصوص : لبيك بحجة حقاً تعبداً ورقاً . ولم يقل ذلك في الصلاة وغيرها)) (1)) .

آثار الحج :

إن لتشريع الحج آثاراً عظيمة في حياة الفرد والمجتمع ، وان لكل عمل من أعماله عطاء كبيراً ، واثراً إيجابياً في تهذيب النفس الإنسانية وتكميلها . وفيما يلي اذكر شيئاً من تلك الآثار .
1 ـ إذلال النفس لخالقها ، ومحو صفة التكبر من الإنسان التي هي سبب
(1) شرح نهج البلاغة ج 1 / ص 227 المحقق الشيخ ميثم البحراني ط إيران .
تعاليم اسلامية 145

كل شهر ، وتطهير النفس من جميع ادرانها ، حيث يفرغ الإنسان من أعمال الحج ومناسكه وقد تجددت شخصيته في الحياة ، فكانه ولد تواً . قال النبي الأعظم محمد (ص) : ((من حج ولم يرفث (1) ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه)) (2) . وروي : إن الحاج والمعتمر يرجعان كمولودين مات أحدهما طفلاً ولا ذنب له ، وِعاش الآخر معصوماً)) .
((فما على الحاج إلا أن يحتفظ بهذا الصفاء الذي من الله به عليه في بيته ، فلا يلوث نفسه بآثام جديدة ، ليذهب من هذه الدنيا إلى حيث الخلود نقي الثوب طاهر الضمير)) (3) .
2 ـ إعداد المسلم وتهيئته لاختيار الصالحات واجتناب السيئات ، لأن الحج اعظم مذكر بالحشر واهواله وشدائده ، ولا شك أن عقيدة المعاد إذا رسخت في الإنسان دفعت به للخير والسير الصحيح وجنبته الشر والسلوك اللا إنساني .
3 ـ تعويد الروح الصبر وتحمل الآلام ، وتمرين الجسم على تحمل المشاق والمتاعب في الحياة ، وذلك لما في الحج من رياضة خشنة تتمثل في تلك الرحلة خلال المناسك من مكة إلى منى ، فعرفات فالمشعر الحرام ثم العودة خلالها ، وهكذا الطواف بالكعبة ، والسعي بين الصفا والمروة .
4 ـ ((إنتشار الثقافة الإٍسلامية ، لأن اجتماع المسلمين في تلك البقاع الطاهرة ، لأداء فريضة الحج ـ فضلاً عن كونه يؤثق عرى المحبة بينهم ـ فإنه من اكبر الوسائل لنشر الثقافة الإسلامية . إذ يلتقي الحجاج بالعلماء المستنيرين
(1) الرفث قيل هو : الفحش من الكلام . وقيل الجماع . وقيل : الجماع ومقدماته كنز العرفان في فقه القرآن ج 1 / ص 242 .
(2) شرح نهج البلاغة ـ ج 1 / ص 223 ـ الشيخ ميثم البحراني ط ايران .
(3) التكامل في الإسلام ج 2 / ص 100 الإستاذ احمد امين .
تعاليم اسلامية 146

الذين استبطنوا دخائل الدين ، وسبروا اغواره ، وفهموا اسراره ، فيتعلمون منهم ، ثم يرجعون إلى بلادهم بثروة علمية ، يذيعونها بين اقوامهم ، وبذلك تنتشر تعاليم الإسلام الصحيحة ، وتقل الأوهام الباطلة)) (1) .
5 ـ ((رواج تجارة وصناعة الأمم الإسلامية ، واقتباس كل امة من غيرها احسن ما وصلت إليه في ابتكار المصنوعات النافعة)) (2) .

