الحقايق في محاسن الأخلاق272

رسول الله ، قال : إن الرجل يخدش الخدشة وينكب النكبة ويعثر العثرة ويمرض المرضة ويشاك الشوكة وما أشبه هذا حتى ذكر في حديثه اختلاج العين»(1) .
وفي مصباح الشريعة قال الصادق (ع) : «على كل جزء من أجزائك زكاة واجبة لله تعالى . بل على كل منبت شعرك بل على كل لحظة .
فزكاة العين النظر بالعبر والغض عن الشهوات وما يضاهيها .
وزكاة الاذن استماع العلم والحكمة والقرآن وفوائد الدين من الموعظة والنصيحة وما فيه نجاتك والاعراض عما هو ضدّه من الكذب والغيبة واشباههما .
وزكاة اللسان النصح للمسلمين وإيقاظ الغافلين وكثرة التسبيح والذكر وغيره وزكاة اليد البذل والسخاء بما أنعم الله به عليك وتحريكها بكتبة العلم ومنافع ينتفع بها المسلمون في طاعة الله تعالى والقبض عن الشرور .
وزكاة الرجل السعي في حقوق الله من زيارة الصالحين ومجالس الذكر واصلاح الناس وصلة الرحم والجهاد وما فيه صلاح قلبك وسلامة دينك .
هذا ما تحتمل القلوب فهمه والنفوس استعماله وما لا يشرف عليه إلا عباده المقربون المخلصون أكثر من أن يحصى وهم أربابه وهو شعارهم ودثارهم(2)»(3) .
وعن النبي (ص) : «لكل شيء زكاة وزكاة الابدان الصيام»(4) .
الباب السادس
في الصوم

قال الله تعالى : «كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلّكم تتّقون»(5)

(1) الكافي : ج 2 ص 258 .
(2) الدثار الثوب الذي فوق الشعار ، والشعار الثوب الذي التي الجسد .
(3) مصباح الشريعة : ص 51 .
(4) الكافي : ج 4 ص 63 والتهذيب : ج 4 ص 190 والمحاسن : ص 72 والمكارم : ص 138 ومن لا يحضره الفقيه ج 2 ص 45 ودعائم الاسلام ج 1 ص 269 .
(5) سورة البقرة : آية 183 .
الحقايق في محاسن الأخلاق273

وقال النبي (ص) «الصوم جنة من النار»(1) وقال (ص) : «الصائم في عبادة وإن كان نائما على فراشه ما لم يغتب مسلما»(2) وقال (ص) : قال الله تعالى : «الصوم لي وأنا أجزي به»(3) و«للصائم فرحتان حين يفطر وحين يلقى ربّه تعالى»(4) «والذي نفس محمد بيده لخلوف(5) فم الصايم عند الله أطيب من ريح المسك»(6) .
وقال الباقر (ع) : «بني الاسلام على خمسة أشياء : على الصلاة والزكاة والحج والصوم والولاية»(7) .
وقال الصادق (ع) : «من صام لله تعالى يوما في شدة الحر فأصابه ظمأ وكل الله به ألف ملك يمسحون وجهه ويبشرونه حتى اذا أفطر قال الله تعالى : ما اطيب ريحك وروحك يا ملائكتي اشهدوا انّي قد غفرت له»(8) والريح النفس بالتحريك .
وقال (ع) : «نوم الصائم عبادة وصمته تسبيح وعملـه متقبـل ودعـاؤه مستجـاب»(9) .
وقال الكاظم (ع) : «قيلوا(10) فان الله تبارك وتعالى يطعم الصائم ويسقيه في منامه»(11) .
وقيل ولو لم يكن في الصوم إلا الارتقاء من حضيض(12) حظوظ النفس البهيميّة الى ذروة(13) التشبه بالملائكة الروحانية لكفى به فضلا ومنقببة ، وإنما كان الصوم جنة من النار لأنه يدفع حر الشهوة والغضب اللتين بهما تصلى نار جهنم في باطن الانسان في الدنيا وتبرز له في الآخرة ، كما أن الجنة تدفع بها عن صاحبها حر الحديد وإنما قال ما لم يغتب مسلما لأن الغيبة أكل لحم

