تعاليم اسلامية 22



تعاليم اسلامية 23



المسلمون

لم يتكفل دين من الأديان بتحقيق الفضائل الإنسانية على أكمل الوجوه ، والسمو بالنفس البشرية إلى أرفع الدرجات التي يمكن السمو إليها كالدين الإسلامي .
إن الإسلام عقيدة ينطق عنها أكمل النظم وأشملها للحياة الإنسانية في السياسة والاقتصاد والاجتماع وغير ذلك . وهو التحرر من كل فقر وجهل ومرض والانطلاق نحو العلم والوجود الصالح . وهو المنهل الصافي والمورد العذب الذي يفيض بكل خير وعز وسعادة ، فيه القوة والعدل ، والرحمة بما لها من مفاهيم واسعة شاملة ، وفيه أعلى الحضارات ، وأسمى القيم والمثاليات .
أصطفى الله سبحانه لتبليغه خير خلقه وخاتم رسله محمداً ( ص ) كي يتمم للإنسانية به مكارم الأخلاق وينشر بين أفرادها العدل والمحبة والسلام ، ويقيم لها نظاماً إجتماعياً على أساس من الأخوة الشاملة ، والتضامن الصادق ، والتعاون بجميع معانيه من أجل المصلحة العامة .
إن الشيء الذي تستهدفه مبادئ الإسلام الحية ، ومثله الرفيعة هو بناء الحياة الفاضلة ، وتكوين المجتمع الطاهر ما له نزعةً ماديةً ولا إلحادية ، ولا تقف في وجهه ـ فضلاً عن أن تنفذ فيه ـ فكرة هزيلة .
تعاليم اسلامية 24


وبتلك المبادئ السامية والحياة المتوثبة ساد المسلمون في ماضيهم النير ، وبها استقامت حياتهم ، وعليها صلحت أحوالهم .
وإذا رأيت اليوم تخلفاً للاسلام وانسحاباً لكلمة الإسلام من الحياة الإجتماعية فإنه ليس من الإسلام في شئ فإن الإسلام لا ينسحب عن ميدان الحياة ، ولا يقف من مشاكل المجتمع موقف الحائر أو المتشائم وإنما تخلف نتيجة لسيرنا وتفكيرنا اللا إسلامي ، ومجاراتنا للاجانب في حضارتهم الزائفة .
يقولون في الإسلام ـ ظلماً ـ بأنه يصد بـنيه عن سبـيل الـتقدم
فإن كان ذا حقاً فـكيف تـقدمـت أوائله في عـصرهـا المتـقدم
وإن كان ذنب الـمسـلم اليوم جهله فماذا على الإسلام من جهل مسلم ؟ (1)

لقد كان المسلمون فيما مضى اعزاء مرهوبي الجانب ، تخضع لهم الامم و تلتمس ودهم وتخشى بأسهم ، يغزون الأمم بدينهم العظيم وثقافتهم البنائة . لأن الفرد المسلم كان يومذاك ملتزماً بالاسلام في جميع تصرفاته ، محكماً له في سلوكه واتجاهاته ، لا تدور في رأسه فكرة سوى الإسلام ، ومبادئ الإسلام ، قد تبلورت نفسه وانصهرت مشاعره بتلك المبادئ العليا .
أما اليوم فإن الأغلبية الساحقة من المسلمين مسلمون بالاسم دون المعنى ، قد ابتعدوا كل البعد عن حقيقة الإسلام ، وتشبعت حياتهم بما يتنافى وتعاليمه الجليلة وأوامره الرفيعة من مظاهر وتقاليد أجنبية ، ومنطق مادي صرف . فالصداقات والعداوات ، والرضا والغضب ، والصلة والقطيعة ، والحب والبغض أمور ليست قائمة على أساس الدين ، بل على أساس العاطفة ، وحب الذات ، ورغبات النفس ، وهذا السلوك الملتوي لا يمثل الإسلام في شيء ، لأن الإسلام نظام أكمل يتكفل بالسعادة والرفاهية والاستقامة
(1)الابيات من قصيدة للرصافي .
تعاليم اسلامية 25

«لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه» (1) «تنزيل من رب العالمين» (2).
انتشرت في المجتمع الاسلامي اليوم ـ بدلاً من الصفات التي جاء بها الإسلام ـ صفات سافلة رديئة تفشى بينهم الكذب وكتابهم العزيز ينادي « إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون» (3) ، وعم الجهل بواجبات الدين واحكامه والقرآن يهتف : « هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون» (4) ، والنبي ( ص ) يقول : (طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة) (5) وتفصمت عرى الإجتماع وتشتتت الآراء والقرآن يدعو ليلاً ونهاراً وعشية وإبكاراً : « واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا » (6) . ولقد أصاب الشاعر القائل :
بحثت عن الأديان في كل أمة وطفت بلاد الله غرباً ومشرقاً
فلم أر كالإسلام أدعى لإلفة ولا مثل أهليه أشد تفرقا

وكانت نتيجة البعد عن الإسلام كمايلي :
أ ـ أخذ كثير من الأجانب ـ الذين لا يعرفون شيئاً عن الإسلام ـ عن هذا الدين صورة مشوهة ، وفكرة خاطئة لا تمت إلى الإسلام بصلة ما ، غير ملتفتين إلى ان جميع ما يعاب على المسلمين اليوم ليس من الإسلام في شيء (فالإسلام شيء والمسلمون شيء آخر) . قال الشيخ جمال الدين الأفغاني :
(1) سورة فصلت آية 46 .
(2) سورة الحاقة آية 43 .
(3) سورة النحل آية ـ 105 .
(4) سورة الزمر آية 9 .
(5) معالم الدين في الاصول ص 8 ـ 9 .
(6) سورة آل عمران آية : 103.
تعاليم اسلامية 26

(إذ اردنا أن ندعوا احرار أورويا إلى ديننا فيجب علينا أن نقنعهم أولاً أننا لسنا مسلمين فانهم ينظرون إلينا من خلال القرآن هكذا ـ ورفع كفيه وفرج بين اصبعهما ـ فيرون ورائه قوماً فشى فيهم الجهل والتخاذل والتواكل فيقولون : لو كان هذا الكتاب حقاًمصلحةً لما كان أتباعه كما نرى) (1) .
ب ـ وجد الحاقدون على الإسلام في الأوضاع المجافية للإسلام وسيلة كبرى للطعن عليه ، إذ راحوا ينسبون الصفات السائدة بين المسلمين اليوم والتي يحاربها الإسلام إلى صميم العقيدة الإسلامية .
ج ـ وجد العدو الغازي أمامه الطريق معبداً ، فكسب جولة ـ لم يقدر للظفر بها ـ في العالم الإسلامي وفي قلوب ابنائه .
من أجل ذلك اصبح الإسلام يشكو الغربة بصوت حزين مستنجداً بأبنائه الصادقين الغيارى ـ وأولئك قليل ـ كما كان في مبداً تأسيسه ، وصدق الرسول الأعظم ( ص ) حيث قال : ( بدئ الدين غريباً وسيعود غريباً كما بدئ فطوبى للغرباء قيل : ومن هم الغرباء يا رسول الله ؟ قال : هم الذين يصلحون عند فساد الناس ) .
في هذا العصر ـ عصر النور كما يقال ـ ، وفي هذا القرن ـ القرن العشرين ـ الذي يتأتي للإسلام فيه ما لم يتأت فيما سبق من العصور والاجيال من الذيوع والانتشار ، وارتفاع هتافاته بين صفوف الناس وانكشاف عظمته والفلسفة في الكثير من تعاليمه القدسية ، واحكامه السامية للأمم الاخرى ، وتطبيق صوته لجميع أرجاء الدنيا حيث تقرع آيات كتابه المبين ـ عن طريق الإذاعات ـ مسامع كل حي يفهم لسانه ولغته ، في هذا العصر يتصف الإسلام والمسلمون الصادقون ـ وقليل ما هم ـ بالغربة المتناهية (2) . والسبب الكلي في
(1) روح الدين الإسلامي ـ ص 12 للاستاذ عفيف طبارة .
(2) مجلة التوجية العدد/1 السنة الأولى ص 35 .
تعاليم اسلامية 27

