إن الإسلام قد انشأ حضارة (1)مبدعة ، احتلت الصدارة في العالم الإنساني وتفيء بضلالها المسلمون وافاد منها الكثير من غيرهم ، فقد بهرت الحضارة الإسلامية أوروبا في العصور الوسطى ، أيام المعارك الصليبية ، وتغلغل الفتح الإسلامي في الأندلس وما جاورها ، واختلاط المسلمين بالغربيين خلال القرن الثاني عشر للميلاد ، فاقتبس الغرب الكثير من معارف الإسلام وفنونه ، ونهل من ثمار علومه ووسائل عمرانه ، وافاد من المسلمين حرية الفكر ، ونظافة البدن والعقل ، مما ادى إلى يقظته بعد نوم طويل .
(في الوقت الذي كانت تضطرم فيه المعارك الصليبية في المشرق اعني
(1) الحضارة بمفهومها لدى علماء الاجتماع (هي الجزء من التراث الاجتماعي الذي لا يمكن أن يوضع في المتحف) ومعنى ذلك : أنها ليست آلات أو اشياء مادية تشغل حيزاً وتسد فراغاً ، فتقع عليها العين وتلمس باليد وتوضع في المتحف ، وانما هي مجموعة اشياء معنوية تجول في الذهن وتعرض في الخاطر من تقاليد وافكار وقيم . وبهذا يتضح الفرق بين الحضارة والمدنية ، فالمدنية (هي الجزء من التراث الإجتماعي الذي يمكن ان يوضع في المتحف) ، والذي يمكن أن يوضع في المتحف هو اشياء المادية التي تشغل حيزاً وتحس وتلمس . وعلى ضوء هذا نقول : الإسلام حضاري في نصوصه وافكاره ، مدني في تطبيقه على واقع الحياة . مجلة التضامن الإسلامي عدد 9 ـ 10 السنة الثالثة .
خلال القرن الثاني عشر كانت مدارس الترجمة ولا سيما مدرسة طليطلة الشهيرة تقوم بعملها المتصل المنظم في نقل ثمار العلوم الإسلامية إلى اللغة اللاتينية ، وهي يومئذ لغة العلم في سائر انحاء اوروبا) (1) .
وبذلك يصح القول : بأن الحضارة الإسلامية قد ساهمت في تكوين الحضارة الغربية مساهمة فعالة ، كان لها اعمق الأثر في تقدم الغرب وانبعاثه ، كما يشهد بذلك المنصفون من الغربيين . قال السير . ب . اسكوت :
«إن الحضارة الحديثة مدينة بالكثير للإسلام الذي حرر العقل البشري من عقال الوهم والخرافة لقد بهرت الحضارة الإسلامية أوروبا في القرون الوسطى » (2) . وقال الفيلسوف الألماني نيتشه :
«إن تلك المدنية الإسلامية لم تنكر الحياة بل أجابتها بالايجاب ، وفتحت لها صدرها ، ولقد قاتل الصليبيون تلك المدنية بعد ذلك وكان أولى بهم أن يسجدوا لها على التراب ويعبدوها ، وما مدنيتنا في هذا القرن التاسع عشر إلا فقيرة وآنية بجانب مدنية الإسلام في ذلك الوقت » (3) .
لقد ضرب العلماء المسلمون أرفع الأمثال في تاريخ العلم ، وساهموا بأجل الخدمات في حقل الثقافة العالمية ، وحملوا مشعل النور والمدنية ، وغزوا العالم بمعارفهم وعلومهم النافعة ، فقدموا للإنسانية من البحوث والدراسات العالية ما لم يصل إليه أحد قبلهم ، فكانوا بحق عباقرة الدهر ، وأعلام الفكر ، ورجال الابتكار ، ومصابيح الحضارة ، في شتى فنون العلم من الطب ، والفلكيات ، والرياضيات والكيمياء والفلسفة ، والجغرافيا ، والنبات ، وغيرها من العلوم التي نبغوا في ميادينها ، وأحرزوا أكبر مكانة ، و كان لهم
أعظم الأثر فيها ففي الطب مثل : ابن سينا (1) الذي يعد أعظم أطباء الإسلام وأبي القاسم الزاهراوي القرطبي وهو أعظم جراح في الإسلام ، وله موسوعة طبية تناول فيها جراحة العين والأذن والأسنان ، وله كتب اخرى في الصحة والعلاج وقد ترجمت كلها إلى اللغو اللاتينية ، وكان لها أكبر الأثر في تقدم الجراحة في اوروبا (2)وأبي العلاء بن زهر وهو أعظم طبيب ومشخص بعد الرازي ، وابن رشد صاحب كتاب ( الكليات في الطب ) (3) .