(1) التهذيب : ج 4 ص 151 والمحاسن : ص 287 والكافي : ج 4 ص 62 والعوالي : ج 3 ص 132 .
(2) المكارم : ص 138 والكافي : ص 4 ص 64 ومن لا يحضره الفقيه : ج 2 ص 44 .
(3) التهذيب : ج 4 ص 152 والكافي : ج 4 ص 63 والعوالي : ج 3 ص 132 والمكارم : ص 138 ودعائم الاسلام .
(4) مكارم الأخلاق : ص 138 والكافي : ج 4 ص 65 ومن لا يحضره الفقيه : ج 2 ص 45 .
(5) الخلوف بضم الخاء على الاصح وقيل بفتحها هو رايحة الفم المتغير من قولهم : خلف فم الصائم خلوفا من باب قعد أي تغريت رايحة فمه .م .
(6) من لا يحضره الفقيه : ج 2 ص 44 وثواب الاعمال : ص 80 واحياء علوم الدين : ج 1 ص 205 .
(7) العوالي : ج 3 ص 132 والكافي : ج 4 ص 62 والمحاسن : ص 286 والتهذيب : ج 4 ص 151 .
(8) من لا يحضره الفقيه : ج 2 ص 45 .
(9) من لا يحضره الفقيه : ج 2 ص 46 والمحاسن : ص 72 وثواب الاعمال : ص 80 . =
الحقايق في محاسن الأخلاق274

الميتة فهو نوع من الأكل يتقوى به البدن ، وإنما كان الصوم لله ومشرفا بالنسبة إلى الله وإن كانت العبادات كلها له كما شرف البيت بالنسبة إليه والأرض كلها له لمعنيين :
أحدهما أن الصوم كف وترك ،وهو في نفسه سر ليس فيه عمل يشاهد ، فجميع الطاعات بمشهد من الخلق ومرءا والصوم لا يعلمه إلا الله فانه عمل بالباطن بالصبر المجرد خالص لله وجزاؤه من عنده خاصّة من غير مشاركة أحد فيه .
والثاني انه قهر لعدوالله فان وسيلة الشيطان الشهوات وإنما تقوى الشهوات بالأكل والشرب .
ولذلك قال النبي (ص) : «إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم ، فضيقوا مجاريه بالجوع»(1) ، فالشهوات مرتع الشياطين ومرعاهم فما دامت مخصبة لم ينقطع تردّدهم ، وما داموا يتردّدون فلا ينكشف على العبد جلال الله وكان محجوبا عن لقائه .
قال رسول الله (ص) : «لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السماء»(2) .
وسبب الفرحة عند الافطار اما للخواص فاستشعارهم التوفيق من الله تعالى على إتمام الصيام ونيل الأجر ، وأما للعوام فانقضاء المقاسات ونيل المشتهيات .
وسبب الفرحة عند لقاء الرب أمّا للخواص فحصول نور القلب لهم المستفاد من انكسار قوتي الشهوة والغضب المظلمتين له بالجوع الباعث لهم أن يعبدوا الله عيانا كأنّهم يرونه وهو المعنى باللقاء ، وخلوف الفم تغيّره ، وإنما صار أطيب عند الله من ريح المسك لأنه سبب طيب الروح الذي هو عند الله من الانسان كما أن بدنه عند نفسه وإليه اشير في قوله تعالى : «ما عندكم ينفد(3) وما عند الله باق»(4) وأين طيب الروح من طيب المسك ، فان الأول روحاني

= (10) من القيلولة ، قال قيلولة : نام في القائلة أي منتصف النهار «المنجد» قال في مجمع البحرين : في الحديث : القيلولة تورث الغنى ، وفسرت بالنوم وقت الاستواء ، والقيلولة تورث الفقر ، وفسرت بالنوم وقت صلاة الفجر . والقيلولة تورث السقم ، وفسرت بالنوم آخر النهار .
(11) ثواب الأعمال : ص 80 .
(12) الحضيض : القرار من الأرض عند اسفل الجبل المنجد .
(13) الذروة : العلو والمكان المرتفع ، أعلى الشيء ، المنجد .
(1) احياء علوم الدين : ج 3 ص 28 .
(2) احياء علوم الدين : ج 1 ص 206 .
(3) نفد كسمع نفادا ونفدا فنى وذهب ، ق .
(4) سورة النحل : آية 96 .
الحقايق في محاسن الأخلاق275

عقلي معنوي والثاني جسماني حسّي صوري .

