تعاليم اسلامية 122



تعاليم اسلامية 123

الصوم

تعاليم اسلامية 124



تعاليم اسلامية 125


الصوم تشريع عظيم ذو اثر فعال في تربية النفس ، وتقويم الأخلاق ، وتهذيب السلوك . يرتفع بالانسان إلى اعلى مراتب الكمال ، حيث يحرره من سلطان المادة ، بما يمده به من قوة يتغلب بها على الشهوات النفسية والنوازع المادية .
وهو وسيلة كبرى لتقوية الروابط الاجتماعية ، وتوحيد الكلمة ، وشحذ العزائم ، وتمرين المسلمين على تحمل خشونة الحياة وصعابها ، وتدريبهم على تقوى الله وخشيته .

محل الصوم من الإسلام :

إذا نظرنا إلى محل هذا التشريع العظيم من الدين الإسلامي نجده من أعظم العبادات الإسلامية ، وأسمى الفضائل الروحية .
قال الإمام أبو جعفر الباقر عليه السلام : ((بني الإسلام على خمسة أشياء : على الصلاة والزكاة والحج والصوم والولاية)) (1) .
فالصوم ركن مكين من أركان الدين الحنيف ، ومنكره يعد خارجاً عن
(1) الحدائق ج 13 ص 8 ط النجف .
تعاليم اسلامية 126

الإسلام ، لأن وجوبه ثابت بالضرورة مثل الصلاة .

فضل الصوم

إن لهذه العبادة السامية فضلاً عظيماً كما يدل عليه الكتاب العزيز والسنة المطهرة ، ويكفي أن نذكر من ذلك حديثاً واحداً يرويه الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله عن ربه : ))كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به)) (1) .
وما هو الوجه في تخصيص عبادة الصوم له سبحانه دون سائر العبادات مع أن جميع الأعمال الصالحة له تبارك وتعالى ؟ للعلماء والمحققين أقوال في توجيه الحديث ، منها :
إن الصوم قد اختص بترك الشهوات والملاذ في الفرج والبطن وذلك أمر يوجب له التشريف على سائر العبادات .
ومنها : إن الصوم أمر خفي لا يمكن الاطلاع عليه لأحد من الناس ، بخلاف الصلاة والحج والجهاد وغيرها من الأعمال فلذلك شرف عليها (2) نعم إنه سر مكتوم بين العبد وبين ربه لا يطلع عليه أحد سواه تعالى ، وإن الله سبحانه هو الذي يتولى جزاء الصائمين بنفسه أعظم الجزاء وأوفاه «فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين» (3) «إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب» (4) .
(1) كنز العرفان في فقه القرآن ج 1 ص 191 المحقق المقداد السيوري الحلي (ره) ط النجف .
(2) الحدائق ج 13 ص 10 ط النجف .
(3) سورة السجدة ، آية : 17 .
|(4) سورة الزمر ، آية : 10 .
تعاليم اسلامية 127


تشريع الصوم :

فرض الصيام على المسلمين في شهر شعبان في السنة الثانية من الهجرة (1) ، فقبل أن يطل شهر رمضان على المسلمين نزل الوحي على رسول الله (ص) يبلغه أمر الجليل بفرض صيام هذا الشهر المبارك على الأمة الاسلامية بالآيات التالية :
«يا ايها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون . أياماً معدودات فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيراً فهو خير له ، وأن تصوموا خيرلكم إن كنتم تعلمون . شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان ، فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من ايام اخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ، ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون » (2) .

