|
الصوم
الصوم تشريع عظيم ذو اثر فعال في تربية النفس ، وتقويم الأخلاق ، وتهذيب السلوك . يرتفع بالانسان إلى اعلى مراتب الكمال ، حيث يحرره من سلطان المادة ، بما يمده به من قوة يتغلب بها على الشهوات النفسية والنوازع المادية .
وهو وسيلة كبرى لتقوية الروابط الاجتماعية ، وتوحيد الكلمة ، وشحذ العزائم ، وتمرين المسلمين على تحمل خشونة الحياة وصعابها ، وتدريبهم على تقوى الله وخشيته .
إذا نظرنا إلى محل هذا التشريع العظيم من الدين الإسلامي نجده من أعظم العبادات الإسلامية ، وأسمى الفضائل الروحية .
قال الإمام أبو جعفر الباقر عليه السلام : ((بني الإسلام على خمسة أشياء : على الصلاة والزكاة والحج والصوم والولاية)) (1) .
فالصوم ركن مكين من أركان الدين الحنيف ، ومنكره يعد خارجاً عن
|
|
(1) الحدائق ج 13 ص 8 ط النجف .
|
الإسلام ، لأن وجوبه ثابت بالضرورة مثل الصلاة .
إن لهذه العبادة السامية فضلاً عظيماً كما يدل عليه الكتاب العزيز والسنة المطهرة ، ويكفي أن نذكر من ذلك حديثاً واحداً يرويه الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله عن ربه : ))كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به)) (1) .
وما هو الوجه في تخصيص عبادة الصوم له سبحانه دون سائر العبادات مع أن جميع الأعمال الصالحة له تبارك وتعالى ؟ للعلماء والمحققين أقوال في توجيه الحديث ، منها :
إن الصوم قد اختص بترك الشهوات والملاذ في الفرج والبطن وذلك أمر يوجب له التشريف على سائر العبادات .
ومنها : إن الصوم أمر خفي لا يمكن الاطلاع عليه لأحد من الناس ، بخلاف الصلاة والحج والجهاد وغيرها من الأعمال فلذلك شرف عليها (2) نعم إنه سر مكتوم بين العبد وبين ربه لا يطلع عليه أحد سواه تعالى ، وإن الله سبحانه هو الذي يتولى جزاء الصائمين بنفسه أعظم الجزاء وأوفاه «فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين» (3) «إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب» (4) .
|
(1) كنز العرفان في فقه القرآن ج 1 ص 191 المحقق المقداد السيوري الحلي (ره) ط النجف .
(2) الحدائق ج 13 ص 10 ط النجف .
(3) سورة السجدة ، آية : 17 .
|(4) سورة الزمر ، آية : 10 .
|
فرض الصيام على المسلمين في شهر شعبان في السنة الثانية من الهجرة (1) ، فقبل أن يطل شهر رمضان على المسلمين نزل الوحي على رسول الله (ص) يبلغه أمر الجليل بفرض صيام هذا الشهر المبارك على الأمة الاسلامية بالآيات التالية :
«يا ايها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون . أياماً معدودات فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيراً فهو خير له ، وأن تصوموا خيرلكم إن كنتم تعلمون . شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان ، فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من ايام اخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ، ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون » (2) .
إن الإسلام لم يأت ببدع فيما كتب على المسلمين من الصيام ، فإن الصوم عبادة قديمة أصيلة كتبت على غيرهم ممن قلبهم كما تصرح الآية الكريمة :
«كما كتب على الذين من قبلكم» . إذن : ليس الصوم من مختصات الدين الإسلامي ، وليس المسلمون منفردين به عن غيرهم ، بل هو عبادة قديمة حصل التقرب بها إلى الله تعالى من الأمم السابقة .
وما هو الغرض من إخبار القرآن للمسلمين بأن الصوم قد كتب على من
|
(1) الفقه على المذاهب الخمسة ص 187 العلامة الشيخ محمد جواد مغنية .
(2) سورة البقرة ، آية : 183 ـ 185 .
|
قبلهم ؟ إن ((فائدة اعلامنا بتكليف من قبلنا بالصوم : إما تأكيد للحكم ، فإنه إذا كان مستمراً في جميع الملل تأكد الانبعاث إلى القيام به أو تنبيه لنا على علة مشروعيته بوقوع التكليف به عاماً ، أو تطييب للنفس وتسهيل عليها)) (1) .