الفصل الاول
درجات الصوم وآدابه

اعلم ان للصوم ثلاث درجات : صوم العموم ، وصوم الخصوص ، وصوم خصوص الخصوص ، أمّا صوم العموم فهو كف البطن والفرج عن قضاء الشهوة ، وأما صوم الخصوص فهو كف السمع والبصر واللسان واليد والرجل وساير الجوارح عن الآثام .
قال الصادق (ع) : «إذا صمت فليصم سمعك وبصرك وشعرك وجلدك وعد أشياء اخر غير هذا ،وقال لا يكون يوم صومك كيوم فطرك»(1) ، وزاد في خبرآخر : «ودع المراء وأذى الخادم وليكن عليك وقار الصيام فان رسول الله (ص) سمع امراة تسب جاريتها وهي صائمة فدعا بطعام فقال لها : كلي فقالت : إني صائمة ، فقال : كيف تكونين صائمة وقد سببت جاريتك إن الصوم ليس من الطعام والشراب فقط»(2) .
وعن النبي (ص) : «إنما الصوم جنة من النار فاذا كان أحدكم صائما فلا يرفث ولا يجهل وان امرؤ قاتله او شاتمه فليقل انّي صائم اني صائم»(3) .
وقال النبي (ص) : «من اغتاب مسلما بطل صومه ونقض وضوؤه وان مات وهو كذلك مات وهو مستحل ما حرم الله»(4) .
وقال «كم من صائم ليس من صومه إلا الجوع والعطش»(5) .
وقال الصادق (ع) : «إن الكذبة لتفطر الصايم قيل : وأينا لا يكون ذلك منه قال : ليس حيث تذهب إنما ذاك الكذب على الله وعلى رسوله (ص) وعلى الائمة عليهم السلام»(6) .
ومعنى بطلان الصوم بالكذب والغيبة وغيرهمها ممّا لا يعدّه الفقهاء من المفطرات عدم قبول الصوم وترتب الثواب عليه دون الاجزاء والخروج عن عهدة التكليف كما مر تحقيقه في باب

(1) التهذيب : ج 4 ص 194 ومن لا يحضره الفقيه : ج 2 ص 67 والكافي : ج 4 ص 87 .
(2) التهذيب : ج 4 ص 194 ومن لا يحضره الفقيه : ج 2 ص 68 .
(3) احياء علوم الدين: ج 1 ص 208 .
(4) عقاب الأعمال : ص 332 .
(5) احياء علوم الدين : ج 1 ص 209 وص 210 .
(6) الكافي : ج 2 ص 340 .
الحقايق في محاسن الأخلاق276

الصلاة ، ولذلك شرطنا ذلك في صوم الخصوص دون العموم .
وأما صوم خصوص الخصوص فصوم القلب عن الهمم الدّنية والأفكار الدنيوية وكفه عمّا سوى الله بالكلية ، ويحصل الفطر في هذا الصوم بالفكر فيما سوى الله واليوم الآخر وبالفكر في الدنيا إلا دنيا تراد للدين ، فان ذلك زاد الآخرة وليس من الدنيا .
قال أرباب القلوب : من تحركت همّته بالتصرف في نهاره لتدبير ما يفطر عليه كتبت عليه خطيئة فان ذلك من قلة الوثوق بفضل الله وقلة اليقين برزقه الموعود ، وهذه رتبة الأنبياء والصديقين والمقرّبين .
وفي مقابلها من يستكثر من الحلال وقت الافطار بحيث يمتلي فورد : ما من وعاء أبغض الى الله من بطن ملئ من حلال ، وكيف يستفاد من الصوم فهو عدو الله وكسر الشهوة إذا تدارك الصائم عند فطره ما فاته ضحوة نهاره ، وربّما يزيد عليه في ألوان الطعام حتى استمرت العادات بأن يذخر جميع الأطعمة لشهر رمضان ، فيؤكل من الأطعمة فيه ما لا يؤكل في عدة أشهر ومعلـوم أن مقصـود الصـوم الخـوي(1) وكسر الهوى لتقوي النفس على التقوى ، وإذا دفعت المعدة ضحوة النهار إلى العشاء حتى هاجت شهوتها وقويت رغبتها ثم اطعمت من اللذات واشبعت زادت لذتها وتضاعفت قوتها وانبعث من الشهوات ما عساها كانت راكدة لو تركت على عادتها .
فروح الصوم وسرّه(2) تضعيف القوى التي هي وسائل الشيطان في القود الى الشرور ، ولن يحصل ذلك إلا بالتقليل وهو أن يأكل أكلته التي كان يأكلها كل ليلة لو لم يصم ، وأما إذا جمع ما كان يأكل ضحوة إلى ما كان يأكل ليلة فلم ينتفع بصومه ولا يخف عليه تهجده .

