الحقايق في محاسن الأخلاق120

الفارسي وأبي ذر رضي الله عنهما .
فأمّا سلمان فكان إذا أخذ عطاءه رفع منه قوته لسنة حتى يحضر عطاءه من قابل ، فقيل له : يا أبا عبد الله أنت في زهدك تصنع هذا وأنت لا تدري لعلك تموت اليوم أو غدا فكان جوابه أن قال : مالكم لا ترجون لي البقاء كما خفتم عليّ الفناء ، أما علمتم يا جهلة أن النفس قد تلتات «تلتاث خ» على صاحبها إذا لم يكن لها من العيش ما تعتمد عليه ، فاذا هي احرزت معيشتها اطمأنت .
وأمّا ابو ذر فكانت له نويقات وشويهات يحلبها ويذبح منها إذا اشتهى أهله اللحم أو نزل به ضيف أو رأى بأهل الماء الذين معه خصاصة نحر لهم الجزور أو من الشاة على قدر ما يذهب عنهم بقرم(1) اللحم فيقسمه بينهم ويأخذ هو كنصيب واحد منهم لا يتفضّل عليهم ، ومن أزهد من هؤلاء ؟ وقد قال فيهم رسول الله (ص) ما قال ولم يبلغ من أمرهما أن صارا لا يملكان شيئا التبة كما تأمرون الناس بالقاء امتعتهم وشيئهم «شيئتهم خ» ويؤثرون به على أنفسهم وعيالاتهم .
واعلموا أيها النفر اني سمعت أبي يروي عن آبائه أن رسول الله (ص) قال يوما : ما عجبت من شيء كعجبي من المؤمن «انه خ» إن قرض جسده في دار الدنيا بالمقاريض كان خيرا له ، وإن ملك ما بين مشارق الارض ومغاربها كان خيرا له ، وكل ما يصنع الله به فهو خير له»(2) .
الفصل الخامس
الخلاص من الدنيا بالزهد

قد ظهر ممّا ذكرنا أنه لا خلاص من تبعة الدنيا وغوائلها إلا بالزهد فيها ، وهو أن لا يريدها بقلبه إلا بقدر ضرورة بدنه ، وهو مقام عال قال الله تعالى : «فخرج على قومه في زينته»(3) إلى قوله «وقال الذين اوتوا العلم ويلكـم ثـواب الله خيـر»(4) نسب الزهد إلى العلماء ووصف أهله بالعلم وهو غياة الثناء ، وقال عز وجل : «من كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة

(1) القرم بالتحريك شدة شهوة اللحم حتى لا يصبر عنه . م .
(2) تحف العقول : ص 258 .
(3) سورة القصص : آية 79 .
(4) سورة القصص : آية 80 .
الحقايق في محاسن الأخلاق121

من نصب»(1) .
وقال النبي (ص) : «من أصبح وهمّه الدنيا شتّت الله عليه أمره وفرّق عليه ضيعته وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له ، ومن أصبح وهمّه الآخرة جمع الله له همّه وحفظ عليه ضيعته وجعل غناه في قلبه واتته الدنيا وهي راغمة»(2) وقال (ص) : «إذا رأيتم العبد قد اعطي صمتا وزهدا في الدنيا فاقتربوا منه فانّه يلقى «يلقن خ» الحكمة»(3) وقال : «ازهد في الدنيا يحبّك الله ، وازهد فيما أيدي الناس يحبك الناس»(4) وقال (ص) : «من أراد أن يؤتيه الله علما بغير تعلّم وهدى بغير هداية فليزهد في الدنيا»(5) .
وللزهد ثلاث درجات : السفلى أن يكون المرغوب فيه النجاة من النار وساير عذاب الآخرة ، وهذا زهد الخائفين والثانية أن يزهد رغبة في ثواب الله ونعيم الجنة ، وهذا زهد الراجين والثالثة هي المرتبة العليا أن لا يكون له رغبة إلا في الله وفي لقائه ، وهذا زهد العارفين ، والزهد باعتبار أحكامه ينقسم إلى فرض ونفل وسلامة فالفرض هو الزهد في الحرام ، والنفل هو الزهد في الحلال ، والسلامة هو الزهد في الشبهات .
وفي مصباح الشريعة قال الصادق (ع) : «الزهد مفتاح باب الآخرة والبراءة من النار ، وهو تركك كل شيء يشغلك عن الله من غير تأسّف على فوتها ولا إعجاب في تركها ولا انتظار فرح منها وطلب محمد عليها ولا عوض لها ، بل ترى فوتها راحة وكونها آفة وتكون ابدا هاربا من الآفة معتصما بالراحة ، والزاهد الذي يختار الآخرة على الدنيا والذل على العز ، والجهد على الراحة ، والجوع على الشبع وعافية «عاقبة خ» الآجل على محبة العاجل والذكر على الغفلة وتكون نفسه في الدنيا وقلبه في الآخرة»(6) .
وسئل الصادق (ع) «عن الزاهد في الدنيا فقال الذي يترك حلالها مخافة حسابه ويترك حرامها مخافة عذابه»(7) وقال : «ليس الزهد في الدنيا باضاعة المال ولا تحريم الحلال ، بل الزهد في الدنيا أن لا تكون بما في يدك أوثق منـك بمـا عنـد الله»(8) .