فلسفة الحج :

تتجلى في تشريع الحج عظمة الإسلام ومرونته وصلاحه لجميع البشرية في مختلف بيئاتهم وعصورهم . كما تتجلى قوة الرسالة الإسلامية ، ومدى قابليتها لتوجيه المجتمع الإنساني ، وتحقيق سعادة من الناحيتين : الروحية والمادية .
يجد المسلمون في تشريع الحج اكبر وسيلة لتحقيق ما يقوم مجتمعهم ، ويحفظ كيانهم من فوائد روحية واجتماعية واقتصادية قال تعالى : «وإذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق . ليشهدوا منافع لهم ، ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها واطعموا البائس الفقير» (3) إن حمل المنافع المشار إليها في الآية الكريمة على منفعتي الدنيا والآخرة معاً ليس بعيداً عن الصواب وتنكير المنافع في الآية يدل على كثرتها (4) . وقد اشرنا إلى بعض تلك المنافع في الفصل السابق .
إن لفريضة الحج روعة وجمالاً واهمية كبرى تتجلى فيما يأتي .
(1) الجواهر الروحية ج 2 / ص 148 ـ السيد حسن القبانجي .
(2) نفس المصدر السابق .
(3) سورة الحج ، آية : 27 ـ 28 .
(4) كنز العرفان في فقه القرآن ج 1 ص 228 .
تعاليم اسلامية 147


1 ـ وحدة المقصد :

يتجه المسلمون في كل عام من شتى اقطارهم وبلدانهم إلى نقطة خاصة ، ليجتمعوا على صعيد نقي طاهر بافكارهم واجسادهم ، ويؤدوا ما أوجب الله عليهم في عالم الحج من مناسك وشعائر ، واعمال واقوال .
وفي اتجاههم إلى تلك النقطة المعينة تنعكس وحدتهم في اسمى غاياتها الروحية ، تلك الوحدة التي جاء بها الإسلام ، وكانت من اكبر شعاراته وأسمى اهدافه .

2 ـ وحدة الزي :

يتجرد كل مسلم في فريضة الحج من ثيابه الزاهية ، وزينته التي يظهر بها للناس ، ويرتدي مئزراً وازاراً فقط ، محرماً عن لذاته ، متقرباً إلى ربه ، وبهذا يتحد المسلمون في زيهم ، ويتساوون في مظهرهم ، فتذوب وتتلاشى بذلك جميع الفروق المادية والطبقية ، وسائر الإعتبارات الدنيوية التي ما انزل الله بها من سلطان «إن اكرمكم عند الله اتقاكم» (1) .
وطبيعي لهذا الإتحاد الكامل في المظهر الخارجي على ذلك الصعيد الطاهر أن ينفتح على المسلمين أبواب التعارف ، ويوثق عرى الأخوة بينهم ، ويوحي اليهم بما يجب ان تكون عليه قلوبهم ونفوسهم من الاتحاد والائتلاف ، ليكون مظهرهم شاهد حق وعنوان صدق لشعورهم ونفوسهم .


3 ـ مؤتمر اسلامي :

إن الحج مؤتمر اسلامي عام ، ينعقد في كل سنة ويحضره المسلمون ـ الوافدون إلى زيارة بيت الله الحرام ـ من جميع اقطارهم ، والاسلام يتيح للمسلمين في هذا المؤتمر اكبر فرصة للتذاكر في امورهم الدينية والدنيوية ،
(1) سورة الحجرات ، آية : 13 .
تعاليم اسلامية 148

وبحث مشاكلهم ، ومعالجة قضاياهم .
يتعارف المسلمون في هذا الجو النقي من ادران الحياة وآثامها ، ويقومون ببحث ومعالجة قضاياهم ومشاكلهم ، ثم يعودون إلى اوطانهم بشعور موحد ومسؤولية مشتركة ، ليقوم كل فرد منهم بتلك المسؤولية في مجتمعه وامته ، داعياً إلى الحق ، محارباً للباطل ، مرغباً في الخير ، منفراً من الشر ، ليرسم بذلك سعادة الأمة ، ويحقق لها الفوز والنجاح .