ذلك هو تنكر المسلمين لحقيقة الإسلام ، وابتعادهم عما دعى إليه من السلوك الصحيح .
العلاج الوحيد

اخي المسلم : ان العقل عندما يبحث عن العلاج القضاء على التخلف الذي مني به الإسلام ، واستعادة المسلمين ما فقدوه من عزة وكرامة ، وتخليص المجتمع من كل يد أثيمة وفكر مضلل ونظام جائر ، ودحض للمعتقد السيء ، الذي يحمله الآخرون عن الإسلام ، وتبديل الفكرة المأخوذة عنه غلطاً ، وإبطال لمغالطات أعدائه ، إن العقل عندما يبحث عن علاج للقضاء على ما ذكرنا لا يجد علاجاً أنجع ولا وسيلة انفع من أن نفهم رسالة الإسلام حق فهمها ونؤمن بها كما يجب علينا ، ونلتف حول لوائها ، ونطبق مبادئها تطبيقاً كاملاً في جميع نواحي الحياة ، فبهذا ـ هذا لا غير ـ نستعيد السيادة والقيادة ، ونعيش أحراراً كما أراد الله لنا ، ونكون خير أمة اخرجت للناس .
( وهل يجد العالم راحة وهدوء او فوزاً وسعادة ما لم يعتنق الدين ويتبع رجاله ، الدين الذي جاء به سيد الأنبياء ( ص ) « إن الدين عند الله الإسلام» (1) فإنه الدين الذي يحظي باعتناقه البشر ، ويرون فيه ـ لو اخذوا بتعاليمه ـ الأمن والأمان في النفوس والأعراض والأموال ، وهل شيء انفس منها في الوجود؟ ) (2) .
( ولن يستقيم هذا الدين في عزلة عن المجتمع ، ولن يكون اهله مسلمين ، وهم لا يحكمونه في نظامهم الإجتماعي ، والقانوني ، والمالي ، ولن يكون مجتمعهم اسلامياً واحكام الإسلام وشرائعه منفية من قوانينهم ونظمهم ، وليس لهم من الإسلام إلا شعائر وعبادات ) (3).
(1) سورة آل عمران آية : 19 .
(2) الإسلام نشوؤ وارتقاؤه ص 7 ـ للعلامة الشيخ محمد الحسين المظفر .
(3) العدالة الاجتماعية في الاسلام ص 9 للاستاذ سيد قطب .
تعاليم اسلامية 28



تعاليم اسلامية 29



الصيغ المطروحة وموقف الاسلام منها (1)

الانسانية اليوم تعيش المأساة في معظم أو كل مجالات حياتها . في المجال الأسروي والاجتماعي حيث تعيش الاسرة والمجتمع التفكك والتمزق ، في مجال الاقتصاد حيث لا يقوم على أسس سليمة ، في مجال السياسة والحكم في مجال العمل الخ . ومظاهر المأساة التي تعيشها الإنسانية اليوم واضحة ، كالحرب ، والطبقية ، والعنصرية وانعدام المقياس الاخلاقي في السلوك والمعاملات .
إذن فالانسانية كلها تبحث عن الخلاص من أزمتها ، وتنشد طريقاً يكفل لها التحرير من كل المشكلات ، ويحقق لها الهناء والأمن والاستقرار .
وهناك صيغ طرحها ويطرحها المفكرون والفلاسفة لحل المشكلة الإنسانية المعاصرة ، وأنقاذ البشرية من التمزق والفوضى ، فلنستعرض هذه الصيغ و ندرسها ، لنعرف مدى قدرتها أو عدم قدرتها على حل المشكلة .
الصيغ المطروحة

