الحقايق في محاسن الأخلاق252

حدوده ، فانه كتتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ، فرتله ترتيلا وقف عند وعده ووعيده وتفكر في أمثاله ومواعظه واحذر أن تقع من اقامتك حروفه في اضاعة حدوده»(1) .

الفصل الثاني
على قارئ القرآن مراعاة أمور

ينبغي لتالي القرآن من امور باطنية(2) .
منها فهم عظمة الكلام وعلوّه وفضل الله ولطفه بخلقه في نزوله عن عرش جلاله إلى درجة أفهام خلقه ، فلينظر كيف لطف بخلقه في ايصال معاني كلامه الذي هو صفة قائمة بذاته إلى أفهام خلقه وكيف تجلّت لهم تلك الصفة في طي حروف وأصوات هي صفات البشر إذ يعجز البشر عن الوصول الى فهم صفات الله إلا بوسيلة صفات نفسه .
ولو لا استتار كنه جمال كلامه بكسوة الحروف لما ثبت لسماع الكلام عرش ولا ثرى ولتلاشى ما بينهما من عظمة سلطانه وسبحات نوره .
ولو لا تثبيت الله موسى لما أطاق سماع كلامه كما لم يطق الجبل مبادي تجليه حيث صار دكا ، وهذا كما أن الناس لما أرادوا أن يفهموا بعض الدواب والطير ما يريدون من تقديمها وتأخيرها وإقبالها وإدبارها ورأوا الدواب يقصر تمييزها عن فهم كلامهم الصادر عن أنواع عقلهم مع حسنه وترتيبه وبديع نظمه فنزلوا إلى درجة تمييز البهايم واوصلوا مقاصدهم إلى بواطن البهايم

(1) مصباح الشريعة ص 28 .
(2) وكذا ينبغي له من امور ظاهرية .
منها افتتاح القراءة بقوله : أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ، وأن يقول عند الفراغ من كل سورة : صدق الله العلي العظيم وبلغ رسوله الكريم اللهم انفعنا به وبارك لنا فيه والحمد لله رب العالمين .
ومنها الوضوء والوقوف على هيئة الادب والطمأنينة اما قائما او جالسا مستقبل القبلة مطرقا رأسه غير متربع ولا متكي ، والترتيل ، والبكاء ، والجهر المتوسط لو امن من الرياء والا فالسر افضل وتحسين القراءة وتزيينها ومراعاة حق الآيات :
فاذا مر بآية السجود سجد ، وإذا مر بآية العذاب استعاذ منه بالله ، وإذا مر بآية الرحمة ونعيم الجنة سأل الله تعالى أن يرزقه ، وإذا مر بآية تسبيح أو تكبير سبح وكبر ، وإذا مر بآية دعاء أو استغفار دعا واستغفر كذا في جامع السعادات .
الحقايق في محاسن الأخلاق253

بأصوات يضعونها لايقة بها من النقر والصفر(1) والأصوات القريبة عن أصواتها التي تطيق حملها .
وكما أن اجساد البشر تكرم وتعز لمكان الروح فكذلك أصوات الكلام تشرف للحكمة التي فيها .
والكلام عالي المنزلة رفيع الدرجة قاهر السلطان نافذ الحكم في الحق والباطل ، وهو القاضي والعادل والشاهد المرتضى يأمر وينهي ولا طاقة للباطل أن يقوم قدّام كلام الحكمة كما لا يستطيع الظل أن يقوم قدام الشمس ، ولا طاقة للبشر أن ينفذوا غور الحكمة كما لا طاقة لهم أن ينفذوا بأبصارهم عين الشمس ، ولكنهم ينالون من عين الشمس ما تحيي به أبصارهم ويستدلون به على حوائجهم فقط .

