|
|
قيل للصادق عليه السلام : صف لنا الموت ، قال :
«للمؤمن كاطيب طيب يشمه ، فينعس لطيبه ، وينقطع التعب والالم عنه ، والكافر كلسع الافاعي ، ولدغ العقارب ، واشد» (1) .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
«الناس اثنان : رجل اراح ، ورجل استراح ، فاما الذي استراح فالمؤمن ، استراح من الدنيا ونصبها ، واُفضي الى رحمة الله وكريم ثوابه ، واما الذي اراح فالفاجر ، اراح منه الناس والشجر والدواب ، وافضي الى ما قدم» (2) .
سئل الحسن بن علي المجتبى عليه السلام : ما الموت الذي جهلوه ؟ قال :
«اعظم سرور يرد على المؤمنين اذا نقلوا عن دار النكد الى نعيم الابد ، واعظم ثبور يرد على الكافرين اذا نقلوا عن جنتهم الى نار لا تبيد ولا تنفد» (3) .
عن ابي بصير قال : قلت لابي عبد الله عليه السلام : جعلت فداك ، يستكره المؤمن على خروج نفسه ؟ قال : فقال : «لا والله» ، قال : قلت وكيف ذا ؟ ... الخ (4) .
وانطلقنا الى منزل الامام السجاد وسالناه عن حقيقة الموت فقال عليه السلام :
«للمؤمن كنزع ثياب وسخة قمّلة ، وفك قيود واغلال ثقيلة ، والاستبدال بافخر الثياب واطيبها روائح ، واوطئ المراكب ، وآنس المنازل ، وللكافر كخلع ثياب فاخرة ،
|
(1) بحار الانوار 6 / 172 ، الحديث 50 و : 173 ، الحديث 8 و : 162 ، الحديث 31 و : 178 ، الحديث 6 و : 154 و : 124 ـ 139 ، حب لقاء الله ، وذم الفرار من الموت ، 6 / 139 ـ 145 ، ملك الموت واحواله واعوانه وكيفية نزع الروح ، 6 / 145 ـ 173 ، سكرات الموت وشدائده ، وما يلحق بالمؤمن والكافر ، 6 / 173 ـ 202 ، ما يعاني المؤمن والكافر عند الموت ، وحضور الائمة عليهم السلام عند ذلك ، وعند الدفن ، وعرض الاعمال ، 6 / 202 ـ 282 ، احوال البرزخ ، والقبر ، وعذابه ، وسؤاله ، وسائر ما يتعلق به .
(2) بحار الانوار 6 / 172 ، الحديث 51 .
(3) المصدر المتقدم : 154 ، الحديث 9 .
(4) بحار الانوار 6 / 162 ، الحديث 31 و : 178 ، الحديث 6 و : 178 ، الحديث 7 (حديث الحارث الهمداني) .
|
والنقل عن منازل انيسة ، والاستبدال باوسخ الثياب واخشنها ، واوحش المنازل ، واعظم العذاب» (1) .
وسالت الامام الباقر مثل ذلك فقال عليه السلام :
«هو النوم الذي ياتيكم كل ليلة ؛ الا انه طويل مدته ، لا ينتبه منه الا يوم القيامة ، فمن راى في نومه اصناف الفرح ما لا يقادر قدره ، ومن اصناف الاهوال ما لا يقادر قدره ، فكيف حال فرح في النوم ووجل فيه ؟ هذا هو الموت فاستعدوا له» (2) .
قال دليلي : سآخذك الى من يحضره الائمة لحظات احتضاره ، سوف ترى علي بن ابي طالب وابنيه الحسن والحسين ، وسترى حفيده صاحب الزمان .
وقد تتعجب من ذلك ، لكنك سترى بنفسك .
قال ذلك واخذ بيدي الى احد الاولياء ، ورأيت عند بعضهم رسول الله صلى الله عليه وسلم .. ورأيت هؤلاء الاولياء ، وقد سعدوا بحضورهم ، وابتهجوا برؤية ملك الموت ؛ لانه قد قرب اللقاء .. لقاء المحبوب .
وتعجبت من فرحتهم بالموت ، فقال دليلي : اني لاعجب من تعجبك ، اليسوا هم عشاق الله ، فمن الذي لا يحب لقاء المعشوق ، وكيف لا يشتاق الحبيب الى حبيبه ؟ اليست الدنيا سجن المؤمن ؟!
الم يقل الله سبحانه وتعالى : ان من علامات الايمان تمني الموت ؟ الم يخاطب الله بني اسرائيل ويفند حبهم المزعوم لله .
الم يحتج على اليهود بقوله : «قل يا ايها الذين هادوا ان زعمتم انكم اولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت ان كنتم صادقين * ولا يتمنونه ابدا بما قدمت ايديهم والله عليم بالظالمين» (3) .