الصوم عبادة قديمة :

إن الإسلام لم يأت ببدع فيما كتب على المسلمين من الصيام ، فإن الصوم عبادة قديمة أصيلة كتبت على غيرهم ممن قلبهم كما تصرح الآية الكريمة :
«كما كتب على الذين من قبلكم» . إذن : ليس الصوم من مختصات الدين الإسلامي ، وليس المسلمون منفردين به عن غيرهم ، بل هو عبادة قديمة حصل التقرب بها إلى الله تعالى من الأمم السابقة .
وما هو الغرض من إخبار القرآن للمسلمين بأن الصوم قد كتب على من
(1) الفقه على المذاهب الخمسة ص 187 العلامة الشيخ محمد جواد مغنية .
(2) سورة البقرة ، آية : 183 ـ 185 .
تعاليم اسلامية 128

قبلهم ؟ إن ((فائدة اعلامنا بتكليف من قبلنا بالصوم : إما تأكيد للحكم ، فإنه إذا كان مستمراً في جميع الملل تأكد الانبعاث إلى القيام به أو تنبيه لنا على علة مشروعيته بوقوع التكليف به عاماً ، أو تطييب للنفس وتسهيل عليها)) (1) .
نعم الصوم في شهر رمضان خصوصاً مما فضل الله وشرف به امة محمد (ص) على سائر الأمم ، كما جاء الحديث عن الإمام الصادق (ع) :
((إن شهر رمضان كان واجباً على كل نبي دون أمته ، وإنما وجب على أمة محمد محبة لهم)) (2) .

شهر رمضان : (3)

(1) يحتل شهر رمضان مرتبة الافضلية على سائر الشهور ، ونسبته إلى الله سبحانه وتعالى تشعر بعظمته وتشريفه على غيره من الشهور ، فإن رمضان ـ كما في الحديث ـ إسم من أسماء الله سبحانه ، فمعنى شهر رمضان : شهر الله . وإن تخصيصه بعبادة الصوم وليلة القدر التي هي خير من الف شهر أوضح دليل على كرامته وفضله وشرفه .
(2) إن هذا الشهر الكريم يحمل رسالة عالية مقدسة ، رسالة تقويم الأخلاق ، وتهذيب النفوس رسالة التوجيه إلى الله تعالى ، والارتفاع عن عالم الغرائز والمادة إلى عالم أرفع وأرفع ، رسالة تجديد الايمان والعزائم لخصوص معترك الحياة ، وإعداد المسلمين للدفاع عن دينهم ومقدساتهم وكيانهم .
لذلك أطراه الله سبحانه واحتفى به الرسول صلى الله عليه وآله والأئمة (ع) والمسلمون .
(1) كنز العرفان في فقه القرآن ج 1 ص 163 المحقق المقداد السيوري الحلي ط النجف .
(2) كنز العرفان في فقه القرآن ج 1 ص 162 .
(3) ما يأتي في هذا الفصل منقول بتصرف من مجلة أجوبة المسائل الدينية عدد رمضان 1379 هـ ص 319 ـ 321 .
تعاليم اسلامية 129


إن شهر رمضان احتفال عام مستمر بنزول القرآن دستور المسلمين ، ومصدر النبوة ، فجذير بالمسلمين في شرق الأرض وغربها إن يحتفلوا بميلاد منهاج البشرية جمعاء أعني : الإسلام الذي يتمثل في نزول القرآن .
وإن الذكريات الجليلة والأمجاد الخالدة التي حفل بها هذا الشهر الكريم لتؤهله لأن يكون عيداً ومهرجاناً للمسلمين .
وإليك بعض تلك الأمجاد :
1 ـ غزوة بدر الكبرى في 17 منه سنة 2 من الهجرة وهو أول انتصار للمسلمين في الحياة .
2 ـ فتح مكة في سنة 8 من الهجرة ، وهو من أهم الاسباب لنجاح الإسلام وانتشاره . فإن مكة هي أخطر منطقة في الجزيرة العربية على الإسلام إذ أنها عاصمة المشركين ، ونقطة انطلاق الحروب ضد الرسول (ص) ، بالسيطرة عليها استقام للمسلمين كيانهم الشامخ ، فالأعراب الذين علقوا أبصارهم على مكة عرفوا ـ عندما فتحت مكة وذلت قريش ـ أن المسلمين لن يتنكسوا أبداً ، وأن الإسلام اصبح مضمون النجاح ، فاخذوا يدخلون في دين الله أفواجاً ، وبهذه المناسبة سمي ذلك العام : عام الوفود لتزاحم الوفود على النبي صلى الله عليه وآله للدخول في الإسلام .
3 ـ مولد الحسن السبط عليه السلام في 15 منه سنة 2 للهجرة .
4 ـ فتح ثغور الاندلس على يد موسى بن نصير سنة 91 للهجرة ، وانهزام الملك (رودريك) والسيطرة على اقطار اسبانيا بقيادة طارق بن زياد .
5 ـ بيعة الناس للإمام الثامن علي بن موسى الرضا عليه السلام ولي عهد للمؤمون العباسي سنة 201 من الهجرة .
6 ـ مولد الإمام محمد بن علي الجواد (ع) ـ على بعض الروايات ـ سنة 159 هـ