نعم الصوم في شهر رمضان خصوصاً مما فضل الله وشرف به امة محمد (ص) على سائر الأمم ، كما جاء الحديث عن الإمام الصادق (ع) :
((إن شهر رمضان كان واجباً على كل نبي دون أمته ، وإنما وجب على أمة محمد محبة لهم)) (2) .
(1) يحتل شهر رمضان مرتبة الافضلية على سائر الشهور ، ونسبته إلى الله سبحانه وتعالى تشعر بعظمته وتشريفه على غيره من الشهور ، فإن رمضان ـ كما في الحديث ـ إسم من أسماء الله سبحانه ، فمعنى شهر رمضان : شهر الله . وإن تخصيصه بعبادة الصوم وليلة القدر التي هي خير من الف شهر أوضح دليل على كرامته وفضله وشرفه .
(2) إن هذا الشهر الكريم يحمل رسالة عالية مقدسة ، رسالة تقويم الأخلاق ، وتهذيب النفوس رسالة التوجيه إلى الله تعالى ، والارتفاع عن عالم الغرائز والمادة إلى عالم أرفع وأرفع ، رسالة تجديد الايمان والعزائم لخصوص معترك الحياة ، وإعداد المسلمين للدفاع عن دينهم ومقدساتهم وكيانهم .
لذلك أطراه الله سبحانه واحتفى به الرسول صلى الله عليه وآله والأئمة (ع) والمسلمون .
|
(1) كنز العرفان في فقه القرآن ج 1 ص 163 المحقق المقداد السيوري الحلي ط النجف .
(2) كنز العرفان في فقه القرآن ج 1 ص 162 .
(3) ما يأتي في هذا الفصل منقول بتصرف من مجلة أجوبة المسائل الدينية عدد رمضان 1379 هـ ص 319 ـ 321 .
|
إن شهر رمضان احتفال عام مستمر بنزول القرآن دستور المسلمين ، ومصدر النبوة ، فجذير بالمسلمين في شرق الأرض وغربها إن يحتفلوا بميلاد منهاج البشرية جمعاء أعني : الإسلام الذي يتمثل في نزول القرآن .
وإن الذكريات الجليلة والأمجاد الخالدة التي حفل بها هذا الشهر الكريم لتؤهله لأن يكون عيداً ومهرجاناً للمسلمين .
وإليك بعض تلك الأمجاد :
1 ـ غزوة بدر الكبرى في 17 منه سنة 2 من الهجرة وهو أول انتصار للمسلمين في الحياة .
2 ـ فتح مكة في سنة 8 من الهجرة ، وهو من أهم الاسباب لنجاح الإسلام وانتشاره . فإن مكة هي أخطر منطقة في الجزيرة العربية على الإسلام إذ أنها عاصمة المشركين ، ونقطة انطلاق الحروب ضد الرسول (ص) ، بالسيطرة عليها استقام للمسلمين كيانهم الشامخ ، فالأعراب الذين علقوا أبصارهم على مكة عرفوا ـ عندما فتحت مكة وذلت قريش ـ أن المسلمين لن يتنكسوا أبداً ، وأن الإسلام اصبح مضمون النجاح ، فاخذوا يدخلون في دين الله أفواجاً ، وبهذه المناسبة سمي ذلك العام : عام الوفود لتزاحم الوفود على النبي صلى الله عليه وآله للدخول في الإسلام .
3 ـ مولد الحسن السبط عليه السلام في 15 منه سنة 2 للهجرة .
4 ـ فتح ثغور الاندلس على يد موسى بن نصير سنة 91 للهجرة ، وانهزام الملك (رودريك) والسيطرة على اقطار اسبانيا بقيادة طارق بن زياد .
5 ـ بيعة الناس للإمام الثامن علي بن موسى الرضا عليه السلام ولي عهد للمؤمون العباسي سنة 201 من الهجرة .
6 ـ مولد الإمام محمد بن علي الجواد (ع) ـ على بعض الروايات ـ سنة 159 هـ
7 ـ انهزام الافرنج المسيحيين الذين استولوا على سوريا وضواحيها على أيدي جيوش المسلمين سنة 584 هـ .
8 ـ استنقاذ البلاد الإسلامية من التتار ثلاث مرات سنة 658 و666 و702 هـ .