الفصل الثالث
التعظيم

ومنها التعظيم للمتكلم فالقارئ عند البداية بتلاوة القرآن ينبغي أن يحضر في قلبه عظمة المتكلم ويعلم أن ما يقرأه ليس من كلام البشر وأن في تلاوة كلامه غاية الخطر فانه تعالى قال : «لا يمسّه إلا المطهّرون»(2) وكما أن ظاهر جلد المصحف وورقه محروس عن ظاهر بشرة اللامس إلا إذا كان متطهرا فباطن معناه أيضا بحكم عزّه وجلاله محجوب عن باطن القلب إلا إذا كان منقطعا عن كل رجس ومستنيرا بنور التعظيم والتوقير وكما لا يصلح للمس جلد المصحف كل يد ، فلا يصلح لتلاوة حروفه كل لسان ولا لنيل معانيه كل قلب .
ومنها حضور القلب وترك حديث النفس وهذا يتولد من التعظيم فان المعظم للكلام الذي يتلوه يستبشر به ويستأنس ولا يغفل عنه ، ففي القرآن ما يستأنس به القلب إن كان التالي أهلا له فكيف يطلب الانس بالفكر في غيره ، وهو في منتزه ومتفرج والذي يتفرج في المتنزهات لا يفكر في غيرها .
ومنها التدبر وهو وراء حضور القلب فانه قد لا يتفكر في غير القرآن ولكنه يقتصر على

(1) نقر العود أو الدف : ضربه ليصوت . نقر فلان : قرع الابهام على الوسطى وصوت . وصفر صفيرا : صوت بالنفخ من شفيته . صفر بالفرس عند وروده . دعاه ليشرب . المنجد .
(2) سورة الواقعة : آية 79 .
الحقايق في محاسن الأخلاق254

سماع القرآن من نفسه وهو لا يتدبّره ، والمقصود من القراءة التدبّر قال الله تعالى : «أفلا يتدبّرون القرآن أم على قلوب أقفالها»(1) ولذلك سن فيه الترتيل لأن الترتيل في الظاهر تمكن من التدبر في الباطن .
قال امير المؤمنين (ع) : «لا خير في عبادة لا فقه فيها ولا في قراءة لا تدبّر فيها»(2) وإذا لم يتمكن من التدبر إلا بالترديد فليردّد ، وعن أبي ذر (رض) قال : «قام بنا رسول الله (ص) فقام ليلة بآية يردّدها «إن تعذبهم فانهم عبادك وإن تغفر لهم فانك أنت العزيز الحكيم»(3)»(4) .

الفصل الرابع
التفهم

ومنها التفهم وهو أن يستوضح من كل آية ما يليق بها إذ القرآن يشتمل على ذكر صفات الله تعالى وذكر أفعاله وذكر أحوال أنبيائه وذكر أحوال المكذبين لهم وأنهم كيف اهلكوا ، وذكر أوامره وزواجره ، وذكر الجنة والنار .
أما صفات الله فكقوله : «ليس كمثله شيء وهو السميع البصير»(5) وكقوله : «الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن(6)العزيز الجبار المتكبر»(7) فليتأمل معاني هذه الصفات والأسماء لينكشف له أسرارها ، فتحتها معان مدفونة لا ينكشف إلا للموفقين .
وإليه أشار أمير المؤمنين (ع) بقوله : «ما أسر إلي رسول الله (ص) شيئا أكتمه من الناس إلا أن يؤتي الله عبدا فهما في كتابه فليكن حريصا على طلـب ذلـك الفهـم»(8) .
وأما أفعاله كذكره خلق السماوات والأرض وغيرهما فليفهم التالي منها صفات الله وجلاله إذ الفعل يدل على الفاعل فيدل عظمته على عظمته ، فينبغي أن يشهد في الفعل الفاعل دون الفعل ، فمن عرف الحق رآه في كل شيء إذ كل شيء منه وإليه وبه وله ، ومن لا يراه في كل