مما يطرح في الساحة من الصيغ الصيغة الرأسمالية ، وماهي الرأسمالية ؟
(1) هذا البحث من زيادات هذه الطبعة .
تعاليم اسلامية 30


الرأسمالية تقوم على أسس وخطوط رئيسية ، هي :
ملكية الفرد ، فهي تقرر الملكية المطلقة للفرد ، فكل ما تصل إليه يده ، وبأي وسيلة كانت فهو ملك له يتصرف فيه كيف شاء ، وعلى الدولة أن تقوم بحمايته وتمكينه من التصرف في أمواله .
وحتى لو تضخم وبلغ ملكه الملايين ليس للدولة الحق في الاستيلاء عليه ، أو تأميم ممتلكاته ونزعها منه ، بل عليها أن تحميه ، كما ليس لها الحق أن تقوم بعمليات اقتصادية تتعارض والنشاط الفردي .
الحرية ، ففي مجال الحصول على الأرباح مهما كانت خيالية ومضرة بالمجتمع يوفر النظام الرأسمالي للفرد الحرية الكاملة ويقوم بحمايتها ، ومعنى ذلك :
ان هذا النظام لا يهمه ما يصيب العمال أو المجتمع ، أو الطبقة الفقيرة من ظلم أو ضيق وحرمان على حساب حماية حرية صاحب المال . هذا ما يقرره ( آدم اسميث ) مؤسس علم الاقتصاد ، ويعرف هذا المذهب بالمذهب الفردي .
المنفعة الذاتية ، ويقر النظام الرأسمالي المنفعة الذاتية على أساس أنها المحرك للانسان نحو العمل ، فإذا سدت أبوابها أصيب الاقتصاد بانتكاسة ، بينما بفتح أبوابها ، والتركيز عليها ، يتوسع الإنتاج .
هذه هي الخطوط الرئيسية ـ تقريباً ـ للرأسمالية ، ولنلاحظ هل يحل هذا النظام مشكلة الإنسانية ؟
الواقع لا يسعنا إلا أن نجيب على هذا التساؤل بالنفي التام ، حيث ان النتائج التي يعطيها هذا النظام كما يبدو بالنظر البدهي تتلخص في :
نهب ثروات المجتمع ، لأن معنى اطلاق حرية الفرد في الكسب وجمع
تعاليم اسلامية 31

المال اباحة جميع الوسائل المؤدية إلى الثروة ، دون أن يكون لحقوق الآخرين ومصالحهم أي حساب.
تكدس الثروة في أيدي فئة معينة من المجتمع وبقاء الفئات الأخرى تحت وطأة الفقر والجوع ، وذلك ما يؤدي إلى الاضطراب في المجال الاقتصادي والاجتماعي.
إشاعة البطالة ، ففي ظل هذا النظام من الطبيعي أن تشيع البطالة بشكل فظيع ، وذلك ما قد حصل فعلاً ، ففي العالم الرأسمالي ( أوروبا وأمريكا ) قدر عدد المتعطلين عن العمل بنحو 60 أو 70 مليون من العمال .
وماذا بعد التعطل والبطالة غير الإيغال في الجريمة ، والاعتداء على أموال الأخرين ؟
اقصاء الاخلاق ، فما دام هذا النظام يتيح للفرد الحرية الكاملة في الكسب ويؤمن بالمنفعة الذاتية ، ولا يقيم وزناً إلا للمادة من أي طريق جاءت فلا مانع أن تؤسس في ظله ولغاية الحصول على الثروة بيوت الدعارة والمقامرة ، وتفتح حانات الخمور ، ويتجر بالمخدرات المهلكة ، وبعد هذا أي وجود يبقي للخلق والمثل والانسانية ؟ إذن تكون النتيجة أن الرأسمالية لا تحل المشكلة الإنسانية ، و إنما هي جزء من المشكلة ، وأساس مهم لنشوئها .