9 ـ فتح المسلمين جزيرة (رودس) سنة 53 هـ .
إلى غيرها من الأمجاد التي تتابعت في هذا الشهر والمكاسب الرابحة التي انجزها المسلمون مما يتفق وكرامة الشهر ، وما يتطلبه من تهذيب النفس والمجتمع والتوجه إلى الله سبحانه وتعالى .
|
|
الرسول الأعظم يستقبل شهر رمضان :
|
خطب رسول الله صلى الله عليه وآله المسلمين في يوم من أيام شهر شعبان خطبة عظيمة أشاد فيها بشهر رمضان ، ومنزلته بين الشهور ، وندب المسلمين وحثهم على التعاون ، والتراحم ، والتعاضد واشعرهم بما يحمل هذا الشهر من رسالة عظيمة يجب عليهم تدبرها وتطبيقها .
وفيما يلي أذكر قطعاً من تلك الخطبة الجليلة المشستملة على أرقى الدروس والتعاليم .
قال صلى الله عليه و آله :
((أيها الناس إنه قد أقبل إليكم شهر الله بالبركة والرحمة والمغفرة ، شهر هو عند الله أفضل الشهور وأيامه أفضل الأيام ، ولياليه أفضل الليالي ، وساعاته أفضل الساعات ، وهو شهر دعيتم فيه إلى ضيافة الله ، وجعلتم فيه من أهل كرامته ، أنفاسكم فيه تسبيح ، ونومكم فيه عبادة ، وعملكم فيه مقبول ، ودعاؤكم فيه مستجاب ، فاسئلوا الله ربكم بنيات صادقة ، وقلوب طاهرة ان يوفقكم لصيامه ، وتلاوة كتابه ، فإن الشقي من حرم غفران الله في هذا الشهر
العظيم ، اذكروا بجوعكم وعطشكم فيه جوع يوم القيامة وعطشه ، وتصدقوا على فقرائكم ومساكينكم ووقروا كباركم وارحموا صغاركم ، وصلوا أرحامكم ، واحفظوا السنتكم ، وغضوا عما لا يحل النظر إليه أبصاركم ، وعما لا يحل الاستماع إليه أسماعكم وتحننوا على أيتام الناس يتحنن على أيتامكم ، وتوبوا إلى الله من ذنوبكم ، وارفعوا إليه ايديكم بالدعاء في آوقات صلواتكم ، فإنها افضل الساعات ، ينظر الله عزوجل فيها بالرحمة إلى عباده ، ويجيبهم إذا ناجوه ، ويلبيهم إذا نادوه ، ويستجيب لهم إذا دعوه)) .
((أيها الناس من فطر صائماً مؤمناً في هذا الشهر كان له بذلك عند الله عتق رقبة ، ومغفرة لما مضى من ذنوبه . فقيل : يا رسول الله وليس كلنا يقدر على ذلك : فقال عليه السلام : اتقوا النار ولو بشق تمرة ، اتقوا النار ولو بشربة من ماء .
أيها الناس من حسن في هذا الشهر خلقه كان له جواز على صراط يوم تزل فيه الأقدام )) .
((ومن وصل فيه رحمه وصله الله برحمته يوم يلقاه ، ومن قطع فيه رحمه قطع الله عنه رحمته يوم يلقاه ، ومن تطوع فيه بصلاة كتب الله له براءة من النار ، ومن أدى فيه فرضاً كان له ثواب من أدى سبعين فريضة فيما سواه من الشهور ، ومن اكثر فيه من الصلاة علي ثقل الله ميزانه يوم تخف الموازين ومن تلا فيه آية من القرآن كان له مثل اجر من ختم القرآن في غيره من الشهور)) (1) .
ليس الغرض الأصيل من الصيام هو الكف عن الطعام والشراب والجماع وسائر المفطرات فحسب بل هو تربية النفس وتطهير الضمير ، والخلوص إلى
|
|
(1) الإقبال ـ ص 2 ـ 3 للسيد بن طاووس قدس سره .
|
الله تعالى . وذلك لا يتأتى إلا عن طريق كف الجوارح عما حرم الله وإشعار الإنسان نفسه بالأهداف الأصيلة لهذه العبادة .
قال الشاعر :
| اذا لم يكن في السمع مني تصاون |
|
وفي بصري غض وفي منطقي صمت |
| فحظي إذن من صومي الجوع والظما |
|
وان قلت اني صمت يوماً فما صمت |
((عن جراح المدائني عن ابي عبد الله عليه السلام قال :
إن الصيام ليس من الطعام والشراب وحده .
