الحقايق في محاسن الأخلاق171

قاصرة ، وهداية الله بنور اليقين عن القلوب بما جبلت عليه من حب الدنيا محجوبة .
وما ذكره الباحثون ببضاعة عقولهم المزجاة(1) مضطرب ومتعارض ، والقلوب لما القى اليها في مبدء النشو ألفة وبه متعلّقة والتعصبات الثائرة بين الخلق مسامير مؤكدة للعقايد الموروثة أو المأخوذة بحسن الظن من المعلمين في أول الأمر ثم الطباع بحب الدنيا مشغوفة وعليها مقبلة وشهوات الدنيا بمخنقها آخذة وعن تمام الفكر صارفة .
فاذا فتح باب الكلام في الله وفي صفاته بالرأي والعقول مع تفاوت الناس في قرايحهم واختلافهم في طباعهم وحرص كل جاهل منهم على أن يدّعي الكمال والاحاطة بكنه الحق انطلقت ألسنتهم بما يقع لكل منهم وتعلّق ذلك بقلوب المصغين إليهم ، وتأكد ذلك بطول الالف فيهم وانسد بالكلية طريق الخلاص عنهم ، فكانت سلامة الخلق في أن يشغلوا بالأعمال الصالحة ولا يتعرّضوا لما هو خارج عن حد طاقتهم إلا من فقهه الله في الدين ، وعلمه التأويل ، وأشرق نور الحكمة في قلبه ، وذلك هو الكبريت الاحمر .
وأما السبب الثاني فهو ضعف الايمان في الاصل ثم استيلاء حب الدنيا على القلب ، ومهما ضعف الايمان ضعف حب الله وقوي حب الدنيا فيصير بحيث لا يبقى على القلب موضع لحب الله إلا من حيث حديث نفس لا يظهر له اثر في مخالفة النفس والعدول عن طريق الشيطان ، فيورث ذلك الانهماك في اتباع الشهوات حتى يظلم القلب ويقسو ويسود ويتراكم ظلمة الذنوب على القلب ، ولا يزال يطفي ما فيه من نور الايمان حتى يصير طبعا ورينا .
فاذا جاءت سكرات الموت ازداد حب الله ضعفا لما يبدو من استشعار فراق الدنيا وهي المحبوبة الغالبة على القلب فيتألم القلب باستشعار فراقها ويرى ذلك من الله ، فيختلج ضميره بانكار ما قدر الله من الموت ، فيخشى أن يثور في باطنه بغض الله بدل الحب فان اتفق زهوق روحه في تلك اللحظة التي خطر فيها هذه الخطرة فقد ختم له بالسوء فمن وجد في قلبه حب الله أغلب من حب الدنيا وإن كان يحب الدنيا أيضا فهو أبعد من هذه الخطرة ولا يحب الله إلا من عرفه .
قال الله تعالى : «قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال

(1) بضاعة مزجاء اي يسيرة قليلة كما في المجمع ، أو قليلة أو لم يتم صلاحها كما في القاموس .
الحقايق في محاسن الأخلاق172

اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب اليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربّصوا حتى يأتي الله بأمره»(1) .
واما السبب الثالث فكثرة المعاصي وإن قوى الايمان ، وذلك لأن مقارفة المعاصي سببها غلبة الشهوات ورسوخها في القلب بكثرة الالف والعادة ، وجميع ما ألفه الانسان في عمره يعود ذكره إلى قلبه عند موته .
فان كان ميله الاكثر إلى الطاعات كان أكثر ما يحضره عند الموت طاعة الله ، وإن كان ميله الاكثر إلى المعاصي غلب على قلبه عند الموت ذكر المعاصي ، فربما تقبض روحه عند غلبة شهوة من شهوات الدنيا ومعصية من المعاصي ، فيعتقد بها قلبه ويصير محجوبا عن الله(2) فالذي لا يقارف الذنب إلا الفينة(3) بعد الفينة فهو أبعد من هذا الخطر .
وذلك لأنه كما أن الانسان يرى في منامه جملة من الاحوال التي عهدها طول عمره وألف فيها حتى أنه لا يرى إلا ما يماثل مشاهداته في اليقظة وكذلك حاله عند سكرات الموت وما يتقدمه من الغشية ، فانه شبيه بالنوم قريب منه فيقتضي ذلك المألوفات وعودها إلى القلب فربما يكون غلبة الالف سببا لان يتمثل صورة فاحشة في قلبه ويميل نفسه إليها فربما يقبض روحه