الصيغة الوجودية

من الصيغ المطروحة على الساحة لحل المشكلة : الصيغة الوجودية ، وهي نظرية الفيلسوف الفرنسي ( سارتر ) ، وهي تقوم على فلسفة تقول بأن على الإنسان أن يثبت وجوده في الحياة ، فالطريق لاثبات وجوده في الحياة ، الاعراف القائمة ، والتمرد على كل النظام السائدة ، وإلا فأي عرف خضع له أصبح لا وجود ولا استقلال له في ظله ( خالف تعرف ) ، فلا بد من الخروج على كل النظم الدينية والاخلاقية والسياسية والاجتماعية في السلوك والعادات
تعاليم اسلامية 32

واللباس . إذن فالوجودية رد فعل متطرف لا يهمه إلا الثورة العمياء على كل ما هو موجود من عرف ، والانقضاض الأعمى على كل المفاهيم السائدة . ومن مظاهر الفلسفة الوجودية : الخنفسة والهيبز وارسال الشعور وتضييق الملابس ، وان كان 99% من المتخنفسين يأخذون ذلك تقليداً ولا يعلمون من أي فلسفة يأتي وعلى أي نظرية يعتمد . وإذا كانت الفلسفة الوجودية هي هذه فهل من الممكن أن تحل المشكلة أم تعمقها وتزيدها تعقيدا ً؟

الصيغة الشيوعية

ومن الصيغ المقدمة لحل المشكلة الصيغة الشيوعية ، فلننظر ما هي الشيوعية وهل تمتلك القدرة على تخليص الإنسانية من المأساة ؟
الصيغة الشيوعية التي رفع شعارها ( ماركس ) وتبنتها روسيا والدول الاشتراكية تقوم على :
التنكر للاديبان السماوية كلها ، والخروج على الضوابط الخلقية ، واعتقاد أن ما يسمى ( دين ) خرافة ، وأنه من صنع الانسان .. لأنه يحمي ممتلكات الانسان ، ويدعو إلى صيانتها ، ويحرم اراقة الدماء ، ويحرم نشر الخوف في البلاد ، وهذه أمور تتنافى مع المبادئ الشيوعية التي تبيح جميع تلك الاشياء . ويؤيد هذا قول ( ستالين ) كما في كتاب ( النظام الشيوعي ) ص 53 ـ : ( نحن ملحدون ... ونحن نؤمن بأن فكرة الله خرافة ، ونحن نؤمن بأن الايمان بالدين يعرقل تقدمنا ... الخ ) .
يبتنى النظام الشيوعي على فلسفة مادية خاصة ، تفسر لنا التاريخ والاجتماع والاقتصاد تفسيراً مادياً بحتاً ، وتنظر إلى الإنسان بإنه كائن أرضي بحت ، لا يرتفع بمشاعره وعواطفه عن واقع المادة ، وأنه لا بد من تجرده من غريزة حب الذات ، وسكب العقلية الجماعية في نفسة بحيث لا يفكر إلا في المصلحة الاجتماعية ، وعلى هذا الأساس بنى النظام الشيوعي على الغاء

