بين يدي الاستاذ 387

القردة في اقفاصها ، تقوم بحركات بهلوانية يضحك منها الاطفال .
واقسم بالله لقد رأيت حياة هؤلاء الاعيان ، كما نرى القردة في اقفاصها ، وهم في حياتهم الدنيوية ، محل تبجيل واحترام ممن لا يرى بعين البصيرة حقائقهم .
اهل الدنيا يغبطونهم ، وحقائقهم تدعو الى الاسف ، ذلك ان الانسان عندما يخسر انسانيته فلا يعوضه شيء من زخارف الدنيا الزائلة .
وغادرنا ذلك المكان واهله ، لنذهب صوب حياة احد المتنفذين من الذين لا عاطفة في قلوبهم ، فكل همه التدرج في المناصب ولو على جماجم الابرياء .
فاول ما رايناه كان في صورة ذئب جائع ، يتربص بالناس الدوائر ، قد كشر عن انيابه ، وقد تحفز لافتراس ضحاياه ن ولم يبق من انسانيته شيء ، فقد اصبح حيوانا كاسرا في جوع دائم .
قلت لدليلي : ما اشقاه لقد استحال الى ذب ليس له من صفات الانسانية شيء .
قال دليلي : انك لم تر الا جزء لا يحتسب بالنسبة الى بشاعته .
لان الذئب كحيوان لا يستطيع ان ينزل من الظلم والرعب في نفوس الناس مثلما يصنع هذا الانسان .
ان الاطفال والنساء والابرياء في رعب دائم منه ، فهو يفترس من الناس ولا يشبع ، فتراه منهوما ، شرها ، فاتحا بوزه ، مكشرا عن انيابه ، يطلب المزيد من الضحايا .
وقال دليلي : سآخذك الى مكان آخر نعتبر منه ، اهله في غفلة عما يراد بهم .
فاخذني الى مكان لا اعرف موقعه ، ولكني رأيت آلاف الحيوانات وقد كانوا اناسا مضللين ، وقد اصيبوا جراء الادران المتراكمة برمد في بصائرهم ، حتى انهم لا يرون اجلى شيء في الوجود وهو الله تبارك وتعالى .
لا يعرفون من الدنيا سوى الاكل والشرب وممارسة الفعاليات الحيوانية ، ولو انهم ازاحوا الحجب عن بصائرهم ، والادران عن قلوبهم ، لراوا الله عز وجل فتعلقوا به ، ولكتب لهم الخلاص مما هم فيه من الشقاء .
قال دليلي : انه رسول الله ، وهو طبيب الارواح والقلوب ، سعى في علاجهم ، ولكن هؤلاء الاشقياء يابون العلاج .

بين يدي الاستاذ 388


قلت : اين هذا المكان ، وما اهله ؟ قال : هذه بلدان الشيوعيين ، حيث يساق الناس هنا الى الشقاء ، والنظر الى الحياة بعين مفقوءة .
واطلق دليلي آهة حرى ، وتجمعت في عينيه الدموع ، ثم قال : ان قلبي يتصدع من اجل هؤلاء الناس ، فلا هم من غفلتهم يستيقظون ، ولا هم للعلاج يقبلون .
وسكت قليلا ثم قال : اتريد ان تعرف متى بدا شقاؤهم ؟
قلت : احب ان اعرف ذلك .
فقال : فاصغ اذن ، وما ساقوله لك هو في بُعده الملكوتي فقط .
قال لي معلمي :
واخذني الدليل الى فترة ظهور الاسلام ، واشار الى جبل «النور» ، يوم كان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم قد بلغ الاربعين من عمره الشريف .
ورأيت في غار «حراء» ينابيع من ماء الحياة تجري من قلب الرسول صلى الله عليه وسلم . كان جبريل يخاطبه :
«اقرا باسم ربك الذي خلق» .
ان مشيئة الله سبحانه قد اقتضت ان يتدفق النبع ويفيض على الدنيا بالخيرات .
وكان اول قلب يتفتح للنبع قلب علي بن ابي طالب عليه السلام ، ثم خديجة ، ثم راح يجري بين اودية قلوب العالمين .
وكان النبي طبيبا دوّارا بطبه ، همه علاج جميع امراض الروح ، وجميع مرضى العالمين .
وحتى لا تضل الانسانية طريقها الى النبع الالهي ، فقد جعل له من بعده وصيا هو علي ، ومن بعد علي ذريته من فاطمة ، وهم احد عشر كوكبا .
اما موسم المطر الغضير ، فسوف ياتي في ظهور الامام المهدي ، وهو الامام الثاني عشر ، حتى يعم الخير جميع ربوع العالم ، وتصل الانسانية الى هدفها المنشود في العدل والخصب والسلام .