وقال الدليل : ساقول لك شيئا مؤسفا ، وهو ان بعض من يدعي التبليغ للاسلام ،
|
(1) بحار الانوار 6 / 155 ، الحديث 9 .
(2) المصدر المتقدم : ذيل الحديث 9 .
(3) الجمعة : الآيتان 6 و 7 .
|
يصور سكرات الموت بشكل مخيف ينفر الناس ؛ ولذا تجد الناس يحاولون تناسيه .. بينما الموت في حقيقته هو لقاء الله عز وجل .. وما احلى لقاء المحبوب ..
الموت في حقيقته بداية الخلاص والراحة للانسان .. الانسان عندما يموت كالطالب عندما يغادر قاعة الامتحان ليتنفس الصعداء .
سال احدهم عليا عليه السلام : صف لنا الموت ، فقال : «على الخبير سقطتم ، هو احد ثلاثة امور يرد عليه : اما بشارة بنعيم الابد ، واما بشارة بعذاب الابد ، واما تحزين وتهويل وامره مبهم ، لا تدري من اي الفِرق هو ؛ فاما ولينا المطيع لامرنا فهو المبشر بنعيم الابد ، واما عدونا المخالف علينا فهو المبشر بعذاب الابد ، واما المبهم امره الذي لا يدري ما حاله فهو المؤمن المسرف على نفسه ، لا يدري ما يؤول اليه حاله ، ياتيه الخبر مبهما مخوفا ، ثم لا يسوّيه الله عز وجل باعدائنا لكن يخرج من النار بشفاعتنا ، فاعملوا واطيعوا ولا تتّكلوا ولا تستصغروا عقوبة الله عز وجل ، فان من المسرفين من لا تلحقه شفاعتنا الا بعد عذاب ثلاثمائة الف سنة» (1) .
انطلقت مع دليلي في عالم المكاشفة الى صحراء مد البصر ، حيث المئات من اهل المعاصي ، والعشرات من اولياء الله في سكرات الموت ، فجأة راينا مشهدا لفت انظارنا ، راينا المدينة المنورة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وفي ابتداء بعثته صلى الله عليه وسلم كان يحدّث اذ قال صلى الله عليه وسلم :
«لو ان مؤمنا اقسم على ربه عز وجل ان لا يميته ما اماته ابدا ، ولكن اذا حضر اجله بعث الله عز وجل اليه ريحين : ريحا يقال له : المنسية ، وريحا يقال له : المسخية ، فاما المنسية فانها تنسيه اهله وماله ، واما المسخية فانها تسخّي نفسه عن الدنيا ، حتى يختار ما عند الله تبارك وتعالى» (2) .
قال لي معلمي :
في ليلة الجمعة ، وبعد قراءة دعاء كميل ، حصلت لي مكاشفة ، رأيت فيها اهل
|
(1) بحار الانوار 6 / 154 ، الحديث 9 .
(2) المصدر المتقدم : 153 ، الحديث 7 .
|
الدنيا يُقبرون افواجا افواجا كل في حفرته ، وقد وقف في كل حفرة عدد من الملائكة ، وكان الطرف الآخر من الحفر يفضي الى فضاء وسيع ، الملائكة يستقبلون الخارجين من الحفر باساليب مختلفة (1) .
فمثلا يسلمون على بعض الخارجين باحترام ومحبة ، بينما تراهم لا يكترثون للبعض الآخر ويعاملونهم باهمال ، وادركت منذ الوهلة الاولى ان الملائكة تعامل المؤمنين باحترام ، وتعنّف الكافرين ، بينما لا تكترث للمسلمين الآثمين (2) .
قال لي معلمي :
سالني شاب من تلامذتي المجدين من ذوي الفطنة والذكاء : متى اصبح من اولياء الله ؟ هل لاولياء الله من علامة يُعرفون بها ؟
قلت : ان اولياء الله يحبون الموت ، وهذه من علاماتهم .
قال : اذا كان الامر هكذا فلا وجود لاولياء الله ؛ لانه لا وجود لمن يحب الموت ، او يريده .
حدّثته كثيرا ، لكني اختصر لك ما قلت له :
صادفت وليا من اولياء الله في مدينة (ماهان) ، من اعمال محافظة (كرمان) ، وكان قد قطع اشواطا في طريق الكمال .. كان شيخا درس العلوم في النجف وقم ، وراى كثيرا من الاساتذة في هذه العلوم ، وهو من اولياء الله .
قلت له : ما هي ابرز علامات الولي ؟
قال : ان ولي الله من كان على درجة اليقين ، ومن الذين لايستوجبون العذاب
|
(1) الامام علي بن الحسين : «ان القبر روضة من رياض الجنة ، او حفرة من حفر النيران» بحار الانوار 6 / 214 ، ذيل الحديث 2 .