تعاليم اسلامية 33

الملكية الفردية ، وحكم بتمليك جميع وسائل الانتاج للدولة باعتبارها الوكيل الشرعي عن الشعب ، ولا شك أن الأساس الذي بنى عليه هذا الفرع مستحيل التحقق ، فإن الغرائز الأصيلة في الإنسان يستحيل عليها التغيير والتبديل ، ومن أقواها حب الانسان لنفسه ، إذن فهو أساس يصطدم مع الواقع وكل نظام يصطدم مع الواقع الإنساني لا يصلح لاصلاح وتنظيم حياة الإنسان .
وقد حاول الشيوعيون ستر اصطدام نظريتهم مع الواقع الانساني بألوان من الدعايات ، إلا أنها محاولات يائسة ومفضوحة . تقول الدعاية الشيوعية : ان النظام الشيوعي يكفل للعامل حريته وكرامته وحقق للطبقة الكادحة سعادتها . إلا أنه خداع وتزوير ، فإن الدولة قد تدخلت في جميع الشؤون العمالية وانشاطات المهنية ، فصار العمال ملزمين باتباعها لا ارادة لهم ولا حرية ولا اختيار . ولينين نفسه يصرح كما في كتاب ( النظام الشيوعي ) بأن القوانين الشيوعية لم توضع لحماية حريات الشعب و إنما وضعت لحماية الدولة . وفي ظل النظام الشيوعي أجبر العمال على العمل ، حيث يرى الشيوعيون أن نجاح حركة الانشاء الاشتراكية لا يمكن ضمانها على الاسس الاختيارية بل لا بد من توزيع العمل في الحياة الصناعية على سبيل الارغام . ومن أجل حمل الناس على لون خاص من الحياة والتفكير ، ومن أجل إجبار الرجال والنساء على العمل في ذلك الجو الظالم من أجل ذلك وضعوا لمن يخالف اقسى العقوبات من اعدام وسجن وتنكيل . ثم ان النظام الشيوعي يشجع على كل عمل وكل سلوك من شأنه القضاء على العنصر الاخلاقي . فإذا كان هذا النظام يقوم على هذه الافكار التي تملأ النفوس نقمة ، وتقطع الروابط الاجتماعية ، وتتنكر للغرائز الإنسانية ، ولا تقيم وزناً لقيم ولا أخلاق ولا ضوابط انسانية ، فهل يمكن لمثل هذا النظام أن يحل المشلكة ، كلا ان هذا النظام نفسه جزء هام من مأساة البشرية . إذن فجميع الانظمة الارضية لا يمكن أن تحل المشكلة أو تحقق العدالة الاجتماعية لأنها أنظمة غير كاملة .

تعاليم اسلامية 34


الإسلام هو الصيغة الوحيدة لخلاص الإنسانية

وإذا فشلت جميع النظريات في اعطاء الحل الصحيح للمشكلة لم يبق أمامنا إلا الصيغة الاسلامية التي أثبتت التجربة جداولها وجديتها ونجاحها في حل المشكلة البشرية . وما هو الاسلام؟
الإسلام مبدأ الهي أوصى به خالق الكون إلى سيد أنبيائه محمد ( ص ) دستوره القرآن الكريم ، ويتصف الإسلام بصفتين رئيستين الأولى : الهداية إلى طريق الحق . الثانية : الانقاذ من الواقع السئ وليس الإسلام كما يقول خصومة مرحلة تطورية للفكر العربي والبيئة العربية فان الاوضاع الفكرية والسلوكية السائدة آنذاك كلها لا تساعدنا على انبثاق دين كالاسلام منها . وليس الإسلام تطوراً لمرحلة اقتصادية أو من صنع الطبقة الحاكمة لحماية مصالحها كما تدعي المارسكية ذلك ، فالاسلام قد قضى على أهم المصالح للطبقة الحاكمة أنذاك ، وحقق للناس عدالة اجتماعية شاملة لا حقد فيها ولا ضغينة ولا ظلم ولا استئثار ، ولا تسويد طبقة وتذويب طبقة ، والاسلام جاء ثورة على الجشع والاحتكار والربا واكتناز الأموال واستغلال الإنسان لاخيه الإنسان ، والاسلام نظام كامل شامل يؤمن للانسان المطالب الروحية والمادية . والاسلام لم يحارب الغرائز الإنسانية وإنما قام بتهذيبها . ليس فيه اطلاق حرية بدون قيد أو شرط لكسب المال وجمعه كما في النظام الرأسمالي ، وليس فيه قضاء على الملكية الفردية حيث لا يلتقي ذلك مع الفطرة والغريزة الإنسانية . . وانما في الاسلام حرية تامة للفرد في جميع مجالات العمل المشروع والدولة مسؤولة عن حماية هذه الحرية . إلا أنه يحيط هذه الاحرية بقيود ويؤطرها بأطر تعود لصالح الإنسان والمجتمع . فهو لم يسمح بسلوك الطريق الملتوية للحصول على الأرباح وجمع المال كالاحتكار والربا والتلاعب بالاسواق وغير ذلك مما يؤدي إلى فقر المجتمع وحصر الثروة عند فئة قليلة تتحكم في مصير الامة وتجر عليها الويلات . وبهذه النظم والتشريعات التقى الإسلام مع الفطرة الإنسانية والواقع

تعاليم اسلامية 35

الإنساني ، وبذلك كان النظام الواقعي .

