قرة العيون في المعارف والحكم412

بيعت نكرده اند بلكه اساطين واجله أصحاب در آن اجماع زور وحلقه بيعت ذات الغرور حاضر نبوده .
كصاحب الحق وأهله وأولاده (ع) ، وكعمه العباس وأبنائه واسامة ابن زيد والزبير ومشاهير أصحابه الكبار كسلمان وأبي ذر ومقداد وعمار وحذيفة ابن اليمان وأبي بريدة الأسلمي وابيّ بن كعب وخزيمة بن ثابت ذي الشهادتين وأبي الهشيم بن التيهان وسهل بن حنيف واخيه عثمان وأبي أيوب الانصاري وجابر بن عبد الله الانصاري وخالد بن سعيد وسعد بن عبادة وقيس بن سعد إلى غير ذلك .
وقد ذكر قتيبة في كتابة ثمانية عشر رجلا منهم قال : وكانوا رافضة واز بعضى بوعيد وتهديد بيعت كرفتند ولو بعد حين ، وبعضى بر اصرار بر انكار باقى مانده اند إلى يوم الدين ، چنانكه در كتب ايشان مسطور است ونيز نزاع ميان ايشان بكشيدن شمشير وغوغاى منّا أمير ومنكم أمير انجاميد واكر بر حق ميبودند واهل اتفاق وخالص از حب رياست ونفاق تخاصم باين حد نميرسيد .
وبثبوت پيوسته عقلا ونقلا كه در تبليغ ما انزل اليه في نصب الوصي تقصيري نشده بود وأنهم قد سمعوا منه النصوص على الخصوص مرة بعد اولى وكرة بعد اخرى فلبسوا الامر على الجاهل وتسلطوا على العالم ودر اين چه شبهه است كه آنحضرت كمال شفقت ورافت بامت مرحومه خود داشتند با آنكه تعليم هيج أدبي را فرو نكذاشتند حتى آداب الخلا والخلوة مع النساء چه جاى امور عظيمه ومهمات جسيمة .
از حضرت امام جعفر الصادق (ع) نقل كرده(ما من شيء يحتاج إليه أحد من بني آدم إلا وقد جرت فيه من الله ومن رسوله سنة عرفها من عرفها وأنكرها من أنكرها)(1) .
كدام عقل باور ميكند كه منصب خلافت كه بناى ثبات اركان دين وقاعده استوارى واستمرار مراسم ايمان بر آنست مهمل ومعطل كذاشته بتعيين امت حواله نموده باشند با اين اختلاف آراء كه جبلي نوع إنسانست ، حاشا ثم حاشا .
با آنكه علماى معتبره أهل سنت ورواة ثقات آن جماعت حديث نص غدير خم را در نصب كردن أمير المؤمنين (ع) وبيعت كرفتن از ساسير صحابة بجهت آنحضرت وبخبخه ثانى(2) او را

(1) الكافي : ج 3 ص 69 ح3 .
(2) حيث قال : بخ بخ لك يا ابن أبي طالب اصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة .
قرة العيون في المعارف والحكم413

بتفصيلي كه هر كس شنيده نقل كرده اند واين نقل از آن قوم عميا دليليست هويدا بر مقتضاى عقل بينا .
وأيضا قد روى ابن المغازلي الشافعي في مناقبه عن أبي ذر الغفاري قال : (قال رسول الله (ص) : من ناصب عليا في الخلافة بعدي فهو كافر ، ومن شك في علي فهو كافر)(3) .
ونيز آن حضرت مكرّر ميفرموده اند على ما روته العامة والخاصة : (إني تارك فيكم ما ان تمسّكتم لن تضلوا بعدي كتاب الله وعترتي أهل بيتي)(1) ، وفي لفظ آخر (إني تارك فيكم الثقلين إن تمسكتم بهما لن تضلو)(2) الحديث . وقال (ص) : (مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح من ركبها نجى ومن تخلّف عنها غرق)(3) . حافظ

