الحقايق في محاسن الأخلاق310

إلا بلاء وفتنة وما نجا من نجا إلا بصدق الالتجاء وقال نوح (ع) : وجدت الدنيا كبيت له بابان دخلت من أحدهما وخرجت من الآخر .
هذا حال صفي الله فكيف حال من اطمأنّ فيها وركن اليها وأضاع عمره في عمارتها وفرق دينه في طلبها والفكرة مرآة الحسنات وكفارة السيئات وضياء للقلوب وفسحة(1) للخلق وإصابة في صلاح المعاد واطلاع على العواقب واستزادة في العلم ، وهي خصلة لا يعبد الله بمثلها ، قال رسول الله (ص) : فكرة ساعة خير من عبادة سنة ولا ينال منزلة التفكر إلا من خصّة الله بنور التوحيد والمعرفة»(2) .
الفصل الثاني
معرفة الله بالقلب

قال الصادق (ع) : «ابن آدم لو اكل قلبك طاير لم يشبعه ، وبصرك لو وضع عليه خرق ابرة لغطاه ، تريد أن تعرف بهما ملكوت السماوات والأرض ، إن كنت صادقا فهذه الشمس خلق من خلق الله فان قدرت أن تمـلأ عينك منهـا فهـو كما تقـول»(3) .
أراد (ع) بالقلب : اللحم الصنوبري المعروف ، ولهذا جعله مأكولا وظاهر أنه لا يصح أن يعرف به ملكوت السماوات والأرض كما لا يصح أن يعرف بالبصر لأنهما من عالم الملك فكيف يعرف بهما الملكوت ، فالخطاب خاص بمن لا يتجاوز درجة الحس والمحسوس من أفراد بني آدم المشار اليهم بقوله تعالى : « لهم قلوب لا يفقهون بها » ، فأما من جاوزها منهم وبلغ إلى درجة العقل والمعقول وهم أصحاب القلوب الملكوتية المشار إليهم بقوله تعالى : «إن في ذلك لذكرى لمـن كـان لـه قلـب»(4) ، فلهم أن يعرفوا بقلوبهم ملكوت السماوات والأرض ، لأن قلوبهم من الملكوت ، ولهذا حث الله تعالى على النظر في الملكوت في غير موضع من كتابه .
قال تعالى : «أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون»(5) وقال تعالى : «وكذلك نري إبراهيم ملكوت المساوات والأرض وليكون من الموقنين»(6) إلى غير ذلك من الآيات بلى إن

(1) الفسحة بالضم : السعة وفي الحديث : لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما . ومعناه : لا يزال المؤمن في سعة من دينه يرجى له الرحمة ولو باشر الكباير سوى القتل فاذا قتل آيس من رحمته ، وهو تغليظ شديد ، وقيل معناه أنه : لا يزال موفقا للخيرات ما لم يصبه فإذا أصابه انقطع عنه التوفيق بشومة . م .
(2) مصباح الشريعة 113 .
(3) التوحيد : ص 455 .
(4) سورة ق : الآية 37 .
(5) سورة الاعراف : آية 185 .
(6) سورة الانعام : آية 75 .
الحقايق في محاسن الأخلاق311

ذاته تعالى لا يجوز أن يكتنه بالقلب كما لا يجوز أن يدرك بالبصر بل إنما يجوز أن يطلع بالقلب على شيء من عظمته فحسب .