بين يدي الاستاذ 389



المتحف الملكوتي للحيوانات

قال لي معلمي :
واخذني دليلي الى المتحف الملكوتي للحيوانات ، حيث حيوانات العالم العجيبة ..
كنت فيما مضى لا اعرف الا ان الحيوانات ليس لها في الحياة الا الاكل والنوم والتكاثر .
غير اني اكتشفت ان لكل حيوان نوعا من العلاقة مع الله سبحانه ، وهو يتمتع بمستوى من الادراك والشعور ، وهم مثل الناس يعيشون امما (1) .
فهي امام الله خاضعة ، طائعة ، تسجد له (2) ، وتسبح بحمده ، وتدعوه (3) ، والطير مسخرات ، وقد سخرت لبعض الانبياء كداود وسليمان (4) .
كل يسبح له ، وان غفل بعضها وقع في اسر الصياد .
واليك ما يقوله بعض الحيوانات :
فالفاختة تقول : ليت الخَلق لم يُخلقوا .
(1) «وما من دابة في الارض ولا طائر يطير بجناحيه الا امم امثالكم» الانعام : الآية 38 .
(2) «ولله يسجد ما في السماوات وما في الارض» النحل : الآية 49 .
(3) «الم تر ان الله يسبح له من في السماوات والارض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه» النور : الآية 41 .
(4) «وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين» الانبياء : الآية 79 . «وورث سليمان داود وقال يا ايها الناس علّمنا منطق الطير واوتينا من كل شيء» النمل : الآية 16 .
بين يدي الاستاذ 390


والطاووس يقول : كما تدين تدان . والهدهد يقول : من لا يَرحم لا يُرحم . والببغاء تقول : كل حي ميت ، وكل جديد بال ، ويل لمن الدنيا همه . والخطاف (السنونو) يقول : قدموا خيرا تجدوه . والحمامة تقول في هديلها : سبحان ربي الاعلى ملئ سماواته وارضه . والقمري يقول : سبحانه ربي الاعلى . والحداة تقول : كل شيء هالك الا وجهه . والقطا يقول : من سكت سلم . والضفدع يقول : سبحان ربي القدوس . والباز يقول : سبحان ربي وبحمده . والدراج يقول : الرحمن على العرش استوى .
ثم قال دليلي : اليوم هو يوم الجمعة ، فاصغ الى ما تقول الطيور .
ثم اخذني دليلي الى زمن بعض الانبياء واولياء الله وقال : انتبه الى ما تقوله الحيوانات .
فانطلقنا الى ملك سليمان عليه السلام ، وكان يتاهب مع جيشه للسير ...
«وحشر لسليمان جنوده من الجن والانس والطير فهم يوزعون * حتى اذا اتوا على واد النمل قالت نملة يا ايها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون * فتبسم ضاحكا من قولها وقال رب اوزعني ان اشكر نعمتك التي انعمت علي وعلى والديّ وان اعمل صالحا ترضاه وادخلني برحمتك في عبادك الصالحين * وتفقد الطير فقال ما لي لا ارى الهدهد ام كان من الغائبين * لاعذبنه عذابا شديدا او لاذبحنه او لياتينني بسلطان مبين * فمكث غير بعيد فقال احطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين * اني وجدت امراة تملكهم واوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم * وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان اعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون * الّا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والارض ويعلم ما تخفون وما تعلنون * الله لا اله الا هو رب العرش العظيم * قال سننظر اصدقت ام كنت من الكاذبين» (1) .
(1) النمل : الآيات 17 ـ 27 .
بين يدي الاستاذ 391