(1) سورة محمد : آية 24 .
(2) تحف العقول : ص 144 .
(3) سورة المائدة : آية 118 .
(4) احياء علوم الدين : ج 1 ص 249 .
(5) سورة الشورى : آية 11 .
(6) المهيمن من اسمائه تعالى معناه : القائم على خلقه بأعمالهم وآجالهم وأرزاقهم وقيل الرقيب على كل شيء . وقيل الامين الذي لا يضيع لأحد عنده حق . م .
(7) سورة الحشر : آية 23 .
(8) احياء علوم الدين : ج 1 ص 250 .
الحقايق في محاسن الأخلاق255

ما يراه فكأنه ما عرفه ومن عرفه عرف أن كل شيء ما خلا الله باطل ، وأن كل شيء هالك إلا وجهه .
وأما أحوال الأنبياء ، فاذا سمع منها كيف كذبوا وضربوا وقتلوا فليفهم منه صفة الاستغناء لله تعالى عن الرسل والمرسل إليهم وأنه لو اهلك جميعهم لم يؤثر في ملكه وإذا سمع نصرتهم في آخر الأمر فليفهم قدرة الله وإرادته لنصرة الحق .
وأما حوال المكذبين كعاد وثمود وما جرى عليهم فليكن فهمه منه استشعار الخوف من سطوته ونقمته ، وليكن حظه منه الاعتبار في نفسه وأنه إن غفل وأساء الأدب واغتر بما امهل فربما يدركه النقمة وينفذ فيه القضية .
وكذلك إذا سمع وصف الجنة والنار وساير ما في القرآن فلا يمكن استقصاء ما يفهم منه لأن ذلك لا نهاية له وإنما لكل عبد منه بقدر رزقه «ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين»(1) .

الفصل الخامس
التخلي عن موانع الفهم

ومنها التخلي عن موانع الفهم فان أكثر الناس منعوا عن فهم معاني القرآن لأسباب وحجب أسدلها(2) الشيطان على قلوبهم ، فعمت عليهم عجايب أسرار القرآن قال النبي (ص) : «لولا أن الشياطين يحومون(3) على قلوب بني آدم لنظروا إلى الملكوت»(4) ، ومعاني القرآن من جملة الملكوت لأنها إنما تدرك بنور البصيرة دون الحواس ، وحجب الفهم أربعة :
اولها أن يكون الهم منصرفا إلى تحقيق الحروف باخراجها من مخارجها ؛ وهذا يتولى حفظه شيطان وكل بالقرآن ليصرف الناس عن فهم معاني كلام الله ، ولا يزال يحملهم على ترديد الحروف يخيل اليهم انه لم يخرج من مخرجه ، فهذا يكون تأمله مقصورا على مخارج الحروف ، فأنى تنكشف له المعاني ، وأعظم ضحكة للشيطان من كان مطيعا له بمثل هذا التلبيس .

(1) سورة الانعام : الآية 59 .
(2) سدلت الثوب سدلا من باب نصر ارخيته وارسلته . قال في مجمع البحرين : ولا يخفى على من تدبر كتب اللغة أن اسدل لم يأت في كلامهم وانما المستعمل سدل بدون الف حتى قال بعضهم : وأسدلته بالالف غلط .
(3) حام الطاير حول الشيء حوما : اذا دار .
(4) احياء علوم الدين : ج 1 ص 206 .
الحقايق في محاسن الأخلاق256

