الحقايق في محاسن الأخلاق140

الفصل الثالث
من المغترين أرباب الأموال

وأما أرباب الأموال ففرقة منهم يحرصون علـى بنـاء المساجـد والمـدارس والربـاط(1) والقناطير(2) وما يظهر للناس كافة بأموال كسبوها من غير حلها ويكتبون أسماءهم بالأحجار عليهم ليتخلد ذكرهم ويبقى بعد الموت أثرهم ويظنون أنهم قد استحقوا المغفرة بذلك وأنهم مخلصون فيه ، ولو كلف أحد منهم أن ينفق دينارا ولا يكتب اسمه على الموضع الذي انفق عليه لشق عليه ولم تسمح به نفسه ، والله تعالى مطلع عليه كتب اسمه أم لم يكتب ، فلولا أنه يريد وجه الناس لا وجه الله لما افتقر إلى ذلك وربما يكون في جوار أحدهم أو في بلده فقير وصرف المال إليهم أهم من الصرف الى المساجد وزينتها .
ومنهم من ينفق الأموال في الصدقات على الفقراء والمساكين ويطلب به المحافل الجامعة والفقراء الذين عادتهم الشكر والافشاء للمعروف ، ويكره التصدق في السر ويرى إخفاء الفقير لما أخذ منه خيانة عليه وكفرانا .
ومنهم من يحفظ ماله ويمسكه بحكم البخل ثم يشتغل بالعبادات البدنية التي لا يحتاج فيها إلى نفقة كصيام النهار وقيام الليل وختم القرآن وهو يظن أنه على خير .
ومنهم من لا تسمح نفسه إلا بأداء الزكاة فقط ، ثم يخرجها من المال الخبيث الرّدي الذي يرغب عنه ويطلب من الفقراء من يخدمه ويتردّد في حاجته ويظن أنّه أداها لله ، وأصناف الغرور لا تحصى .
وفي مصباح الشريعة قال الصادق (ع) : «المغرور في الدنيا مسكين وفي الآخرة مغبون لأنه باع الأفضل بالأدنى ، ولا تعجب من نفسك حيث ربّما اغتررت بمالك وصحّة جسمك لعلك تبقى ، وربّما اغتررت بطول عمرك وأولادك وأصحابك لعلك تنجو بهم ، وربّما اغتررت بحالك ونيتك وإصابتك ما مولك وهواك وظننت أنّك صادق ومصيب ، وربّما اغتررت بما ترى الخلق من الندم على تقصيرك في العبادة ولعل الله تعالى يعلم من قلبك بخلاف ذلك ، وربّما أقمت نفسك بالعبادة متكلفا والله يريد الاخلاص ، وربّما افتخرت بعلمك ونسبك وأنت غافل

(1) الرباط واحد الرباطات المبنية للفقراء مولد والجمع ربط بضمتين ورباطات . م .
(2) القنطرة ما يبنى على الماء للعبور عليه ، والجسر أعم لانه يكون بناء وغير بناء . م .
الحقايق في محاسن الأخلاق141

عن مضمرات ما في علم الله ، وربّما توهمت أنك تدعو الله وأنت تدعو سواه ، وربّما حسبت أنك ناصح للخلق وأنت تريدهم لنفسك أن يميلوا إليك ، وربّما ذممت نفسك وأنت تمدحها في الحقيقة .
واعلم أنك لن تخرج من ظلمات الغرور والتمني إلا بصدق الانابة إلى الله والاخبات له ومعرفة عيوب أحوالك من حيث لا توافق العقل والعلم ولا يحتمله الدين والشريعة وسنن القدوة وأئمة الهدى وإن كنت راضيا بما أنت فيه فما أحد أشقى بعلمك منك وأضيع عمرا فأورثت حسرة يوم القيامة»(1) .

(1) مصباح الشريعة : ص 142 .
الحقايق في محاسن الأخلاق142

المقالة الرابعة

في مكارم الأخلاق وتحصيلها وفيها ستة أبواب .