(1) سورة الشورى : آية 20 .
(2) احياء علوم الدين : ج 4 ص 104 وانظر الكافي : ج 2 ص 319 .
(3) ارشاد القلوب : ص 104 .
(4) آمالي الطوسي : ص 139 .
(5) احياء علوم الدين : ج 4 ص 208 .
(6) مصباح الشريعة : ص 137 .
(7) عيون أخبار الرضا : ج 2 ص 52 .
(8) معاني الاخبار : ص 251 .
الحقايق في محاسن الأخلاق122

وقال أمير المؤمنين (ع) : «الزهد في الدنيا قصر الأمل وشكر كل نعمة والورع عن كل ما حرّم الله عز وجل»(1) .
وقال (ع) : «الزهد كلّه بين كلمتين من القرآن قال الله سبحانه : «لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتيكم»(2) ومن لم يأس على الماضي ولم يفرح بالآتي فقد أخذ الزهد بطرفيه»(3) ، ولعمري أنه تمام في معناه .

الفصل السادس
في الجود والبخل

اعلم أن من ثمرة الزهد السخاء ، ومن ثمرة الرغبة في الدنيا البخل ، فالمال إن كان مفقودا ينبغي أن يكون حال العبد القناعة ، وإن كان موجودا ينبغي أن يكون حاله السخاء واصطناع المعروف ، فان السخاء من أخلاق الأنبياء وهو أصل من اصول النجاة .
وعنه عبّر النبي (ص) حيث قال : «السخاء شجرة من شجرالجنة أغصانها متدلية على الأرض فمن أخذ منها غصنا قاده ذلك الغصن إلى الجنة»(4) وقال (ص) : قال جبرائيل : قال : قال الله تعالى «إن هذا دين ارتضيته لنفسي ولن يصلحه إلا السخاء وحسن الخلق فأكرموه بهما ما استطعتم»(5) وقال (ص) : «ما جبل الله أوليائه إلا على السخاء وحسن الخلق»(6) وقال : «إن من موجبات المغفرة بذل الطعام وإفشاء السلام وحسن الكلام»(7) وقال : «تجافوا عن ذنب السخي فان الله أخذ بيده كلّما عثر اقاله»(8) وقال (ص) : «طعام الجواد دواء وطعام البخيل داء»(9) وقال (ص) : «ان السخي قريب من الله قريب من الناس قريب من الجنة ، بعيد من النار ، وإن البخيل بعيد من الله بعيد من الناس بعيد من الجنة ، قريب من النار»(10) ، وجاهل سخي احب إلى الله من عابد بخيل وادوى الداء البخل وأرفع درجات السخاء الايثار ، وهو أن يجود بالمال مع الحاجة قال الله تعالى في معرض الثناء : «ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم

(1) معاني الاخبار : ص 251 .
(2) سورة الحديد : آية 23 .
(3) نهج البلاغة : قصار الحكم حكمة 439 .
(4) تنبيه الخواطر : ج 1 ص 170 .
(5) تنبيه الخواطر : ج 1 ص 170 .
(6) الترغيب والترهيب : ج 3 ص 383 .
(7) تنبيه الخواطر : ج 1 ص 170 .
(8) تنبيه الخواطر : ج 1 ص 171 .
(9) احياء علوم الدين : ج 3 ص 230 .
(10) تنبيه الخواطر : ج 1 ص 171 وارشاد القلوب : ص 136 .
الحقايق في محاسن الأخلاق123

خصاصة»(1) وقال النبي (ص) : «أيما امرء اشتهى شهوة فرد شهوته وآثر على نفسه غفر له»(2) .
وينبغي للفقير أن لا يمنع بذل قليل ما يفضل عنه ، فان ذلك جهد المقل وفضله أكثر من أموال كثيرة تبذل من ظهر غنى وقال النبي (ص) : «درهم من الصدقة أفضل عند الله من مأة ألف درهم قيل وكيف ذلك يا رسول الله ؟ قال : اخرج رجل من عرض ماله مأة ألف يتصدق بها وأخرج رجل درهما من درهمين لا يملك غيرهما طيبة بها نفسه ، فصار صاحب الدرهم أفضل من صاحـب مـأة الف درهـم»(3) .
واعلم أن الامساك حيث يجب البذل بخل والبذل حيث يجب الامساك تبذير وبينهما وسط هو المحمود وينبغي أن يكون السخاء والجود عبارة عنه إذ لم يؤمر رسول الله (ص) إلا بالسخاء وقيل له : «ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط»(4) وقال تعالى : «والذين إذا انفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما»(8) .
فالجود وسط بين الاقتار والاسراف وبين البسط والقبض وهو ان يقدر بذله وامساكه بقدر الواجب ولا يكفي أن يفعل ذلك بجوارحه ما لم يكن قلبه طيّبا به غير منازع له فيه ، بل ينبغي ان لا يكون لقلبه علاقة مع المال إلا من حيث يراد المال له ، وهو صرفه إلى ما يجب صرفه إليه شرعا أو مروة وعادة ، وواجب المروة والعادة يختلف في الاحوال والاشخاص فيستقبح من الغنى المضايقة ما لا يستقبح من الفقير ، ومع الاهل والاقارب ما لا يستقبح من الاجانب ، ومع الجار ما لا يستقبح مع البعيد ، وفي الضيافة ما لا يستقبح اقل منه في المبايعة والمعاملة إلى غير ذلك .
وبالجملة حد البخل هو امساك المال عن غرض ذلك الغرض وهو أهم من حفظ المال وفي مقابلة السخاء والجود .

الباب الرابع
في ذم حب الجاه

في ذم حب الجاه اعلم أن اصل الجاه هو انتشار الصّيت والاشتهار ، وهو آفة عظيمة وحبّه

(1) سورة الحشر : آية 9 .
(2) تنبيه الخواطر : ج 1 ص 172 .
(3) احياء علوم الدين : ج 4 ص 192 .
(4) سورة الاسراء : آية 29 .
(5) سورة الفرقان : آية 67 .
الحقايق في محاسن الأخلاق124

مدموم ، بل المحمود هو الخمول إلا من شهره الله لنشر دينه من غير تكلف طلب للشهرة منه قال الله تعالى : «تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوّا في الارض ولا فسادا»(1) .
وقال النبي «حب الجاه والمال ينبتان النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل»(2) وقال (ص) : «ما ذئبان ضاريان ارسلا في زريبة غنم بأكثر فسادا من حب الجاه والمال في دين الرجل المسلم»(3) وقال (ص) : «إنما هلك الناس باتباع الهوى وحب الثناء»(4) وعنه (ص) : «حسب امرء من الشر إلا من عصمه الله أن يشير الناس إليه بالأصابع في دينه ودنياه»(5) .
وعن أمير المؤمنين (ع) : «تبذل ولا تشهر ولا نرفع شخصك لتذكر بعلم واكتم واصمت تسلم ، تسر الابرار وتغيظ الفجار»(6) .
وقال الصادق (ع) : «إيّاكم وهؤلاء الرؤساء الذين يتراسون فوالله ما خفقت النعال خلف رجل إلا هلك وأهلك»(7) وقال (ع) : «ملعون من تراس ملعون من همّ بها ملعون من حدث بها نفسه»(8) .
وقال النبي (ص) : «رب ذي طمرين لا يؤبه(9) له لو اقسم على الله لأبرّه لو قال : اللهم (إنّي خ) أسئلك الجنة لاعطاه الجنة ولم يعطه من الدنيا شيئا»(10) وعنه (ص) : «ان اليسير من الرياء شرك وإن الله يحب الاتقياء والاخفياء الذين إذا غابوا لم يفتقدوا وإذا حضروا لم يعرفوا ، قلوبهم مصبابيح الهدى ينجون من كل غبراء مظلمة»(11) .
واعلم أن الجاه والمال هما ركنا الدنيا ، ومعنى المال ملك الاعيان المنتفع بها في التوصّل إلى الاغراض والمقاصد وقضاء الشهوات ، ومعنى الجاه ملك القلوب المطلوب تعظيمها وطاعتها ليتوصل باستعمال أربابها في الأغراض والمقاصد ، وكما أنه يكتسب الاموال