ثانيها أن يكون مقلدا لمذهب سمعه بالتقليد وجمد عليه وثبت في نفسه التعصب له بمجرّد الاتباع للمسموع من غير وصول إليه ببصيرة ومشاهدة فهذا شخص قد قيده معتقده عن أن يجاوزه فلا يمكنه أن يخطر بباله غير معتقده ، فان لمع برق على بعد وبدا له معنى من المعاني التي تباين مسموعه حمل عليه الشيطان التقليد حملة ، وقال كيف تخطر هذا ببالك وهو خلاف معتقد آبائك .
ثالثها ان يكون مصرا على ذنب أو متّصفا بكبر أو مبتلى على الجملة بهوى في الدنيا مطاع ، فان ذلك سبب ظلمة القلب وصداه(1) وهو كالخبث على المرآة .
ولذلك قال النبي (ص) : «إذا عظمت امتي الدينار والدرهم نزع منها هيبة الاسلام ، وإذا تركوا الأمر بالمعروف حرموا بركة الوحي»(2) وقد شرط الله الانابة في الفهم والتذكر قال : «تبصرة وذكرى لكل عبد منيب»(3) وقال : «وما يتذكر إلا من ينيب»(4) وقال : «إنما يتذكر اولو الالباب»(5) والذي آثر غرور الدنيا على نعيم الآخرة فليس من ذوي الألباب فلذلك لا ينكشف له أسرار الكتاب .
رابعها أن يكون قد قرأ تفسيرا ظاهرا واعتقد أنه لا معنى لكلمات القرآن إلا ما تناوله النقل وان ما وراء ذلك تفسير بالرأي وان من فسر القرآن برايه فقد تبوأ مقعده من النار ، وهذا لا يدري ما معنى التفسير بالرأي ولا يفهم معنى قول أمير المؤمنين (ع) : إلا أن يؤتى الله العبد فهما في القرآن ، وأنه لو كان هو الظاهر المنقول لما اختلف الناس فيه .

الفصل السادس
التخصيص

ومنها التخصيص وهو أن يقدرأنه المقصود بكل خطاب في القرآن فان سمع أمرا أو نهيا قدر أنه هو المأمور والمنهي ، وإن سمع وعدا أو وعيدا فكمثل ذلك ، وإن سمع قصص الأولين علم أن السمر(6) غير مقصود وانما المقصود الاعتبار وأخذ ما يحتاج إليه فما من قصة في القرآن

(1) صدى الحديد صدء من باب تعب اذا علاه الجرب وفي الخبر : ان القلب يصدأ كما يصدأ الحديد أي يركبه الرين بمباشرة المعاصي والآثام فيذهب بجلائه . م .
(2) احياء علوم الدين : ج 1 ص 251 .
(3) سورة ق : آية 8 .
(4) سورة غافر : آية 13 .
(5) سورة الزمر : آية 9 .
(6) سمر فلان إذا تحدث ليلا قوله تعالى : سامرا تهجرون أي متحدثين ليلا م .
الحقايق في محاسن الأخلاق257

إلا وسياقها لفايدة في حق النبي (ص) وامّته ولذلك قال الله تعالى : «ما نثبت به فؤادك»(1) .
فليقدر العبد أن الله تعالى يثبت فؤاده بما يقصّه عليه من أحوال الأنبياء وصبرهم على الايذاء وثباتهم في الدين لانتظار نصر الله ، وكيف لا يقدر هذا والقرآن ما انزل على رسول الله (ص) خاصة بل هو شفاء وهدى ورحمة ونور للعالمين ولذلك أمر الله الكافة بشكر نعمة الكتاب فقال : «واذكروا نعمة الله عليكم وما انزل عليكم من الكتاب والحكمة»(2) وقال : «لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم»(3) «وأنزلنا إليك الذكر لتبيّن للناس ما نزّل إليهم»(4) «كذلك يضرب الله للناس أمثالهم»(5) «هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين»(6) .
وإذا قصد بالخطاب جميع الناس قصد الآحاد فهذا الواحد القاري مقصود مما له ولساير الناس فليقدّر أنه المقصود .
وقال بعض الحكماء : هذا القرآن رسائل اتتنا من قبل ربنا بعهوده نتدبرها في الصلوات ، ونقف عليها في الخلوات ، وننفذها في الطاعات بالسنن المتبعات .

الفصل السابع
التأثر

ومنها التأثر وهو أن يتأثر قلبه بآثار مختلفة بحسب اختلاف الآيات فيكون له بحسب كل فهم حال ووجد ووجل يتصف به قلبه من الحزن والخوف والرجاء وغيرها .
ومهما تمت معرفته كانت الخشية أغلب الأحوال على قلبه فان التضيق غالب على آيات القرآن فلا ترى ذكر المغفرة والرحمة إلا مقرونا بشروط يقصر المعارف عن نيلها كقوله تعالى : «وإنّي لغفار»(7) ثم اتباعه ذلك باربعة شروط «لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى»(8) .
وقوله : «والعصر إن الانسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر»(9) ذكر أربع شرايط .