تعاليم اسلامية 149

الاخلاق الاسلامية

تعاليم اسلامية 150



تعاليم اسلامية 151


لا شك أن بناء المجتمع الفاضل وتحقيق الحياة المطمئنة وحفظ كيان الأمة متوقف ـ إلى ابعد الحدود ـ على الاخلاق الفاضلة . فهي التي تكتسح من حياة الأمة كل ما من شأنه أن يكدر صفوها ، ويعكر سماءها ، أو يفرق صفوفها ، أو يعرقل سيرها نحو السعادة والرفاهية .
وحيث ان الدين الاسلامي جاء بالحب والاخاء والسلام والتراحم ، والتعارف والتآلف لتحقيق الحياة الاجتماعية السعيدة ، دعى ـ من أجل ذلك ـ إلى الصفات والافعال التي تعطي التقارب والتحابب وتهب الإخاء والصفاء وتثمر التآلف والتعاطف .
دعى إلى التمسك بالصفات الفاضلة والافعال الكريمة بإلحاح وإصرار ، وحث عليه بتشديد ، وتأكيد ، إذ لا تكاد سورة من سور كتابه المجيد ، ولا صفحة من صفحات سنته الطاهرة تخلو من الدعوة إلى الأخلاق الإنسانية الفاضلة ، والتحذير من الاخلاق العدائية السافلة .

تعاليم اسلامية 152



تعاليم اسلامية 153



حسن الخلق

جاءت الأديان السماوية ـ وعلى رأسها الدين الإسلامي ـ لتهذيب اخلاق الإنسانية وسلوكها ، وتنظيم حياتها . وقد تميز الإسلام على ما تقدمه من الاديان بكماله في جميع ما جاء به من الاحكام والتشريعات والأخلاق .
إن الأخلاق الكريمة لم تتم ولم تكمل الا في الإسلام ، وإن الدعوة إلى الاخلاق الكاملة ـ بكل تأكيد ـ لم تصدر إلا عن الإسلام . ويكفي القول : بأن نبي الإسلام محمداً صلى الله عليه وآله قد جعل تتميم اخلاق الإنسانية علة وبعثته المقدسة معلولها ، كما في الحديث المتسالم على صحته لدى جميع المسلمين قال (ص) : ((بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)) .
وقبل أن نستعرض دعوة الإسلام الأكيدة إلى حسن الخلق وحسن السلوك ، وما لهما من الآثر الاعظيم في الحياة الاجتماعية نستجلي معنى الخلق والسلوك في اللغة ، ومعناهما في اصطلاح الأخلاقيين .

الخلق في اللغة :

((كلمة لخلق تستعمل في اللغة بمعنى السجية ، وبمعنى الطبع ، والعادة ، والدين ، والمروءة ، وقد ذكر اللغويون لكل واحد من هذه المعاني

تعاليم اسلامية 154

شواهد من اقوال العرب وامثالها .
وبين هذه المعاني صلة قريبة تكاد تجمعها في إطار واحد ، ولعل معنى الكلمة في اللغة واحد وهذه المعاني افياؤه وظلاله ، ولعل هذا المعنى الواحد في اللغة هو الذي يعرفه الخلقيون من هذه الكلمة أيضاً .
وإن كانت النصوص اللغوية قاصرة على اثبات ذلك)) (1) .

الخلق عند الاخلاقيين :

((والخلقيون يعرفون من معنى هذه الكلمة أنها ملكة من ملكات النفس ، ويقولون : إن اظهر خاصة تتميز بها هذه الملكة هي صدور الافعال عن الإنسان من دون إمعان فكر أو إجالة روية)) (2) .

السلوك في اللغة :

كلمة السلوك في اللغة تستعمل بمعنى السير ، يقال : سلك الطريق إذا ذهب فيه ، وسلك الشيء في الشيء أي : أدخله فيه (3) .