ثم قال : قالت مريم : «إني نذرت للرحمن صوماً» (1) أي صمتاً ، فإذا صمتم فاحفظوا السنتكم ، وغضوا ابصاركم ، ولا تنازعوا ، ولا تحاسدوا .
قال : وسمع رسول الله صلى الله عليه وآله امرأة تسب جارية لها وهي صائمة ، فدعا رسول الله (ص) بطعام فقال لها كلي . فقالت : إني صائمة .
فقال : كيف تكونين صائمة وقد سببت جاريتك ؟ إن الصوم ليس من الطعام والشراب . قال : وقال أبو عبد الله عليه السلام : إذا صمت فليصم سمعك وبصرك من الحرام والقبيح ، ودع المراء وأذى الخادم ، وليكن عليك وقار الصائم ، ولا تجعل يوم صومك كيوم فطرك)) (2) .
إذن : فالصوم الحقيقي هو الامتناع المطلق عن جميع المآثم بالاضافة إلى الامتناع عن المفطرات .
إن الصوم ليس طقساً شكلياً لا جوهر فيه ، ولا اثر له في الروح
|
(1) سورة مريم ، آية : 28 .
(2) الحدائق ج 13 / ص 12 .
|
والاخلاق . وليس هو عبادة فرضت على المسلمين لمجرد التكليف والتعجيز ، بتعذيب نفوسهم ، وأخذها باشدة والقسوة ، كما هو شأن عقائد بعض قدماء الهنود ، حيث يفرضون على الإنسان رياضات جسمية عالية ترهب الجسم وتعذب النفس ، زاعمين أن ذلك يحصل طهارة النفس من ادران المادة وأوضارها .
إن الصوم عبادة سامية ، ذات أسرار عميقة ، وأهداف كبيرة ، وفلسفة واسعة ككل عبادة من العبادات الاسلامية ، وكل أمر ونهي من أوامر ونواهي الشرع المقدس في حكمها وغايتها . وفيما يلي نذكر بعض المظاهر والآثار الإيجابية لعبادة الصوم .
تقوي عبادة الصوم وتوثق صلة العبد بربه لأنها عبادة مستورة ، وسر بين العبد وخالقه ، لا تشويها أية شائبة من المظاهر ، فلا مكان فيها لرياء أو خداع ، وهذا المعنى مما وجه به الحديث القدسي الذي يرويه الرسول الكريم (ص) عن ربه ((كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فانه لي وانا اجزي به)) وقد مر ذلك .
جاء عن الرسول الأكرم (ص) واهل بيته ما ينص على فوائد الصوم الصحية مثل قول النبي (ص) : ((صوموا تصحوا)) وقول الإمام ابي عبد الله الصادق عليه السلام : ((لكل شيء زكاة و زكاة الاجسام الصيام)) (1) .
((ومما يؤيده كل ذي لب وتفكير : هو انه لا بد لكل ماكنة أو آلة من الآلات من راحة ، لغرض التنظيف مما يتجمع فيها من الوساخ والأقذار والزوائد ، و لتستعيد بهذه الفترة من الراحة ـ مهما قلت أو كثرت ـ تلك الماكنة
نشاطها للعمل مجدداً ، لئلا تؤثر الحرارة المكتسبة من استمرار العمل والاحتكاك فناء جزء أو اجزاء من تلك الآلة أو الماكنة . فإذا كان هذا شأن الراحة عند المكائن الحديدية ، والآلات المصنوعة فكيف بالراحة بالنسبة إلى اعضاء واجهزة جسم الإنسان المخلوقة من الانسجة الرقيقة ؟ فلذا نجد ان الاطباء ينصحون بالاضراب عن الطعام لوجبة واحدة أو اكثر في بعض الأحيان عند بعض الحالات المرضية الخاصة كعلاج وقاية من بعض الأمراض)) (1) .
وقد حدثتنا المصادر المختصة بالطب بأن ((فيثاغورس)) الطبيب اليوناني قبل الميلاد اوصى تلامذته بالصوم عند المرض . وكان الأطباء في عهد ابي الطب (ابقراط) يوصون مرضاهم بالامتناع عن الطعام في الأمراض الخطيرة . وكان طبيب العرب (الحرث بن كلدة) في عهد الدعوة الإسلامية يقول : الدواء الوحيد هو لازم . أي : الجوع .