حافظ از دست مده صحبت آن كشتى نوح

ورنـه اين سيـل حـوادث ببرد بنيادت


وأيضا قد ثبت عندنا وعندهم أحقّيته بهذا الأمر ؛ لما تواتر عندنا ورووه في كتبهم من شدّة اجهاده وعظم بلائه في وقايع الرسول (ص) وعدم بلوغ أحد درجته في غزواته وشجاعته وقوة حدسه وذكائه وشدة ملازمته للرسول وتربيته إياه مذ حين الصبا إلى أن خلفه بعده ، ورجوع الصحابة في أكثر الوقايع إليه ، واستناد الفضلاء في جميع العلوم إليه .
وكونه (ع) أسخاهم كفّا ، وأكملهم زهدا ، وأجهدهم عبادة ، وأعظمهم حلما وأوفرهم علما ، وأحسنهم خلقا ، وأطلقهم وجها ، وأقدمهم ايمانا ، وأفصحهم لسانا ، وأصدقهم قولا ، وأقلهم كلاما ، وأصوبهم منطقا وأشجعهم قلبا ، وأشدهم يقينا ، وأحسنهم عملا ، وأكرمهم خصالا ؛ وأتمهم كمالا ، وأعظمهم عناء وارفعهم درجة ، وأشرفهم منزلة ، وأحكمهم حكمة وأسدّهم رأيا ،وأقضاهم قضاء ، وأشدهم حياء ، وأعلاهم همة ، وشهامة ، وأقواهم عزما ، وجزما ، وأرفعهم نسبا ، وارومة ، وأكثرهم حرصا على إقامة حدود الله وأحكامه ، وأحفظهم لكتاب الله ومواقع تنزيله ، وأعلمهم بتفسيره وتأويله .
ولما ثبت من اخباره بالغيب مرارا ، واستجابة دعائه كثيرا ، وظهور المعجزات عنه مرة بعد

(1) المناقب «للمغازلي» : ص 45 ح 68 .
(2) اكمال الدين : ص 236 ح 53 والصواعق المحرقة : ص 224 .
(3) الاحتجاج : ج 1 ص 147 .
(4) الاحتجاج : ج 1 ص 147 والعوالي : ج 4 ص 85 ح 99 وعيون اخبار الرضا : ص 26 ح 10 .
قرة العيون في المعارف والحكم414

اولى كرد الشمس ، واحياء النفس ، ومكالمة الثعبان والحيتان والسلطنة على الأكوان لوما ظهر من اختصاصه بالقرابة والاخوّة ، ولما صح من وجوب محبته ونصرته ومساواته الأنبياء ومواساته للرسول (ص) وخبر الطاير(1) والمنزلة(2) ، والغدير(3) وحديث الكساء في آيتي المباهلة والتطهير(4) واختصاصه بسورة هل أتى وكثير من الآيات التي لا تحصى .
ولو لم يكن سوى نزول : «اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي»(5) ، حين نصب للامامة يوم الغدير لكفى ، واعطائه الراية في يوم خيبر بعد انهزام أبي بكر وعمر وثنائه وإياه حينئذ بما انتشر مكنيا به عن عيوب الآخر(6) وقلعه بروحانيته الباب وابقاء بابه عند سد الأبواب ، ومبيته على الفراش ليلة الغار وارتقائه كتف النبي (ص) لالقائه الاصنام بما فيه من الاسرار ، وتشبيهه إياه بعيسى في بغض طائفة إياه واتخاذه اخرى الاله ، والمباهلة به وبزوجته وولديه وإظهار بركة فضل طهوره وتراب قدميه .
وأن نوره ونور النبي (ص) واحد ، وسلمهما واحد ، وحربهما واحد ، بل هما كنفس واحدة إلى ما لا يمكن احصاؤه ولو كان البحر مدادا والاشجار أقلاما والثقلان كاتبين والملائكة حاسبين كما ورد فيه عن سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه وعلى ساير الأنبياء والأوصياء اجمعين شعر :