الباب الأول
في فضيلة الصبر

في الصبر وهو ثبات باعث الدين في مقابلة باعث الهوى ، فعلى الشاق كالعبادة والمكروه كالمصيبة صبر مطلقا ، وضدّه الجزع والهلع ، وهو الاسترسال في رفع الصوت وضرب الخدود وشق الجيوب .
وعن شهوة البطن والفرج عفة وضدّه الشره(1) ، وفي الغنى ضبط النفس وضده البطر(2) ، وفي الحرب شجاعة وضده الجبن ، وفي كظم الغيظ حلم وضدّه الغضب ، وفي النوائب سعة الصدر وضده ضيق الصدر والضجر والتبرم ، وفي إخفاء الأمر كتمان وضدّه الاضاعة وفي فضول العيش زهد وضده الحرص .
ومدد باعث الدين من الملائكة الناصرين لحزب الله ، ومدد باعث الهوى من الشياطين الناصرين لأعداء الله ، فان ثبت باعث الدين بامداد الملائكة حتى قهر باعث الهوى واستمر على مخالفته ، الحق بالصابرين ، وان تخاذل وضعف حتى غلب الهوى ولم يصبر في دفعه التحق باتباع الشياطين وهذا الثبات إنما يكون بقوة المعرفة التي تسمى إيمانا وهو اليقين بكون الهوى عدوّا قاطعا لطريق الله .
وقد وصف الله تعالى الصابرين بأوصاف وكرّر ذكر الصبر في القرآن وأضاف أكثر الخيرات والدرجات إليه وجعلها ثمرة له فقال عز من قائل : «وجعلنا منهم ائمة يهدون بأمرنا لما

(1) شره كفرح غلب حرصه . م .
(2) البطر سوء احتمال الغنى والطغيان عند النعمة ويقال هو التجبر وشدة النشاط . م .
الحقايق في محاسن الأخلاق143

صبروا»(1) وقال : «وتمّت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا»(2) وقال : «ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون»(3) وقال : «اولئك يؤتون أجرهم مرّتين بما صبروا»(4) وقال : «إنّما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب»(5) .
فما من قربة إلا وأجرها بتقدير وحساب إلا الصبر ، ووعد الصابرين بأنه معهم فقال : «واصبروا إن الله مع الصابرين»(6) وعلق النصرة على الصبر فقال : «بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم(7)هذا يمددكم ربّكم بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين»(8) وجمع للصابرين بين امور لم يجمعها لغيرهم فقال : «اولئك عليهم صلوات من ربّهم ورحمة وأولئك هم المهتدون»(9) واستقصاء الآيات في مقام الصبر يطول .
وقال النبي (ص) : «الصبر نصف الايمان»(10) وقال (ص) : «من أقل ما اوتيتم اليقين وعزيمة الصبر ومن أعطي حظّه منهما لم يبال ما فاته من قيام الليل وصيام النهار»(11) وقال «الصبر كنز من كنوز الجنة»(12) وسئل (ص) عن الايمان فقال : «الصبر والسماحة»(13) وقال (ص) : «الصبر من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد ولا جسد لمن لا رأس له ولا ايمان لمن لا صبر له»(14) .
وقال أمير المؤمنين (ع) : «بني الايمان (الاسلام خ) على أربع دعائم : اليقين والصبر والجهاد والعدل»(15) .
وقال الباقر (ع) : «من لا يعد الصبر لنوائب الدهر يعجز»(16) وقال (ع) : «الجنة محفوفة

(1) سورة السجدة : آية 24 .
(2) سورة الاعراف : آية 137 .
(3) سورة النحل : آية 96 .
(4) سورة القصص : آية 54 .
(5) سورة الزمر : آية 10 .
(6) سورة الانفال : آية 46 .
(7) اي من غضبهم الذي غضبوه ببدر ، وأصل الفور الغليان والاضطراب ، وفي الحديث الحمى من فور جهنم أي من غليانها . م .
(8) سورة آل عمران : آية 125 .
(9) سورة البقرة : آية 157 .
(10) ارشاد القلوب : ص 127 وتنبيه الخواطر : ج 1 ص 40 .
(11) احياء علوم الدين : ج 1 ص 68 وفي مسكن الفؤاد : ص 41 .
(12) احياء علوم الدين : ج 4 ص 58 .
(13) احياء علوم الدين : ج 4 ص 58 .
(14) ارشاد القلوب : ص 126 وجامع الاخبار : ص 111 .
(15) نهج البلاغة (قصار الحكم) حكمة رقم 32 تابع الى رقم 14 وانظر الكافي : ج 2 ص 87 .
(16) الكافي : ج 2 ص 93 .
الحقايق في محاسن الأخلاق144