(1) سورة هود : آية 120 .
(2) سورة البقرة : آية 231 .
(3) سورة الأنبياء : آية 10 .
(4) سورة النحل : آية 44 .
(5) سورة محمد : آية 3 .
(6) سورة آل عمران : آية 138 .
(7) سورة طه : آية 82 .
(8) سورة طه : آية 82 .
(9) سورة العصر .
الحقايق في محاسن الأخلاق258

وحيث اقتصر ذكر شرطا جامعا فقال : «إن رحمة الله قريـب مـن المحسنيـن»(1) فالاحسان يجمع الكل وهكذا من يتصفح القرآن من أوله إلى آخره ومن فهم ذلك فجدير بأن يكن حاله الخشية والحزن ، ولذلك قيل ما أصبح اليوم عبد يتلو هذا القرآن يؤمن به إلا كثر حزنه وقل فرحه وكثر بكاؤه وقل ضحكه وكثر نصبه وشغله وقلت راحته وبطالته .
فتأثر العبد بالتلاوة ان يصير بصفة الآية المتلوة ، فعند الوعيد وتقييد المغفرة بالشروط يتضأل(2) من خيفته كأنه يكاد يموت ، وعند التوسيع ووعد المغفرة يستبشر كأنه يطير من الفرح ، وعند ذكر صفات الله تعالى وأسمائه يتطاطا خضوعا لجلاله واستشعارا لعظمته ، وعند ذكر الكفار ما يستحيل على الله تعالى كذكرهم لله ولدا وصاحبة يغض صوته وينكسر في باطنه حياء من قبح مقالهم ، وعند وصف الجنة ينبعث باطنه شوقا إليها ، وعند وصف النار ترتعد فرايصه خوفا منها .
فالقرآن إنما يراد لاستجلاب هذه الأحوال إلى القلب والعمل به ، وإلا فالمؤنة في تحريك اللسان بحروفه خفيفة ، بل التالي باللسان المعرض عن العمل جدير بان يكون هو المراد بقوله : «ومن أعرض عن ذكري فان له معيشة ضنكا(3) ونحشره يوم القيامة أعمى»(4) وبقوله تعالى : «كذلك اتتك آياتنا فنسيتهـا وكذلـك اليـوم تنسـى»(5) اي تركتها ولم تنظر إليها ولم تعبأ بها فان المقصر في الامر يقال له إنه نسي الأمر .
وتلاوة القرآن حق تلاوته أن يشترك فيه اللسان والعقل والقلب ، فحظ اللسان تصحيح الحروف بالترتيل وحظ العقل تفسير المعاني ، وحظ القلب الاتعاظ والتأثر بالانزجار والايتمار ، فاللسان واعظ والعقل مترجم والقلب متعظ .

(1) سورة الاعراف : آية 56 .
(2) في حديث جبرئيل : وانه ليتضأل من خشية الله ، أي يتصاغر تواضعا منه لله تعالى يقال تضأل الشيء اذا تقبض وانضم بعضه إلى بعض . م .
(3) الضنك : الضيق من كل شيء للمذكر والمؤنث يقال : مكان ضنك وعيشة ضنك المنجد .
(4) سورة طه : آية 124 .
(5) سورة طه : آية 126 .
الحقايق في محاسن الأخلاق259