(1) الخوي خلوالجوف من الطعام ، ق .
(2) قال في جامع السعادات : والحاصل ان روح الصوم وسره والغرض الأصلي منه التخلق بخلق من اخلاق الله تعالى اعني الصمدية والاقتداء بالملائكة في الكف عن الشهوات بقدر الامكان ، وهذا انما يحصل بتقليل الأكل عما يأكله في غير وقت الصوم ، فلا جدوى لمجرد تأخير اكله وجمع اكلتين عند العشاء وقال فيه أيضا : ينبغي لكل صائم أن يكون قلبه بعد الافطار مضطربا معلقا بين الخوف والرجاء ، اذ ليس يدري أيقبل صومه فهو من المقربين أو يرد عليه فهو من الممقوتين وليكن الحال كذلك في آخر كل عبادة يفرغ منها .
روي ان الامام ابا محمد الحسن المجتبى (ع) مر بقوم يوم العيد وهم يضحكون فقال : ان الله جعل شهر رمضان مضمارا لخلقه يستبقون فيه لطاعته ، فسبق أقوام ففازوا ، وتخلف أقوام فخابوا فالعجب كل العجب للضاحك اللاعب في اليوم الذي فاز فيه المسارعون ، وخاب فيه المبطلون ، أما والله لو كشف الغطاء لاشتغل المحسن باحسانه والمسيء عن اساءته .
الحقايق في محاسن الأخلاق277

وليلة القدر عبارة عن الليلة التي ينكشف فيها شيء من الملكوت ومن جعل بين قلبه وبين صدره مخلاة(1) من الطعام فهو عنه محجوب ، ومن أخلى معدته فلا يكفيه ذلك لرفع الحجاب حتى يخلوهمّته عن غير الله تعالى ، وذلك هو الأمر كله ومبدأ ذلك تقليل الطعام .

الفصل الثاني
الصوم ينقي النفس

في مصباح الشريعة قال الصادق (ع) : «قال رسول الله (ص) : «الصوم جنة ، أي ستر من آفات الدنيا وحجاب من عذاب الآخرة ، فاذا صمت فانو بصومك كف النفس عن الشهوات وقطع الهمة عن خطوات الشيطان ، فانزل نفسك منزلة المرضى لا يشتهي طعاما وشرابا ، متوقعا في كل لحظة شفاك من مرض الذنوب ، وطهّر باطنك من كل كدر وغفلة وظلمة يقطعك عن معنى الاخلاص لوجه الله تعالى ، قال رسول الله (ص) : قال الله تعالى : «الصوم لي وأنا اجزي به» .
فالصوم يميت مواد النفس وشهوة الطبع ؛ وفيه صفاء القلب وطهارة الجوارح وعمارة الظاهر والباطن والشكر على النعم والاحسان إلى الفقراء وزيادة التضرع والخشوع والبكاء وحبل الالتجاء إلى الله وسبب انكسار الهمة وتخفيف الحساب وتضعيف الحسنات ، وفيه من الفوايد ما لا يحصى وكفى بما ذكرناه منبّها لمن عقل ووفق لاستعماله»(2) .

الباب السابع
في الحج

في الحج وزيارة المشاهد قال الله تعالى : «ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فان الله غني عن العالمين»(3) وقال النبي (ص) : «من مات ولم يحج فليمت إن شاء يهوديا وإن شاء نصرانيا»(4) .