تعاليم اسلامية 130


7 ـ انهزام الافرنج المسيحيين الذين استولوا على سوريا وضواحيها على أيدي جيوش المسلمين سنة 584 هـ .
8 ـ استنقاذ البلاد الإسلامية من التتار ثلاث مرات سنة 658 و666 و702 هـ .
9 ـ فتح المسلمين جزيرة (رودس) سنة 53 هـ .
إلى غيرها من الأمجاد التي تتابعت في هذا الشهر والمكاسب الرابحة التي انجزها المسلمون مما يتفق وكرامة الشهر ، وما يتطلبه من تهذيب النفس والمجتمع والتوجه إلى الله سبحانه وتعالى .

الرسول الأعظم يستقبل شهر رمضان :

خطب رسول الله صلى الله عليه وآله المسلمين في يوم من أيام شهر شعبان خطبة عظيمة أشاد فيها بشهر رمضان ، ومنزلته بين الشهور ، وندب المسلمين وحثهم على التعاون ، والتراحم ، والتعاضد واشعرهم بما يحمل هذا الشهر من رسالة عظيمة يجب عليهم تدبرها وتطبيقها .
وفيما يلي أذكر قطعاً من تلك الخطبة الجليلة المشستملة على أرقى الدروس والتعاليم .
قال صلى الله عليه و آله :
((أيها الناس إنه قد أقبل إليكم شهر الله بالبركة والرحمة والمغفرة ، شهر هو عند الله أفضل الشهور وأيامه أفضل الأيام ، ولياليه أفضل الليالي ، وساعاته أفضل الساعات ، وهو شهر دعيتم فيه إلى ضيافة الله ، وجعلتم فيه من أهل كرامته ، أنفاسكم فيه تسبيح ، ونومكم فيه عبادة ، وعملكم فيه مقبول ، ودعاؤكم فيه مستجاب ، فاسئلوا الله ربكم بنيات صادقة ، وقلوب طاهرة ان يوفقكم لصيامه ، وتلاوة كتابه ، فإن الشقي من حرم غفران الله في هذا الشهر

