الحقايق في محاسن الأخلاق211

الأفعال فلا يتوجّه نحوه قصده ، وذلك ممّا لا يقدر على اعتقاده في كل حين ، وإذا اعتقد فانما يتوجه القلب إذا كان فارغا غير مصروف عنه بغرض شاغل أقوى منه ، وذلك لا يمكن في كل وقت .
والدواعي والصوارف لها أسباب كثيرة بها يجتمع ويختلف ذلك بالأشخاص والأحوال والأعمال ، فاذا غلبت شهوة النكاح ولم يعتقد غرضا صحيحا في الولد لم يمكنه ان يتزوّج على نية الولد ، بل لا يمكن الا على نية قضاء الشهوة ، إذ النية هي إجابة الباعث ولا باعث إلا الشهوة فكيف ينوي الولد .
نعم طريق اكتساب هذه النية مثلا أن يقوى اولا ايمانه بالشرع ويقوى إيمانه بعظم ثواب من سعى في تكثير امّة محمد (ص) ، ويدفع عن نفسه جميع المنفرات عن الولد من ثقل المؤنة وطول التعب ، وغيره ، وإذا فعل ذلك فربما انبعثت من قلبه رغبة إلى تحصيل الولد للثواب ، فتحركت تلك الرغبة وتحرك أعضائه لمباشرة العقد وإذا انتهضت القدرة المحركة لللسان بقبول العقد طاعة لهذا الباعث الغالب على القلب كان ناويا ، وإذا لم يكن كذلك فما يقدّره في نفسه ويردده في قلبه من قصد الولد وسواس وهذيان .
ولهذا امتنعت جماعة من جملة من الطاعات إذا لم تحضرهم النية وكانوا يقولون ليس تحضرني نية ، وتلك لعلمهم بأن النية روح الأعمال وأن العمل بغير نية صادقة رياء وتكلف وهو سبب مقت لا سبب قرب .
وعن الصادق (ع) : «أنه أتاه مولى له فسلم عليه وجلس فلما انصرف (ع) انصرف معه الرجل ، فلمّا انتهى إلى باب داره دخل وترك الرجل ، فقال له ابنه اسماعيل يا أبه ألا كنت عرضت عليه الدخول ؟ فقال : لم يكن من شأني إدخاله قال : فهو لم يكن يدخل قال : يا بني إنّي أكره أن يكتبني الله عراضا(1)»(2) .
وفي مصباح الشريعة قال الصادق (ع) «صاحب النية الصادقة صاحب القلب السليم ، لأن سلامة القلب من هواجس(3) المحذورات تخلص النية لله في الامور كلها قال الله

(1) عرضت له الشيء اي اظهرته وابرزته اليه . ولفلان عرضة يصرع بها الناس وهو ضرب من الحيلة في المصارعة . كذا عن الصحاح .
(2) المحاسن : ج 2 ص 417 ح 180 .
(3) هجس الأمر : وقع وخطر في باله ، ومنه حديث الحسن بن علي (ع) : انا الضامن لمن لم يهجس في قلبه الا الرضا ان يدعو فيستجاب له م .
الحقايق في محاسن الأخلاق212

تعالى «يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من اتى الله بقلب سليم»(1) .
قال النبي (ص) : «نية المؤمن خير من عمله»(2) وقال : «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرء ما نوى»(3) .
ولا بد للعبد من خالصة النية في كل حركة وسكون لانه إذا لم يكن بهذا المعنى يكون غافلا والغافلون قد وصفهم الله تعالى فقال : «إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا»(4) وقال : «اولئك هم الغافلون»(5) .
ثم النية تبدو من القلب على قدر صفاء المعرفة ويختلف على حسب اختلاف الأوقات في معنى قوته وضعفه ، وصاحب النية الخالصة نفسه وهواه معه مقهورتان تحت سلطان تعظيم الله والحياء منه ، وهو من طبعه وشهوته ومنيته نفسه منه في تعب والناس منه في راحة»(6) .
الفصل الرابع
الاخلاص