وفي الكيمياء مثل جابر بن حيان (4) وهو أعظم كيميائي من المسلمين على
الإطلاق ، وأبي بكر الرازي ، وهو من أعظم أطباء الإسلام إلى جنب كونه كيميائياً ، ولكن اشتهر في ميدان الكيمياء .
وفي الرياضة والفلك أمثال الخوارزمي وهو إلى جنب ذلك جغرافي ايضاً ، والفرغاني ، والبتاني والمجريطي ، والزرقالي (1) . وفي الفلسفة أمثال الكندي ، والفارابي الذي كان يسمى بالمعلم الثاني بعد أرسطو المعلم الأول ، وابن طفيل ، وابن باجة وابن رشد وقد اشتهر بشروحه لفلسفة ارسطو ، وترجمت شروحه إلى اللغة اللاتينية منذ القرن الثالث عشر ميلادي (2) و غيرهم .
وفي الجغرافيا كالمسعودي ، واليعقوبي ، وابن الفدا ، وياقوت الحموي ، والأدريسي ، والغزالي (3) وغير من ذكرنا من الأفذاذ والمفكرين كالحسن بن الهيثم مبتكر نظريات علم الضوء ، وابن النفيس مؤلف رسالته في الدورة الدمومية (4) .
ولا غرو فالدين الإسلامي هو دين التقدم والحضارة فانه الدين الذي رفع شأن العلماء ، ودفع إلى الحكمة وقدس العلم ، ومن ذلك انبثقت حضارته الخالدة وعليه قامت مدنية الحقة .
ومن الغريب جداً ما يزعمه الحاقدون على الإسلام من أن الإسلام يتنافي والحضارة والمدنية ، وكيف يصح هذا القول عن دين صنع ارقي حضارة واسمى مدنية لم تعرف مثلها الإنسانية من ذي قبل كيف يصح ذلك عن دين دعى إلى العلم والتفكير وحث على التأمل في اسرار الطبيعة ، ومعرفة الحقائق الكونية .
إن الإسلام قد ضرب المثل الأعلى بتفوقه في ميدان التطور الحضاري ، وان حضارته بمفاهيمها وافكارها الراقية هي المطابقة للفطرة البشرية ، ومن أجل ذلك تخلدت على مر التأريخ الإنساني وستبقى خالدة كذلك حتى تطوى صحيفة هذا الوجود ، كما تتكفل بذلك تعاليمه الرفيعة لما تضمنت من مفاهيم هي اسمى وارقى ما عرفته حياة الإنسان .
وكيف لا تكون كذلك وقد صدرت عن قوة مفكرة مدبرة لهذا الكون ، عالمة بحقيقة هذا الإنسان ، وما يصلح به ، وما تتنظم به حياته . تتجسد في المفاهيم الإسلامية : الإنسانية العالية بما لها من اخلاق كريمة ، ومثل عليا ، وقيم رفيعة حيث تصون حقوق الإنسان من الناحيتين : الفردية والاجتماعية ، وتصل بين ابناء المجتمع بأقوى الروابط واوثقها ، وبذلك تقيم اروع مجتمع إنساني عادل ، وافضل حياة إنسانية منظمة مرتبطة بالمبدع الأعظم سبحانه وتعالى .
نعم يتم ما ادعاه الحاقدون من تنافي الإسلام مع الحضارة بالنسبة إلى الحضارات الوضعية التي تتصادم مع مفاهيمه ، والتي يكون هدفها الوحيد والمفضل الذي تسعى إليه هو فصل الدين واقصاؤه عن المجتمع لتفعل بعد ذلك ما تشاء من ارتكاب المحرمات ، والتلاعب بكرامة الأمة ، واستغلال خيراتها ، واغتصاب حقوقها .
وليس غريباً ان يكون هدفها كذلك ما دامت ناتجة عن عقول بشرية ناقصة ، تفسير السعادة ـ التي يجب أن يحققها الإنسان لنفسه في الحياة ـ تفسيراً
مادياً ، إذ تعتبرها اللذة والمنفعة ليس غير حتى ولو كانت تقوم على حساب الآخرين .