تعاليم اسلامية 131

العظيم ، اذكروا بجوعكم وعطشكم فيه جوع يوم القيامة وعطشه ، وتصدقوا على فقرائكم ومساكينكم ووقروا كباركم وارحموا صغاركم ، وصلوا أرحامكم ، واحفظوا السنتكم ، وغضوا عما لا يحل النظر إليه أبصاركم ، وعما لا يحل الاستماع إليه أسماعكم وتحننوا على أيتام الناس يتحنن على أيتامكم ، وتوبوا إلى الله من ذنوبكم ، وارفعوا إليه ايديكم بالدعاء في آوقات صلواتكم ، فإنها افضل الساعات ، ينظر الله عزوجل فيها بالرحمة إلى عباده ، ويجيبهم إذا ناجوه ، ويلبيهم إذا نادوه ، ويستجيب لهم إذا دعوه)) .
((أيها الناس من فطر صائماً مؤمناً في هذا الشهر كان له بذلك عند الله عتق رقبة ، ومغفرة لما مضى من ذنوبه . فقيل : يا رسول الله وليس كلنا يقدر على ذلك : فقال عليه السلام : اتقوا النار ولو بشق تمرة ، اتقوا النار ولو بشربة من ماء .
أيها الناس من حسن في هذا الشهر خلقه كان له جواز على صراط يوم تزل فيه الأقدام )) .
((ومن وصل فيه رحمه وصله الله برحمته يوم يلقاه ، ومن قطع فيه رحمه قطع الله عنه رحمته يوم يلقاه ، ومن تطوع فيه بصلاة كتب الله له براءة من النار ، ومن أدى فيه فرضاً كان له ثواب من أدى سبعين فريضة فيما سواه من الشهور ، ومن اكثر فيه من الصلاة علي ثقل الله ميزانه يوم تخف الموازين ومن تلا فيه آية من القرآن كان له مثل اجر من ختم القرآن في غيره من الشهور)) (‍1) .

الغاية من الصوم :

ليس الغرض الأصيل من الصيام هو الكف عن الطعام والشراب والجماع وسائر المفطرات فحسب بل هو تربية النفس وتطهير الضمير ، والخلوص إلى
(1) الإقبال ـ ص 2 ـ 3 للسيد بن طاووس قدس سره .
تعاليم اسلامية 132

الله تعالى . وذلك لا يتأتى إلا عن طريق كف الجوارح عما حرم الله وإشعار الإنسان نفسه بالأهداف الأصيلة لهذه العبادة .
قال الشاعر :
اذا لم يكن في السمع مني تصاون وفي بصري غض وفي منطقي صمت
فحظي إذن من صومي الجوع والظما وان قلت اني صمت يوماً فما صمت

((عن جراح المدائني عن ابي عبد الله عليه السلام قال :
إن الصيام ليس من الطعام والشراب وحده .
ثم قال : قالت مريم : «إني نذرت للرحمن صوماً» (1) أي صمتاً ، فإذا صمتم فاحفظوا السنتكم ، وغضوا ابصاركم ، ولا تنازعوا ، ولا تحاسدوا .
قال : وسمع رسول الله صلى الله عليه وآله امرأة تسب جارية لها وهي صائمة ، فدعا رسول الله (ص) بطعام فقال لها كلي . فقالت : إني صائمة .
فقال : كيف تكونين صائمة وقد سببت جاريتك ؟ إن الصوم ليس من الطعام والشراب . قال : وقال أبو عبد الله عليه السلام : إذا صمت فليصم سمعك وبصرك من الحرام والقبيح ، ودع المراء وأذى الخادم ، وليكن عليك وقار الصائم ، ولا تجعل يوم صومك كيوم فطرك)) (2) .
إذن : فالصوم الحقيقي هو الامتناع المطلق عن جميع المآثم بالاضافة إلى الامتناع عن المفطرات .

آثار الصوم :

إن الصوم ليس طقساً شكلياً لا جوهر فيه ، ولا اثر له في الروح
(1) سورة مريم ، آية : 28 .
(2) الحدائق ج 13 / ص 12 .
تعاليم اسلامية 133

والاخلاق . وليس هو عبادة فرضت على المسلمين لمجرد التكليف والتعجيز ، بتعذيب نفوسهم ، وأخذها باشدة والقسوة ، كما هو شأن عقائد بعض قدماء الهنود ، حيث يفرضون على الإنسان رياضات جسمية عالية ترهب الجسم وتعذب النفس ، زاعمين أن ذلك يحصل طهارة النفس من ادران المادة وأوضارها .
إن الصوم عبادة سامية ، ذات أسرار عميقة ، وأهداف كبيرة ، وفلسفة واسعة ككل عبادة من العبادات الاسلامية ، وكل أمر ونهي من أوامر ونواهي الشرع المقدس في حكمها وغايتها . وفيما يلي نذكر بعض المظاهر والآثار الإيجابية لعبادة الصوم .