وأما الاخلاص فهو تجريد النية عن الشوب فالأعلى إرادة وجهه تعالى : ويعرف بالتفكّر في صفاته وأفعاله والمناجاة ، ثم إرادة نفع الآخرة فهو حظ النفس وورد في حقيقته : أن تقول ربي الله ثم تستقيم كما امرت تعمل لله لا تحب أن تحمد عليه .
قال الله تعالى : «وما امروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين»(7) وقال : «ألا لله الدين الخالص»(8) وقال : «إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخصلوا دينهم لله»(9) .
وعن أمير المؤمنين (ع) قال : «طوبى لمن أخلص لله العبادة والدعاء ، ولم يشغل قلبه بما ترى عيناه ، ولم ينس ذكر الله بما تسع اذناه ، ولم يحزن صدره بما اعطى غيره»(10) .

(1) سورة الشعراء : آية 88 ـ 89 .
(2) الكافي : ج2 ص 84 وعدة الداعي ص 27 .
(3) احياء علوم الدين : ج 4 ص 332 ودعام الاسلام ج 1 ص 156 .
(4) سورة الفرقان : آية 44 .
(5) سورة الاعراف : آية 179 .
(6) مصباح الشريعة : ص 53 .
(7) سورة البينة : آية 5 .
(8) سورة الزمر : آية 3 .
(9) سورة النساء : آية 146 .
(10) الكافي : ج 2 ص 16 .
الحقايق في محاسن الأخلاق213

وعن الباقر (ع) قال : «ما أخلص عبد الايمان بالله أربعين يوما أو قال ما أجمل عبد ذكر الله أربعين يوما إلا زهّده الله في الدنيا وبصّره داءها ودواءها وأثبت الحكمة في قلبه ، وأنطق بها لسانه»(1) .
وعن الصادق (ع) في قول الله عز وجل : «ليبلوكم أيكم أحسن عملا»(2) قال : ليس يعني أكثركم عملا ولكن أصوبكم عملا ، وانما الاصابة خشية الله والنية الصادقة ثم قال : الابقاء على العمل حتى يخلص أشد من العمل ، والعمل الخالص الذي لا تريد أن يحمدك عليه أحد إلا الله عز وجل ، والنية أفضل من العمل ، ألا وإن النية هو العمل ، ثم تلا قوله تعالى : «قل كل يعمل على شاكلته» يعني على نيته»(3) .
والطريق إلى الاخلاص كسر حظوظ النفس وقطع الطمع عن الدنيا والتجرد للآخرة بحيث يغلب ذلك على القلب ، وكم أعمال يتعب الانسان فيها ويظن أنها خالصة لوجه الله تعالى ، ويكون فيها مغرورا لأنه لا يدري وجه الآفة فيه(4) .
كما حكي عن بعضهم أنه قال قضيت صلاة ثلاثين سنة كنت صلّيتها في المسجد جماعة في الصف الأول لأني تأخرت يوما لعذر وصليت في الصف الثاني فاعترتني خجلة من الناس حيث رأوني في الصف الثاني ، فعرفت أن نظر الناس إليّ في الصف الأول كان يسرّني ، وكان سبب استراحة قلبي من ذلك من حيث لا اشعر .
وهذا دقيق غامض وقلّما تسلم الأعمال من أمثاله وقل من يتنبه له ، والغافلون عنه يرون حسناتهم في الآخرة كلّها سيّئات ، وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون وبدا لهم سيئات ما عملوا ، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ، وقد مضت الاشارة إلى أمثال ذلك في باب ذم الغرور .