بالمكاره والصبر ، فمن صبر على المكاره في الدنيا دخل الجنة ، وجهنّم محفوفة باللذات والشهوات فمن أعطى نفسه لذّتها وشهوتها دخل النار»(1) .
وقال الصادق (ع) : «من ابتلى من المؤمنين ببلاء فصبر عليه كان له مثل أجر ألف شهيد»(2) وقال (ع) : «إن الله تعالى أنعم على قوم فلم يشكروا فصارت عليهم وبالا ، وابتلى قوما بالمصائب فصبروا فصارت عليهم نعمه»(3) ، والأخبار في فضيلة الصبر أكثر من أن تحصى .

الفصل الاول
في الصبر وأقسامه

اعلم أن ما يلقى العبد في هذه الحياة لا يخلو من نوعين : أحدهما ما يوافق هواه ، والآخر ما يكرهه ، وهو محتاج إلى الصبر في كل واحد منهما ، فهو اذن لا يستغني قط من الصبر .
أما ما يوافق هواه كالصحة والسلامة والمال والجاه وكثرة العشيرة واتساع الأسباب وكثرة الأتباع والأنصار وجميع ملاذ الدنيا ، فالصبر عليها أشد لأنه إن لم يضبط نفسه عن الاسترسال والركون إليها والانهماك في ملاذّها المباحة لها أخرجه ذلك إلى البطر والطغيان ، فان الانسان ليطغى أن رآه استغنى قال بعض العارفين : البلاء يصبر عليه المؤمن ، والعوافي لا يصبر عليها إلا صدّيق وذلك لأنه مقرون بالقدرة ومن العصمة أن لا نقدر ، والجائع عند غيبة الطعام أقدر على الصبر منه إذا حضرته الأطعمة الطيبة اللذيذة وقدر عليها .
وأما ما لا يوافق الهوى والطبع فلا يخلو إما أن يرتبط باختيار العبد كالطاعات والمعاصي ، أو لا يرتبط كالمصائب والنوائب ، أولا يرتبط أو له باختياره ولكن له اختيار في إزالته كالتشفي بالموذي بالانتقام منه فهي ثلاثة أقسام .
الاول ما يرتبط باختياره وهو سائر أفعاله التي توصف بكونها طاعة أو معصية .
أما الطاعة فالصبر عليها شديد ، لأن النفس بطبعها تنفر عن العبودية وتشتهي الربوبية كما

(1) الكافي : ج 2 ص 89 .
(2) الكافي : ج 2 ص 92 وجامع الاخبار : ص 112 .
(3) الكافي : ج 2 ص 92 .
الحقايق في محاسن الأخلاق145