(1) سورة التوبة : آية 24 .
(2) وذلك كما ورد أنه احتضر بعض المترفين وكان كلما قيل له : قل : لا إله إلا الله يقول هذا البيت :
يا رب قائلة يوما وقد تعبت اين الطريق الى حمام منجاب
وكان سبب ذلك ان امرأة عفيفة حسناء خرجت الى حمام معروف بحمام منجاب فلم تعرف طريقها وتعبت من المشي فرأته على باب داره فسألته عن الحمام فأشار الى باب داره ، فلما دخلت اغلق الباب عليها ، فلما عرفت بمكره اظهرت كمال الرغبة والسرور وقالت : اشتر لنا شيئا من الطيب وشيئا من الطعام وعجل بالعود فلما خرج واثقا بها وبرغبتها خرجت وتخلصت منه .
وكما حكى أيضا ان تلميذا من تلاميذ الفضيل بن عياض لما حضرته الوفاة دخل عليه الفضيل وجلس عند رأسه وقرأ سورة يس فقال : يا استاذ لا تقرأ هذه فسكت ثم قال له قل لا إله إلا الله فقال لا اقولها وأنا بريء منها ومات على ذلك .
فدخل الفضيل منزله ولم يخرج ثم رآه في النوم وهو يسحب به الى جهنم فقال : بأي شيء نزع الله المعرفة منك ؟ وكنت أعلم تلاميذي فقال : بثلاثة أشياء : اولها النميمة فاني قلت لاصحابي بخلاف ما قلت لك والثاني بالحسد حسدت أصحابي والثالث كان بي علة فجئت الى الطبيب فسألته عنها فقال : تشرب في كل سنة قدحا من خمر فان لم تفعل بقيت بك العلة فكنت اشربها . أعاذنا الله من سخطه .
(3) الفينة : الوقت ، ومنه قوله : اعملوا عباد الله والخناق مهمل ، والروح مرسل ، في فينة الا شاد . م .
الحقايق في محاسن الأخلاق173

فيكون ذلك سوء خاتمته وإن كان أصل الايمان باقيا .
ومن أراد أن يكف خاطره عن الانتقال إلى المعاصي والشهوات فلا طريق له إلا المجاهدة طول العمر في فطام نفسه عنها ، وفي قمع الشهوات من القلب ، فهذا هو القدر الذي يدخل تحت الاختيار ويكون طول المواظبة على الخير وتخلية الفكر عن الشواغل عدة وذخيرة لحالة سكرات الموت ، فان المرء يموت على ما عاش عليه ، ويحشر على ما مات عليه كما ورد في الخبر .
ولذلك نقل عن بقال أنه كان يلقن عند الموت كلمتي الشهادة وهو يقول : خمسة ستة أربعة ، وكان مشغول القلب بالحساب الذي طال الفه له قبل الموت ، فانما المخوف عند الموت خاطر سوء يخطر فقط ، وهو الذي قال رسول الله (ص) : «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة خمسين سنة حتى لا يبقى بينه وبين الجنة إلا فواق ناقة(1) فيختم له بما سبق به الكتاب»(2) .
ولا يتسع فواق ناقة لاعمال توجب الشقاوة بل هي الخواطر التي تضطرب وتخطر القلب خطور البرق الخاطف فلهذا عظم خوف العارفين من سوء الخاتمة لانه لو أراد الانسان أن لا يرى في المنام إلا أحوال الصالحين وأحوال الطاعات والعبادات عسر عليه ذلك وإن كان كثرة الصلاح والمواظبة عليه ممّا يؤثر فيه ولكن اضطرابات الخيال لا يدخل بالكلية تحت الضبط وإن كان الغالب مناسبة ما يظهر في النوم لما غلب في اليقظة .
وقد عرفت بهذا أن أعمال المرء كلها ضائعة إن لم يسلم في النفس الاخير الذي عليه خروج الروح ، وأن السلامة مع اضطراب أمواج الخواطر مشكل جدا ومن هنا قيل : لا عجب لمن هلك كيف هلك ، ولكني أعجب ممّن نجى كيف نجى .
ولاجل هذا الخطر العظيم كانت الشهادة مطبوعا (مضبوطا خ) عليها ، وموت الفجأة مكروها أما موت الفجأة فلأنه ربما يتفق عند غلبة خاطر سوء واستيلائه على القلب أما الشهادة فلأنها عبارة عن قبض الروح في حالة لم يبق في القلب سوى حب الله وخرج حب الدنيا والاهل والمال والولد إذ لا يهجم على صف القتال موطنا نفسه على الموت إلا محبّا لله وطالبا لمرضاته وبايعا دنياه بآخرته راضيا بالبيع الذي بايعه الله به إذ قال الله تعالى : «ان الله اشترى من المؤمنين