(1) الكافي : ج 2 ص 16 .
(2) سورة الملك : آية 2 .
(3) الكافي : ج 2 ص 16 .
(4) روي في الوسائل عن كتاب الزهد عن أبي بصير قال : سمعت أبا عبد الله (ع) يقول : يجاء بالعبد يوم القيامة قد صلى فيقول : يا رب قد صليت ابتغاء وجهك فيقال له : بل صليت ليقال ما احسن صلاة فلان ، اذهبوا به الى النار ثم ذكر مثل ذلك في القتال وقراءة القرآن والصدقة .
«أقول» : وروي المصنف (قده) نظير هذه الرواية في محجة البيضاء ، عن النبي (ص) باختلاف في اللفظ والمعنى .
الحقايق في محاسن الأخلاق214

الفصل الخامس
في نية الحج والتجارة معا

اعلم أنه قد ثبت إجماع الامة على أن من خرج حاجا ومعه تجارة صح حجه واثيب إليه مع أن سفره ليس خالصا للحج ، والوجه فيه ان التجارة تعرض لرزق وهو أيضا عبادة كما مضى بيانه .
وقد عرفت أن نية الخيرات المتعددة موجبة لتضاعف الثواب بحسبها وليس الأمر كما ظن إن التاجر إنما يثاب على أعمال الحج عند انتهائه إلى مكّة وتجارته غير موقوفة عليه فهو خالص وإنما المشترك طول المسافة ولا ثواب فيه هما قصد تجارة ولا كما ظن أنه مهما كان الحج هو المحرك الاصلي وكان غرض التجارة كالمعين والتابع فلا ينفك نفس السفر عن ثواب .
نعم إذا كان التجارة للجمع والادخار من غير حاجة فلا يبعد أن يقال ذلك ، وكذا إذا انضم إلى قصد الحج قصد التفرّج والتوحش عن الأهل انضماما غير مستقل ونحوه إذا انضم إلى نيّة الصوم قصد الحمية(1) وإلى نيّة الوضوء التبرد ، وإلى نيّة العتق سوء الخلق والخلاص عن المؤنة إلى غير ذلك إذا لم يكن المنضمات مستقلة ، وأما ما لا يضر بالاخلاص من أنواع الرياء وغيره فقد مر الكلام فيه في باب الرياء والكبر ، فلا وجه لإعادته .

الفصل السادس
مفتاحه القبول والرضا

في مصباح الشريعة قال الصادق (ع) : «الاخلاص يجمع فواضل الأعمال ، وهو معنى مفتاحه القبول ، وتوقيعه الرضا ، فمن تقبّل الله منه ورضي عنه فهو المخلص وإن قل عمله ، ومن لا يتقبّل الله منه فليس بمخلص وإن كثر عمله اعتبارا بآدم (ع) وإبليس .
وعلامة القبول وجود الاستقامة ببذل كل المحاب مع إصابة علم كل حركة وسكون ، والمخلص ذائب روحه وباذل مهجته في تقويم ما به العلم والأعمال والعامل والمعمول بالعمل لأنه إذا أدرك ذلك فقد أدرك الكل ، وإذا فاته ذلك فاته الكل وهو تصفية معاني التنزيه في التوحيد كما قال الامام (الأول خ) :
هلك العاملون إلا العابدون ، وهلك العابدون إلا العالمون ، وهلك العالمون إلا

(1) الحمية ما حمى من الشيء الاسم من حمى المريض إذا منعه عما يضره . المنجد .
الحقايق في محاسن الأخلاق215

الصادقون ، وهلك الصادقون إلا المخلصون ، وهلك المخلصون إلا المتقون ، وهلك المتقون إلا الموقنون ، وإن الموقنين لعلى خطر عظيم .
قال الله تعالى لنبيّه : «واعبد ربك حتى يأتيك اليقين»(1) وأدنى حد الاخلاص بذل العبد طاقته ، ثم لا يجعل بعلمه عند الله قدرا فيوجب به على ربه مكافاة بعمله بعلمه أنه لو طالبه بوفاء حق العبودية لعجز ، وادنى مقام المخلص في الدنيا السلامة من جميع الآثام ، وفي الآخرة النجاة من النار والفوز بالجنة»(2) .