سبق بيانه ، ثم من العبادات ما يكره بسبب الكسل كالصلاة ؛ ومنها ما يكره بسبب البخل كالزكاة ، ومنها ما يكره بسببهما جميعا كالحج والجهاد ، فالصبر على الطاعة صبر على الشدائد ويحتاج المطيع إلى الصبر عليها في ثلاثة أحوال .
الاولى قبل الطاعة ، وذلك في تصحيح النية والاخلاص عن شوائب الرياء ودواعي الآفات والثانية حالة العمل كيلا يغفل عن الله في أثناء عمله ولا يتكاسل عن تحقيق آدابه وسننه ويدوم على ذلك إلى الفراغ والثالثة بعد الفراغ من العمل إذ يحتاج إلى الصبر عن افشائه والتظاهر به للسمعة والرياء وعن النظر إليه بعين العجب وعن كل ما يبطل عمله ويحبط أجره .
فاما المعاصي فاشد أنواع الصبر عنها الصبر عما كان مألوفا بالعادة ، فان العادة طبيعة ثانية فاذا انضافت إلى الشهوة تظاهر جندان من جنود الشيطان على جند الله ، فلا يقوى باعث الدين على قمعها .
ثم إن كان ذلك الفعل ممّا تيسّر فعله كان الصبر عنه اثقل على النفس ، كالصبر عن معاصي اللسان من الغيبة والكذب والمراء والثناء على النفس تعريضا وتصريحا إلى غير ذلك وأيسر من حركة اللسان حركة الخواطر باختلاج الوساوس الا بأن يغلب على القلب هم آخر في الدين يستغرقه كمن أصبح وهمومه همّ واحد وأكثر جولان الخاطر إنّما يكون في فائت لا تدارك له أو في مستقبل لا بد وأن يحصل منه ما هو مقدّر ، وكيف ما كان هو تضييع زمان وآلة العبد قلبه فاذا غفل القلب في نفس واحد عن ذكر يستفيد به انسا بالله أو فكر يستفيد به معرفة بالله ويستفيد بالمعرفة محبة لله فهو مغبون .
القسم الثاني ما لا يرتبط هجومه باختياره وله اختيار في دفعه كما لو اوذي بفعل أو قول أو جني عليه في نفسه أو ماله فالصبر على ذلك بترك المكافأة ، قال الله تعالى «ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون»(1) وقال تعالى : «واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا»(2)وقال : «ولتسمعنّ من الذين اوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين اشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فان ذلك من عزم الامور»(3) وقال النبي (ص) : «صل من قطعك واعط من حرمك واعف عمّن ظلمك»(4) .

(1) سورة إبراهيم : آية 12 .
(2) سورة المزمل : آية 10 .
(3) سورة آل عمران : آية 186 .
(4) ارشاد القلوب : ص 135 وانظر تحف العقول : ص 37 .
الحقايق في محاسن الأخلاق146

القسم الثالث ما لا يدخل تحت الاختيار أوّله وآخره كالمصائب ، مثل موت الأعزّة وهلاك الأموال وزوال الصحة بالمرض ونحو ذلك وهذا صبر مستنده اليقين .
قال النبي (ص) : «أسألك من اليقين ما يهون به على مصائب الدنيا»(1) وقال (ص) : «ما من عبد اصيب بمصيبة فقال كما امره الله : إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم اجرني في مصيبتي واعقبني خيرا منها ، إلا فعل الله ذلك»(2) وقال (ص) : قال الله عز وجل : «إذا وجهت إلى عبدي مصيبة في بدنه أو ماله أو ولده ثم استقبل بصبر جميل ، استحييت منه يوم القيامة أن أنصب له ميزانا أو أنشر له ديوانا»(3) .
وقال (ص) : الصبر ثلاثة : «صبر عند المصيبة وصبر على الطاعة وصبر عن المعصية فمن صبر على المصيبة حتى يردّها بحسن عزائها كتب الله له ثلاثمأة درجة ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين السماء والأرض ، ومن صبر على الطاعة كتب الله له ستّمأة درجة ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين تخوم الأرض(4) إلى العرش ، ومن صبر عن المعصية كتب الله له تسعمأة درجة ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين تخوم الأرض إلى منتهى العرش»(5) .
وقال الباقر (ع) : «الصبر صبران : صبر على البلاء حسن (صبر خ) جميل وأفضل الصبرين الورع عن محارم الله تعالى»(6) .