كتاب فضل تو را آب بحر كافي نيست

كه تر كنى سر انگشت وصفحه بشمارى


(1) وهو كما في شرح التجريد أن النبي (ص) قال : اللهم ائتني بأحب خلقك اليك يأكل معي من هذا الطير فجاء علي (ع) فأكل معه . وفي رواية اللهم ادخل الي أحب اهل الارض اليك .
(2) وهو قوله (ص) : انت مني بمنزلة هارون من موسى الا انه لا نبي بعدي .
(3) وهو قوله (ص) : من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله وادر الحق معه كيفما دار .
(4) قال الشاعر :
‍‍‌‏‎هم العـروة الوثقـى لمعتصم بهـا مناقبهم جـاءت بوحـي وانـزال
مناقب في الشورى وسورة هل اتى وفي سورة الاحزاب يعرفها التالي
«أقول اشار بقوله وفي سورة الاحزاب الى آية التطهير قالت ام سلمة (رض) في بيتي نزلت . انما يريد الله ليذهب عنكم الآية . وفي البيت فاطمة وعلي والحسن والحسين (ع) فجللهم رسول الله (ص) بكساء كان عليه ثم قال : هؤلاء اهل بيتي فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا .
(5) سورة المائدة : الآية 3 .
(6) حيث قال (ص) بعد انهزام الاول والثاني : لاسلمن الراية غدا الى رجل يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله كرار غير فرار ودفع إليه الراية فقتل مرحبا واقتلع الباب وجعله جسرا على الخندق فعبروا وظفروا فليتامل .
قرة العيون في المعارف والحكم415

ولعمري لو لم يقع عليه نص بالخلافة لكانت صفاته الظاهرة ، ومناقبه الباهرة نصوصا صريحة وبراهين قاطعة ، فكيف وقد وقع ، قال الخليل بن أحمد : احتياج الكل إليه واستغنائه عن الكل دليل على أنه إمام الكل ، وسئل عن مدحه فقال : ما أقول في مدح امرء كتمت أحبّاؤه فضائله خوفا ، وأعداؤه حسدا ثم ظهر ما بين الكتمين ما ملأ الخافقين .
حافظ
بحسن خلق و وفا كس بيار ما نرسد‍‍‌‏‎ تو را در اين سخن انگار كار ما نرسد
‍‍‌‏‎هـزار نقـد ببـازار اينـات آرنـد يكى بسكـه صاحب عيـار ما نرسـد
هزار نقش برآيد ز كلك صنـع يكى بدل پذيـرى نقـش نگار مـا نرسـد

وقد أخبر رسول الله (ص) عن ارتداد الصحابة بما رووه عنه في صحاحهم أنه (ع) قال : (ليردن اناس من أصحابي على الحوض حتى إذا عرفتهم اختلجوا دوني فأقول أصحابي أصحابي ، وفي رواية اصيحابي اصيحابي(1) فيقال : انك لا تدري ما أحدثوا بعدك)(2) : وزاد في اخرى (وارتدوا على أدبارهم القهقرى)(3) .
وقد نبه الله سبحانه على ذلك بقوله عز وجل : «تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض ـ إلى قوله تعالى : ـ ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعدما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد»(4) .
وكان هذا من ابتلاء الله تعالى أولياءه المخلصين وخواص عباده المؤمنين لينظر كيف يعملون ، وعلى البلاء كيف يصبرون ، وفي الحديث النبوي (ص) (إن البلاء موكل بالانبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل)(5) حافظ .