(1) سورة القصص : آية 83 .
(2) تنبيه الخواطر : ج 1 ص 155 واحياء علوم الدين : ج 3 ص 260 .
(3) تنبيه الخواطر : ج 1 ص 155 واحياء علوم الدين : ج 3 ص 260 .
(4) احياء علوم الدين : ج 3 ص 260 .
(5) احياء علوم الدين : ج 3 ص 258 .
(6) عدة الداعي : ص 234 .
(7) الكافي : ج 2 ص 297 .
(8) الكافي : ج 2 ص 298 .
(9) الطمر بالكسر الثوب الخلق العتيق او الكساء البالي من غير الصوف والابهة بضم الهمزة والتشديد العظمة والكبر والبهاء كذا في مجمع البحرين .
(10) احياء علوم الدين : ج 3 ص 259 .
(11) احياء علوم الدين : ج 3 ص 259 .
الحقايق في محاسن الأخلاق125

بأنواع الحرف والصناعات فكذلك تكتسب القلوب بانواع من المعاملات ، ولا تصير القلوب مسخرة إلا بالمعارف والاعتقادات ، وكل من اعتقد القلب فيه وصفا من أوصاف الكمال انقاد له وتسخر له بحسب قوة اعتقاده وبحسب درجة ذلك الكمال عنده .
وليس يشترط أن يكون الوصف كمالا في نفسه بل يكفي أن يكون كمالا عنده وفي اعتقاده ، وقد يعتقد ما ليس كمالا كمالا ويذعن قلبه للموصوف بها انقيادا ضروريا بحسب اعتقاده ، فان انقياد القلب حال للقلب وأحوال القلب تابعة لاعتقادات القلوب وعلومها وتخيّلاتها ، وكما أن محب المال يطلب ملك الأرقاء والعبيد فطالب الجاه يطلب أن يسترق الأحرار ويستعبدهم ويملك رقابهم بملك قلوبهم .
بل الرق الذي يطلبه صاحب الجاه أعظم ، لأن مالك العبد يملكه قهرا والعبد متأب بطبعه ولو خلّى ورايه انسل(1) عن الطاعة ، وصاحب الجاه يطلب الطاعة طوعا ويبتغي أن يكون الاحرار له عبيدا بالطبع والطوع مع الفرح بالعبودية والطاعة له ، فبقدر ما يعتقدون من كماله تذعن(2) له قلوبهم ؛ وبقدر إذعان القلب يكون قدرته على أرباب القلوب ، وبقدر قدرته يكون فرحه وحبه للجاه .
وللجاه ثمرات كالمدح والاطراء فان المعتقد للكمال لا يسكت عن ذكر ما يعتقده فيثني عليه ، وكالخدمة والاعانة فانه لا يبخل ببذل نفسه في طاعته بقدر اعتقاده وكالإيثار وترك المنازعة والتعظيم والتوقير بالمفاتحة بالسلام وتسليم الصدر في المحافل والتقديم في جميع المقاصد .
ولملك القلوب ترجيح على ملك المال من وجوه :
الأول أن التوصّل بالجاه إلى المال أيسر من التوصل بالمال إلى الجاه ، فالعالم والزاهد الذي يتقرر له جاه في القلوب لو قصد اكتساب المال يتيسّر له ، فان أموال أرباب القلوب مسخرة للقلوب ومبذولة لمن اعتقد فيه الكمال ، وأما الرجل الخسيس الذي لا يتصف بصفة كمال إذا وجد كنزا ولم يكن له جاه يحفظ ماله وأراد أن يتوصّل بالمال إلى الجاه لم يتيسّر له .
والثاني أن المال معرض للتوى(3) والتلف لأنه يسرق ويغصب ويطمع فيه الملوك والظلمة