الفصل الثاني
الصبر في المصائب

إن قلت : فبماذا ينال درجة الصبر في المصائب وليس الامر باختياره فهو مضطر شاء أم أبى ، فان كان المراد به أن لا يكون في نفسه كراهية المصيبة فذلك غير داخل تحت الاختيار .
فاعلم أنه إنّما يخرج عن مقام الصابرين بالجزع شق الجيوب وضرب الخدود والمبالغة

(1) احياء علوم الدين : ج 4 ص 69 .
(2) احياء علوم الدين : ج 4 ص 69 .
(3) احياء علوم الدين : ج 4 ص 69 .
(4) التخوم بالضم الفصل بين الأرضين من المعالم والحدود . ق .
(5) تنبيه الخواطر : ج 1 ص 40 وجامع الأخبار : ص 111 والكافي : ج 2 ص 91 .
(6) الكافي : ج 2 ص 91 وتنبيه الخواطر : ج 1 ص 16 وانظر كنز الفوائد : ج 1 ص 139 .
الحقايق في محاسن الأخلاق147

في الشكوى وإظهار الكآبة وتغيير العادة في الملبس والمفرش والمطعم ونحوها ، وهذه الامور داخلة تحت الاختيار فينبغي أن يجتنب جميعها ويظهر الرضا بقضاء الله تعالى ويبقى مستمرا على عادته ويعتقد أن ذلك كان وديعة فاسترجعت ولا يخرجه عن حد الصابرين توجع القلب ولا فيضان العين بالدمع ، فان ذلك مقتضى البشرية ولا يفارق الانسان إلى الموت .
ولذلك لما مات إبراهيم ولد النبي (ص) : «فاضت عيناه فقيل له أما نهيتنا عن هذا ؟ فقال : إن هذا رحمة وإنما يرحم الله من عباده الرحماء»(1) وقال (ص) : «العين تدمع والقلب يحزن ، ولا نقول ما يسخط الرب»(2) .
بل ذلك أيضا لا يخرج من مقام الرضا فان المقدم على الفصد والحجامة راض به هو متألم بسببه لا محالة ، نعم من كمال الصبر كتمان المرض والفقر وسائر المصائب وقد قيل : من كنوز البر كتمان المصاب والأوجاع والصدقة .
وعن الباقر (ع) قال : «قال رسول الله (ص) : قال الله تعالى : من مرض ثلاثا فلم يشك الى عواده أبدلته لحما خيرا من لحمه ، ودما خيرا من دمه ، فان عافيته عافيته ولا ذنب له ، وإن قبضته قبضته إلى رحمتي»(3) .
وفي معناه أخبار آخر ، وفي بعضها فسر التبديل بخير بان يبدله لحما ودما وبشرة لم يذنب فيها ، وفسر الشكاية بأن يقول ابتليت بما لم يبتل به أحد وأصابني ما لم يصب أحدا قال : وليس الشكوى أن تقول أسهرت البارحة وحممت اليوم ونحو هذا .
وعن الصادق (ع) : «من اشتكى ليلة فقبلها بقبولها وأدى إلى الله شكرها كانت كعبادة ستين سنة ، سئل ما قبولها ، قال : يصر عليها ولا يخبر بما كان فيها فاذا اصبح حمد الله على

(1) رواه البزار والطبراني من حديث عبد الرحمن بن عوف قال : بعثت ابنة لرسول الله (ص) ان ابنتي مغلوبة فقال للرسول : قل لها ان الله ما اخذ وله ما أعطى ثم بعثت اليه ثانية فقال لها مثل ذلك ، ثم بعثت إليه الثالثة فجاءها في ناس من اصحابه فأخرجت اليه الصبية ونفسها تقعقع (أي تضطرب) في صدرها ، فرّق عليها فذرفت عيناه ففطن به بعض أصحابه وهم ينظرون اليه حين ذرفت عيناه ، فقال «ما لكم تنظرون رحمة الله يضعها حيث يشاء انما يرحم الله من عباده الرحماء» .
(2) الكافي : ج 3 ص 262 وتحف العقول : ص 32 .
(3) الكافي : ج 3 ص 115 .
الحقايق في محاسن الأخلاق148

ما كان»(1) وسئل الباقر (ع) عن الصبر الجميل فقال : «ذاك صبر ليس فيه شكوى إلى الناس»(2) .
وعن النبي (ص) : «من إجلال الله ومعرفة حقّه أن لا تشكو وجعك ولا تذكر مصيبتك»(3) ، وأما الشكاية إلى الله تعالى وسؤاله الرفع فحسن قال يعقوب : إنما أشكو بثي وحزني إلى الله .