سكرات الموت وعالم البرزخ

قال لي معلمي :
واخذني دليلي الى «سكرات الموت وعالم البرزخ »، وما يجري هناك ، وانا انقل لك مكاشفاتي ، وما عليك الا ان تصغي وتتامل لتستيطع ان تدرك وتكتب للناس ، او تقول لهم ، عن عوالم سوف يراها الجميع ، ان عاجلا ام آجلا .
قال لي معلمي :
في البداية اخذني الدليل الى ملك كبير من الملائكة وهو «عزرائيل» لاعرف طبيعة عمله ...
ان مكانه في السماء الثالثة (1) ، كان جالسا وقد بدا مهيبا يشع بالنور ، انه من العظمة بحيث تبدو كرة الارض امامه مثل كأس او مسكوكة في قبضته (2) .
وامامه طومار فيه اسماء البشر ، وهو منتبه الى الطامور المضيء (3) .
انه مستغرق في عمله لا يفتر ابدا ، يقبض ارواح البشر بحسب آجالهم التي كتب الله لهم (4) .
والى يمينه وشماله اصطفّت افواج من الملائكة تنتظر اوامره ، امّا هو فقد بدا
(1) بحار الانوار 56 / 252 ، الحديث 12 و 6 / 142 ، الحديث 3 .
(2) بحار الانوار 6 / 144 ، الحديث 13 .
(3) المصدر المتقدم : 142 ، الحديث 30 .
(4) ان قبض الروح لا يعني فقط تلك الضغوط التي يتعرض لها البدن اثناء نزوع الروح وانما انفصال الروح باي سبب ، مرضا كان او حادثة من قبيل حوادث الدهس .
بين يدي الاستاذ 392

قائدا مرهوب الجانب ، يصدر اوامره الى جنوده ويرسلهم (1) لقبض الارواح التي انتهت آجالها ، وانقضت مدة وجودها في الابدان ، وعملهم هذا انما هو طاعة لله سبحانه (2) .
وهذا الطومار لا يحتوي فقط مدة الاجل ، وانما نتيجة العمل ، ومصير الانسان شقاء ام سعادة .
فان كان الانسان مؤمنا كان سعيدا ، وكان مصيره النعيم ، ارسل اليه ملائكة الرحمة لقبض روحه (3) .
اما ان كانوا اشقياء كفارا فيرسل اليهم ملائكة العذاب تنزع ارواحهم انتزاعا (4) .
وربما ذهب بنفسه لقبض روح عظيم (5) .
وانا ودليلي اتخذنا قرارا ان نرافق مرة ملاك العذاب ، ومرة اخرى ملاك الرحمة ، ومرة ثالثة نرافقه هو شخصيا ، فننطلق صوب الارض ، ونرى عن كثب عملهم ومامورياتهم .
لذا رافقنا احد ملائكة العذاب ، وهم كثيرون جدا .
ففي كل مرة ينبعث مئات الملائكة بامر من «عزرائيل» ، وسرعتهم هائلة جدا ، وقد رافقنا احدهم ، فما اسرع ما وصلنا الارض ، ودخلنا منزل احد الظالمين من الذين حان اجلهم .
فوجدنا عنده مامورا من قِبل الشيطان ، يريد المزيد من فتنته وشقائه ، رايناه جالساعنده يمنّيه الامنيات الطوال ، ويضرم حب الدنيا في قلبه .
كان يقول : انت لا تموت الآن ، وسوف تنجو من هذا المرض ، فلا تعتذر عما بدر
(1) بحار الانوار 6 / 142 ، الحديث 6 .
(2) «ويفعلون ما يؤمرون» النحل : الآية 50 .
(3) «الذين تتوفاهم الملائكة طيبين» النحل : الآية 32 .
(4) «الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي انفسهم» النحل : الآية 28 .
(5) بحار الانوار 6 / 142 ، الحديث 6 .
بين يدي الاستاذ 393