(1) ذكرنا شرحها فيما مر في ص 159 .
(2) احياء علوم الدين ج 4 ص 155 .
الحقايق في محاسن الأخلاق174

أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة»(1) الآية .
الباب الرابع
في المحبة والانس

في المحبّة والانس اعلم أن المحبة هي الغاية القصوى من المقامات ، والذروة العليا من الدرجات ، فما بعدها مقام إلا وهو ثمرة من ثمراتها كالشوق والانس ، ولا قبلها مقام إلا وهو مقدّمة من مقدماتها كالصبر والزهد ، وساير المقامات وإن اعز وجودها فلا يخلو القلوب عن الايمان بامكانها فاما محبة الله عز وجل فقد عز الايمان بها حتى انكر بعض أهل العلم إمكانها وقال: لا معنى لها إلا المواظبة على طاعة الله عز وجل .
وأما حقيقة المحبة فمحال الا مع الجنس والمثل ولما انكروا المحبة أنكروا الانس والشوق ولذة المناجاة وساير لوازم الحب وتوابعه ، مع أن ما ورد في القرآن والحديث وحكاية المحبين ما هو ناص على ثبوت حقيقة المحبة لله عز وجل من غير قبول التأويل .
فمن شواهد القرآن في حب الله عز وجل قوله : «يحبّهم ويحبّونه»(2) وقوله : «الذين آمنوا أشد حبا لله»(3) وقوله : «قل إن آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم»(4) إلى قوله «أحب إليكم من الله ورسوله»(5) الآية .
وقال النبي (ص) : «لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه ممّا سواهما»(6) وقال (ص) : «في دعائه : اللهم ارزقني حبك وحب من يحبك وحب ما يقربني إلى حبك واجعل حبك احب الي من الماء البارد»(7) .
وفي الخبر المشهور «أن إبراهيم (ع) قال لملك الموت إذ جاء لقبض روحه : هل رأيت خليلا يميت خليله ؟ فأوحى الله إليه هل رأيت محبّا يكره لقاء حبيبه ؟ فقال : يا ملك الموت الان فاقبض»(8) .

(1) سورة التوبة : آية 111 .
(2) سورة المائدة : آية 54 .
(3) سورة البقرة : آية 165 .
(4) سورة التوبة : آية 24 .
(5) سورة التوبة : آية 24 .
(6) احياء علوم الدين : ج 4 ص 271 .
(7) احياء علوم الدين : ج 4 ص 271 .
(8) احياء علوم الدين : ج 4 ص 271 .
الحقايق في محاسن الأخلاق175