من از چشم تو اى ساقي خراب افتاده ام ليكن

بلائى كـز حبيب آيـد هزارش مرحبـا گفتم


كلمة
فيها اشارة الى ارتداد أكثر هذه الأمة بعد نبيها والسبب في ذلك

لما اختار الله عز وجل للوصاية والخلافة والامارة من اختار وأخذت له البيعة في يوم الغدير ممن شهد من الأقطار ، غلب على أراذل العرب حب الرياسة والهواء واشتعل في قلوبهم

(1) صحيح البخاري : ج 8 ص 149 .
(2) صحيح البخاري : ج 8 ص 149 .
(3) صحيح البخاري : ج 8 ص 150 .
4) سورة البقرة : الآية 253 .
(5) احياء علوم الدين : ج 4 ص 28 .
قرة العيون في المعارف والحكم416

نائرة الحسد والبغضاء ، فعادوا إلى الخلاف الأول فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون ، فصاروا أصنافا .
صنفا من أهل التدليس والتلبيس من جنود ابليس ، وهم الذين شيدوا أركان هذه الضلالة .
وصنفا من أهل العمى والتقليد قد شبّه لهم الأمر فدخلوا فيه على غير بصيرة تعصبا لمن تولى وكفر ، وتقليدا لشياطين البشر ، ممن كان في الجاهلية لا يفرق بين الله وبين الخشب والحجر ، فكيف بين عليّ وأبي بكر وعمر ، وكان معهم تلك العقول السقيمة ، فلا غرو عن أن يعدلوا عن الطريقة القويمة .
وصنفا اتبعوهم خوفا وتقية فارتد أكثر الناس بسبب ارتداد الصحابة عن الدين ، وخرجوا عن زمرة المسلمين كسنة الله في ساير امم النبيين .
وذلك لانه لما استتم الأمر لأبي بكر صعد المنبر وقام خطيبا فقام إليه جماعة من المهاجرين والأنصار ، فأنكروا عليه أشد الانكار ، وذكروه حديث يوم الغدير (فقال : ايها الناس أقيلوني أقيلوني فلست بخيركم وعليّ فيكم ، فقام إليه عمر وقال : والله ما أقلناك ولا يلي هذا الأمر أحد غيرك)(1) .
فكان من جملة من أنكر عليه مالك بن نويرة حين دخل المدينة ورآه على المنبر فتعجّب من نبذهم حديث يوم الغدير مع تلك التأكيدات ، فخافوا أن يصيبهم من قبله فتق إذا كانت له قبيلة وكان من شجعان العرب يعد بمأة فارس ، فلما رحل إلى أهله بعث إليه خالد بن الوليد في جيش ليأخذ منه زكاة ماله ، فأخذ من خالد العهود والمواثيق على أن لا يتعرّض له بمكروه فيعطيه الزكاة ، فلما جنّ عليه الليل ونام مالك وأصحابه بيّت عليهم خالد وأصحابه ، فقتلوهم غدرا ودخل بامرأته في ليلته ، وطبخ رأسه في وليمة عرسه ، وسبى حريمه وسماهم اهل الردة افتراء وكذبا .
فلما رأى الناس أمثال ذلك منهم دخلوا تحت سلطنتهم الجايرة الجابرة كما كان الناس يدخلون تحت سلطان الملوك الجبابرة ، وما بقي إلا شرذمة قليلون وكانوا خائفين متقين .
عن الباقر (ع) (أنه قال : ارتد الناس إلا ثلاثة نفر سلمان وأبو ذر والمقداد قال الراوي :

(1) نهج الحق وكشف الصدق : ص 264 (ذكر صدر الحديث) وشرح نهج البلاغة : ج 1 ص 169 .
قرة العيون في المعارف والحكم417