وكيف يلتئم الإسلام مع ما يسميه أولئك ـ ظلماً وزوراً ـ حضارة ، وهو الدين الذي « لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه » (1) ، والذي يريد إقامة مجتمع منزه عن المحرمات ، والانتفاع غير المشروع ، والالتذاذ الرخيص ، مجتمع اساسه العدل والتقوى والتعاون « إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون » (2) ، هذه هي السعادة الحقيقية وبهذا يكون المجتمع سعيداً في نظر الإسلام .
« في سور ةالشمس يقسم بالشمس والقمر ، والليل والنهار ، والسماء والذي بناها ، والأرض والذي بسطها ، والنفس الإنسانية والله الذي وازن بين عناصرها ، والهمها الخير والشر ، ثم يقول « قد افلح من زكاها وقد خاب من دساها » (3) . قسماً بهذه الآيات كلها على أن السعادة والفلاح إنما يكونان لمن طهر نفسه من الآثام ونزه روحه عن الجرائم ، وان الشقاء والخيبة إنما تكونان لمن تلوث بالآثام والجرائم (4) .
|
||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|
| العلم | |
العلم أساس الرقي والحضارة ، وعامل التقدم والسعادة ، والسبب الذي يوصل الإنسان إلى معرفة الحق ، ويطهره مما ينحدر به عن الإنسانية إلى البهيمية .
فبالعلم يقوم الإنسان شخصيته ، ويبني كيانه وكرامته ، ويحقق لنفسه الحياة السعيدة ، والعيش الكريم ، ويرسم له صورة حية في عالم الانسان ويؤهل نفسه للبقاء في صميم الخلود .
وبالعلم تتفاوت مقادير الرجال ، فترتفع وتهبط في ميزان القيم ، بحسب ما حصلت عليه من العلم والعرفان .
وبالعلم تثبت الأمة وجودها ، وتبني مجدها ، وتصون كرامتها ، وتحقق أهدافها ، وتنال سيادتها واستقلالها.
| نعمة العلم |
إن نعم الله سبحانه على هذا الإنسان خارجة عن حدود الاحصاء ، فهي لا تخضع لرقم من الارقام مهما ارتفع في سجل الحساب ، « وإن تعدوا نعمة
|
وفي هذه الآيات الكريمة أكبر دلالة على مكانة العلم في الإسلام حيث تعقب نعمة إيجاد الإنسان بنعمة العلم .
أترى إشادة بالعلم أعظم من هذه الإشادة ؟ أم تتصور بياناً لقيمة العلم أوضح من هذا البيان ؟
تشيد الآيات الكريمة من سورة العلق ـ وهي أول سورة نزلت على نبينا محمد صلى الله عليه وآله على ما ذهب إليه أكثر أهل التفسير ـ بنعمة القلم أيما إشادة ، مسندة حقيقية تعليم الله للإنسان إلى القلم ، إذ ان القلم اوسع واعمق ادوات التعليم اثراً في حياة الإنسان .
يقول القرآن الكريم « علم بالقلم » أي : بواسطة القلم . إن القلم صياد يصيد العلوم أو يوثقها على مرور الليالي والأيام ، وفي رواية أبي بصير (رض) (اكتبوا فانكم لا تحفظون حتى تكتبوا ) (3) . وقد يطرح سؤال : ما هو وجه التناسب بين ذكر خلق الانسان من علق في صدر السورة وبين ذكر العلم وتعليم الإنسان ما لم يعلم ؟
والجواب : أن الله سبحانه وتعالى لما ذكر حال الإنسان في مبدء امره وهو : كونه علقة ، وهي في المكان الأدنى من الخساسة ، عقب ذلك بذكر
|
(1) سورة النحل آية 18 . (2) سورة العلق . (3) معالم الدين في الاصول ص 5 من الحاشية. |
|
| دعوة الإسلام إلى العلم |
أن دعوة الإسلام قائمة على تحرير العقول من الجمود والتحجر ، وتهذيب النفوس من النقائص والرذائل الخلقية ، وتحقيق السعادة للإنسان في الحياتين ، وبالبديهة إن ذلك متوقف على العالم ، فبالعلم يتحرر الإنسان من الجهل والجمود ، ويتغلب عقله على شهوته ويشتغل كل فرد من افراد الأمة طاقاته في ما يعود على المجموع بالنفع الصحيح والصالح العام ، وبهذا تقوم الحضارة الصحيحة ، وتبني المدنية الكاملة .