السلوك في العلم الاخلاق :

أما في اصطلاح الأخلاقيين فكلمة (السلوك) تعني نتائج الخلق ومظاهره الخارجية ، لأن الخلق ملكة نفسية ، والملكة ليست ظاهرة تدرك بالحواس ، وإنما تتمثل في أفعال الإنسان وأقواله ، وتلك الأفعال والأقوال التي تصدر عن الأنسان باختياره ويحكم عليها العقلاء تارة بالخير وأخرى بالشر هي التي تسمى سلوكاً عند الأخلاقيين .
(1) الأخلاق عند الإمام الصادق ص 16 للعلامة الشيخ محمد امين زين الدين .
(2) نفس المصدر .
(3) مختار الصحاح مادة : سلك .
تعاليم اسلامية 155


دعوة الإسلام إلى حسن الخلق :

((الإسلام هو الدين الذي أرتضاه الله لعباده إكراماً لهم وامتناناً عليهم ، به ينجحون في الدنيا وباتباعه يفلحون في الآخرة ، فيجب عليهم أن يجاهدوا الخلق السئ من انفسهم ، لأن الاقامة على الاخلاق السيئة إساءة لا تلتئم مع قدس السلام)) (1) .
قال الإمام الصادق (ع) : ((إن الله ارتضى لكم الإسلام ديناً فأحسنوا صحبته بالسخاء وحسن الخلق)) (2) وعنه (ع) قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : ((اكثر ما تلج به امتي الجنة تقوى الله وحسن الخلق)) (3) .
وفي كتاب روضة الواعظين قال النبي (ص) ((حسن الخلق نصف الدين)) (4) .
وعن أبي عبد الله (ع) عن النبي (ص) قال : ((إن الخلق الحسن يذيب الذنوب كما تذيب الشمس الجمد ، وإن الخلق السيء ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل)) (5) . وقال (ص) : ((يا بني عبد المطلب إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فالقوهم بطلاقة الوجه وحسن البشر)) (6) . وقال (ص) : ((أفضل الناس إيماناً أحسنهم خلقاً)) (7) . وقال (ص) : ((عليكم بحسن الخلق فإن حسن الخلق في الجنة لا محالة ، وإياكم وسوء الخلق فإن سوء الخلق في النار
(1) الأخلاق عند الإمام الصادق ص 23 للعلامة الشيخ محمد أمين زين الدين .
(2) الكافي الحديث 4 باب المكارم .
(3) مشكاة الأنوار في غرر الاخبار ص 200 .
(4) المصدر السابق ص 201 .
(5) نفس المصدر ص 200 .
(6) نفس المصدر ص 201 .
(7) نفس المصدر ص 202 .
تعاليم اسلامية 156

لا محالة)) (1) .
وقال (ص) : ((ما من شيء اثقل في الميزان من حسن الخلق)) (2) .وقالت له (ص) أم المؤمنين أم سلمة (رض) يوماً : بأبي أنت وأمي المرأة يكون لها زوجان فيموتون فيدخلون الجنة لأيهما تكون ؟ قال (ص) : يا أم سلمة تخير أحسنهما خلقاً وخير هما لأهله ، يا أم سلمة إن حسن الخلق ذهب بخير الدنيا والآخرة)) (3) .

* * *
(1) المصدر السابق ص 202 .
(2) المصدر السابق ص 201 .
(3) المصدر السابق ص 201 ـ 202 .
تعاليم اسلامية 157



التعاون (1)