وفي مناجاة موسى يابن عمران كذب من زعم أنه يحبّني فاذا جنّه الليل نام عنّي أليس كل محب يحب خلوة حبيبه ها أنا ذا يابن عمران مطلع على أحبّائي إذا جنّهم الليل حوّلت أبصارهم إلي من قلوبهم ومثلت عقوبتي بين أعينهم يخاطبوني عن المشاهدة ، ويكلموني عن الحضور ، يابن عمران هب لي من قلبك الخشوع ، ومن بدنك الخضوع ، ومن عينك الدموع في ظلم الليل فانك تجدني قريبا .
وروينا أن عيسى (ع) «مر بثلاثة نفر قد نحلت أبدانهم وتغيرت ألوانهم ، فقال لهم : ما الذي بلغ بكم ما أرى ؟ فقالوا : الخوف من النار ، فقال : حق على الله أن يؤمن الخائف ، ثم جاوزهم إلى ثلاثة اخرى فاذا هم أشد نحولا وتغيّرا فقال : ما الذي بلغ بكم ما أرى ؟ قالوا : الشوق إلى الجنة قال : حق على الله أن يعطيكم ما ترجون ، ثم جاوزهم إلى ثلاثة اخرى فاذا هم أشد نحولا وتغيرا كان على وجوههم المرايا(1) من النور فقال : ما الذي بلغ بكم ما أرى ؟ قالوا : حب الله عز وجل ، فقال : أنتم المقرّبون أنتم المقربون»(2) .
وفي علل الشرايع عن نبيّنا (ص) : «ان شعيبا (ع) بكى من حب الله عز وجل حتى عمي فرد الله عليه بصره ، ثم بكى حتى عمي فرد الله عليه بصره ، ثم بكى حتى عمي فرد الله عليه بصره ، فلما كانت الرابعة أوحى الله إليه يا شعيب إلى متى يكون هذا أبداً منك ان يكن هذا خوفا من النار فقد اجرتك ، وإن يكن شوقا إلى الجنة فقد أبحتك ، فقال : الهي وسيدي أنت تعلم أني ما بكيت خوفا من نارك ولا شوقا إلى جنتك ، ولكن عقد حبّك على قلبي فلست أصبر أو أراك ، فأوحى الله جل جلاله أما إذا كان هذا وهكذا فمن أجل هذا سأخدمك كليمي موسى بن عمران»(3) .
وقال أمير المؤمنين (ع) في بعض أدعيته : «فهبني يا إلهي وسيدي ومولاي وربي صبرت على عذابك فكيف أصبر على فراقك»(4) .
وعن ابنه الحسين سيد الشهداء (ع) في دعائه يوم عرفة : «أنت الذي ازلت الأغيار عن

(1) المرآة بكسر الميم التي ينظر فيها ، وجمعها مراء كجوار ونواص ، والكثير مرايا . م .
(2) تنبيه الخواطر : ج 1 ص 224 .
(3) علل الشرائع : ج 1 ص 57 الباب 51 في العلة التي من اجلها جعل الله عز وجل موسى خادما لشعيب (ع) .
(4) الاقبال : ص 708 .
الحقايق في محاسن الأخلاق176

قلوب أحبّائك حتى لم يحبّوا سواك ولم يلجاوا إلى غيرك»(1) وقال : «يا من أذاق أحباءه حلاوة الموانسة فقاموا بين يديه متملقين»(2) .
وفي المناجاة الانجيلية المنسوبة إلى السجاد (ع)(3) : وعزّتك لقد أحببتك محبّة استقرت في قلبي حلاوتها وأنست نفسي ببشارتها ومحال في عدل أقضيتك أن يسد أسباب رحمتك عن معتقدي محبتك .
وفي مناجاته الاخرى :(4) «الهي فاجعلنا من الذين ترسخت أشجار الشوق إليك في حدائق صدورهم وأخذت لوعة محبّتك بمجامع قلوبهم»(5) .
قال :(6) «والحقنا بعبادك الذين هم بالبدار إليك يسارعون ، وبابك على الدوام يطرقون ، وإياك في الليل والنهار يعبدون ، وهم من هيبتك مشفقون ، الذين صفيت لهم المشارب ، وبلغتهم الرغائب»(7) قال : «وملأت ضمائرهم من حبّك ورويتهم من صافي شراب ودّك فبك إلى لذيذ مناجاتك وصلوا ، ومنك أقصى مقاصدهم حصلوا»(8) .
ثم قال (ع) : «فقد انقطعت إليك همتي وانصرفت نحوك رغبتي فانت لا غيرك مرادي ولك لا سواك سهري وسهادي(9) ولقاؤك قرة عيني ، ووصلك منى نفسي ، واليك شوقي وفي