الاثر الديني :

تقوي عبادة الصوم وتوثق صلة العبد بربه لأنها عبادة مستورة ، وسر بين العبد وخالقه ، لا تشويها أية شائبة من المظاهر ، فلا مكان فيها لرياء أو خداع ، وهذا المعنى مما وجه به الحديث القدسي الذي يرويه الرسول الكريم (ص) عن ربه ((كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فانه لي وانا اجزي به)) وقد مر ذلك .


الاثر الصحي :

جاء عن الرسول الأكرم (ص) واهل بيته ما ينص على فوائد الصوم الصحية مثل قول النبي (ص) : ((صوموا تصحوا)) وقول الإمام ابي عبد الله الصادق عليه السلام : ((لكل شيء زكاة و زكاة الاجسام الصيام)) (1) .
((ومما يؤيده كل ذي لب وتفكير : هو انه لا بد لكل ماكنة أو آلة من الآلات من راحة ، لغرض التنظيف مما يتجمع فيها من الوساخ والأقذار والزوائد ، و لتستعيد بهذه الفترة من الراحة ـ مهما قلت أو كثرت ـ تلك الماكنة
(1) الحدائق ج 13 / ص 10.
تعاليم اسلامية 134

نشاطها للعمل مجدداً ، لئلا تؤثر الحرارة المكتسبة من استمرار العمل والاحتكاك فناء جزء أو اجزاء من تلك الآلة أو الماكنة . فإذا كان هذا شأن الراحة عند المكائن الحديدية ، والآلات المصنوعة فكيف بالراحة بالنسبة إلى اعضاء واجهزة جسم الإنسان المخلوقة من الانسجة الرقيقة ؟ فلذا نجد ان الاطباء ينصحون بالاضراب عن الطعام لوجبة واحدة أو اكثر في بعض الأحيان عند بعض الحالات المرضية الخاصة كعلاج وقاية من بعض الأمراض)) (1) .
وقد حدثتنا المصادر المختصة بالطب بأن ((فيثاغورس)) الطبيب اليوناني قبل الميلاد اوصى تلامذته بالصوم عند المرض . وكان الأطباء في عهد ابي الطب (ابقراط) يوصون مرضاهم بالامتناع عن الطعام في الأمراض الخطيرة . وكان طبيب العرب (الحرث بن كلدة) في عهد الدعوة الإسلامية يقول : الدواء الوحيد هو لازم . أي : الجوع .
وقال الرئيس ابن سينا : وصفة صوم تكفي لمدة ثلاثة اسابيع أو اكثر . وفي العصر الحاضر يرى الاطباء في الصوم منافع صحية كثيرة . قال الطبيب الامريكي ((كارلو)) : (ان على كل إنسان مريض ان يمتنع عن الطعام مدة كل عام ، سواء كان غنياً أو فقيراً ، لأن الجراثيم ما دامت تجد الطعام امامها متوفراً في جسم الإنسان فانها تنمو وتتكاثر ، ولكنها بالصوم تضعف وتذبل) . وذكر طبيب روسي في كتابه (التطبيب بالصوم) : ان 95% من العلل الاسارية قد تشفى بواسطة الامساك عن الطعام والصوم (2) .
لقد قرر الطب قديماً وحديثاً في تجاربه ومشاهداته : أن الصوم دواء ناجع لكثير من الامراض الخطيرة كاضطرابات الامعاء المزمنة ، والمصحوبة بتخمر ، وزيادة الوزن الناشئة من كثرة الغذاء ، وزيادة الضغط والبول السكري ، مع
(1) كيف تصوم ص 13 / الإستاذ محمد الحسين الأديب .
(2) مجلة النجف عدد 5 السنة الخامسة .
تعاليم اسلامية 135