الفصل الثامن
الترقي

ومنها الترقي وأعني به أن يترقى إلى أن يسمع الكلام من الله تعالى لا من نفسه فدرجات القراء ثلاث أدناها أن يقدر العبد كانه يقرؤه على الله تعالى واقفا بين يديه وهو ناظر إليه ومستمع منه ، فيكون حاله عند هذا التقدير السؤال والتملق والتضرع والابتهال .
ثم ان يشهد بقلبه كان ربه يخاطبه بألطافه ويناجيه بانعامه وإحسانه فمقامه الحياء والتعظيم والاصغاء والفهم .
ثم أن يرى في الكلام المتكلم وفي الكلمات الصفات فلا ينظر إلى نفسه ولا إلى قراءته ولا إلى تعلق الانعام به من حيث إنه منعم عليه ، بل مقصور الهم على المتكلم موقوف الفكر عليه كانه مستغرق بمشاهدة المتكلم عن غيره ، وهذه درجة المقربين وما قبله من درجات أصحاب اليمين ، وما خرج عن هذا فهو من درجات الغافلين .
وعن الدرجة العليا(1) اخبر الصادق (ع) فقال : «والله لقد تجلى الله لخلقه في كلامه ولكن لا يبصرون»(2) .
وقال أيضا وقد سألوه عن حالة لحقته في الصلاة حتى خر مغشيا عليه فلما سرى عنه قيل له في ذلك فقال : «ما زلت اردّد هذه الآية على قلبي حتى سمعتها من المتكلم بها ، فلم يثبت جسمي لمعاينة قدرته»(3) وفي مثل هذه الدرجة تعظم الحلاوة ولذة المناجاة .
ولذلك قال بعض الحكماء كنت أقرأ القرآن فلا أجد له حلاوة حتى تلوته كأني اسمعه من رسول الله (ص) يتلوه على أصحابه ، ثم رفعت إلى مقام فوقه فكنت أتلوه كأني أسمعه من جبرئيل (ع) يلقيه على رسول الله (ص) ، ثم جاد الله تعالى بمنزلة اخرى فانا الآن أسمعه من المتكلم به ، فعندها وجدت لذة ونعيما لا أصبر عنه .

(1) وعن هذه الدرجة أخبر سيد الشهداء ارواحنا له الفداء حيث قال : الذي تجلى لعباده في كتابه بل في كل شيء ، وأراهم نفسه في خطابه بل في كل نور وفيء .
(2) نقله الشهيد في أسرار الصلاة : ص 204 .
(3) فلاح السائل : ص 107 .
الحقايق في محاسن الأخلاق260

الفصل التاسع
التبري

ومنها التبري وأعني به أن يتبرّى عن حوله وقدرته والالتفات إلى نفسه بعين الرضا والتزكية فاذا تلا آيات الوعد والمدح للصالحين فلا يشهد نفسه عند ذلك ، بل يشهد الموقنين والصديقين فيها ويتشوق أن يلحقه الله بهم ، وإذا تلا آية المقت وذم العصاة والمقصرين شهد نفسه هناك وقدر انه المخاطب خوفا وإشفاقا .
وإلى هذا أشار أمير المؤمنين (ع) في الخطبة التي يصف فيها المتقين بقوله : «وإذا مروا بآية فيها تخويف أصغوا إليها مسامع قلوبهم وظنوا أن زفير جهنّم في آذانهم»(1) .
فاذا رأى نفسه بصورة التقصير في القراءة كان رؤيته سبب قربه فان من شهد البعد في القرب لطف له بالخوف حتى يسوقه إلى درجة اخرى في القرب وراءها ومن شهد القرب في البعد مكر به بالأمن الذي يفضيه إلى درجة اخرى في البعد أسفل مما هو فيه .
ومهما كان شاهدا نفسه بعين الرضا صار محجوبا بنفسه وإذا جاوز حد الالتفات إلى نفسه ولم يشاهد إلا الله في قراءاته انكشف له الملكوت بحسب أحواله ، فحيث يتلو آيات الرحمة ويغلب على حاله الاستبشار ينكشف له صورة الجنة فيشاهدها كأنه يراها عيانا ، وإن غلب عليه الخوف كوشف بالنار حتى يرى أنواع عذابها .
وذلك لأن كلام الله يشتمل على السهل اللطيف والشديد العسوف(2) والمرجوّ والمخوف ، وذلك بحسب أوصافه إذ منها الرحمة واللطف والانتقام والبطش فبحسب مشاهدة الكلمات والصفات يتقلب القلب في اختلاف الحالات ، وبحسب كل حالة منها يستعد للمكاشفة بأمر يناسب تلك الحالة ويقاربها إذ يستحيل ان يكون حال المستمع واحدا والمسموع مختلف إذ فيه كلام راض وكلام غضبان وكلام منعم وكلام منتقم وكلام متكبر لا يبالي وكلام حنان(3) متعطف لا يهمل .