منك من اعمال الظلم (1) .
وعندما وقعت عين الشيطان على ملك الموت ولى هاربا ، ورأيت هذا الملك لحظة شروعه بالعمل قد اربد وجهه وقد بدا غاضبا ، حتى يصعب النظر اليه ، وكان في يده سوط ، ورائحة كريهة تنبعث منه ، وهو يرتدي حلة سوداء ، والنيران تنبعث من فمه وانفه واذنيه (2) .
وعندما وقعت عيني على الاولياء رأيتهم جميعا ينظرون بغضب جهة المسجّى ، وكان الشيطان يرقص مبتهجا بالمصير الاسود لابن آدم هذا .. ان جهوده لم تذهب سدى في تضليل هذا الكافر وسوقه نحو المصير الاسود الذي ينتظره .
ملك الموت بدا عمله بقبض روحه ، فكانه يقرّضه بالمقراض قرضا ، وكان ينتزع روحه من كل خلية في جسده انتزاعا .
قال الملك : اين كنت في هذه الدنيا ، وفيم كنت ؟ ويبكي الكافر يتوسل يتضرع الا يقبض روحه ، يقول له مبررا ما سلف من اعماله : لم يكن احد يهتم بتربيتي ويعرفني الحقائق .
ويقول الملك : اليست ارض الله واسعة ؟ لم يكن بوسعك الهجرة لتعرف الحقيقة .
ان الطريق الذي سلكته في حياتك لا يؤدي الا الى جهنم وبئس القرار (3) .
ثم ينهال الملاك عليه بالسوط ، على وجهه وظهره ، ويقول : ذق العذاب الذي كنت تكذب به (4) .
ويستمر النزع لان الكافر مشدود الى الدنيا لا يريد فراقها ، ثم يزداد تشبّثه بها ،
(1) بحار الانوار 6 / 142 ، الحديث 6 .
(2) المصدر المتقدم : 143 .
(3) «ان الذين توفاهم الملائكة ظالمي انفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الارض قالوا الم تكن ارض الله واسعة فتهاجروا فيها فاولئك ماواهم جهنم وساءت مصيرا» النساء : الآية 97 .
(4) «ولو ترى اذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وادبارهم» الانفال : الآية 50 . «فكيف اذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وادبارهم» محمد صلى الله عليه وسلم : الآية 27 .
بين يدي الاستاذ 394

لانه يرى ما ينتظره من مصير اسود وعذاب شديد .
وتركنا المكان والكافر في النزع الاخير ، يتعذب تحت سياط الملك ليذيقه اهوال المصير الذي غفل عنه طوال حياته ، وكان هذا جزاء الكافرين (1) .
ثم عدت مع دليلي الى السماء لنرافق احد ملائكة الرحمة وهو يستعد لماموريته في قبض روح انسان مؤمن .
فعدنا الى الارض كلمح البصر ، وكان على الملك ان لا يقبض روح ذلك المؤمن حتى يرضى هو بذلك (2) .
ولذا فان اول شيء قام به الملك بعد ان ولج المنزل هو ان القى السلام (3) ، ثم وقف ازاءه كما يقف العبد عند سيده ، ورأيت الملك وقد تجلى في ابهى صورة (4) .
وفاح منه شذى وعبير اين منه شذى ورود الربيع ! اشار دليلي الى جهة ، فرأيت خمسمئة من الملائكة يحملون باقات الورود ، وقد وقفوا صفا (5) ، فوج يرتدي بعضهم حلة خضراء ، وقد علت الجميع ابتسامات مشرقة تشع بالامل لهذا المسجّى وهو في انفاسه الاخيرة من الدنيا (6) .
وكان الشيطان الاكبر ابليس قد وقف بعيدا ، وهو يطلق صرخاته الحاقدة ، وقد تحلق حوله اتباعه من الجن يقولون : يا زعيمنا ، لماذا الصراخ ؟ فيقول لهم : اما ترون كيف يُستقبل ابن آدم هذا ؟! اما ترون الملائكة تحف به تاخذه الى عالم آخر ؟ فماذا كنتم تفعلون ؟
قالت الشياطين : لقد مكرنا وخدعنا وزينا له الشر واغويناه ، ولكنه كان يطردنا
(1) بحار الانوار 6 / 143 ، الحديث 8 .
(2) المصدر المتقدم : 162 ، ح31 و 32 .
(3) «تحيتهم يوم يلقونه سلام» الاحزاب : الآية 44 .
(4) بحار الانوار 6 / 172 ، الحديث 52 .
(5) المصدر المتقدم : 161 ، الحديث 29 .
(6) المصدر المتقدم : 161 ، الحديث 29 و 172 ، الحديث 52 .
بين يدي الاستاذ 395