الفصل الثالث
الطريق الى تحصيل الصبر

الطريق الى تحصيل الصبر تقوية باعث الدين وتضعيف باعث الهوى بالمجاهدة والرياضة وذكر قلّة قدر الشدة ووقتها واضرار الجزع وقبحه ، وأن يكثر فكرته فيما ورد في فضل الصبر وفي حسن عواقبه في الدنيا والآخرة ، وأن يعلم أن ثواب الصبر على المصيبة أكثر ممّا فات ، وأنّه بسبب ذلك مغبوط بالمصيبة إذ فاته ما لا يبقى معه إلا مدة الحياة الدنيا وحصل له ما يبقى بعد موته أبد الدهر ، ومن أسلم(4) خسيسا في نفيس فلا ينبغي أن يحزن فوات الخسيس في الحال .
وأن يعوّد(5) هذا الباعث مصارعة باعث الهوى تدريجا حتى يدرك لذة الظفر بها فيستجري عليها ويقوي منّته(6) في مصارعتها ، فان الاعتياد والممارسة للاعمال الشاقة تؤكد القوى التي تصدر منها تلك الأعمال ، ومن عوّد نفسه مخالفة الهوى غلبها مهما أراد .
ثمّ إن كان ذلك بتعب قويّ فتصبر ؛ وإن كان بيسير فصبر ، وإن كان ذا جهد فرضاء ، وإن كان بتلذذ فشكر وهو بالغيبة عن حظوظ النفس والشهود مع الله وعدم التميز بين الألم واللذّة .

الباب الثاني
في الرضا وطريق تحصيله

في الرضا والشكر ، أما الرضا فهو ترك الاعتراض والسخط قال الله تعالى : «رضي الله

(1) الكافي : ج 3 ص 116 .
(2) الكافي : ج 2 ص 93 .
(3) احياء علوم الدين : ج 4 ص 123 .
(4) قوله : أسلم أي أسلف .
(5) قوله : وأن يعود : عطف على قوله : وأن يعلم .
(6) المنة بالضم : القوة .
الحقايق في محاسن الأخلاق149

عنهم ورضوا عنه»(1) وعني النبي (ص) : «انّه سأل طائفة من أصحابه ما أنتم فقالوا : مؤمنون فقال : ما علامة إيمانكم ، قالوا : نصبر عند البلاء ونشكر عند الرخاء ونرضى بمواقع القضاء فقال (ص) : مؤمنون ورب الكعبة ، وفي خبر آخر قال : حكماء علماء كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء»(2) .
وعن السجاد (ع) «الصبر والرضا عن الله رأس طاعة الله ، ومن صبر ورضي عن الله فيما قضى عليه فما أحب أو كره لم يقض الله فيما أحب أو كره إلا ما هو خير له»(3) .
وعن الباقر (ع) «أحق خلق الله أن يسلم لما قضى الله ، من عرف الله ومن رضي بالقضاء أتى عليه القضاء وعظم الله أجره ، ومن سخط القضاء مضى عليه القضاء وأحبط الله أجره»(4) .
وعن الصادق (ع) : «إن أعلم الناس بالله أرضاهم بقضاء الله»(5) وعنه (ع) : «ان فيما أوحى الله إلى موسى بن عمران يا موسى بن عمران ، ما خلقت خلقا أحب إلي من عبدي المؤمن ، وإني انما ابتليه لما هو خير له ، وأزوي(6) عنه لما هو خير له وانا أعلم بما يصلح عليه عبدي ، فليصبر على بلائي وليشكر نعمائي وليرض بقضائي أكتبه في الصديقين عندي إذا عمل برضائي وأطاع أمري»(7) .
وعن الكاظم (ع) : «ينبغي لمن يعقل عن الله أن لا يستبطئه في رزقه ، ولا يتّهمه في قضائه»(8) .
وفائدة الرضا في الحال فراغ القلب للعبادة والراحة من الهموم وفي المآل رضوان الله والنجاة من غضبه فقد قال الله سبحانه : «من لم يرض بقضائي ولم يصبر على بلائي فليطلب ربّا سوائي» .
والطريق إلى تحصيله أن يعلم أن ما قضى الله سبحانه له فهو الأصلح بحاله وإن لم يبلغ علمه بسرّه ولا مدخل للهم فيه ولا يتبدل القضاء به ، فان ما قدر يكون وما لم يقدر لم يكن ،