الصياغة الاجتماعية

والاسلام يرى صياغة المجتمع طبق القوانين والمبادئ الدينية موقوفة على صياغة الفرد لا كما تقول بعض الاراء ان تغيير الإنسان موقوف على تغيير المؤسسات الاجتماعية . ذلك لأن الإسلام لاحظ أن الفرد هو نواة المجتمع وخليته ، فكما يتألف الجسد من مجموعة خلايا حية كلها تشترك في تكوينه فكذلك المجتمع ، وإذا تغير الفرد تغيرت المؤسسات الاجتماعية لانها منبثقة من الفرد وبالتالي استقامة الانسان تؤدي إلى استقامة الحياة ، وانضباطه يحقق الضبط الاجتماعي . النتيجة أيها الاخوة أن الصيغة القادرة على حل المشكلة الإنسانية والتي ينحصر فيها الحل هي الصيغة الإسلامية « ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين» .

تعاليم اسلامية 36



تعاليم اسلامية 37



المسلم الصحيح

المسلم الصحيح هو الذي يؤمن بالله سبحانه وبأنبيائه ، وملائكته ، وما انزله على أنبيائه من أوامر ونواهي ، وبأوصيائهم ، وباليوم الآخر « قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم واسماعيل وإسحق و يعقوب والأسباط و ما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون » (1) ، ويسير طبق المناهج التي رسمها له الإسلام ، ويحكم الإسلام في جميع مجالات حياته « فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما » (2) .
المسلم الصحيح هو الذي لا يهمل نفسه لتكيفها البيئة التي يعيش فيها و المحيط (3) الذي يندمج فيه ، أو الظروف التي تحيط به بما تشاء وكيفما تشاء ولا يستسلم للعاطفة لتكليفه حسب إرادتها ، بل يتكيف بالعقيدة الإسلامية في جميع تصرفاته ، وسائر أقواله وأفعاله ، ويسير على هدى العقيدة أينما كان وحيثما حل ، يعادي في الله ، ويوالي في الله ، ويصل لله ، ويقطع لله ، قال
(1) سورة آل عمران : آية 84.
(2) سورة النساء : آية 64.
(3) يطلق علماء الاجتماع المحيط على معنى أوسع من البيئة ، فإن مدلول المحيط عندهم هو معنى يعم البيئة والعصر .
تعاليم اسلامية 38

الإمام جعفر الصادق عليه السلام : ( من أحب لله و أعطى لله فهو ممن كمل إيمانه ) (1) .
المسلم الصحيح هو الذي يثبت وجوده ـ كمسلم ـ في هذه الحياة ، يكافح الظلم والجور ، ويتنكر وينكر لكل ما لا يقره دينه وكتابه ، مؤثراً عقيدته على كل شئ في الحياة ، « قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم واموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها احب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين » (2)، وقال النبي الأعظم محمد ( ص ) : ( لا يؤمن احدكم حتى اكون احب اليه من اهله وماله والناس اجمعين . وفي رواية اخرى : ومن نفسه) (3) . فالمسلم الكامل في اسلامه العميق في ايمانه هو الذي يتخذ من ماله ونفسه رصيداً للجهاد في سبيل الحق آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر . هذا هو الرسول الأعظم صلى الله عليه و آله فيما يروي الإمام الصادق ( ع ) يأتيه رجل من خثعم قائلاً : يا رسول الله اخبرني ما افضل الإسلام ؟ قال : الايمان بالله ، قال : ثم ماذا ؟ قال : صلة الرحم ، قال : ثم ماذا ؟ قال : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (4) . وقال أمير المؤمنين ( ع ) : ( إن من رآى عدواناً يعمل به ومنكراً يدعي إليه فأنكره بقلبه فقد سلم برئ ، ومن انكره بلسانه فقد اجر وهو افضل من صاحبه ومن انكره بالسيف لتكون كلمة الله هي العليا ، وكلمة الظالمين السفلى فذلك الذي أصاب سبيل الهدى وقام على الطريق ونور في قلبه اليقين ) (5) .
(1) الوسائل للحر العاملي ج 6 ص 431 ط إيران الحديثة .
(2) سورة التوبة : آية 24 .
(3) مجموعة ورام ص 22 ج 1 .
(4) مجموعة ورام ج 2 ص 123 ـ 124 .
(5) جامع السعادات ج 2 ص 234 .
تعاليم اسلامية 39