ولا يصغي لنا ابدا (1) .
وقال دليلي : انظر الى زواره .
فنظرت فاذا كوكبة من ارواح اولياء الله يتخذون اماكنهم في الغرفة يتحدثون الى ذلك المؤمن بود ومحبة (2) .
ونظر المؤمن الى الملك وقال له : من انت ، وما تريد ؟
قال الملك : انا ملك الموت الموكل بقبض روحك ، وقد جئتك لاستاذنك في ذلك ، فتلتحق باولياء الله ، وقد امرني الله بطاعتك ، فامرني تجد مطيعا (3) .
فراينا الرجل المؤمن يرتاع من سماع الموت ، فلم يأذنه بذلك ، لذا قال الملك : ان رغبت عن ذلك فلا باس ، سوف لن تموت ، وتبقى الى الابد حيا (4) ؛ ذلك ان الله يكره لك ما تكره لنفسك ، ولا يرد ان يدخل عليك الحزن (5) ؛ ولان كل شيء بيد الله سبحانه ، فانه قادر على ان يبقيك حيا الى الابد .. انني رهن اشارتك ، ولكن قبل ان تتخذ قرارك انظر الى الدنيا الا تراها سجنا مظلما ضيقا ، الا تريد ان تغادر هذا المكان المظلم الى حيث الروح والريحان والى جنات تجري من تحتها الانهار ؟! انظر الى هذه الحدائق الغناء انها لك (6) .
ونظر الرجل وهو في حالة احتضار الى حيث اشار الملك ، فراى ما لا عين رات ولا اذن سمعت ، ولم يخطر على بال بشر .
ونظرت الى حيث نظر الرجل ، فرأيت بستانا لانظير له ، وكان ممتدا واسعا ، وقد تخللته قصور منيفة ، وكانت الحور والغلمان ينتظرون بفارغ الصبر مقدم صاحب القصر .
(1) بحار الانوار 6 / 161 ، الحديث 29 .
(2) المصدر المتقدم : 162 .
(3) المصدر المتقدم : 162 ، الحديث 30 .
(4) المصدر المتقدم : 153 ، الحديث 7 .
(5) المصدر المتقدم : 152 ـ 160 ، الاحاديث : 5 و 7 و 8 و 12 و 24 و 25 .
(6) المصدر المتقدم : 163 .
بين يدي الاستاذ 396


قلت لدليلي : ما له لا يسرع بالرحيل فينجو من سجن الدنيا ؟
قال : لا تعجل سوف يوافق على السفر .
كان الرجل ما يزال مترددا لايدري ماذا يفعل ! وفي هذه اللحظة تقدم ملكان يحملان اغصان الريحان الزكية وقد فاح عبير طيب ، فقدما اليه طاقة الرياحين ، فلما شم النسيم المعطور ، رأيته يبتسم برضا ويتاهب للرحيل ، بل كان على عجلة في امره .
سالت دليلي : ما هذا الذي قدمه الملكان للرجل ؟ وما سر العطر الذي فيه ؟ حتى يتغير موقفه بهذه السرعة ؟
قال دليلي : اسم هذا البستان «منسية» ، وفائدته انه اذا شمه الانسان ينسى اسرته وكل ما يشده الى الدنيا ، ويمنع من السفر الى الآخرة .
فهذا الرجل لا يود الموت ؛ لانه لا يحب فراق الاهل والاصدقاء (1) .
واسم النبات الآخر «المسخية» ، وفائدة استشمامه هو ان الانسان يسخو بالدنيا ، ويزول حب الدنيا عن قلبه (2) .
ان الموت بالنسبة للانسان المؤمن بمثابة خلع رداء قذر مثقل بالادران وارتداء حلة بهية ، او انه مثل الخلاص من الاغلال والسلاسل التي تقيد يدي الانسان المؤمن وقدميه ، فيمتطي مركبة تنطلق به الى الحرية ، وان الموت للانسان المؤمن كالنائم يصحو من نوم مليء بالكوابيس طويل .
عندما دققت النظر في وجه المحتضر رأيت بعض القلق ما يزال يرتسم على محياه .
قلت لدليلي : والآن لماذا هذا القلق ؟
قال دليلي : لا تظن ان الانسان المؤمن خال من الذنوب ، فقلقه من عاقبة ما اكتسبه في الحياة الدنيا ان يؤاخذ عليها ويُحاسب ، فهو بين خوف وخجل مما فعل ،
(1) بحار الانوار 6 / 159 ، الحديث 20 و 22 .
(2) المصدر المتقدم : 152 ، الحديث 5 و : 153 ، الحديث 7 .
بين يدي الاستاذ 397