(2) الامام علي عليه السلام في حديث : «هو احد ثلاثة امور يرد عليه : اما بشارة بنعيم الابد ، واما بشارة بعذاب الابد ، واما تحزين وتهويل وامره مبهم ، لا تدري من اي الفِرق هو ؛ فاما ولينا المطيع لامرنا فهو المبشر بنعيم الابد ، واما عدونا المخالف علينا فهو المبشر بعذاب الابد ، واما المبهم امره الذي لا يدري ما حاله فهو المؤمن المسرف على نفسه ، لا يدري ما يؤول اليه حاله» بحار الانوار 6 / 154 .
|
الالهي ، فهم الى ربهم يشتاقون ، وبالموت يسعدون ، لان من كان على يقين بالله توكل عليه ، واحبه ، وانقطع اليه عمن سواه ، فلا يحب شيئا غير الله ، والله سبحانه يحبه ، فاذا احبه الله فهو وليه ، وادنى درجات الولي انه يحب الموت ؛ لانه وسيلته الى لقاء المحبوب .
قال لي معلمي :
رأيت في عالم الرؤيا ملك الموت يرتدي حلة بيضاء نورانية دخل عليّ حجرتي .
قلت له فزعا : ما تريد مني ؟
قال : انك لتدّعي انك من اولياء الله ، وانا رسول الله اليك لامكنك من لقاء محبوبك ومولاك .
فتوسلت اليه ان يتركني وشاني وقلت له : اني لست على استعداد الموت .
قال : لا باس ابق في هذه الدنيا ، ولكن فكر مع نفسك ، لِمَ انت غير مستعد للموت ؟ ابحث عن علة ذلك ، فان وجدتها فانتزعها من نفسك تصبح وليا لله .
ومن شدة هلعي وخوفي استيقظت من النوم ، فكنت كمن صدر بحقه حكم الاعدام ثم سيق لتنفيذ الحكم ، وقبل ان يوجه افراد جوقة الاعدام الرصاص هرب من ايديهم ونجا ، فهو مبتهج من جهة ، ومبهور الانفاس يلهث من جهة اخرى ؛ ورحت افكر فيما قاله لي ملك الموت : لماذا الخوف من الموت !
اليست الدنيا سجن ؟
اليس الموت خلاص من السجن ؟
الست احب الله ؟
اليس الموت وسيلة اللقاء ؟
وخلصت الى نتيجة ذلك ان علة الخوف امران :
الاول : التعلق بالدنيا كسجين اعتاد على سجنه وتشبث به .
الثاني : المخاوف من عذاب عالم البرزخ ، وما يجري في ذلك العالم .
وعلى اية حال بادرت للعمل من اجل اجتثاث العلتين معا ، وبعد معاناة ورياضة تطهرت نفسي من ذلك .
لقد عزفت روحي عن حب الدنيا والتشبث بها ، ورحت اعزز علاقتي بالله عز وجل ، فانا احب الله ، وفي قانون الحب الا اتمرد على ارادة المحبوب .
انفذ اوامره ، وانتهي بنواهيه .
وهنا ادركت معنى الآية الكريمة : «فتمنوا الموت ان كنتم صادقين» (1) .
فاولياء الله هم من يتمنون الموت ويسعدون به لانه بدء اللقاء .. لقاء المحبوب .
سئل امير المؤمنين عليه السلام : بماذا احببت لقاء الله ؟ قال : «لما رأيته قد اختار لي دين ملائكته ورسله وانبيائه علمت ان الذي اكرمني بهذا ليس ينساني ، فاحببت لقاءه» (2) .
قال لي معلمي :
عندما يزكي الانسان نفسه من جميع الرذائل ، ويزيل عنه جميع الحجب الظلمانية والنورانية ، ويحوز صفات الكمال ، ويوجد في نفسه سنخية مع الانسان الكامل والمعصوم ، وتتجسد فيه صفات الجمال والجلال الالهية ـ يعني صفات الافعال الالهية ـ عندها سيتمنى الموت لانه وسيلة للقاء المحبوب .
عندها ايضا يستطيع في نظرة واحدة ان يرى الماضي والمستقبل ويحيط بهما .
ويعيش عالم المكاشفة حيث يرى سكرات الموت وعالم البرزخ والقيامة والجنة والجحيم ويرى عوالم اخرى ما وراء هذا العالم ، وتكون ارادته ارادة الله فلا يقوم بعمل الا باذنه تبارك وتعالى .
ان كل ما حدثني به معلمي واستاذي ، وبخاصة ملكوت العالم وسكرات الموت ، ينطبق مع الاخبار والروايات وآيات القرآن الكريم .
|
(1) البقرة : الآية 94 و الجمعة : الآية 6 .
(2) بحار الانوار 6 / 127 ، الحديث 11 .
|
|
|