(1) الاقبال : ص 349 .
(2) الاقبال : ص 349 .
(3) ذكرها العلامة المجلسي اعلى الله درجته في التاسع عشر من البحار وهي مناجاة مفصلة وفيها بعد ما ذكره المصنف (قد) قوله :
سيدي لولا توفيقك ضل الحائرون ، ولولا تسديدك لم ينج المستبصرون ، أنت سهلت لهم السبيل حتى وصلوا ، وأنت أيدتهم بالتقوى حتى عملوا ، فالنعمة عليهم منك جزيلة ، والمنة منك لديهم موصولة ، الخ .
وما اشبه بعض الفاظها بالمناجاة الشعبانية التي وردت عن الأئمة المعصومين سلام الله عليهم وانهم كانوا يقرؤونها في شعبان .
(4) قال العلامة المجلسي (قده) في التاسع عشر من البحار : ومنها المناجاة الخمس عشرة لمولانا علي بن الحسين صلوات الله عليه ، وقد وجدتها مروية عنه (ع) في بعض كتب الاصحاب رضوان الله عليهم أقول : هذه الجملات منقولة من المناجاة الثانية عشر .
(5) الصحيفة السجادية ص 466 المناجاة الثانية عشر مناجات العارفين طبع دار الحوراء .
(6) في المناجاة الثامنة .
(7) الصحيفة السجادية ص 450 المناجاة الثامنة مناجاة المريدين طبع دار الحوراء .
(8) الصحيفة السجادية ص 450 المناجاة الثامنة مناجاة المريدين طبع دار الحوراء .
(9) السهر بالتحريك عدم النوم في الليل كله أو بعضه . والسهاد بالفتح الارق ، والسهد بضم السين والهاء : القليل النوم .
الحقايق في محاسن الأخلاق177

محبتك ولهي وإلى هواك صبابتي(1) ، ورضاك بغيتي ، ورؤيتك حاجتي ، وجوارك طلبتي وقربك غاية مسئلتي : وفي مناجاتك روحي وراحتي ، وعندك دواء وشفاء غلتي(2) وبرد لوعتي(3) وكشف كربتي ثم قال : ولا تقطعني عنك ، ولا تباعدني منك يا نعيمي وجنتي ، ويا دنياي وآخرتي»(4) .
وقال ايضا(5) : «الهي من ذا الذي ذاق حلاوة محبتك فرام(6) منك بدلا ، ومن ذا الذي انس بقربك فابتغى عنك حولا ، الهي فاجعلني ممن اصطفيته لقربك وولايتك ، واخلصته لودّك ومحبّتك ، وشوقته إلى لقائك ، وارتضيته بقضائك ، ومنحته بالنظر إلى وجهك ، وحبوته برضاك ، وأعذته من هجرك وقلاك»(7) ثم قال : «وهيمت(8) قلبه لارادتك واجتبيته لمشاهدتك وأخليت وجهه لك ، وفرغت فؤاده لحبك»(9) ثم قال : «اللهم اجعلنا ممّن دأبهم الارتياح إليك والحنين ، وديدنهم الزفرة والأنين ، وجباههم ساجدة لعظمتك ، ودموعهم سائلة من خشيتك ، وقلوبهم معلقة بمحبتك ، وافئدتهم منخلعة من هيبتك ، يا من أنوار قدسه لأبصار محبيه رايقة ، وسحات نور وجهه لقلوب عارفيه شايقة ، يا منتهى قلوب المشتاقين ، ويا غاية آمال المحبين ، اسألك حبك وحب من يحبك وحب كل عمل يوصل إلى قربك ، وأن تجعلك أحب إلي ممن (ممّا خ) سواك»(10) .
وقال أيضا(11) «الهي ما ألذ خواطر الالهام بذكرك على القلوب ، وما أحلى المسير إليك في مسالك الغيوب ، وما أطيب طعم حبّك ، ومـا أعـذب شـرب قربـك»(12) .
قال :(13) «وغلّتي لا يبردها إلا وصلك ، ولوعتي لا يطفؤها إلا لقاؤك ، وشوقي إليك لا

(1) الصباية لوعة العشق وحراراته م .
(2) الغلة بالضم : حرارة العطش .
(3) لوعة الحزن : حرقته واللوعة ما يجد الانسان لولده وحميمه من الحرقة وشدة الحب .
(4) الصحيفة السجادية ص 450 المناجاة الثامنة مناجاة المريدين .
(5) في المناجاة التاسعة .
(6) الروم : الطلب .
(7) الصحيفة السجادية ص 454 المناجاة التاسعة مناجاة المحسن .
(8) رجل هائم وهيوم : متحير والهيام بالضم كالجنون من العشق ق .
(9) الصحيفة السجادية ص 454 .
(10) الصحيفة السجادية : ص 456 .
(11) في المناجاة الثانية عشر .
(12) الصحيفة السجادية ص 467 المناجاة الثانية عشر مناجاة العارفين .
(13) في المناجاة الحادية عشر .
الحقايق في محاسن الأخلاق178