الباب الرابع
في ذكر الموت وقصر الأمل

قال الله تعالى : «كل نفس ذائقة الموت وانّما توفون اجوركم يوم القيامة فمن زحزح(1) عن النار وادخل الجنة فقد فاز وما الحيوة الدنيا إلا متاع الغرور»(2) .
وقال النبي (ص) : «اكثروا ذكر هادم اللذات ، قيل : وما هو يا رسول الله ؟ قال : الموت فما ذكره عبد على الحقيقة في سعة إلا ضاقت عليه الدنيا ، وفي شدة إلا اتّسعت عليه»(3) وقال (ص) : «الموت كفارة لكل مسلم»(4) وقال (ص) : «تحفة المؤمن الموت»(5) وقال (ص) : «الموت الموت ألا ولا بد من الموت جاء الموت بما فيه جاء بالروح والراحة والكرة المباركة إلى جنة عالية لأهل دار الخلود الذين كان لها سعيهم وفيها رغبتهم»(6) وقال (ص) : «إذا استحقت ولاية الله والسعادة جاء الأجل بين العينين وذهب الامل وراء الظهر ، وإذا استحقت ولاية الشيطان والشقاوة جاء الامل بين العينين وذهب الأجل وراء الظهر ، وسئل أي المؤمنين أكيس ؟ فقال : أكثرهم ذكرا للموت وأشدهم له استعدادا(7)»(8) .
وقال أمير المؤمنين (ع) : «ما انزل الموت حق منزلته من عد غدا من أجله»(9) وقال (ع) : «ما أطال عبد الأمل إلا أساء العمل ، وكان يقول لو رأى العبد أجله وسرعته إليه لأبغض العمل من طلب الدنيا»(10) .
وقيل للباقر (ع) : «حدثني ما انتفع به قال : أكثر ذكر الموت فانه لم يكثر ذكره إنسان إلا

(1) أي نحى وبعد عنها يقال : زحه يزحه : دفعه وتزحزح عن محله : تنحى م .
(2) سورة آل عمران : آية185 .
(3) مصباح الشريعة : ص 171 وتنبيه الخواطر : ج 1 ص 268 .
(4) احياء علوم الدين : ج 4 ص 409 وتنبيه الخواطر : ج 1 ص 268 .
(5) احياء علوم الدين : ج 4 ص 409 والدعوات للراوندي ص 234 .
(6) الكافي : ج 3 ص 257 .
(7) قيل لامير المؤمنين (ع) : ما الاستعداد للموت ؟ قال : أداء الفرايض ، واجتناب المحارم ؛ والاشتمال على المكارم ثم لا يبالي أوقع على الموت أم وقع الموت عليه .
(8) الكافي : ج 3 ص 258 .
(9) الكافي : ج 3 ص 259 .
(10) الكافي: ج 3 ص 259 .
الحقايق في محاسن الأخلاق312

زهد في الدنيا»(1) .
وقال الصادق (ع) : «إذا أنت حملت جنازة فكن كأنك المحمول وكأنك سألت ربّك الرجوع إلى الدنيا ففعل فانظر ماذا تستأنف ، ثم قال : عجبا لقوم حبس أولهم عن آخرهم ثم نودي فيهم بالرحيل وهم يلعبون»(2) وقال (ع) : «ما خلق الله يقينا لا شك فيه أشبه بشك لا يقين فيه من الموت»(3) .
وفي مصباح الشريعة قال الصادق (ع) : «ذكر الموت يميت الشهوات في النفس ويقلع منابت الغفلة ويقوي القلب بمواعد الله ويرق الطبع ويكسر أعلام الهوى ويطفي نار الحرص ويحقر الدنيا ، وهو معنى ما قال النبي (ص) فكر ساعة خير من عبادة سنة وذلك عندما يحل اطناب خيام الدنيا ويشدها في الآخرة ولا تشكن نزول الرحمة على ذاكر الموت بهذه الصفة ومن لا يعتبر بالموت وقلة حيلته وكثرة عجزه وطول مقامه في القبر وتحيّره في القيامة فلا خير فيه قال النبي (ص) «أكثروا ذكر هادم اللذات» ثم ذكر تمام الحديث كما مر .
قال والموت أول منزل من منازل الآخرة واخر منزل من منازل الدنيا ، فطوبى لمن أكرم عند النزول بأولها وطوبى لمن أحسن مشايعته في آخرها ، والموت أقرب الاشياء من بني آدم وهو يعدّه أبعد فما أجرى الانسان على نفسه وما أضعفه من خلق ، وفي الموت نجاة المخلصين وهلاك المجرمين لذلك اشتاق من اشتاق وكره من كره ، قال النبي (ص) : «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه»(4) .