من أجل ذلك دعى الإسلام أبناءه إلى العلم ، وحثهم عليه ودفعهم إليه دفعاً بما بين من فضل العلماء ، وقيمتهم في الحياة ، ومحلهم من الدين ، وقربهم من رضا الله ورحمته ، وبما سجل من التعاليم والنصائح الجليلة ، و الأوامر الأكيدة التي تهيب بالمسلمين و تبعثهم على طلب العلم طول الحياة من المهد إلى اللحد ، وفي ابعد الأمصار وأقصى الأقطار .
وفيما يلي نعرض شيئاً من النصوص الإسلامية في هذا المجال .
قال تعالى : « قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون أنما يتذكر أولوا الألباب » (2) ، وقال تعالى : « يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات » (3) ، وقال تعالى : « شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة
|
(1) معالم الدين في الاصول ص 5 ـ 6 . (2) سورة الزمر : آية 9 . (3) سورة المجادلة آية : 11 . |
|
وقال امير المؤمنين علي عليه السلام :« تعلموا العلم فان تعلمه حسنة ، ومدارسته تسبيح ، والبحث عنه جهاد ، وتعليمه من لا يعلمه صدقة ، وهو عند الله لأهله قربة ، لأنه معالم الحلال والحرام ، وسالك بطالبه طريق الجنة ، وهو انيس في الوحشة وصاحب في الوحدة ، وسلاح على الأعداء ، وزين الأخلاء ، يرفع الله به اقواماً يجعلهم في الخير ائمة يقتدى بهم ، وترمق اعمالهم ، وتقتبس آثارهم ، وترغب الملائكة في خلتهم ، يمسحونهم بأجنحتهم في صلاتهم ، لأن العلم حياة القلوب من الجهل ، ونور الأبصار من العمى ، وقوة الأبدان من الضعف ينزل الله حامله منازل الأبرار ، ويمنحه مجالسة الأخيار في الدنيا والآخرة ، وبالعلم يطاع الله ويعبد ، وبالعلم يعرف الله ويوحد ، وبالعلم
|
(1) سورة آل عمران : آية 18 . (2) سورة البقرة : آية 269 . (3) سورة فاطر آية 28 . (4) سورة العنكبوت : آية 49 . (5) سورة العنكبوت : آية 43 . (6) معالم الدين في الاصول ص 9 . |
|
| قولة كاذبة |
هناك فكرة خاطئة ذاعت بين الأوروبيين مفادها : أن الإسلام يحارب الحرية الفكرية ، ويتنافى مع العلم والفلسفة . وابرز دعاة هذه الفكرة هو العالم الفرنسي (ارنست رينان) . وقد اعلنها في كتابه ( الإسلام والعلم ) (2) . وهذه قولة كاذبة ، وتهمة باطلة ، وشائعة خاطئة . قولة لا نصيب لها من الصواب ، ولا حظ لها من الصحة ، يكذبها واقع الإسلام ، وتهمة تدحرها نصوصه ، وشائعة يفندها تاريخه.
إن الإسلام قد حض على العلم ، ووجه عنايته إليه بشكل خاص ، ولو القيت نظره شاملة على تاريخ الإنسانية لما وجدت ديناً ولا دولة فتحت أبواب العلم ، وندبت إليه ، وشجعت عليه كالاسلام .
إن التعاليم الإسلامية في الحث على العلم وتقدير العلم واهله لتستغرق عمر الباحث ، وتبلغ المجلدات ويكفي قول الإسلام : « العلماء ورثة الأنبياء » « الناس اموات واهل العلم احياء « » طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة » (3) .