الفصل الثاني
في الطهارة والنظافة

في الطهارة والنظافة ، قال الله سبحانه : «فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهّرين»(3) وقال تعالى : «ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهّركم»(4) .
قال النبي (ص) : «الطهور نصف الايمان»(5) وقال : «مفتاح الصلاة»(6) وقال : «بني الدين على النظافة»(7) وقال (ص) : «بئس العبد القاذورة(8)»(9) وقال : «من اتخذ ثوبا فلينظفه»(10) .
وقال أمير المؤمنين (ع) : «النظيف من الثياب يذهب الهم والحزن وهو طهور للصلاة»(11) .
فيتفطن ذوو البصاير بهذه الظواهر أن الايمان إنما يتم بعمارة القلوب والسراير وأن المراد بقوله (ص) : «الطهور نصف الايمان أن عمارة الظاهر بالتطهير والتنظيف بافاضة الماء نصف الايمان ، والنصف الآخر عمارة الباطن بالاعمال الصالحة والأخلاق الحميدة .
فالطهارة لها أربع مراتب الاولى تطهير الظاهر من الأحداث والأخباث والفضلات والثانية تطهير الجوارح من الجرايم والآثام والتبعات والثالثة تطهير القلب من مساوي الاخلاق ورذايلها

(1) سورة الحجر : آية 99 .
(2) مصباح الشريعة : ص 36 .
(3) سورة التوبة : آية 108 .
(4) سورة المائدة : آية 6 .
(5) العوالي : ج 1 ص 115 واحياء علوم الدين : ج 1 ص 114 .
(6) العوالي : ج 3 ص 93 واحياء علوم الدين : ج 1 ص 114 .
(7) احياء علوم الدين : ج 1 ص 114 .
(8) رجل قذور وقاذور وقاذورة وذو قاذورة لا يخالط الناس لسوء خلقه والقاذورة السيء الخلق .
(9) الكافي : ج 6 ص 439 .
(10) الكافي : ج 6 ص 441 .
(11) الكافي : ج 6 ص 444 .
الحقايق في محاسن الأخلاق216

والرابعة تطهير السر مما سوى الله جل وعلا وهي طهارة الأنبياء والصديقين ، والطهارة في كل مرتبة نصف العمل الذي فيها .
وهذه مقامات الايمان ، ولكل مقام طبقة ولن ينال العبد الطبقة العالية إلا أن يجاوز الطبقة السافلة ، فلا يصل إلى طهارة السر ممّا سوى الله وعمارته بمعرفة الله وانكشاف جلاله وعظمته سبحانه ما لم يفرغ عن طهارة القلب من الخلق المذموم وعمارته بالمحمود ، ولن يصل إلى ذلك من لم يفرغ عن طهارة الجوارح من المناهي وعمارتها بالطاعات ، وكلما عز المطلوب وشرف صعب مسلكه وطال طريقه وكثر عقباته .
ولا تظن أن هذا الأمر يدرك بالمنى وينال بالهوينا(1) نعم من عميت بصيرته عن تفاوت هذه الطبقات لم يفهم من مراتب الطهارة إلا الدرجة الاولى التي هي كالقشر الأخير بالاضافة إلى اللب المطلوب ، فصار يمعن فيه ويستقصي في مجاريه والباطن خراب مشحون بخبائث الكبر والعجب والجهل والرياء والنفاق .

الفصل الاول
طهارة النفس والبدن

ينبغي للعاقل أن يتذكر بتخليه لقضاء الحاجة نقصه وحاجته وما يشت مل عليه من الاقذار ، وباستراحة نفسه عند إخراجها وسكون قلبه من دنسها وصلاحيته للوقوف على بساط الخدمة ، والتأهل للمناجاة ، وهوان الدنيا ومصير عواقب شهواتها ولذاتها ونعيمها .
وفي مصباح الشريعة قال الصادق (ع) : «سمي المستراح مستراحا لاستراحة النفوس من أثقال النجاسات واستفراغ(2) الكثافات والقذر فيها .
والمؤمن يعتبر عندها ان الخالص من حطام الدنيا كذلك يصير عاقبته فيستريح بالعدول عنها ويتركها ، ويفرغ نفسه وقلبه عن شغلها ويستنكف عن جمعها وأخذها استنكافه عن النجاسة والغايط والقذر ، ويتفكر في نفسه المكرمة في حال كيف تصير ذليلة في حال ، ويعلم أن التمسّك بالقناعة والتقوى يورث له راحة الدارين فان الراحة في هوان الدنيا والفرار من التمتع بها وفي إزالة النجاسة من الحرام والشبهة .