الفصل الأول
انواع الناس

اعلم أن الناس إمّا منهمك في الدنيا مكب على غرورها محب لشهواتها ، وإما تائب مبتدي أو عارف منته .
أما المنهمك فلا يذكر الموت وإن ذكره فيذكر ليتأسف على دنياه ويشتغل بمذمّته ويفر منه اولئك الذين قال الله تعالى فيهم : «قل إن الموت الذي تفرون منه فانه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون»(5) وهذا يزيده ذكر الموت من الله بعدا إلا ان

(1) الكافي : ج 3 ص 255 .
(2) الكافي : ج 3 ص 258 .
(3) فلاح السائل : ص 62 وتحف العقول ص 268 .
(4) مصباح الشريعة : ص 171 .
(5) سورة الجمعة : آية 8 .
الحقايق في محاسن الأخلاق313

يستفيد بذكر الموت التجافي عن الدنيا ويتنغص عليه نعيمه ويتكدر عليه صفو لذّته .
وأما التائب فانه يكثر ذكر الموت لينبعث به من قلبه الخوف والخشية فيفي بتمام التوبة(1) وربما يكره الموت خيفة من أن يختطفه قبل تمام التوبة وقبل إصلاح الزاد وهو معذور في كراهة الموت ، ولا يدخل هذا تحت قوله (ع) : «من كره لقاء الله كره الله لقاءه»(2) لأن هذا ليس يكره الموت ولقاء الله ، وإنما يخاف فوت لقائه لقصوره وتقصيره وهو كالذي يتأخر عن لقاء الحبيب مشتغلا بالاستعداد للقائه على وجه يرضاه فلا يعد كارها للقاء ، وعلامة هذا أن يكون دائم الاستعداد له لا شغل له سواه ، وإلا أُلحق بالمنهمك في الدنيا .
وأما العارف فانه يذكر الموت دائما لأنه موعد للقاء حبيبه ، والمحب لا ينسى قط موعد لقاء الحبيب وهذا في غالب الامر يستبطي مجيء الموت ويحب مجيئه ليتخلص من دار العاصين وينتقل إلى جوار رب العالمين ، وأعلى رتبة منهما من يفوض أمره إلى الله فصار لا يختار لنفسه موتا ولا حياتا بل يكون أحب الأشياء إليه أحبها إلى مولاه(3) فهذا قد انتهى بفرط الحب والولاء إلى درجة التسليم والرضاء .

الفصل الثاني
فوائد ذكر الموت

اعلم أن الموت هائل وخطره عظيم وغفلة الناس لقلة فكرهم فيه وذكرهم له ومن يذكره ليس يذكره بقلب فارغ بل بقلب مشغول بشهوات الدنيا فلا ينجع(4) ذكر الموت في قلبه فالطريق فيه أن يفرغ العبد قلبه عن كل شيء إلا عن ذكر الموت الذي بين يديه كالذي يريد أن يسافر إلى مفازة مخطرة أو يركب البحر فانه لا يتفكر إلا فيه فاذا باشر ذكر الموت قلبه فيوشك أن يؤثر فيه

(1) قيل لزين العابدين (ع) : ما خير ما يموت عليه العبد ؟ قال : أن يكون قد فرغ من أبنيته ودوره وقصوره قيل : وكيف ذلك ؟ قال : أن يكون من ذنوبه تائبا ، وعلى الخيرات مقيما يرد على الله حبيبا كريما .
(2) احياء علوم الدين : ج 4 ص 409 ومصباح الشريعة ص 172 .
(3) ولنعم ما قيل :
يكـى درد ويكـى درمـان بسنـدد‍‍‌‏‎ يكى وصل ويكى هجران بسندد
من از درمان ودرد ووصل وهجران بسنـدم آنجـه را جانـان بسندد
(4) نجع فيه الامر والخطاب والوعظ : اذا اثر فيه ونفع . ومنه حديث علي (ع) : فانجعوا لما يحق لكم من السمع والطاعة . م .
الحقايق في محاسن الأخلاق314