المسلم الصحيح هو الذي لا يخرجه غضبه عن الحق ولا يقوده رضاه إلى الباطل ، ولا يأخذ كثر من حقه إذا قدر ، يعترف بما يجب عليه ويؤديه طيب النفس ، متمسكاً بالدين ، مستقيماً على الحق في جميع ادواره واطواره ، غير متأثر بالظروف خدمته أم قست عليه سالمته أم حاربته « ان الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة الا تخافوا ولا تحزنوا » (1) ، ( ذكر أبو عمر سفيان بن عبيد الله قال قلت : يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا اسئل عنه احداً غيرك ، فقال : قل آمنت بالله ثم استقتم ) (2) .
المسلم الصيح هو الذي لا يغش احداً من الناس مسلماً كان أو غير مسلم ليكون داعية كبرى لدينه بحسن معاملته ، وصدق حديثه ، واداء امانته ، ووفاء وعده ، وطيب احدوثته ، وسائر افعاله وصفاته . قال النبي محمد ( ص ) :« ليس منا من غش » و قال ( ص ) : « المسلم من سلم الناس من يده ولسانه » .
المسلم الصحيح هو الذي يتألم لآلام الناس وشقائهم ، ويعمل من أجل الارتفاع بهم على الآلام والشقاء ، لا يترك المجتمع ومشاكله ومهامه ، بل يسعى مخلصاً في حل مشاكله وتحقيق مهامه وراحته وسعادته قال ( ص ) : ( كلكم راع وكلكم مسؤل عن رعيته . من اصبح لا يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم ) (3) .
المسلم الصحيح من امن الناس شره ورجوا خيره ان راى منهم سيئة سترها ، وإن راى حسنة نشرها يتعظ بما يعاب عليه الناس فيتجنبه ، ويتعظ به الناس فيتخذونه قدوة في اعماله ، لا يكون ظناناً ولا همازاً ولا مشاءاً في الغيبة
(1) سورة فصلت : آية 30 .
(2) الصراع بين الأمويين ومبادئ الإسلام ص 10 للدكتور نوري جعفر ، نقلاً عن الفتوحات الذهبية ص 196 للشيخ إبراهيم المالكي .
(3) جامع السعادات ج 2 ص 225 .
تعاليم اسلامية 40

والنميمة ، بل يكون مكتسباً للفضائل مجتنباً للرذائل ، كريم المحضر ، حسن المخبر ، هشاً بشاً ، يحب للمؤمنين ما يحب لنفسه ويكره لهم ما يكره لها ، رؤفاً بالمؤمنين ، غيوراً على اعراضهم (1) ، إلفاً مألوفاً . قال ( ص ) : « المؤمن إلف مألوف ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف » (2) .
إذن فليس المسلم هو كل من سمى نفسه او سماه الناس مسلماً ولا شئ وراء ذلك ، ولكن هو من سماه الاسلام مسلماً ، فقد عرف لنا الاسلام المسلم الحق بما تلوته عليك من النصوص الإسلامية الواضحة في معناها ودلالتها .
***
(1) الدروس الأخلاقية ص 14 للعلامة الشيخ جعفر نقدي .
(2) الفصول المهمة ص 6 الإمام شرف الدين .