(1) الخلى : العشب والمخلاة : ما يجعل فيه الخلى ومنه المخلاة لما يجعل فيه العلف ويعلق في عنق الدابة ، المنجد .
(2) مصباح الشريعة : ص 135 .
(3) سورة آل عمران : آية 97 .
(4) العوالي : ج 2 ص 235 .
الحقايق في محاسن الأخلاق278

وقال الصادق (ع) : «من مات ولم يحج حجة الاسلام لم يمنعه من ذلك حاجة يجحف(1) به أو مرض لا يطيق فيه الحج أو سلطان يمنعه فليمت يهوديا أو نصرانيا»(2) والاخبار في فضل الحج والعمرة أكثر من أن تحصى وهي مذكورة في مواضعها مع كيفية أعمالها .
وأما بيان السر فيها فاعلم أنه لا وصول إلى الله تعالى إلا بالتنزه عن الشهوات والكف عن اللذات والاقتصار على الضروريات فيها والتجرد لله تعالى في جميع الحركات والسكنات ، ولأجل هذا انفرد الرهابين(3) في الملل السالفة عن الخلق وانحازوا إلى قلل الجبال وآثروا التوحش عن الخلق لطلب الانس بالله ، فتركوا اللذات الحاضرة وألزموا أنفسهم المجاهدات الشاقة طمعا في الآخرة وأثنى الله تعالى عليهم في كتابه فقال : «ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء مرضات الله»(4) وقال : «وذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون»(5) .
فلما اندرس ذلك وأقبل الخلق على اتباع الشهوات وهجروا التجرد لعبادة الله وفتروا عنها بعث الله تعالى محمدا (ص) لاحياء طريق الآخرة وتجديد سنة المرسلين في سلوكها فسأله أهل الملل عن الرهبانية والسياحة في دينه فقال (ص) : ابدلنا بها الجهاد والتكبير على كل شرف قيل : يعني الحج ، وسئل عن السائحين ، فقال : هم الصائمون .
فأنعم الله على هذه الامة بأن جعل الحج رهبانية لهم ، فشرف البيت العتيق بالاضافة إلى نفسه ، ونصبه مقصدا لعباده ، وجعل ما حواليه حرما لبيته ، وتفخيما لأمره ، وجعل عرفات كالميدان على فناء حرمه ، وأكد حرمة الموضع بتحريم صيده وقطع شجره ووضعه على مثال حضرة الملوك يقصده الزوار من كل فج عميق ، ومن كل أوب سحيق(6) شعثاء غبراء متواضعين لرب البيت ومستكينين له خضوعا لجلاله واستكانة لعزته مع الاعتراف بتنزّهه عن أن يحويه بيت أو يكتنفه بلد ، ليكون ذلك ابلغ في رقهم وعبوديّتهم وأتم في اذعانهم وانقيادهم .

(1) أجحف به الفاقة : أفقرته الحاجة . ق .
(2) الدعائم : ج 1 ص 288 وثواب الأعمال : ص 281 .
(3) الراهب جمع رهابين : المنجد .
(4) سورة الحديد : آية 27 .
(5) سورة المائدة : آية 82 .
(6) جاء وامن كل أوب معناه من كل مرجع أي من كل فج وسحق المكان فهو سحيق مثل بعد بالضم فهو بعيد وزنا ومعنى كذا عن المصباح .
الحقايق في محاسن الأخلاق279