وعند ذلك يقل فرحه وسروره بالدنيا وينكسر قلبه(1) .
وأوقع طريق فيه أن يكثر ذكر أقرانه الذين مضوا قبله فيتذكر موتهم ومصرعهم تحت التراب ويتذكر صورهم في مناصبهم وأحوالهم ، وكيف تبددت أجزاؤهم في قبورهم وكيف ارملوا نساءهم وايتموا أولادهم وضيّعوا أموالهم وخلت منهم مساجدهم ومجالسهم ، وانقطعت آثارهم واوحشت ديارهم .
فمهما تذكر رجلا رجلا وفصل في قلبه حاله وكيفية حياته وتوهم صورته وتذكر نشاطه وتردّده وأمله في العيش والبقاء ونسيانه للموت وانخداعه لمواتاة(2) الاسباب وركونه إلى القوة والشباب وميله إلى الضحك واللهو وغفلته عمّا بين يديه من الموت الذريع(3) والهلاك السريع ، فانه كيف كان يتردّد والآن قد تهدّمت رجلاه ومفاصله ، وكيف كان ينطق وقد أكل الدود لسانه ، وكيف كان يضحك وقد أكل التراب أسنانه وأنه كيف كان يدبر لنفسه ما لا يحتاج إليه إلى عشر سنين في وقت لم يكن بينه وبين الموت إلا شهر وهو غافل عمّا يراد به حتى جاء الموت في وقت لا يحتسب فانكشفت له صورة ملك الموت وقرع سمعه النداء إما بالجنة أو بالنار .
فعند ذلك ينظر في نفسه أنه مثلهم وغفلته كغفلتهم والسعيد من وعظ بغيره فملازمة هذه الأفكار وأمثالها مع دخول المقابر ومشاهدة المرضى هو الذي يجدد ذكر الموت في القلب حتى يغلب عليه بحيث يصير الموت نصب عينيه .
فعند ذلك يوشك أن يستعد له ويتجافى عن دار الغرور وإلا فالذكر بظاهر القلب وعذبة اللسان قليل الجدوى في التحذير والتنبيه ، ومهما طاب قلبه بشيء من الدنيا فينبغي أن يتذكر في الحال أنه لا بد من مفارقته .

الفصل الثالث
فوائد قصر الأمل

وأما قصر الأمل فقد قال النبي (ص) : «إذا أصبحت فلا تحدث نفسك بالمساء ، وإذا امسيت فلا تحدث نفسك بالصباح ، وخذ من دنياك لآخرتك ومن حياتك لموتك ومن صحتك

(1) وروي أنه لما حضرت الحسن بن علي (ع) الوفاة بكى بكاءا شديدا وقال : اني اقدم على أمر عظيم وهول لم أقدم على مثله قط .
(2) المواتاة : حسن المطاوعة والموافقة أصله الهمزة وخفف وكثر حتى صار يقال بالواو الخالصة . م .
(3) موت ذريع أي فاش أو سريع . المنجد .
الحقايق في محاسن الأخلاق315

لسقمك فانك لا تدري ما اسمك غدا»(1) .
وقال (ص) : «إن اشد ما أخاف عليكم خصلتان اتباع الهوى وطول الأمل فأما اتباع الهوى فانه يعدل عن الحق وأمّا طول الأمل فانه يحبب الدنيا ثم قال : إن الله يعطي الدنيا من يحب ومن يبغض وإذا أحب الله عبدا أعطاه الايمان ، إلا ان للدين أبناء وللدنيا أبناء فكونوا من أبناء الدين ولا تكونوا من أبناء الدنيا ، ألا ان الدنيا قد ارتحلت مولية ألا إن الآخرة قد أتت مقبلة ، ألا وإنكم في يوم عمل ليس فيه حساب ، ألا وإنكم يوشك أن تكونوا في يوم حساب ليس فيه عمل»(2) .
وروي أنه (ص) : «قد اطلع ذات عشية إلى الناس فقال أيها الناس أما تستحيون من الله تعالى ؟قالوا : وما ذاك يا رسول الله ؟ فقال : تجمعون مالا تأكلون ، وتأملون مالا تدركون ، وتبنون ما لا تسكنون»(3) .
وروي أن اسامة بن زيد اشترى من زيد بن ثابت وليدة بمأة دينار إلى شهر فقال النبي (ص) : «ألا تعجبون من اسامة المشتري إلى شهر إن اسامة لطويل الأمل والذي نفسي بيده ما طرفت(4) عيناي إلا ظننت أن شفري(5) لا يلتقيان حتى يقبض الله روحي ، ولا رفعت طرفي فظننت أني واضعه حتى اقبض ، ولا لقمت لقمة إلا ظننت أني لا أسيغها حتى اغص بها من الموت ، ثم قال يا بني آدم إن كنتم تعقلون فعدّوا أنفسكم من الموتى ، والذي نفسي بيده «إن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين»(6)»(7) .