(1) سورة المائدة : آية 119 .
(2) احياء علوم الدين ج 4 ص 316 .
(3) اصول الكافي ج 2 ص 60 .
(4) اصول الكافي ج 2 ص 62 .
(5) اصول الكافي ج 2 ص 60 .
(6) أي اضم واقبض ومنه الحديث : ما زوى الله عن المؤمن في هذه الدنيا خير له مما عجل فيها .
(7) اصول الكافي ج 2 ص 61 .
(8) اصول الكافي ج 2 ص 61 .
الحقايق في محاسن الأخلاق150

وحسرة الماضي وتدبير الآتي يذهبان ببركة الوقت ، فلا فائدة وتبقى تبعة السخط عليه ، بل ينبغي أن يدهشه الحب عن الاحساس بالألم كما للعاشق والحريص ، وأن يهوّن عليه العلم بجزالة الثواب الشدة كما للمريض والتاجر المتحملين شدة الحجامة والسفر ، فيفوّض أمره إلى الله إن الله بصير بالعباد .
وقال الصادق (ع) : «لم يكن رسول الله (ص) يقول لشيء مضى : لو كان غيره»(1) .

الفصل الأول
الحب والصبر يورثان الرضا

اعلم أن من قال ليس فيما يخالف الهوى وأنواع البلاء إلا الصبر فأما الرضاء فلا يتصوّر ، فانما أتى من ناحية انكار المحبة فأما إذا ثبت تصور الحب لله واستغراق الهم به فلا يخفى أن الحب يورث الرضاء بأفعال الحبيب ويكون ذلك من وجهين .
أحدهم أن يبطل الاحساس بالألم حتى يجري عليه المولم ولا يحس به ، ويصيبه جراحه ولا يدرك ألمها ، ومثاله الرجل المحارب فانه في حال غضبه أو حال خوفه قد تصيبه جراحة وهو لا يحس بها فاذا رأى الدم استدل به على الجراحة ، بل الذي يعدو في شغل قريب قد تصيبه شوكة في قدمه ولا يحس بألمه لشغل قلبه ، وذلك لأن القلب إذا صار مستغرقا بأمر من الأمور مستوفي به لم يدرك ما عداه .
وكذلك العاشق المستغرق الهم بمشاهدة معشوقه أو بحبّه قد يصيبه ما كان يتألم به أو يغتم لولا عشقه ثم لا يدرك غمّه وألمه لفرط استيلاء الحب على قلبه ، هذا إذا أصابه من غير حبيبه فكيف إذا أصابه من حبيبه ، وجمال الحضرة الربوبية وجلالها لا يقاس به جمال ، فمن ينكشف له شيء منه فقد يبهره(2) بحيث يدهش ويغشى عليه ولا يحس بما يجري عليه .
وأما الوجه الثاني فهو أن يحس به ويدرك ألمه ولكن يكون راضيا به بل راغبا فيه مريدا له بعقله وإن كان كارها له بطبعه ، كالذي يلتمس من الفصاد الفصد والحجامة فانه يدرك ألمه إلا أنه راض به وراغب فيه ومتقلّد منه المنة ، فهذه حالة الرضا بما يجري عليه من الالم ومهما أصابته بليّة من الله عز وجل وكان له يقين بأن ثوابه الذي ادّخر له فوق ما فاته رضي به ورغب فيه وأحبه وشكر الله عليه .

(1) الكافي ج 2 ص 63 .
(2) البهر بالفتح والسكون : العجب يقال : بهرا لفلان اي عجبا له م .

السابق السابق الفهرس التالي التالي