(1) في الحديث سيروا وانسلوا فانه اخف عليكم ، أي اسرعوا . م انسل الصوف سقط وتقطع ، المنجد .
(2) الاذعان الانقياد والخضوع والذل ، قال تعالى ، يأتوا اليه مذعنين اي مقرين منقادين غير مستكرهين .
(3) التوى مقصور ويمد هلاك المال وفي الحديث : القصد مثراة والسرف متواة . أي فقر وقلة .
الحقايق في محاسن الأخلاق126

ويحتاج فيه إلى الحفظ والحراسة وتتطرق إليه أخطار كثيرة ، وأما القلوب إذا ملكت لم يتعرض لهذه الآفات فان ذا الجاه في أمن وأمان من الغضب والسرقة فيها ، نعم إنما تغصب القلوب بالتضريب وتقبيح الحال وتغييرالاعتقاد فيما صدق به من أوصاف الكمال وذلك مما يهون دفعه .
والثالث أن ملك القلوب يسري وينمو ويتزايد من غير حاجة إلى تعب ومقاساة لأن القلوب إذا اذعنت لشخص واعتقدت كماله بعلم أو عمل أو غيرهما افصحت الالسنة لا محالة بما فيها ، فتصف بما تعتقده لغيره واستطار في الاقطار فاقتنصت القلوب ودعتها إلى الاذعان والتعظيم ، فلا يزال يسري من واحد إلى واحد ويتزايد ، وليس له مرد معين ، وأما المال فمن ملك منه شيئا فهو مالكه فقط ولا يقدر على استنمائه إلا بتعب ومقاسات .
وأما حب جمع المال وكنز الكنوز وادّخار الذخاير واستكثار الخزاين وراء جميع الحاجات وحب اتساع الجاه وانتشار الصيت إلى أقاصي البلاد التي يعلم قطعا أنه قط لا يطأها ولم يشاهد أصحابها ليعظموه أو يعينوه على غرض من أغراضه فله سببان : أحدهما جلي ، والآخر خفي يدق عن أفهام الازكياء فضلا عن الأغبياء ، وذلك لاستمداده من عرق خفي في النفس وطبيعة مستكنّة في الطبع لا يكاد يقف عليه إلا الغواصون .
أما الجلي فهو دفع ألم الخوف ، لأن الشفيق لسوء الظن مولع ، والانسان وانكان مكتفيا في الحال فانّه طويل الأمل ويخطر بباله ان المال الذي فيه كفايته ربما يتلف فيحتاج إلى غيره ، فاذا خطر ذلك بباله هاج الخوف من قلبه ولا يدفع ألم الخوف إلا الأمن الحاصل بوجود مال آخر يفزع إليه إن أصابت هذا المال جائحة(1) فهو أبدا لشفقته على نفسه وحبه للحياة بقدر طول الحياة وبقدر هجوم الحاجات وبقدر إمكان تطرق الآفات إلى الأموال ويستشعر الخوف من ذلك فيطلب ما يدفع الخوف وهو كثرة المال حتى إن اصيب بطائفة من ماله استغنى بالآخرى ، وهذا خوف لا موقف له عند مقدار مخصوص من المال فلذلك لم يكن لميله موقف إلى أن يملك جميع ما في الدنيا ، ولذلك ورد : «منهومان لا يشبعان : منهوم(2) العلم ومنهوم المال»(3) ، ومثل هذه العلة تطرد في حبّه قيام المنزلة والجاه في قلوب الأباعد عن وطنه وبلده ، فانه لا يخلو