الفصل الرابع
اسباب طول الأمل

اعلم ان طول الامل له سببان : أحدهما الجهل ، والآخر حب الدنيا ، أما حب الدنيا فهو أنه إذا انس بها وبشهواتها ولذاتها وعلايقها ثقلت على قلبه مفارقتها ، فامتنع قلبه عن الفكر في الموت الذي هو سبب مفارقتها ، وكل من كره شيئا دفعه عن نفسه والانسان مشغوف بالاماني الباطلة فيمنّي نفسه أبدا ما يوافق مراده ، وإنما يوافق مراده البقاء في الدنيا فلا يزال يتوهّمه ويقرّره في نفسه ويقدر توابع البقاء وما يحتاج إليه من مال وأهل ودار وأصدقاء ودواب وساير أسباب الدنيا فيصير قلبه عاكفا(8) على هذا الفكر موقوفا عليه فيلهو عن ذكر الموت ، ولا يقدر قربه .

(1)و(2)و(3) تنبيه الخواطر : ج 1 ص 271 واحياء علوم الدين : ج 4 ص 412 .
(4) طرف بصره او طرف بعينه : اطبق احد جفنيه على الآخر ومنه الدعاء لا تكلني الى نفسي طرفة عين . م .
(5) الشفر والشفر جمع اشفار : اصل منبت شعر الجفن . المنجد .
(6) سورة الانعام : آية 134 .
(7) تنبيه الخواطر : ج 1 ص 271 واحياء علوم الدين : ج 4 ص 412 .
(8) عكف على الامر : لزمه مواظبا . المنجد .
الحقايق في محاسن الأخلاق316

فان خطر له في بعض الاحوال أمرالموت والحاجة إلى الاستعداد له سوّف ووعد نفسه وقال الايام بين يديك فالى أن تكبر ثم تتوب وإذا كبر فيقول إلى أن تصير شيخا ، وإذا صار شيخا قال : إلى أن تفرغ من بناء هذه الدار وعمارة هذه الضيعة أو ترجع من هذا السفر أو تفرغ من تدبير هذا الولد وجهازه وتدبير مسكن له ، أو تفرغ عن قهر هذا العدو الذي يشمت بك .
ولا يزال يسوّف ويؤخر ولا يخوض في شغل إلا ويتعلّق باتمامه ذلك الشغل عدة أشغال آخر وهكذا على التدريج يؤخر يوما بعد يوم ويفضى به شغل إلى شغل بل إلى أشغال إلى أن تختطفه المنية في وقت لا يحتسبها فيطول عند ذلك حسرته .
وأكثر أهل النار صياحهم من سوف يقولون ، واحزناه من سوف ، والمسوف المسكين لا يدري إن الذي يدعوه إلى التسويف اليوم هو معه غدا ، وإنما يزداد بطول المدة قوّة ورسوخا ، ويظن أنه يتصور أن يكون للخائض في الدنيا والحافظ لها فراغ قط وهيهات ما فرغ منها إلا من أطرحها .
فما قضى أحد منها لبانته(1) وما انتهى ارب إلا إلى ارب