بعض ملاحظات في الغذاء ، والتهاب الكلى الحاد المزمن ، وامراض القلب (1) .
قال الدكتور ((روبرت بارتولو)) : (( لا شك في أن الصوم من الوسائل الفعالة في التخلص من الميكروبات وبينها ميكروب الزهري ، لما يتضمنه من إتلاف للخلايا ، ثم إعادة بنائها من جديد)) (2) .
لو قال قائل : سلمنا أن الصوم كما ذكرتم علاج لكثير من الأمراض ، ولكنه انما كتب في شريعة الاسلامية على الاصحاء دون المرضى «فمن كان منكم مريضاً أوعلى سفر فعدة من أيام آخر» (3) ، فإذا كان الصائمون هم الاصحاء فمتى يكون الصوم علاجاً لتلك الأمراض ؟
قلنا في جوابه : إن الصوم كتب على الاصحاء ليقيهم ما يحتمل وقوعه في اجسامهم ـ نتيجة للزيادة في الأكل أو غيره ـ من الأمراض التي تفتك بالصحة وتهدد الحياة ، ليبتعد بهم كل البعد عنها و((الوقاية خير من العلاج)) .
قال الدكتور عبدالعزيز اسماعيل : ((إن الصيام يستعمل طبياً في حالات كثيرة ، ووقاية في حالات اكثر ، وان كثيراً من الأوامر الدينية لم تظهر حكمتها وستظهر مع تقدم العلوم . . . والصيام مدة شهر في السنة يعتبر خير وقاية من كل هذه الأمراض)) (4) .
ويقول الدكتور ((فائق الجوهري)) في كتابه ((الصوم النفس

((إن الصوم من وجهة النظر الصحية وسيلة لتطهير الجسم مما يحتمل أن
(1) الله والعلم الحديث ص 221 الاستاذ عبد الرزاق نوفل .
(2) نفس المصدر .
(3) سورة البقرة ، آية : 84 .
(4) الله والعلم الحديث ص 221 ـ 222 .
تعاليم اسلامية 136

يكون به من زيادات في السموم الضارة ، أو غذاء لا لزوم له . ونحن نجده في الموسوعات الصحية تحت باب العلاج بالغذاء)) (1) .
لو قال قائل : إننا نجد للصيام آثار سيئة في الأصحاء كالإنفعال ، وشراسة الأخلاق وسرعة الغضب ، والجشاء المحرق ، وتأخر الصحة عما هي عليه حال الإفطار .
قلنا في جوابه : إنما ذكرته من الصفات السيئة وجعلته أثراً للصيام ليس من الصيام في شيء ، وإنما هو من جراء ترك الإعتدال في وجبتي السحور والفطور وما يحصل بينهما من المأكولات المختلفة المتنوعة .
ولو سار الأصحاء في أكلهم على طريق الإعتدال لوجدوا الصيام كما ذكرنا ، ولم يكن فيهم أثر مما تقول .
إن الصائم الذي يتبع التعاليم الصحية ، ويمتنع عن الإكثار من الطعام والمغالات فيه توفر لديه فوائد الصوم الصحية والعقلية ، إذ بالصوم تنشط أجهزة الجسم وخلاياه ، وينتظم أفراز الغدد ، فيزداد الذهن حدة ، والنظر قوة ، ويصبح الجسم في مناعة وحصانة من الأمراض الطارئة .