وقال الرئيس ابن سينا : وصفة صوم تكفي لمدة ثلاثة اسابيع أو اكثر . وفي العصر الحاضر يرى الاطباء في الصوم منافع صحية كثيرة . قال الطبيب الامريكي ((كارلو)) : (ان على كل إنسان مريض ان يمتنع عن الطعام مدة كل عام ، سواء كان غنياً أو فقيراً ، لأن الجراثيم ما دامت تجد الطعام امامها متوفراً في جسم الإنسان فانها تنمو وتتكاثر ، ولكنها بالصوم تضعف وتذبل) . وذكر طبيب روسي في كتابه (التطبيب بالصوم) : ان 95% من العلل الاسارية قد تشفى بواسطة الامساك عن الطعام والصوم (2) .
لقد قرر الطب قديماً وحديثاً في تجاربه ومشاهداته : أن الصوم دواء ناجع لكثير من الامراض الخطيرة كاضطرابات الامعاء المزمنة ، والمصحوبة بتخمر ، وزيادة الوزن الناشئة من كثرة الغذاء ، وزيادة الضغط والبول السكري ، مع
|
(1) كيف تصوم ص 13 / الإستاذ محمد الحسين الأديب .
(2) مجلة النجف عدد 5 السنة الخامسة .
|
بعض ملاحظات في الغذاء ، والتهاب الكلى الحاد المزمن ، وامراض القلب (1) .
قال الدكتور ((روبرت بارتولو)) : (( لا شك في أن الصوم من الوسائل الفعالة في التخلص من الميكروبات وبينها ميكروب الزهري ، لما يتضمنه من إتلاف للخلايا ، ثم إعادة بنائها من جديد)) (2) .
لو قال قائل : سلمنا أن الصوم كما ذكرتم علاج لكثير من الأمراض ، ولكنه انما كتب في شريعة الاسلامية على الاصحاء دون المرضى «فمن كان منكم مريضاً أوعلى سفر فعدة من أيام آخر» (3) ، فإذا كان الصائمون هم الاصحاء فمتى يكون الصوم علاجاً لتلك الأمراض ؟
قلنا في جوابه : إن الصوم كتب على الاصحاء ليقيهم ما يحتمل وقوعه في اجسامهم ـ نتيجة للزيادة في الأكل أو غيره ـ من الأمراض التي تفتك بالصحة وتهدد الحياة ، ليبتعد بهم كل البعد عنها و((الوقاية خير من العلاج)) .
قال الدكتور عبدالعزيز اسماعيل : ((إن الصيام يستعمل طبياً في حالات كثيرة ، ووقاية في حالات اكثر ، وان كثيراً من الأوامر الدينية لم تظهر حكمتها وستظهر مع تقدم العلوم . . . والصيام مدة شهر في السنة يعتبر خير وقاية من كل هذه الأمراض)) (4) .
ويقول الدكتور ((فائق الجوهري)) في كتابه ((الصوم النفس
((إن الصوم من وجهة النظر الصحية وسيلة لتطهير الجسم مما يحتمل أن
|
(1) الله والعلم الحديث ص 221 الاستاذ عبد الرزاق نوفل .
(2) نفس المصدر .
(3) سورة البقرة ، آية : 84 .
(4) الله والعلم الحديث ص 221 ـ 222 .
|
يكون به من زيادات في السموم الضارة ، أو غذاء لا لزوم له . ونحن نجده في الموسوعات الصحية تحت باب العلاج بالغذاء)) (1) .
لو قال قائل : إننا نجد للصيام آثار سيئة في الأصحاء كالإنفعال ، وشراسة الأخلاق وسرعة الغضب ، والجشاء المحرق ، وتأخر الصحة عما هي عليه حال الإفطار .
قلنا في جوابه : إنما ذكرته من الصفات السيئة وجعلته أثراً للصيام ليس من الصيام في شيء ، وإنما هو من جراء ترك الإعتدال في وجبتي السحور والفطور وما يحصل بينهما من المأكولات المختلفة المتنوعة .
ولو سار الأصحاء في أكلهم على طريق الإعتدال لوجدوا الصيام كما ذكرنا ، ولم يكن فيهم أثر مما تقول .