وأصل هذه الاماني كلّها حب الدنيا والانس بها والغفلة عن قوله (ع) : «احبب ما احببت فانك مفارقه»(2) .
وامّا الجهل فهو ان الانسان قد يعوّل على شبابه فيستبعد قرب الموت مع الشباب وليس يتفكر المسكين في ان مشايخ بلده لو عدّوا لكانوا اقل من عشر اهل البلد وإنما قلوا لأن الموت في الشبان أكثر ، وإلى أن يموت شيخ يموت ألف صبي وشاب .
وقد يستبعد الموت لصحّته ويستبعد الموت فجأة(3) ولا يدري أن ذلـك غيـر بعيـد(4) وإن

(1) اللبانة : الحاجة من غير فاقة بل من همة والهمة ما هم به من امر ليفعل تقول : قضيت لبانتي جمع لبان ولبانات . المنجد .
(2) احياء علوم الدين : ج 4 ص 416 .
(3) ولا يخفى أن هذا الاستبعاد لعله كان في زمان المصنف (قد) وما قبله واما في زماننا هذا فصار موت الفجأة كثيرا شايعا وامرا عاديا بحيث لا يستبعده كل احد والعجب مع ذلك ترى الناس لاهون ساهون كأن الموت في الدنيا على غيرهم كتب وان الحق فيها على غيرهم وجب ولا يقدر احد نزوله فيه وليس هذا الا للجهل وحب الدنيا والغفلة نبهنا الله عن نومة الغافلين .
(4) كما روي ان الباقر (ع) دخل المسجد يوما فرأى شابا يضحك في المسجد فقال له : تضحك في المسجد وانت بعد ثلاثة من أهل القبور ؟ فمات الرجل في اول اليوم الثالث ودفن في آخره .
الحقايق في محاسن الأخلاق317

كان بعيدا فالمرض فجأة غير بعيد ، وكل مرض فانما يقع فجأة ، وإذا مرض لم يكن الموت بعيدا .
ولو تفكر هذا الغافل وعلم أن الموت ليس له وقت مخصوص عن شباب وشيب وكهولة ومن صيف وشتاء وخريف وليل ونهار لعظم اشتغاله بالاستعداد له واستشعاره ولكن الجهل بهذه الامور وحب الدنيا دعواه إلى طول الأمل وإلى الغفلة عن تقدير الموت القريب .
فهو أبدا يظن أن الموت يكون بين يديه ولا يقدر نزوله ووقوعه فيه ، ويشيع الجنايز ولا يقدر أن يشيع جنازته ، لأن هذا قد تكرر عليه وألفه وهو شاهد موت غيره فأما موت نفسه فلم يألفه ولا يتصور ان يألفه ، فانه لم يقع ، فاذا وقع لا يقع دفعة اخرى بعده فهو الأول وهو الآخر .
وإذا عرفت أن سبب طول الأمل الجهل وحب الدنيا فعلاجه دفع سببه .
أما الجهل فيدفع بالفكر الصافي من القلب الحاضر وبسماع الحكمة البالغة من القلوب الطاهرة .
وأما حب الدنيا فالعلاج في إخراجه من القلب شديد ، وهو الداء العضال الذي أعيى الأولين والآخرين علاجه لا علاج له إلا الايمان باليوم الآخر وما فيه من عظيم العقاب وجزيل الثواب ، ومهما حصل اليقين بذلك ارتحل عن قلبه حب الدنيا فان حب الخطير هو الذي يمحو من القلب حب الحقير فاذا رأى حقارة الدنيا ونفاسة الآخرة استنكف أن يلتفت إلى الدنيا كلّها ، فكيف وليس لكل عبد من الدنيا إلا قدر يسير مكدّر منغّص ، فكيف يفرح بها ويترسّخ في القلب حبّها مع الايمان بالآخرة فنسأل الله تعالى أن يرينا الدنيا كما أراها الصالحين من عباده(1) .