(1) جاحت الآفة المال تجوحه جوحا من باب قال اهلكته . م .
(2) المنهوم في الاصل هو الذي لا يشبع من الطعام ولا يمل عن الاكل وقد مر هذا الحديث عن قريب .
(3) احياء علوم الدين : ج 3 ص 223 وتنبيه الخواطر : ج 1 ص 163 .
الحقايق في محاسن الأخلاق127

عن تقدير سبب يزعجه(1) عن الوطن أو يزعج اولئك عن أوطانهم إلى وطنه ويحتاج إلى الاستعانة بهم .
وأما السبب الخفي وهو الأقوى أن الروح أمر ربّاني يحب الربوبية بالطبع ومعنى الربوبية التوحد بالكمال ، والعبودية قهر على النفس ولكن لما عجزت النفس عن درك منتهى الكمال لم تسقط شهوتها للكمال ؛ فهي محبة للكمال مشتهية له ملتذّة به لذاته لا لمعنى آخر وراء الكمال ، فكل موجود فهو محب لذاته ولكمال ذاته ، ومبغض للهلاك الذي هو عدم ذاته أو عدم صفات الكمال من ذاته ، فصار الاستيلاء على الأموال والقلوب محبوبا بالطبع وإن كان لا يحتاج إليها في ملبسه ومطعمه وفي شهوات نفسه ، ولذلك طلب استرقاق العبيد واستعباد أشخاص الأحرار ولو بالقهر والغلبة .

الفصل الأول
طرق الكمال

اعلم أن الكمال الحقيقي الذي يقرب من اتصف به من الله تعالى ويبقى كمالا للنفس بعد الموت ليس إلا العلم بالله وبصفاته وأفعاله وحكمته في ملكوت السماء والأرض وترتيب الدنيا والآخرة وما يتعلّق به ثم الحريّة أعني الخلاص عن اسر الشهوات وغموم الدنيا والاستيلاء عليها بالقهر تشبهاً بالملائكة الذين لا يستفزهم والألفين ولا يستهويهم «لا يسبق بهم خ» الغضب .
وأما ماله منفعة في الاعانة على معرفة الله كمعرفة لغة العرب وتفسير القرآن والفقه والأخبار ومعرفة طريق تزكية النفس لقبول الهداية إلى معرفة الله تعالى كما قال عز وجل «قد أفلح من زكيها»(2) وقال : «والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا»(3) فهو من حيث إنه وسيلة إلى معرفة الله وإلى تحصيل الحرية فممّا لا بد منه بالعرض .
وأما القدرة فليس فيها كمال حقيقي للعبد إذ ليس له قدرة حقيقية وإنما القدرة الحقيقية لله تعالى وما يحدث من الأشياء عقيب إرادة العبد وقدرته وحركته فهي حادثة باحداث الله كما حقق في موضعه ، نعم له كمال من جهة القدرة بالاضافة إلى الحال ، وهي وسيلة إلى كمال العلم ، كسلامة أطرافه وقوة يده للبطش ورجله للمشي وحواسّه للادراك ، فان هذه القوى آلة للوصول به إلى حقيقة كمال العلم .

(1) ازعجه اقلقه وقلعه من مكانه .
(2) سورة الشمس : آية 9 .
(3) سورة العنكبوت : آية 69 .
الحقايق في محاسن الأخلاق128