(1) نهج البلاغة : ص 304 خطبة رقم 193 «صبحي الصالح» .
(2) عسفة عسفا من باب خرب : أخذه بقوة والفاعل عسوف . م .
(3) حنت على الشيء حنة وحنانا عطفت عليه وترحمت . م .
الحقايق في محاسن الأخلاق261

الباب الخامس
في الزكاة والمعروف

في الزكاة والمعروف قال الله تعالى : « وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة » وقال النبي (ص) : «إذا منعت الزكاة منعت الأرض بركاتها»(1) ، وقال الباقر (ع) «إن الله تعالى قرن الزكاة بالصلاة قال : «وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة»(2) فمن أقام الصلاة ولم يؤت الزكاة فلم يقم الصلاة»(3) .
وقال الصادق (ع) : «ما فرض الله تعالى على هذه الأمة شيئا أشد عليهم من الزكاة وفيها تهلك عامتهم»(4) وقال : «من منع قيراطا(5) من الزكاة فليس بمؤمن ولا مسلم وهو قوله تعالى : «رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت»(6)»(7) .
وقال (ص) : «ما من ذي مال ذهب أو فضة يمنع زكاة ماله إلا حبسه الله يوم القيامة بقاع قرقر(8) سلط عليه شجاعا أقرع(9) يريده وهو يحيد(10) عنه ، فاذا رأى أنه لا يتخلص منه أمكنه من يديه فقضمها(11) كما يقضم الفجل ثم يصير طوقا في عنقه ، وذلك قول الله تعالى : «سيطوّقون ما بخلوا به يوم القيامة»(12) .
وما من ذي مال ابل أو غنم أو بقر يمنع زكاة ماله إلا حبسه الله يوم القيامة بقاع قرقر يطأه كل ذات ظلف بظلفها(13) وينهشه كل ذات ناب بنابها(14) .
وما من ذي نخل أو كرم أو زرع يمنع زكاتها إلا طوقه الله ريعة(15) أرضه إلى سبع أرضين إلى يوم القيامة»(16) .

(1) الكافي : ج 3 ص 505 .
(2) سورة البقرة : آية 43 .
(3) الكافي : ج 3 ص 506 ومن لا يحضره الفقيه : ج 2 ص 6 .
(4) الكافي : ج 3 ص 497 ودعائم الاسلام ج 1 ص 247 .
(5) جزء من أجزاء الدينار .
(6) سورة المؤمنون : آية 99 / 100 .
(7) من لا يحضره الفقيه : ج 2 ص 7 .
(8) القرقر القاع الاملس . م .
(9) الشجاع الاقرع حية قد تمعط فروة رأسها لكثرة سمها . م .
(10) يقال : حاد عن الشيء يحيد : مال عنه وعدل ، ويحيد عنه ينهزم عنه ومنه قوله تعالى « ذلك ما كنت منه تحيد » .
(11) القضم الاكل بأطراف الاسنان .
(12) سورة آل عمران : آية 180 .
(13) الظلف للبقرة والشاة والظبي كالحافر للفرس والبغل والخف للبعير .
(14) الناب : السن خلف الرباعية .
(15) الربع : المرتفع من الأرض أو كل فج ، ق .
(16) من لا يحضره الفقيه : ج 2 ص 5 والكافي : ج 3 ص 506 .

السابق السابق الفهرس التالي التالي