فقلت : فعمّار ، قال : كان جاض جيضة(1) ثم رجع)(2) ، وفي رواية اخرى (ثم أناب الناس بعد كان أول من أناب أبو ساسان الأنصاري وعمّار وأبو عمرة وشتيرة ، وكان سبعة فلم يعرف حق أمير المؤمنين (ع) إلا هؤلاء السبعة)(3) .
وبإسناده عن أمير المؤمنين (ع) قال : (ضاقت الأرض بسبعة بهم ترزقون وبهم تنصرون وبهم تمطرون ، منهم سلمان الفارسي والمقداد وأبو ذر وعمار وحذيفة رحمهم الله قال : وأنا إمامهم)(4) .
ثم أخذوا في تغيير احكام الشرع واحداث البدع فيها ، فمنها ما غيّروه لجهلهم بها ، ومنها ما بدّلوه ليوافق أغراضهم ومنها ما أحدثوه لحبّهم البدع ، وقد أشار أمير المؤمنين (ع) إلى بعض منكراتهم في دعاء صنمي قريش ، وكان أبو بكر يقول : (إن لي شيطانا يعتريني فان استقمت فأعينوني وإن عصيت فجنبوني)(5) ، وكان عمر يقول (كان بيعة أبي بكر فلتة وقى الله شرها ومن عاد إلى مثلها فاقتلوه)(6) .
جعل الخلافة بعده شورى بين ستة شهد لهم بأنهم من أهل الجنة وأن النبي (ص) مات وهو عنهم راض ثم أمر بضرب أعناقهم جميعا إن لم يبايعوا واحدا منهم ، ثم بعد ذلك بدا بين أنفسهم العداوة والبغضاء على حطام الدنيا حتى آل الأمر إلى أن استحل بعضهم دماء بعض وقتل بعضهم على أيدي بعض كما كان أخبر به النبي (ص) (لا ألفينكم ترجعون بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض)(7) ، وكان ممن اتفقوا على اباحة دمه خليفتهم عثمان ، وكانوا له بين قاتل وخاذل ، وكانت من المولين على قتله عايشة ، ثم إنها خرجت على أمير المؤمنين (ع) مع طايفة ممن شرك في دم عثمان يطلبونه بدمه .
وقد رووا أن رسول الله (ص) نص على عشرة من الصحابة بأنهم من أهل الجنة وذكرهم بأسمائهم وعدوا منهم العمرين والطلحتين وعثمان وعليا مع اعترافهم وعلمهم بأن عليا هو

(1) جاض جيضة اي مال وعدل ، وأصل الجيض الميل عن الشيء قال في النهاية : ويروى بالحاء والضاد المهملتين يعني جال جولة يطلب الفرار . م .
(2) رجال الكشي : ص 11 ح 24 او الحديث .
(3) رجال الكشي : ص 11 ح 24 ذيل الحديث .
(4) رجال الكشي : ص 6 ح 13 .
(5) تاريخ الخلفاء (للسيوطي) ص 71 والصواعق المحرقة ص 21 .
(6) الاحتجاج : ج 2 ص 153 و235 والصواعق المحرقة : ص 18 .
(7) سنن ابن ماجة : ج 2 ص 1300 ح 3943 .
قرة العيون في المعارف والحكم418

المقاتل للطلحتين في وقعة جمل فقتلا باغيين عليه ، وهم الذين رووا عن النبي (ص) أنه قال : (إذا التقا المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار ، قيل ما بال المقتول قال لأنه أراد قتل صاحبه)(1) .
ثم بعدما تقرر الأمر تشبّثوا في فضائل أئمتهم بما لا يدل اكثره على فضيلة مع روايتهم فيهم كل رذيلة ، وبما يلوح من فحاويه مخايل الاختلاق ، ويفوح من مطاويه رايحة الوضع والنفاق ، ثم بعد التتبع يظهر أن ما هو من أمثاله إنما وضع في زمن بني امية طمعا في الانتفاع بجاه أحدهم وماله .
قال أمير المؤمنين (ع) في حديث له : (وقد كذب على رسول الله (ص) في عهده حتى قام خطيبا فقال : أيها الناس قد كثرت عليّ الكذابة فمن كذب عليّ متعمدا فليتبوّء(2) مقعده من النار)(3) ثم كذب عليه بعده ، ثم قال بعد كلام (ثم بقوا بعده فتقربوا إلى أئمة الضلال والدعاة إلى النار بالزور والكذب والبهتان ، فولوهم الأعمال فحملوهم على رقاب الناس وأكلوا بهم الدنيا وإنما الناس مع الملوك والدنيا إلا من عصم الله)(4) .
وقد روت طائفة من العامة أن معاوية كان يبذل الأموال لمن كان موثوقا به عند الصحابة ليضع حديثا في فضل الخلفاء الثلاثة أو في منقصة أمير المؤمنين (ع) ثم يرويه عن النبي (ص) على المنبر بمشهد من الناس أو يروي ما ورد في فضل علي (ع) في فضلهم .
وقد روى ابن ابي الحديد الحنفي المعتزلي في شرحه لنهج البلاغة عن أبي جعفر الاسكافي (أن معاوية بذل لسمرة بن جندب مأة ألف درهم حتى يروي أن هذه الآية نزلت في علي «ومن الناس من يعجبك قوله في الحيوة الدنيا»(5) وأن الآية الثانية نزلت في ابن ملجم «ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله»(6) فلم يقبل ، فبذل له مأتي ألف فلم يقبل ، فبذل له ثلاثماة ألف فلم يقبل ، فبذل له أربعمأة ألف فقبل)(7) .
عن سليم بن قيس (أن منادي معاوية نادى ان برأت الذمة ممن روى حديثا من مناقب