وقد يحتاج في استبقاء هذه القوى إلى القدرة بالمال والجاه للتوصّل به إلى المطعم والملبس ، وذلك إلى قدر معلوم فان لم يستعمله للوصول به إلى معرفة الله فلا خير فيه البتة إلا من حيث اللذة الحالية التي تنقضي على القرب .
ولا طريق للعبد إلى اكتساب كمال القدرة الباقية بعد الموت إذ قدرته على أعيان الأموال وعلى استسخار القلوب والابدان تنقطع بالموت ومن ظن ذلك كمالا فقد جهل ، فالخلق كلهم في غمرة هذا الجهل ، فانهم يظنون أن القدرة على الأجساد بقهر الحشمة ، وعلى أعيان الاموال بسعة الغنى ، وعلى تعظيم القلوب بسعة الجاه والمال كمال ، فلما اعتقدوا الكمال ذلك أحبّوه ، ولما أحبوه طلبوه ، ولما طلبوه شغلوا به وتهالكوا عليه ، فنسوا الكمال الحقيقي الذي يوجب القرب من الله تعالى ومن ملائكته وهو العلم والحرية .
وهؤلاء هم الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة ، فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون ، وهم الذين لم يفهموا قوله تعالى : «المال والبنون زينة الحيوة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربّك»(1) .
فالعلم والحرية هي الباقيات الصالحات التي تبقى كمالا للنفس ، والجاه والمال هو الذي ينقضي على القرب وهو كما مثله الله تعالى : «إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض»(2) الآية ، وكل ما تذوره الرياح بالموت فهو زهرة الحياة الدنيا ، وكلما لا يقطعه الموت فهو من الباقيات الصالحات .
فقد عرفت بهذا أن كمال القدرة بالمال والجاه كمال وهمي لا أصل له وأن من قصر الوقت على طلبه وظنه مقصودا فهو جاهل الا قدر البلغة منها إلى الكمال الحقيقي .

الفصل الثاني
بعض الجاه ضرورة في بعض الاحيان

اعلم انه كما لا بد من ادنى المال لضرورة المطعم والملبس فلا بد من أدنى جاه لضرورة المعيشة مع الخلق ، والانسان كما لا يستغني عن طعام يتناوله فيجوز أن يحب الطعام والمال

(1) سورة الكهف : آية 46 .
(2) سورة يونس : آية 24 .
الحقايق في محاسن الأخلاق129

الذي يباع به الطعام فكذلك لا يخلو عن الحاجة إلى خادم يخدمه ورفيق يعينه وسلطان يحرسه ويدفع عنه ظلم الاشرار .
فحبّه لان يكون له قلب خادمه من المحل ما يدعوه إلى الخدمة ليس بمذموم وكذا حبّه لان يكون له في قلب رفيقه من المحل ما يحسن به مرافقته ومعاونته ، وكذا حبه لان يكون له في قلب استاذه من المحل ما يحسن به إرشاده وتعليمه والعنايه به ، وكذا حبّه لان يكون له من المحل في قلب السلطان ما يحسنه ذلك على دفع الشر عنه .
فان الجاه وسيلة إلى الاغراض كالمال فلا فرق بينهما إلا أن التحقيق في هذا يفضي إلى أن لا يكون المال والجاه في أعيانهما محبوبين ، بل ينزل ذلك منزلة حب الانسان أن يكون في داره بيت ماء ، لأنه يضطر إليه لقضاء حاجته ويود لو استغنى عن قضاء الحاجة حتى يستغني عن بيت الماء إلا أنه لا يوصف محبهما بالفسق والعصيان ما لم يحمله الحب على مباشرة معصية ولم يتوصّل إلى اكتسابه بكذب وخداع وارتكاب محظور ، وما لم يتوصّل إلى اكتسابه بعبادة .
فان التوصل إلى المال والجاه بالعبادة جناية على الدين ، وهو حرام وإليه يرجع معنى الرياء المحظور فاما أن يطلبهما باخفاء عيب من عيوبه ومعصية من معاصيه حتى لا يعلمه فلا يزول به منزلته فهو مباح أيضا لان حفظ الستر على القبايح جايز بل لا يجوز هتك الستر وإظهار القبيح .
وهذا ليس فيه تلبيس بل هو سد طريق العلم بما لا فايدة في العلم به كالذي يخفي عن السلطان أنه يشرب الخمر ولا يلقي إليه أنه ورع فان قوله إنه ورع تلبيس وعدم إقراره بالشرب لا يوجب اعتقاده الورع بل يمنع العلم بالشرب .

الفصل الثالث
في حب المدح والثناء

وأما حب المدح والثناء فله أسباب :
الأول وهو الأقوى شعور النفس بالكمال ، فان النفس مهما شعرت بكمالها ارتاحت واهتزت وتلذذت ، والمدح يشعر نفس الممدوح بكمالها وتعظم اللذة بهذه العلة مهما صدر الثناء من بصير خبير لا يجازف في القول ، ولهذه العلة يبغض الذم أيضا ويكره ، لأنه يشعر

السابق السابق الفهرس التالي التالي