ولذلك وظف عليهم فيها أعمالا لا تأنس بها النفوس ، ولا تهتدي إلى معانيها العقول كرمي الجمار بالأحجار ، والتردّد بين الصفا والمروة على سبيل التكرار ، وبمثل هذه الأعمال يظهر كمال الرق والعبودية ، فان الزكاة إرفاق ووجهه معلوم وللعقل اليه ميل ، والصوم كسر للشهوة التي هي عدو الله وتفرغ للعبادة بالكف عن الشواغل ، والركوع والسجود في الصلاة تواضع لله تعالى بأفعال هي هيئات التواضع وللنفوس انس بتعظيم الله .
فاما ترددات السعي ورمي الجمار فلاحظ للنفس ولا انس للطبع فيها ولا اهتداء للعقل إلى معانيها ، فلا يكون للاقدام عليها باعث إلا الأمر المجرد وقصد الامتثال للأمر من حيث انه امر واجب الاتباع فقط ، وفيه عزل العقل عن تصرّفه وصرف النفس والطبع عن محل انسه ، فان كل ما أدرك العقل معناه مال الطبع إليه ميلا ما ، فيكون ذلك الميل معينا للأمر وباعثا معه فلا يكاد يظهر به كمال الرق والانقياد .
ولذلك قال النبي (ص) في الحج على الخصوص : لبّيك بحجة حقّا وتعبّدا ورقا ولم يقل ذلك في صلاة وغيرها ، وإذا اقتضت حكمة الله تعالى ربط نجاة الخلق بأن تكون أعمالهم على خلاف هوى طباعهم وأن يكون زمامها بيد الشرع فيتردّدون في أعمالهم على سنن الانقياد على مقتضى الاستبعاد ، كان مالا يهتدى إلى معانيه أبلغ أنواع التعبّدات في تزكية النفوس وصرفها عن مقتضى الطبع والاخلاق إلى مقتضى الاسترقاق .
وإذا تفطنت لهذا فهمت أن تعجب النفوس عن هذه الافعال العجيبة مصدره الذهول عن أسرار التعبّدات ، وقد ظهر ممّا ذكر أن قاصد البيت قاصد إلى الله وزاير له فبالحريّ أن يفوز بلقاء الله في ميعاده المضروب له والتشوق إلى لقاء الله مسوق إلى أسباب اللقاء فليجعل عزمه خالصا لوجه الله ، بعيدا عن شوايب الرياء وغيره .

الفصل الاول
ما ينبغي للحاج عند توجهه الى الحج

ينبغي للحاج عند توجهه إلى الحج وخروجه من بلده أن يرد المظالم ، ويتوب الى الله توبة خالصة ، ويقطع علاقة قلبه عن الالتفات إلى ما ورائه ليكون متوجّها إلى الله بوجه قلبه ، ويقدّر أنه لا يعود ، وليكتب وصيّة لأهله ولأولاده ، ويتهيّأ لسفر الآخرة فان ذلك بين يديه على قرب ، وأن يتأدّب بآداب السفر كلها كما هي مذكورة في موضعها ولا سيّما توسّع الزاد وتطيبه ،

الحقايق في محاسن الأخلاق280

وطيب الكلام ، ولينه ، وخفض الجناح ما استطاع .
فورد : بر الحج طيب الكلام وإطعام الطعام ، وليس للحج المبرور جزاء إلا الجنة ، وعدم الاهتمام «الاغتمام خ» بالانفاق وبما اصيب في المال فدرهم منه يعدل سبعمأة في سبيل الله ، وأن يكون قلبه مطمئنا منصرفا إلى ذكر الله وتعظيم شعائره ، محضرا عند كل حركة وسكون ، متذكرا به أمرا اخرويا يناسبه ويكون أشعث أغبر غير متزيّن ، ويمشي إن قدر خصوصا بين المشاعر .
فورد «ما عبد الله بشيء أفضل من المشي» ، لا لتقليل النفقة مع اليسار ، فان الركوب حينئذ أفضل كما ورد ،سيّما لمن ضعف بالمشي وساء خلقه وقصر في العمل .
فورد : تركبون أحب إلي فان ذلك أقوى على الدعاء والعبادة ، «وكان الحسن بن علي (ع) يمشي ويساق معه المحامل والرجال»(1) ، وإذا حضرت الراحلة فليشكر الله بقلبه على تسخيره له الدواب لتتحمل عنه الأذى وتتخفف عنه المشقة(2) .
فاذا دخل البادية متوجها إلى الميقات ومشاهدا لتلك العقبات فليتذكر فيها ما بين الخروج من الدنيا بالموت إلى ميقات يوم القيامة وما بينهما من الأهوال والمطالبات .
وليتذكر من هول قطاع الطريق هول سؤال منكر ونكير ، ومن سباع البوادي عقارب القبر وديدانه وما فيه من الأفاعي والحيات ، ومن انفراده عن أهله وأقاربه وحشة القبر وكربته ووجدته ، وليكن في هذه المخاوف في أعماله واقواله متزوّدا لمخاوف القبر .
وليتذكر عند لبس ثوبي الاحرام لبس الكفن ولفّه فيه وأنه سيلقى الله ملفوفا في ثياب الكفن لا محالة فانه كما لا يلقى بيت الله إلا مخالفا عادته في الزيّ والهيئة فلا يلقى الله بعد الموت إلا في زيّ مخالف لزيّ الدنيا ، وهذا الثوب قريب من ذلك الثوب إذ ليس فيه مخيط كما لا يخاط الكفن .