(1) سنن ابن ماجة : ج 2 ص 1311 ح 3964 واحياء علوم الدين : ج 4 ص 333 .
(2) بويت له مكانا : سويته فتبوأ ؛ وباء فلان يبوء به أي ساواه ، قال : واوحينا إلى موسى وأخيه ان تبوآ لقومكما بمصر بيوتا الخ . المفردات .
(3) نهج البلاغة : ص 325 خطبة 110 .
(4) نهج البلاغة : ص 326 ذيل خطبة 110 .
(5) سورة البقرة : الآية 204 .
(6) سورة البقرة : الآية 207 .
(7) شرح نهج البلاغة : ج 1 ص 361 .
قرة العيون في المعارف والحكم419

علي وفضل أهل بيته ، وكان أشد الناس بلية أهل الكوفة لكثرة من بها من الشيعة ، فاستعمل زياد بن أبيه وضم إليه العراقين الكوفة والبصرة فجعل يتتبع الشيعة وهو بهم عارف ، يقتلهم تحت كل حجر ومدر وأخافهم وقطع الأيدي والأرجل ، وصلبهم في جذوع النخلة وسمل(1) اعينهم وطردهم حتى نفوا عن العراق فلم يبق بها أحد معروف مشهور)(2) .
ثم أخذ الناس في الروايات في فضل عثمان ومعاوية زورا على المنبر في كل كورة(3) ومسجد بأمره ، والقوا ذلك على معلّمي الكتاتيب فعلموا ذلك صبيانهم كما يعلمونهم القرآن ونشأ عليه الصبيان ، فاجتمعت على ذلك جماعتهم ، وصارت في أيدي المتنسكين والمتدينين منهم الذين لا يستحلون الأفتعال لمثلها ، فقبلوها وهم يرون أنها حق ، ولو علموا بطلانها وتيقّنوا أنها مفتعلة لأعرضوا عن روايتها ولم يدينوا بها ولم يبغضوا من خالفها ، فصار الحق في ذلك الزمان عندهم باطلا والباطل حقا ، والكذب صدقا والصدق كذبا ، ولعمري أن أكثر الامة ما اتبعوا رسولهم ، ولا من الصحابة خيارهم ، ولا استعملوا عقولهم ولا أفكارهم ، ولكن الله أصم آذان مقلّدة الجمهور وأعمى أبصارهم ، ثم تركهم حيارى في ظلمات ، هلك فيها من هلك ونجى من نجى .
إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ، ولقد جاءهم من ربهم الهدى ، «الله وليّ الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات اولئك أصحاب النار هم فيها خالدون»(4) .
روي أنه وجد بخط مولينا أبي محمد الحسن العسكري (ع) ما صورته (أعوذ بالله من قوم خذفوا محكمات الكتاب ، ونسوا الله رب الأرباب ، والنبي وساقي الكوثر في موقف الحساب ولظى والطامة الكبرى ونعيم دار الثواب ، فنحن السنام(5) الاعظم ، وفينا النبوة والولاية والكرم ، ونحن منار الهدى والعروة الوثقى والانبياء كانوا يقتبسون من انوارنا ويقتفون آثارنا ،
(1) في الحديث قضى علي (ع) فيمن رأى المقتول أن تسمل عيناه أي تفقأ يقال : سملت عينه تسمل سملا من باب قتل إذا فقأتها بحديدة محماة . م .
(2) الاحتجاج : ج 2 ص 17 .
(3) الكورة البقعة التي تجتمع فيها المساكن والقرى جمع كور . المنجد .
(4) سورة البقرة : الآية 257 .
(5) السنام حدبة في ظهر البعير يقال : فلان سنام قومه اي كبيرهم قاله في المنجد وقال في القاموس : السنام كسحاب من الأرض وسطها وجبل بين البصرة واليمامة الخ وقال في مجمع البحرين بعد كلام : ومنه ان اعش اكن معكم في السنام الا على ، أي في الدرجة الرفيعة العالية .
قرة العيون في المعارف والحكم420