(1) الهوينا : التؤدة والرفق وهي تصغير الهوني والهوني تأنيث الاهون . المنجد .
(2) الاقذار والكثفات فيها . كذا في جامع السعادات .
الحقايق في محاسن الأخلاق217

فيغلق عن نفسه باب الكبر بعد معرفته إيّاها ويفر من الذنوب ويفتح باب التواضع والندم والحياء وتجتهد في أداء أوامره واجتناب نواهيه طلبا لحسن المآب وطيب النفس ، ويسجن نفسه في سجن الخوف والصبر والكف عن الشهوات إلى أن يتصل بأمان الله في دار القرار ويذوق طعم رضاه فان المعوّل ذلك وما عداه لا شيء»(1) .

الفصل الثاني
التطيب بالسواك

عن النبي (ص) أنه قال : «إن أفواهكم طرق القرآن فطيّبوها بالسواك»(2) وقال (ص) : «صلاة على أثر السواك أفضل من خمس وسبعين صلاة بغير سواك»(3) .
وفي مصباح الشريعة قال الصادق (ع) : قال النبي (ص) : «السواك مطهرة للفم مرضاة للرب ، وجعلها من سننه المؤكدة وفيها منافع للظاهر والباطن ما لا يحصى لمن عقل ، وكما تزيل ما تلوث من أسنانك من مطعمك ومأكلك بالسواك ، كذلك فأزل نجاسة ذنوبك بالتضرع والخشوع والتهجّد والاستغفار بالاسحار ، وطهر باطنك وظاهرك من كدورات المخالفات ، وركوب المناهي كلّها خالصة لله ، فان النبي (ص) أراد باستعماله مثلا لأهل اليقظة وهو .
أن السواك نبات لطيف نظيف وغصن شجر عذب مبارك ، والأسنان خلق خلقه الله تعالى آلة وأداة للمضغ وسببا لاشتهاء الطعام وإصلاح المعدة ، وهي جوهرة صافية تتلوث بصحبة تمضيغ الطعام ويتغير بها رايحة الفم ويتولد منها الفساد في الدماغ فاذا استاك المؤمن الفطن بالنبات اللطيف ومسحها على الجوهرة الصافية أزال عنها الفساد والتغيير ، وعادت إلى أصلها .
كذلك خلق الله القلب طاهرا صافيا وجعل غذاءه الذكر والفكر والهيبة والتعظيم وإذا شيب(4) القلب الصافي معدلته بالغفلة والكدر ، صقل بمصقلة التوبة ونظف بماء الانابة ليعود إلى حالته الأولى وجوهرته الأصلية الصافية قال الله تعالى : «إن الله يحب التوّابين ويحب المتطهّرين»(5) وان النبي (ص) أمرنا باستواك ظاهر الأسنان وأراد بهذا المعنى المثل ومن أناخ

(1) مصباح الشريعة : ص 126 .
(2) من لا يحضره الفقيه : ج 1 ص 32 وعن اعلام الورى للديلمي كما عن البحار : ج 77 ص 344 .
(3) اعلام الورى للديلمي : كما عن البحار ج 77 ص 344 .
(4) الثوب بالفتح : الخلط وقد تقدم وشيب على صيغة المجهول .
(5) سورة البقرة : آية 222 .
الحقايق في محاسن الأخلاق218

تفكره على باب العبرة في استخراج مثل هذه الامثال في الأصل والفرع فتح الله له غيوب الحكمة والمزيد من فضل الله والله لا يضيع أجر المحسنين»(1) .