يبلّه إلا النظر الى وجهك وقراري لا يقر دون دنوي منك ، ولهفتي لا يردّها إلا روحك ، وسقمي لا يشفيه إلا طبك ، وغمّي لا يزيله إلا قربك ، وجرحي لا يبرؤه إلا صفحك ، وصدى قلبي لا يجلوه إلا عفوك ، ووسواس صدري لا يزيحه إلا منك (أمرك خ)»(1) .
وامثال هذا في ادعيتهم أكثر من ان تحصى .
وعن أمير المؤمنين (ع) إن لله تعالى شرابا لأوليائه إذا شربوا سكروا ، وإذا سكروا طربوا ، وإذا طربوا طابوا ، وإذا طابوا ذابوا ، وإذا ذابوا اخلصوا ، وإذا اخلصوا طلبوا ، وإذا طلبوا وجدوا ، وإذا وجدوا وصلوا ، وإذا وصلوا اتصلوا ، وإذا اتصلوا لا فرق بينهم وبين حبيبهم(2) .

الفصل الأول
المحبة بعد المعرفة والإدراك

اعلم أن الحب عبارة عن الميل إلى الشيء الملذ وإنما يحصل بعد المعرفة بذلك الشيء وإدراكه إما بالحواس أو بالقلب ، وكما كان المعرفة به أقوى واللذة أشد وأكثر كان الحب أقوى ، والبصيرة الباطنة أقوى من البصر الظاهر ، والقلب أشد إدراكا من العين ، وجمال المعاني المدركة بالعقل أعظم من جمال الصورة الظاهرة للابصار ، فيكون لا محالة لذة القلوب بما تدركه من الامور الشريفة الالهية التي تجل عن أن تدركها الحواس أتم وأبلغ ، فيكون ميل الطبع السليم والعقل الصحيح إليه أقوى .
فلا ينكر إذن حب الله تعالى إلا من قعد به القصور في درجة البهايم ، فلم يجاوز إدراكه الحواس ، وكما أن الانسان يحب نفسه وكمال نفسه وبقاء نفسه ، ويحب غيره لأجل نفسه وكمال نفسه وبقاء نفسه ، فكذلك قد يحب غيره لذاته لا لحظ يناله منه وراء ذاته ، بل يكون ذاته عين حظه ، وهذا هو الحب الحقيقي البالغ الذي يوثق به .
وذلك كحب الجمال والحسن ، فان كل جمال فهو محبوب عند مدرك الجمال وذلك لعين الجمال ، لأن إدراك الجمال فيه عين اللذة ، واللذة محبوبة لذاتها لا لغيرها ولا تظنن أن حب الصور الجميلة لا يتصور إلا لأجل قضاء الشهوة ، فان قضاء الشهوة لذّة أخرى قد تحب الصور الجميل لأجلها ، وإدراك نفس الجمال أيضا لذيذ فيجوز أن يكون محبوبا لذاته .

(1) الصحيفة السجادية ص 462 المناجاة الحادية عشر مناجاة المفتقرين .
(2) قال بعض الاعلام : لم نعثر على مصدر لهذه الرواية في كتب أصحابنا الامامية رضوان الله عليهم .
الحقايق في محاسن الأخلاق179