كان شعار الكنيسة ورجالها : اطفئ مصباح عقلك واعتقد وانت اعمى . اما الإسلام فقد دعى إلى التفكير الحر ، والبحث عن اسرار الطبيعية ، واكتناه حقائق الكون . قال تعالى : « قل انظروا ماذا في السماوات والأرض » (4) ،
|
(1) معالم الدين في الاصول ص 8 ـ 9 . (2) روح الدين الاسلامي ص 233 . (3) معالم الدين في الاصول ص 9 . (4) سورة يونس آية 101 . |
|
والحق إن في مثل تلك القولة الكاذبة التي يتهجم بها المفترون على الإسلام يصدق المثل : « رمتني بدائها وانسلت » ، « فقد أجمع المؤخرون على أن العلماء الكونيين لقوا من رجال الدين في أوروبا طوال عهد القرون الوسطى ما يلقاه الخصوم من الخصوم ، فقد أسست محاكم خاصة لمحاكمة رجال العلم والفكر على ما يرتكبونه مما يعده رجال الدين مخالفاً لآراء الكنيسة ، وكان إذا ثبت على احد شيئاً من ذلك استتيب وإخذت عليه المواثيق بأن لا يعود إليه ، فإن عاد قبضوا عليه والقوه حياً في النار ، أو رموا به من عال إلى مكان سحيق ، فأهلك على هذه الصورة في مدى القرون الوسطى كثير من العلماء من ذوي المكانة العالية ومن العباقرة المجددين » (5) .
|
(1) سورة آل عمران : آية 191 . (2) سورة المائدة : آية 104 . (3) سورة البقرة : آية 170 . (4) سورة البقرة : آية 171 . (5) روح الدين الإسلامي 233 ـ 234. |
|
| إلى أي علم يدعو الإسلام ؟ |
لقد حض الإسلام على العلم ، ولفظ العلم مطلقاً يتسع لمفاهيم عديدة ، ويشمل كل علم من العلوم سواء كان عقائدياً أم مادياً ، فعلم الطبيعة وعلم النفس وعلم التاريخ وعلم الجغرافيا وعلم الإجتماع وغيرها من العلوم النافعة المؤدية إلى الخير ، كلها مشمولة للفظ العلم الذي يدعوا إليه الإسلام ، وإن دل هذا على شيء فانما يدل على بعد نظر الإسلام في توجيه أبنائه وجهة العلم في كل ما وصل إليه العلم ، لأنه يرى في العلم داعية إلى الايمان ، وموصولاً إلى الحق ، ومبصراً بعظمته الله ، ودالاً على آيات صنعه ودلائل قدرته .
إذن : فالاسلام يدعوا إلى العلم بجميع فروعه وشعبه ، واختصاصاته واتجاهاته ، العلم الذي يحرر الإنسان من الجهل ويؤدي به إلى معرفة الحق ، والاعتقاد الصحيح ، والتماس الخير في الحياة ، ويعود على الانسانية بالنفع الصحيح .
إن العلم بجميع أنواعه واقسامه يدعو إلى الايمان بوجود الله ووحدانيته . وان كثيراً من علماء الذرة والفضاء . ورجال الاكتشاف والاختراع قد قادهم العلم إلى الاعتقاد بوجود الصانع ، والايمان بوحدانيته وكماله ، وصرحوا بأن كل جزء من أجزاء هذا الكون وكل ذرة من ذراته تدل على وجود خالق واحد مدبر .
قال ( كريسي موريسن ) رئيس المجمع العلمي في نيويورك : ( إن البشر لا يزالون في فجر عصر العلم ، وكلما ازداد ضياء العلم سطوعاً جلى لنا شيئاً فشيئا صنعة خالق مبدع ) . وقال (أنيشتين ) الفيلسوف الكبير المشهور : ( إيماني عميق بوجود قدرة عاقلة مهيمنة تترآئى حيثما نظرنا إلى هذا الكون المعجز للافهام ، إن هذا الايمان يؤلف عندي : معنى الله ) .
|
وإذا رأيت من علماء المادة من لا يستفيد من العلم إلا الضلال ، والتوغل في الالحاد فثق إن ذلك ليس من العلم في شيء ، وإنما لأن نفسية ذلك الشخص ملوثة من الذنوب والإجرام ، وذهنيته مستعمرة للشهوات والتفكير المادي الصرف ، ومن جراء ذلك استولت مشاعر الشر على قلبه وانعكست الموازين الإنسانية عنده .
| علم الطبيعة |
في القرآن الكريم دعوة إلى تعلم العلم الطيبعي تتجلى في آيات كثيرة منها : « ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف السنتكم والوانكم ان في ذلك لآيات للعالمين » (1) . ومنها : « ألم تر ان الله انزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفاً ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود . ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك ، إنما يخشى الله من عباده العلماء » (2) .