لا يمكن لأي أمة من أمم العالم أن تكون بين أفرادها روابط صحيحة ، وصلات وثيقة ما لم تعش على صعيد التعاون الإجتماعي . كما لا يمكن أن تعيش على هذا الصعيد ما لم يشعر البعض بآلام الآخر ، فيشاركه السراء والضراء ، والشدة والرخاء .
إن الحياة الإنسانية لا تقوم بشيء كالتعاون الإجتماعي ، لأن بناء الحياة الإنسانية الصحيحة ، وتكوين الجماعة المترابطة الأجزاء متوقف إلى حد بعيد عليه .
لذلك عني به الإسلام كشيء أساسي لتكوين حياة اجتماعية سعيدة ، وجعله من أهم أهدافه الأصيلة لنشر روح المحبة والايثار ، وتقدم الأمة في مدارج الرقي والعظمة ، ودعى إليه القرآن في كثير من آياته الكريمة . قال تعالى :
«وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان» (2) .
(1) نشرت هذه الكلمة في مجلة الأضواء النجفية عدد 8 ـ 9 السنة الرابعة .
(2) سورة المائدة ، آية : 2 .
تعاليم اسلامية 158

«إنما المؤمنون إخوة» (1) . «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن اكرمكم عند الله اتقاكم» (2) . «ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جائتهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم» (3) . «والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض» (4) . «محمد رسول الله والذين معه اشداء على الكفار رحماء بينهم» (5) ، إلى غيرها من الآيات الواضحة المعنى والدلالة في وجوب التعاون بين المسلمين . كما تظافرت الاخبار في الحث على التعاون لدعم الاخوة الدينية وتوثيق الروابط والاواصر بين افراد المجتمع ، وهي تتضمن حقاُئق سامية ، مصرحة بأن المؤمن لا يكون مؤمناً حتى ((يحب لأخيه ما يحب لنفسه)) ((ولا يجهره فوق ثلاث)) ((ولا يخذله ولا يظلمه ولا يمثلمه ولايسلمه)) ((وان ينصره ظالماً (6) كان أو مظلوماً)) وان ((مثل المؤمنين مثل اليدين تغسل احداهما الاخرى)) و((المؤمن للمؤمن كالابنيان يشد بعضه بعضاً)) و((مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)) .
من هذه الشواهد الصريحة التي لا تقبل التأويل نرى كيف دعى الإسلام للتعاون والتضامن ، والتكاتف والتآزر ، فمقياس التفاضل والتقدم في الدين الاسلامي إذن : ليس العناصر والالوان ، ولا البيئات والجماعات ولكنه التعاون على البر والتقوى .
(1) سورة الحجرات ، آية : 10 .
(2) سورة الحجرات ، آية : 13 .
(3) سورة آل عمران ، آية : 105 .
(4) سورة التوبة ، آية : 71 .
(5) سورة الفتح ، آية : 29 .
(6) نصره (ظالماً) بالنصيحة والموعظة والتأنيب .
تعاليم اسلامية 159


((وينقسم التعاون إلى قسمين ، الأول : التعاون الإلزامي ، وقد اوجبه الإسلام ، واكد على وجوبه تأكيداً شديداً في كل ما لا يستقيم النظام إلا به وهو المعبر عنه بلسان الفقهاء بالواجبات الكفائية) (1) الثاني : التعاون الاختياري ، وقد حث عليه الإسلام في كل مناسبة ، وشوق اليه بجميع انواع الترغيب حتى جعل لمن قضى لأخيه المسلم حاجة ثواباً لا يحصى وأن الله يقضي له أضعافها من حوائج الدنيا والآخرة وقد سئل رسول الله (ص) عن احب الناس إلى الله فقال : انفع الناس للناس . وفي حديث آخر عنه (ص) : خصلتان من الخير ليس فوقهما شيء من البر : الايمان والنفع لعباد الله . وقال (ص) : ((الخلق كلهم عيال الله وأحبهم إليه انفعهم لعياله)) (2) .
إن النظام الإسلامي الكامل يتكفل للامة الإسلامية ـ أن هي تمسكت بأوامره السامية وتعاليمه الرفيعة ورفرف عليها لواء التعاون والتحاب والمناصحة ، وكانت صفاً واحداً وبنياناً مرصوصاً لا تعمل فيه آلات المخربين والمفرقين من الاعداء على اختلاف اصنافهم ، مهما اوتوا من طول وقوة ـ يتكفل ويضمن لها أن تكون امة ذات وجود وسيادة ونفوذ ـ كما ارادها الإسلام ـ تقود و لاتقاد ، وتغلب ولا تغلب .
ومن هنا يمكننا القول : إن من الوضوح بمكان ان المسلمين لم يظفر بهم
(1) الواجب أو ((الفرض الكفائي ما وجب على جميع المكلفين أو على جماعة منهم ، ثم كان الامتثال ولو من بعضهم سبباً لسقوط التكليف عنهم جميعاً . وسر ذلك أن يكون للآمر غرض جزئي بصدور عمل من الأعمال ، بحيث لا خصوصية فيه لفاعل ولا استيعاب له لافراد . وأثر ذلك أن يصدر الخطاب عاماً إذ لا خصوصية لواحد ، وأن يسقط التكليف عن الجميع بإطاعة البعض فإن المفروض وفاؤها بالغاية . ومن آثار هذا الوجوب ان العصيان من الجميع يوجب استحقاقهم جميعاً للعقاب . وأمثلته في الشرعيات كثيرة ووقعه في العرفيات أكثر)) .
الإسلام ص 13 للعلامة الشيخ محمد امين زين الدين .
(2) الأضواء عدد 15 ـ 16 ـ ألسنة الأولى .
تعاليم اسلامية 160