الأثر النفسي :

يحدد الصوم علاقة الإنسان بنفسه ، ويحقق النصر للروح على البدن ، إن الإنسان مؤلف من جسد وروح ، و ما بينهما صراع عظيم . فالجسد يريد الشهوات والنوازع المادية ويطالب بتحقيقها ، والروح تسمو للقيم والمثل والمعنويات وتطالب بتحقيقها . فبالصوم تتغلب الروح على البدن ، وتنتصر الطاقات الخيرة في الإنسان على الطاقات الشريرة وكان الزعيم الهندي (غاندي) إذا وقع في أزمة وتحرج في قضية لجأ إلى الصوم ، ليمد حياته
(1) المصدر السابق ص 221 .
تعاليم اسلامية 137

الروحية بقوة فوق قوتها ، وقد أجاب ـ عندما سئل عن سر انقطاعه إلى الصوم ـ بقوله : إن الصوم الروحي كعيني لجسدي ، ما تفعله العينان للدنيا الخارجية يفعله الصوم للدنيا الباطنية (1) .

التطبع على النظام :

من آثار الصوم النفسية : التطبع على النظام . إن الإنسان من عادته عدم الالتزام بالقيود ، لكنه في شهر رمضان يخضع لنظام معين ، لا مناص من الخضوع له ، رضي أم كره ، يتساوى في هذا النظام قوي المجتمع وضعيفه ، وغنيه وفقيره ، وذلك مما يؤثر فيه ملكة التطبع على النظام والإلتزام بالقيود .

التطبع على الصبر :

إن معاناة الجوع والعطش ، وحرمان اللذات الجسمية باختيار من الإنسان رياضة نفسية تطبع الإنسان على الصبر ، وتؤهله لتحمل مشاق الحياة ، ولذلك قال رسول الله (ص) : (رمضان شهر الصبر وإن الصبر ثوابه الجنة) (2) .

تقوية الإرادة :

إن الإرادة ليست بالشئ اليسير ، بل هي امر عزيز الحصول صعب المنال ،((ومن حكم الصوم تقوية الإرادة فقد وضع الألماني الاستاذ ((جيهاردت)) كتاباً في تقوية الإرادة جعل أساسه الصوم ، وذهب فيه إلى أن الصوم هو الوسيلة الفعالة لتحقيق سلطان الروح على الجسد ، فيعيش الإنسان مالكاً زمام نفسه لا أسير ميوله المادية)) (3) .
(1) مجلة النجف / عدد 5 السنة الخامسة .
(2) المصدر السابق .
(3) روح الدين الاسلامي ص 223 ـ الاستاذ عفيف طبارة .
تعاليم اسلامية 138


مراقبة الله تعالى :

إن الصائم تمر به أوقات كثيرة ، يخلو فيها بنفسه ، ليس عليه رقيب إلا الله تعالى ، فيتقيد عن تناول المفطرات ، ويؤدي فرضه كما امره الله سبحانه وهذا مما ينشئ في نفسه ملكة المراقبة لخالقه بأن لا يفقده حيث أمره ، ولا يراه حيث نهاه .

الأمانة :

والصائم عندما يشعر بفقدان الرقيب سوى الله تعالى ، فيكون أميناً على فرضه ، يوجد ذلك في نفسه ملكة الأمانة وهي : صيانة الوديعة وحفظها و اداؤها سالمة لصاحبها حينما يؤتمن على شيء .

الأثر الإجتماعي :

من أهم الآثار الإيجابية للصوم انعدام الفروق الطبقية بين الأمة ، حيث يتساوى أفرادها بالصيام وينجم عن هذا التساوي : شعور الأغنياء ببؤس الفقراء ، وإليه اشار الإمام الصادق (ع) حين سئل عن علة الصيام فقال : ((إنما فرض الله الصيام ليستوي به الغني والفقير ، وذلك أن الغني لم يكن ليجد مس الجوع فيرحم الفقير ، لأن الغني كلما أراد شيئاً قدر عليه ، فأراد الله عزوجل أن الجوع بين خلقه ، وأن يذيق الغني مس الجوع والألم ، ليرق على الضعيف ، ويرحم الجائع)) (1) .
(1) الحدائق ج 13 ص 10 .