« وواضح من السياق في الآيتين أن المراد بالعلماء هنا العالمون بالآيات وأسرار الخلق التي أودعها الله فيما اشارت إليه هاتان الايتان وموضوعهما هو نفس موضوع العلم الطبيعي . فالعلم الطبيعي يبحث عن الأشياء الكونية ، طبائعها ، وخواصها والعلاقات بينها ثم عن حقيقتها ان امكن ، أي : عن آيات الله المودعة في هذه الأشياء . ففي آية فاطر لا يعرف سر نزول الماء من السماء إلا بعلم الطبيعة ولا يعرف تركيبه وخواصه إلا بعلم الكيمياء .
ولا يعرف الإنبات والإثمار فيهما إلا بعلم النبات ولا يعرف ما الجبال ولا ما طرائقها البيض والحمر والسود إلا بعلم طبقات الأرض ، ولا يعرف اختلاف اجناس البشر والدواب والأنعام إلا بعلمي أصل الشعوب والحيوان . ثم أنظر
|
(1) سورة الروم : آية 22 . (2) سورة فاطر : آية 27 _ 28 . |
|
«إنما يخشى الله من عباده العلماء » فقد حصر الله الخشية الكاملة من الله في العلماء الذين يتدارسون آياته الكونية ، لأن العلماء إذا كانوا مؤمنين حملهم علمهم بأسرار الطبيعة على خشية الله خالقها (1) .
| علم الحياة (البيولوجيا) |
والقرآن يدعو الإنسان إلى النظر إلى نفسه في أصل تكوينه من كيفية تكونه في الرحم ، والأطوار التي مرت بها تلك النطقة ، حيث بذلك يتوصل إلى علم الحياة ، وفيه من عجائب نمو الجرثومة الإنسانية وتقلبها في أدوار الخلقة وتطورها ما أصبح مادة «البيولوجيا» (2) . قال تعالى : « فلينظر الإنسان خلق ، خلق من ماء دافق ، يخرج من بين الصلب والترائب » (3) .
| علم النفس |
«أما ما جاء في القرآن عن التفكير في النفس فيتجلى لنا في مثل قوله تعالى : « وفي أنفسكم أفلا تبصرون » (4) أليس النظر في النفس يستنبط منه علم النفس بكل ما فيه من الغرائز والميول والبواعث الإنسانية» (5) .
| علم التاريخ والاجتماع |
لقد حث القرآن الكريم المسلم على البحث فيما كانت عليه الأمم السالفة من القوة ، واتساع العمران وما آلوا إليه في الآخير باتباع الشهوات وتجاهل البينات من الدمار . قال تعالى : « أولم يسيروا في الأرض فينظروا
|
(1) روح الدين الإسلامي :ص 242 ـ 2 . (2) نفس المصدر ص 243 . (3) سورة الطارق : آية 5 ـ7 . (4) سورة الذاريات : آية 21 . (5) روح الدين الإسلامي ص 24 . |
|
وقال تعالى : « قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين » (2) .
«أترى أن قوماً أتت إليهم هذه التعاليم يهملون السياحات العلمية للتعرف في أسباب تكون الأمم وانحلالها ، ورقيها وانحطاطها ، وعمرانها وخرابها ؟أفلا يؤدي هذا التعرف كله إلى علمي التاريخ والاجتماع بكل ما يشتملان عليه من بحوث» (3) .
| علم الفقه |
ذكرنا أنفاً أن لفظ العلم مطلقاً يشمل جميع العلوم التي تهذب الإنسان وتسوقه إلى توحيد الله وخشيته ، وتعود على البشرية بالخير . نعم إنه يشمل كل تلك العلوم ويتسع لها ، ولكن في طليعة تلك العلوم وفي مقدمتها : علم الفقه ، فإن معرفة المسلم لواجباته التشريعية من صلاة وصيام ، وحلال وحرام واستقائها من قواعدها ومنابعها الصحيحة هو في الأهمية بمكان سابق ، ومرحلة أولى ، ولا شك في وجوب تقديم الأهم على المهم ، وعلم الفقه هو الذي تعرف به أوامر الله وأحكامه ، وهو الذي يتكفل بكمال الانسان وتنظيم حياته . وإليك جانباً من النصوص الدينية التي تحث على التفقه في الدين حيث تقيد العلم عندما تحث عليه بالفقه . قال تعالى : « فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم
|
(1) سورة الروم : آية 9 . (2) سورة النمل : آية 69. (3) روح الدين الإسلامي ص 243 ـ244. |