(1) من لا يحضره الفقيه : ج 2 ص 141 .
(2) فاذا اراد الخروج من البلد فليعلم عنده انه فارق الاهل والوطن متوجها الى الله (عج) في سفر لا يضاهي اسفار الدنيا ، فليحضر في قلبه انه ماذا يريد ؟ واين متوجه ؟ وزيارة من يقصد ؟ وانه متوجه الى ملك الملوك في زمرة الزائرين له الذين نودوا فاجابوا ، وشوقوا فاشتاقوا ، واستنهضوا فنهضوا وقطعوا العلايق وفارقوا الخلايق ، واقبلوا على بيت الله عز وجل الذي فخم امره وعظم شأنه ورفع قدره ، تسليا بلقاء البيت عن لقاء رب البيت الى ان يرزقوا منتهى مناهم ، وليحضر في قلبه رجاء القبول ثقة بفضل الله وتحقيقا لوعده لمن زار بيته .
الحقايق في محاسن الأخلاق281

وأما الاحرام والتلبية بالميقات ، فليعلم أنه أجابة نداء الله(1) فليرج أن يكون مقبولا وليخش أن يقال له لا لبّيك ولا سعديك ، وليكن بين الرجاء والخوف ، مترددا ومن حوله وقوته متبرئا وعلى فضل الله وكرمه متكلا ، فان وقت التلبية هو بداية الأمر وهو محل الخطر .
وقد ورد إن السجاد (ع) «لما أحرم واستوت به راحلته اصفر لونه وانتقض ووقع عليه الرعدة ولم يستطع أن يلبي فقيل له لم لا تلبي ؟ فقال : أخشى أن يقول لي ربي لا لبيك ولا سعديك ، فلما لبّى غشي عليه وسقط من راحلته فلم يزل يعتريه ذلك حتى قضى حجه»(2) .

الفصل الثاني
ما ينبغي للحاج إذا دخل مكة

وإذا دخل مكة فليتذكر عندها انه قد انتهى إلى حرم آمن ، وليرج عنده أن يأمن بدخوله من عقاب الله وليخش أن لا يكون أهلا للقرب فيكون بدخول الحرم خائبا مستحقا للمقت ، وليكن رجاؤه في جميع الاوقات غالبا ، فان الكرم عميم ، وشرف البيت عظيم ، وحق الزاير مرعى ، وذمام(3) المستجير اللائذ غير مضيع .
وإذا وقع بصره على البيت فينبغي أن يحضر عنده عظمة البيت في قلبه ويقدر كأنه مشاهد لرب البيت لشدة تعظيمه ، وليرج أن يرزقه لقاءه كما رزقه لقاء البيت وليشكر الله على تبلغيه إياه هذه الرتبة وإلحاقه إياه بزمرة الوافدين إليه .
وأما الطواف فانه صلاة ، فليحضر قلبه فيه من التعظيم والخوف والرجاء والمحبة ما سبق في باب الصلاة وليعلم أنه في الطواف متشبه بالملائكة المقربين الحافين حول العرض الطائفين حوله ، ولا يظن أن المقصود طواف جسمه بالبيت بل المقصود طواف قلبه بذكر رب البيت حتى

(1) اشارة إلى قوله تعالى لابراهيم (ع) : « واذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يتين من كل فج عميق » .
(2) لم نجد هذا الحديث كما هو انما وجدنا حديث قريب منه في المستدرك ج 2 ص 119 وفيه : عن الازدي انه قال في حديث ولقد حججت معه اي الصادق (ع) سنة فلما استوت به راحلته عند الاحرام كان كلما هم بالتلبية انقطع الصوت في حلقه وكاد ان يخر من راحلته فقلت قل يا بن رسول الله ولا بدّلك من ان تقول فقال يا بن ابي عامر كيف اجسر ان اقول لبيك اللهم لبيك وأخشي ان يقول عز وجل لي لا لبيك ولا سعديك .
(3) الذمة والذمام : بمعنى العهد والامان ، والضمان ، والحرمة ، والحق ، كذا عن النهاية .

السابق السابق الفهرس التالي التالي