عدوهم هذا الظفر العجيب ولم يتمكن من غزوهم في دينهم وأخلاقهم وعاداتهم وافكارهم وسائر نواحي حياتهم إلا عندما حادوا عن صراط التعاون ، وآثروا حب الذات على مبدأ : ((حب لأخيك المسلم كما تحب لنفسك)) ، واستبدلوا التراحم بالتقاطع ، والتزاور بالتنافر ، والتآزر بالتخاذل .
وقد أدرك الأجنبي الدخيل أن من أهم الطرق إلى غزوهم هو :
إيجاد التفرقة بينهم ، لتمزيق صفوفهم ، والقضاء على روح التعاون بينهم ، فنهج في بلادنا الاسلامية السياسية الغاشمة القائمة على مبدأ ، (فرق تسد) بأساليب تختلف لوناً وشكلاً ، وتتحد جوهراً وغاية .
ومما يؤسف له : ان كثيراً من المسلمين قد انخدعوا بتلك الأساليب ، فوقعوا في احبولة العدو ، حيث تبنوا احزاباً ومنظمات لاتمت إلى المصلحة الإسلامية بصلة ما ، بل تباين الإسلام تبايناً كلياً ، متشعبة بالروح الجاهلية ، ولم يشعروا أنهم اصبحوا العوبة بيد عدوهم ، وآلة يوجهها اين ما شاء ، ويحقق بها ما أراد ، ولم يشعروا انهم أكلوا من اول يوم أهينت فيه كرامة واحد من المسلمين ، أو اعتدي على حق من حقوقه .
وإليك أيها القارئ الكريم هذا المثل العظيم حكاية عن الحيوان ، يضربه الحكيم الأكبر امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام قال : اثوار ثلاثة كن في اجمعة ابيض واسود وأحمر ، ومعهن فيها اسد ، فكان لا يقدر منهن على شيء لاجتماعهن عليه . فقال للثور الأسود والثور الأحمر : لا يدل علينا في اجمتنا إلا الثور الأبيض فان لونه مشهور ، ولوني على لونكما ، فلو تركتماني آكله صفت لنا الاجمة . فقالا له : دونك فكله فأكله . فلما مضت أيام قال للأحمر : لوني على لونك فدعني أكل الاسود لتصفو لنا الاجمة . فقال : دونك فكله . فاكله ثم قال للأحمر : اني آكلك لا محالة . فقال دعني انادي ثلاثاً ، فقال : إفعل . فنادى : ألا إني اكلت يوم اكل الثور الأبيض .