الباب الخامس
في الاخاء والالفة

قال الله تعالى في معرض الامتنان : «لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم»(2) وقال عز وجل : «فأصبحتـم بنعمتـه إخوانـا»(3) .

(1) ولا علاج في تقرير الموت في القلب مثل النظر الى من مات من الاقران وأنهم كيف جاءهم الموت في وقت لم يحتسبوا ، أما من كان مستعدا له فقد فاز فوزا عظيما ، وأما من كان مغرورا بطول الامل فقد خسر خسرانا مبينا ؛ قال رسول الله (ص) : اغتنم خمسا قبل خمس : شبابك قبل هرمك ، وصحتك قبل سقمك ، وغناك قبل فقرك ، وفراغك قبل شغلك ، وحياتك قبل موتك .
(2) سورة الانفال : آية 63 .
(3) سورة آل عمران : آية 103 .
الحقايق في محاسن الأخلاق318

يعني بالالفة ، ثم ذمّ التفرقة وزجر عنها فقال : «واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا»(1) وقال : «ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا»(2) .
وقال النبي (ص) : «أقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحسنكم أخلاقا الموطئون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون»(3) وقال (ص) : «المؤمن ألف مألوف ولا خير فيمن لا يالف ولا يؤلف(4)»(5) وقال (ص) : «في الثناء على الاخوة في الدين : من أراد الله به خيرا رزقه خليلا صالحا إن نسي ذكره وإن ذكر أعانه»(6) .
وقال (ص) : «من آخى اخا في الله رفع الله له درجة في الجنة لا ينالها بشيء من عمله»(7) وقال (ص) : «إن الله تعالى يقول : حقت محبتي للذين يتزاورون من اجلي وحقت محبتي للذين يتناصرون من أجلي ، وحقت محبتي للذين يتحابون من اجلي ، وحقت محبّتي للذين يتباذلون من اجلي»(8) .
وقال (ص) : «لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا ولا يحل لمسلم أن يهجر اخاه فوق ثلاث»(9) .
وقال (ص) : «المؤمنون هيّنون ليّنون كالجمل الآنف إن قيد انقاد وإن انيخ على صخرة استناخ»(10) .

(1) سورة آل عمران : آية 103 .
(2) سورة آل عمران : آية 105 .
(3) احياء علوم الدين : ج 2 ص 144 .
(4) وهذا هو السر في الترغيب على التسليم والمعانقة والمصافحة والسعي في انجاح مقاصدهم قال رسول الله (ص) : أولى اناس بالله وبرسوله من بدأ بالسلام ، وقال (ص) : اذا لقى أحدكم اخاه فليسلم وليصافحه فان الله تعالى اكرم بذلك الملائكة فاصنعوا صنع الملائكة ، وقال (ص) : اذا التقيتم فتلاقوا بالتسليم والتصافح ، واذا تفرقتم فتفرقوا بالاستغفار وقال الصادق (ع) : ان المؤمنين إذا اعتنقا غمرتهما الرحمة فاذا التزما لا يريدان بذلك الا وجه الله ولا يريدان غرضا من اغراض الدنيا قيل لهما : مغفورا لكما فاستانفا ، وقال النبي (ص) : من مشى في حاجة اخيه ساعة من ليل او نهار قضاها او لم يقضها كان خيرا له من اعتكاف شهرين ، وقال (ص) : من قضى حاجة لاخيه فكأنما خدم الله عمره . الى غير ذلك من الاخبار المرغبة على ما يوجب الالف والمحبة .
(5) احياء علوم الدين : ج 2 ص 144 الكافي : ج 2 ص 102 .
(6) احياء علوم الدين : ج 2 ص 144 والكافي : ج 2 ص 102 .
(7) احياء علوم الدين : ج 2 ص 144 .
(8) مسند احمد : ج 4 ص 386 وذكر جزء منه في احياء علوم الدين : ج 2 ص 145 .
(9) العوالي : ج 1 ص 433 وذيل الحديث في الفقيه : ج 4 ص 272 .
(10) الكافي : ج 2 ص 234 .

السابق السابق الفهرس التالي التالي