إن الصائم الذي يتبع التعاليم الصحية ، ويمتنع عن الإكثار من الطعام والمغالات فيه توفر لديه فوائد الصوم الصحية والعقلية ، إذ بالصوم تنشط أجهزة الجسم وخلاياه ، وينتظم أفراز الغدد ، فيزداد الذهن حدة ، والنظر قوة ، ويصبح الجسم في مناعة وحصانة من الأمراض الطارئة .
يحدد الصوم علاقة الإنسان بنفسه ، ويحقق النصر للروح على البدن ، إن الإنسان مؤلف من جسد وروح ، و ما بينهما صراع عظيم . فالجسد يريد الشهوات والنوازع المادية ويطالب بتحقيقها ، والروح تسمو للقيم والمثل والمعنويات وتطالب بتحقيقها . فبالصوم تتغلب الروح على البدن ، وتنتصر الطاقات الخيرة في الإنسان على الطاقات الشريرة وكان الزعيم الهندي (غاندي) إذا وقع في أزمة وتحرج في قضية لجأ إلى الصوم ، ليمد حياته
|
|
(1) المصدر السابق ص 221 .
|
الروحية بقوة فوق قوتها ، وقد أجاب ـ عندما سئل عن سر انقطاعه إلى الصوم ـ بقوله : إن الصوم الروحي كعيني لجسدي ، ما تفعله العينان للدنيا الخارجية يفعله الصوم للدنيا الباطنية (1) .
من آثار الصوم النفسية : التطبع على النظام . إن الإنسان من عادته عدم الالتزام بالقيود ، لكنه في شهر رمضان يخضع لنظام معين ، لا مناص من الخضوع له ، رضي أم كره ، يتساوى في هذا النظام قوي المجتمع وضعيفه ، وغنيه وفقيره ، وذلك مما يؤثر فيه ملكة التطبع على النظام والإلتزام بالقيود .
إن معاناة الجوع والعطش ، وحرمان اللذات الجسمية باختيار من الإنسان رياضة نفسية تطبع الإنسان على الصبر ، وتؤهله لتحمل مشاق الحياة ، ولذلك قال رسول الله (ص) : (رمضان شهر الصبر وإن الصبر ثوابه الجنة) (2) .
إن الإرادة ليست بالشئ اليسير ، بل هي امر عزيز الحصول صعب المنال ،((ومن حكم الصوم تقوية الإرادة فقد وضع الألماني الاستاذ ((جيهاردت)) كتاباً في تقوية الإرادة جعل أساسه الصوم ، وذهب فيه إلى أن الصوم هو الوسيلة الفعالة لتحقيق سلطان الروح على الجسد ، فيعيش الإنسان مالكاً زمام نفسه لا أسير ميوله المادية)) (3) .
|
(1) مجلة النجف / عدد 5 السنة الخامسة .
(2) المصدر السابق .
(3) روح الدين الاسلامي ص 223 ـ الاستاذ عفيف طبارة .
|
إن الصائم تمر به أوقات كثيرة ، يخلو فيها بنفسه ، ليس عليه رقيب إلا الله تعالى ، فيتقيد عن تناول المفطرات ، ويؤدي فرضه كما امره الله سبحانه وهذا مما ينشئ في نفسه ملكة المراقبة لخالقه بأن لا يفقده حيث أمره ، ولا يراه حيث نهاه .
والصائم عندما يشعر بفقدان الرقيب سوى الله تعالى ، فيكون أميناً على فرضه ، يوجد ذلك في نفسه ملكة الأمانة وهي : صيانة الوديعة وحفظها و اداؤها سالمة لصاحبها حينما يؤتمن على شيء .
من أهم الآثار الإيجابية للصوم انعدام الفروق الطبقية بين الأمة ، حيث يتساوى أفرادها بالصيام وينجم عن هذا التساوي : شعور الأغنياء ببؤس الفقراء ، وإليه اشار الإمام الصادق (ع) حين سئل عن علة الصيام فقال : ((إنما فرض الله الصيام ليستوي به الغني والفقير ، وذلك أن الغني لم يكن ليجد مس الجوع فيرحم الفقير ، لأن الغني كلما أراد شيئاً قدر عليه ، فأراد الله عزوجل أن الجوع بين خلقه ، وأن يذيق الغني مس الجوع والألم ، ليرق على الضعيف ، ويرحم الجائع)) (1) .
|
|