وهنا رأينا ملك الموت يبشره ان الموت سيكون له كفارة عن الذنوب (1) .
وان الله سبحانه قد بدل سيئاتك حسنات فلا تخش شيئا !
وهنا رأيت الرجل يستعد للموت دون تردد ، فيتقدم منه الملك ويقبض روحه ، وقد فاحت منه رائحة زكية (2) .
ورأيت ذلك الرجل كالظامئ يجد ماء عذبا يرتوي منه ويطفي غليله (3) ، وقد استقبله ارواح قومه من المؤمنين الطيبين ، لترافقه في رحلة ما بعد عالم الدنيا الى عالم ربيعي (4) .
وعدنا في عالم المكاشفة انا ودليلي الى السماء ، وتشرفنا بلقاء «عزرائيل» لنرافقه في رحلته الى الارض لقبض ارواح من حانت آجالهم من العظماء .
وعندما عرفنا بان عزرائيل تولى مهمة قبض الروح مع سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم (5) .
ولذا انطلقنا الى زمان النبي صلى الله عليه وسلم في تلك اللحظات التي ستعرج فيها روح النبي صلى الله عليه وسلم الى الرفيق الاعلى .
اليوم هو الثامن والعشرون من صفر في السنة الحادية عشر من الهجرة ، وقد جنحت الشمس للمغيب ، جلست مع دليلي في زاوية من الغرفة ، وقد غمر الحزن مشاعرنا ، وراينا اصحاب النبي يحفون بالسرير ، وهو يناجي ابن عمه ووصيه علي بن ابي طالب عليه السلام ، وعلي واضع رأس النبي صلى الله عليه وسلم في حجره ، اقتربت الشمس من المغيب .. فجأة ظهر جبريل ومعه عزرائيل ، وقد ولجا حجرة النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد اصطفت الملائكة سبعون الف ملك .
قال جبريل : يا رسول الله ، هذا ملك الموت يستاذنك في قبض الروح ،
(1) بحار الانوار 6 / 151 ، الحديث 3 و : 157 ، الحديث 14 و : 155 ، الحديث 10 .
(2) المصدر المتقدم : 172 ، الحديث 50 .
(3) بحار الانوار 6 / 162 ، الحديث 30 .
(4) المصدر المتقدم : الحديث 31 .
(5) بحار الانوار 6 / 142 ، الحديث 6 .
بين يدي الاستاذ 398

وهو لم يستاذن احدا غيرك قبلك ولا بعدك .
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : اذنت له .
ويلتفت جبريل الى عزرائيل قائلا له : لقد اذِن لك .
قال ملك الموت للنبي صلى الله عليه وسلم : ان الله بعثني اليك وخيرك ، وامرني ان اطيعك بما تحب .
وقال جبريل : ان الله مشتاق للقائك .
قال النبي صلى الله عليه وسلم لعزرائيل : بل الرفيق الاعلى (1) .
وعرجت روح النبي صلى الله عليه وسلم الى الله ، وقد فاح في الفضاء عبير وشذى .
وقال دليلي : انطلق بنا الى مكان آخر اريك كيف يقبض ملك الموت روح انسان اسرف على نفسه ، واتبع خطوات الشيطان .
وانطلقنا صوب جبل شاهق ، ومن هناك وردنا منزلا ، وكان رجل مسجّى في فراشه ، وقد حل ملك الموت قربه يعنّفه على ما اسرف في دنياه .
«ان الذين توفاهم الملائكة ظالمي انفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الارض قالوا الم تكن ارض الله واسعة فتهاجروا فيها فاولئك ماواهم جهنم وساءت مصيرا» (2) .
وفي مكان آخر راينا ملك الموت يقول لمحتضر آخر : «ولو ترى اذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وادبارهم وذوقوا عذاب الحريق» (3) .
وراينا مع ثالث :
«يا ايتها النفس المطمئنة * ارجعي الى ربك راضية مرضية * فادخلي في عبادي * وادخلي جنتي» (4) .
(1) بحار الانوار 22 / 522 .
(2) النساء : الآية 97 .
(3) الانفال : الآية 50 .
(4) الفجر : الآيات 27 ـ 30 .

السابق السابق الفهرس التالي التالي