وسيظهر حجة الله على الخلق والسيف المسلول لاظهار الحق ، وهذا خط الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي أمير المؤمنين (ع)(1) (2) .
حافظ
مژده ايدل كـه مسيحـا نفسي ميآيـد

كه زانفاس خوشش بوى كسي ميآيد

از غم وهجر مكن ناله وفرياد كه من

زده ام فـالي وفريـاد رسـي ميآيد


كلمة
فيها اشارة الى علة ضلال جمهور الامة عن نور الأئمة


لما جرى في الصحابة ما جرى ، وخدع بهم عامة الورى وغلب على الأمر الأولون واستبهم الحق على الآخرين ، أعرض الناس عن الثقلين وتاهوا في بيداء ضلالتهم عن النجدين إلا شرمذة من المؤمنين ، فمكثوا بذلك سنين ، وعمهوا في غمرتهم حتى حين .
ثم تسافل الأمر الى أن تقمّصها علوج نبي امية . الشرابون للخمور المعلنون بالفجور والمستعلنون بلبس الحرير ولعب الطنابير ، قاتلوا ذرية المصطفى المتدينون بسبب «بسب ظ» المرتضى .
ثم تلقّفها بنو العباس السالكون مسالك اولئك الأرجاس أخذوها بسيف الخراساني كما ملك من قبلهم بصولة فظاظة الثاني ، وكان العلم في هذه المدة المتطاولة مكتوما وأهله مظلوما ، لا سبيل لهم إلى إبرازه إلا بتعميته والغازه(3) .
ثم خلف من بعدهم خلف غير عارفين الولاية ولا ناصبين العداوة ولم يدروا ما صنعوا وعمن أخذوا ، فعمدوا إلى طايفة ممارين من أهل الهواء ، وقوم مرائين من الجهلاء ، زعموا أنهم من العلماء فكانوا يفتونهم بالآراء ، وذلك لأن جملة ما كان عندهم من حديث رسول الله (ص) في الحلال والحرام والفرايض والأحكام ليست الا أربعة آلاف على ما قالوه ، ولم يكفهم ذلك فاذا نزلت حادثة ولم يكن فيها رواية خاضوا في استنباط الحكم فيها بالرأي من اصول

(1) هذه الرواية أوردها العلامة المجلسي رفع الله درجته في الجزء السابع من البحار في باب جوامع مناقبهم وفضائلهم عليهم السلام عن كتاب المحتضر للحسن بن سليمان بتبديل «الموقف» بالمواقف و «والسيف» ورواها المصنف «قد» أيضا في علم اليقين .
(2) المحجة : ج 1 ص 199 عن تفسير الامام العسكري (ع) .
(3) الغز في كلامه اذا عمي مراده ، والاسم اللغز كرطب ، والجمع ألغاز كارطاب . م .

السابق السابق الفهرس التالي التالي