الفصل الثالث
الوضوء للطهارة

قال النبي (ص) : «من توضّأ فذكر اسم الله طهر جميع جسده وكان الوضوء إلى الوضوء كفارة لما بينهما من الذنوب ، ومن لم يسم لم يطهر من جسده إلا ما أصابه الماء»(2) .
وقال الصادق (ع) : «من ذكر اسم الله على وضوئه فكأنما اغتسل»(3) .
وفي مصباح الشريعة قال الصادق (ع) : «إذا أردت الطهارة الوضوء فتقدم إلى الماء تقدّمك إلى رحمة الله ، فان الله تعالى قد جعل الماء مفتاح قربته ومناجاته ، ودليلا إلى بساط خدمته ، وكما أن رحمته تطهّر ذنوب العباد كذلك نجاسات الظاهرة يطهرها الماء لا غيره ، قال الله تعالى : «وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته وأنزلنا من السماء ماء طهورا»(4) وقال عز وجل : «وجعلنا من الماء كل شيء حي»(5) فكما أحيى به كل شيء من نعيم الدنيا كذلك بفضله ورحمته حياة القلوب بالطاعات .
وتفكر في صفاء الماء ورقته وطهوره وبركته ولطيف امتزاجه بكل شيء وفي كل شيء ، واستعمله في تطهير الأعضاء التي أمرك الله بتطهيرها وأت بآدابها فرايضه وسننه ، فان تحت كل واحد منها فوائد كثيرة إذا استعملتها بالحرمة انفجرت لك عين فوائده عن قريب .
ثم عاش خلق الله تعالى كامتزاج الماء بالأشياء تؤدي كل شيء حقّه ولا يتغير عن معناه معتبرا لقول رسول الله (ص) : مثل المؤمن الخاص كمثل الماء ، ولتكن صفوتك مع الله تعالى في جميع طاعاتك كصفوة الماء حين أنزله من السماء وسمّاه طهورا ، وطهّر قلبك بالتقوى واليقين عند طهارة جوارحك بالماء»(6) .
قال الرضا (ع) : «انما امر بالوضوء ليكون العبد طاهرا إذا قام بين يدي الجبار عند مناجاته

(1) مصباح الشريعة ص 123 .
(2) من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 31 .
(3) من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 31 .
(4) سورة الفرقان : آية 48 .
(5) سورة الانبياء : آية 30 .
(6) مصباح الشريعة ص 128 .
الحقايق في محاسن الأخلاق219

إياه مطيعا له فيما أمره نقيّا من الأدناس والنجاسة مع ما فيه من ذهاب الكسل وطرد النعاس(1) وتزكية الفؤاد للقيام بين يدي الجبار .
وإنما وجب على الوجه واليدين والرأس والرجلين لأن العبد إذا قام بين يدي الجبار فانما ينكشف من جوارحه ويظهر ما يوجب فيه الوضوء ، وذلك انه بوجهه يسجد ويخضع ، وبيده يسأل ويرغب ويرهب ويتبتل ، وبرأسه يستقبله في ركوعه وسجوده ، وبرجليه يقوم ويقعد وأمر بالغسل من الجنابة دون الخلاء ، لأن الجنابة من نفس الانسان وهو شيء يخرج من جميع جسده ؛ والخلاء ليس هو من نفس الانسان إنما هو غذاء يدخل من باب ويخرج من باب»(2) .
وفي رواية اخرى عنه (ع) : «وعلة التخفيف في البول والغايط أنه أكثر وأدوم من الجنابة فرضي فيه بالوضوء لكثرته ومشقّته ومجيئه بغير ارادة منه ولا شهوة ، والجنابة لا يكون إلا بالاستلذاذ منهم والاكراه لأنفسهم»(3) .
قال بعض أصحابنا ما ملخّصه : إن الدنيا والآخرة ضرّتان(4) ، كلما قربت من إحداهما بعدت عن الاخرى ، فلذلك امر العبد بتطهير الأعضاء الظاهرة الدنيوية عند الاشتغال بعبادة الله تعالى والاقبال عليه ، فامر في الوضوء بغسل الوجه الذي فيه أكثر الحواس الظاهرة التي هي أعظم الاسباب الباعثة على مطالب الدنيا ليتوجّه ويقبل بوجه القلب على الله وهو خال من تلك الأدناس(5) .
ثم امر بغسل اليدين لمباشرتهما أكثر الامور الدنيوية والمشتهيات الطبيعية المانعة من الاقبال على الآخرة ، ثم بمسح الرجلين لأن بهما يتوصّل إلى مطالبه ويتوسّل إلى تحصيل مآربه ، فيطهّرها جميعا ليسوغ له الدخول بها في العبادة والاقبال عليها .
وامر في الغسل بغسل جميع البشرة لأن أدنى حالات الانسان وأشدّها تعلقا بالملكات الشهوية حالة الوقاع وموجبات الغسل ولجميع بدنه مدخل في تلك الحالة ولهذا قال