وكيف ينكر ذلك والخضرة والماء الجاري محبوبان لا ليشرب الماء أو يؤكل الخضرة أو ينال منهما حظ سوى نفس الرؤية ، وكان رسول الله (ص) تعجبه الخضرة والماء الجاري ، والطباع السليمة قاضية باستلذاذ النظر إلى الأنوار والأزهار والأطيار المليحة الألوان الحسنة النقش المتناسبة الشكل حتى أن الانسان ليتفرج عنه الغموم بالنظر إليها لا لطلب حظ وراء النظر .
ثم الحسن والجمال ليس مقصورا على مدركات البصر ولا على تناسب الخلقة إذ يقال : هذا صوت حسن ، وهذا خلق حسن ، وهذا علم حسن ، وهذه سيرة حسنة وليس شيء من هذه الصفات تدرك بالبصر .
بل وليس الحسن والجمال مقصورا على مدركات الحواس ، بل كثير من خلال الخير مدرك بنور البصيرة الباطنة ، وآية ذلك أن الطباع السليمة مجبولة على حب الأنبياء والأئمة (ع) مع أنهم لا يشاهدوهم حتى أن الرجل قد يجاوز حبّه لصاحب مذهبه حد العشق فيحمله ذلك على أن ينفق جميع أمواله في نصرة مذهبه والذب عنه ويخاطر بروحه في قتال من يطعن في إمامه ومتبوعه .
وجملة خلال الخير ترجع إلى العلم والقدوة ، وهما محبوبان بالطبع وغير مدرك بالحواس ، بل لما وصف الناس حاتما بالسخاء وعليا (ع) بالشجاعة أحبّهما القلوب حبا ضروريا ، وليس ذلك عن نظر إلى صورة محسوسة ولا عن حظ يناله المحب منهما ، ومن كانت البصيرة الباطنة أغلب عليه من الحواس الظاهرة كان حبّه للمعاني الباطنة أكثر من حبه للمعاني الظاهرة .
ثم كل محب اما أن يحب نفسه ، أو يحب غيره ، ومحبّة الغير اما لحسنه وجماله ، أو لاحسانه وكماله ، أو لمجانسة بينه وبين المحب .
اما محبة النفس فهي أشد وأقوى ، لأن المحبة إنما تكون بقدر الملايمة والمعرفة ، ولا شيء أشد ملايمة لأحد من نفسه ، ولا هو لشيء أقوى معرفة منه بنفسه ولهذا جعل معرفة نفسه مفتاحا لمعرفة ربّه ، ووجود كل أحد فرع لوجود ربه وظل له ، فمحبّة نفسه ترجع إلى محبّة ربّه وإن لم يشعر المحب به .
وأما المحبة الغير لحسنه وجماله أو لقربه من الله وكماله ، فذلك لأن الجمال محبوب لذاته

الحقايق في محاسن الأخلاق180

سواء كان جمال الظاهر الصوري أو الباطن المعنوي ، وكذا الكمال ، والله هو الجميل لذاته والكامل بذاته ، وكل مليح حسنه من جماله ، وكل كامل فكماله فرع كماله فما أحب أحد غير خالقه ، ولكنه احتجب عنه تحت وجوه الأحباب واستار الاسباب .
وكذا الكلام في محبة الغير للاحسان ، فان الاحسان أيضا محبوب لذاته ، سواء كان متعدّيا إلى المحب أم لا ، ولا إحسان إلا من الله ، ولا محسن سوى الله جل ثناؤه ، فانه خالق الاحسان وذويه ، وجاعل أسبابه ودواعيه ، وكل محسن فهو حسنة من حسنات قدرته ، وحسن فعاله قطرة من بحار كماله وافضاله .
وأما محبة الغير للمجانسة فذلك لان الجنس يميل إلى الجنس سواء كانت المجانسة لمعنى ظاهر كما أن الصبي يميل إلى الصبي لصباه ، أو لمعنى خفي كما يتفق بين شخصين من غير ملاحظة جمال ولا طمع في جاه أو مال ، فان الأرواح جنود مجنّدة فما تعارف منها ائتلف ، وما تناكر منها اختلف .
وهذه المحبة فرع لمحبة النفس فترجع إلى محبة الله تعالى كما عرفت ، فعلى كل وجه ما متعلق المحبة إلا الله الا أنه لا يعرف ذلك إلا أولياؤه وأحبّاؤه ، كما أشار إليه سيد الشهداء (ع) في دعاء عرفة بقوله :
«وأنت الذي أزلت الأغيار عن قلوب أحبائك حتى لم يحبّوا سواك ولم يلجأوا إلى غيرك»(1) فسبحان من احتجب عن أبصار العميان غيرة على جماله وجلاله أن يطلع عليه إلا من سبقت له منه الحسنى الدين هم عن نار الحجاب مبعدون ، وترك الخاسرين في ظلمات العمى يتيهون(2) ، وفي مسارح(3) المحسوسات وشهوات البهايم يتردّدون «يعلمون ظاهرا من الحيوة الدنيا وهم عـن الآخـرة هـم غافلـون»(4) .

(1) الاقبال : ص 349 دعاء الامام الحسين (ع) يوم عرفة .
(2) قوله تعالى : «يتيهون في الأرض» أي يحارون ويضلون يقال : تاه في الأرض أي ذهب متحيرا .
(3) المسارح جمع مسرح وهو الموضع الذي تسرح اليه الماشية .
(4) سورة الروم : آية 7 .

السابق السابق الفهرس التالي التالي