(1) النعاس بالضم : الوسن واول النوم وهي ريح لطيفة تأتي من قبل الدماغ تغطي العين ولا تصل الى القلب فاذا وصلت اليه كان نوما م .
(2) عيون اخبار الرضا : ج 2 ص 87 الباب 33 .
(3) عيون اخبار الرضا : ج 2 ص 102 الباب 34 .
(4) ضرة المرأة امرأة زوجها وهما ضرتان والجمع الضرائر ، وفي حديث الرسول (ص) مع خديجة فاذا قدمت على ضرائرك فاقرئهن عنا السلام .
(5) الدنس : الوسخ .
الحقايق في محاسن الأخلاق220

رسول الله (ص) : «تحت كل شعرة جنابة»(1) فحيث كان جميع بدنه بعيدا عن المرتبة العلية منغمسا في اللذات الدنية كان غسله أجمع من أهم المطالب الشرعية ليتأهل لمقابلة الجهة الشريفة والدخول في العبادة المنيفة .
وامر في التيمم بمسح الأعضاء بالتراب عند تعذر غسلها بالماء وضعا لتلك الأعضاء الرئيسة وهضما لها بتلقّيها بأثر التربة الخسيسة .
قال : ولمّا كان للقلب من ذلك الحظ الأوفر والنصيب الأكمل كان الاشتغال بتطهيره من الرذايل والتوجّهات المانعة من درك الفضايل أولى من تطهير الاعضاء الظاهرة عند اللبيب العاقل ، وإذ لم يمكن تطهيره من الاخلاق الرذيلة وتخليته بالاوصاف الجميلة فليقمه مقام الهضم والارزاء(2) ويسقه بسياط الذل والاغضاء(3) ، عسى أن يطلع عليه مولاه الرحيم وسيّده الكريم ، وهـو منكسـر متواضـع فيهبـه نفحـة(4) من نفحات نوره اللامع ، فانه عند المنكسرة قلوبهم كما ورد في الأثر ، فترق من هذه الاشارات الى ما يوجب لك الاقبال وتلافي سالف الأعمال «الاهمال خ» .

الفصل الرابع
طهارة البدن عبرة لطهارة النفس

قال أمير المؤمنين (ع) : «نعم البيت الحمام يذكر فيه النار ويذهب بالدرن»(5) .
وفيه إشارة إلى أنه ينبغي للعاقل أن لا يغفل عن ذكر الآخرة في لحظاته فانها مصيره ومستقره فيكون له في كل ما يراه من ماء أو نار أو غيرهما عبرة وموعظة فان نظر إلى ظلمة تذكر ظلمة اللحد ، وإن نظر إلى حيّة تذكر أفاعي جهنم ، وإن سمع صوتا هايلا تذكر نفخة الصور ،

(1) سنن ابي داود ج 1 ص 65 .
(2) في النسخة المطبوعة تقديم المهملة على المعجمة فعليه يكون من الرزء بمعنى النقص وفي النسختين المخطوطتين تقديم المعجمة على المهملة فيكون من زرى عليه زريا من باب رمى عابه واستهزأ به .
(3) يسقه من السوق وهو حث الماشيةعلى السير والسوط ما يضرب به من جلد مضفور أو نحوه والجمع سياط والاغضاء التغافل عن الشيء وادناه بعضها من بعض ، وأغضى على الامر سكت وصبر .
(4) النفحة الدفعة من الشيء دون معظمة .
(5) الكافي ج 6 ص 496 مكارم الأخلاق ص 53 ومن لا يحضره الفقيه ج 1 ص 63 .

السابق السابق الفهرس التالي التالي