بين يدي الاستاذ 376

مرقد سيد الشهداء (1) .
ان تراب هذا المكان وفي شذاه شفاء وبركة ، وانطلقت مع دليلي الى المكان المقدس ، وكانت ليلة جمعة ، وبالرغم من الظلام الدامس الذي يغمر الوجود ، الا ان تلك البقعة كانت مغمورة بالنور كالشمس في منتصف الليل ، فكانت الاضواء تدعو المسافرين للضيافة ، سالت دليلي : كأن احتفالا هنا ؟
قال : اجل هذا الاحتفال يقام كل اسبوع ليلة الجمعة ، وانك لترى الانبياء جميعا يحضرون .. ولو انفتحت بصيرتك لرأيت الله بقلبك ورأيت رموز العالم (2) .
ودخلنا تلك الجنة حيث الانبياء والاولياء ؛ وترى الملائكة واقفة تحيي الداخلين ، وشبان بني هاشم واصحاب الحسين نجوم الحفل السماوي يحيون الانبياء .
وقد جلس سيد الشهداء على سرير ، وعن يمينه ابنه علي الاكبر ، وعن شماله اخوه ابو الفضل العباس .
وكان المكان مغمورا بالبركات الالهية وهي تفيض على القلوب وتدخل فيها السلام ، وسيد الشهداء لا ينفك يغمر زائريه بالمحبة والدفء (3) .
واُلهمت ان الله سبحانه يستجيب دعائي اذا دعوت ، ويعطيني منيتي ان سالت (4) .
ووددت ان ابقى الى ما لا نهاية في هذا المكان الزاخر بالصفاء والحب والطمأنينة ، ولكن دليلي كان ياخذني الى جنة اخرى هي جنة «البقيع» في المدينة
(1) جامع احاديث الشيعة ـ كتاب المزار : باب 86 ، الصفحة 576 .
(2) المصدر المتقدم : باب 52 ، الصفحة 426 .
(3) المصدر المتقدم : 364 ـ باب ان الحسين ينظر الى زواره ، وهو اعرف بحالهم ، وباسمائهم ، وبدرجاتهم ، ومنزلتهم عند الله .
(4) المصدر المتقدم : 516 ـ باب استحباب الاكثار من الدعاء وطلب الحوائج عند قبر الحسين عليه السلام ، فان الدعاء عند قبته مستجاب .
بين يدي الاستاذ 377

المنورة حيث ضريح سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم .
ورأيت قبة من النور تسطع فوق الجنة (1) ، ورأيت في تلك البقعة المباركة كثيرا من الانبياء والاولياء .
وكان سبط النبي صلى الله عليه وسلم الحسن المجتبى ، والامام السجاد ، وابنه الباقر ، وحفيده الصادق ، يستقبلون الزوار ، والملائكة ترحب وتحتفي بهم .
ورأيت النبي صلى الله عليه وسلم وابنته الزهراء يقضيان حوائج الزائرين ، وكان شذى اهل البيت يدور في الفضاء ويملا المكان الطاهر (2) .
وادركت ان هذا المكان من اعظم بقاع الوجود ، وان من زاره كمن زار عرش الله ، لما تضمن من ارواح اهل البيت الطاهرين .
وانطلق بي الدليل الى قرب «الكوفة» ، الى «النجف الاشرف» .
وقال دليلي : انظر الى هذا الوادي الزاخر بالانوار .
ثم اشار الى جهة فنظرت ، فرأيت امير المؤمنين عليا في هيبة وجلال ، وقد انعكست عليه انوار السماوات (3) .
واخذتني الرجفة ، وكدت انسى ذكر ربي فقال دليلي : قل :
«الله اكبر ، الله اكبر اهل الكبرياء والمجد والعظمة ، الله اكبر اهل التكبير والتقديس والتسبيح والآلاء ، الله اكبر مما اخاف واحذر ، الله اكبر عمادي وعليه اتوكل ، الله اكبر رجائي واليه انيب . اللهم انت ولي نعمتي ، والقادر على طلبتي ، تعلم حاجتي وما تضمره هواجس الصدور وخواطر النفوس ، فاسألك بمحمد المصطفى الذي قطعت به حجج المحتجبين ، وعذر المعتذرين ، وجعلته رحمة للعالمين ،
(1) جامع احاديث الشيعة : 276 ـ باب فضل الاقامة بالمدينة المنورة .
(2) المصدر المتقدم ـ كتاب المزار : 282 ـ باب ما ورد في ان مكة حرم الله ، والمدينة حرم رسول الله ...
(3) بحار الانوار 24 / 191 .
بين يدي الاستاذ 378

ان لا تحرمني ثواب زيارة وليك واخي نبيك امير المؤمنين وقصده ، وتجعلني من وفده الصالحين ، وشيعته المتقين ، برحمتك يا ارحم الراحمين» .
واردت ان اهفو اليه اعانقه ، فامسك بي دليلي وقال : الا ترى قبة النور فقل :
«الحمد لله على ما اختصني به من طيب المولد ، واستخلصني اكراما به من موالاة الابرار ، السفرة الاطهار ، والخيرة الاعلام . اللهم فتقبل سعيي اليك ، وتضرعي بين يديك ، واغفر لي الذنوب التي لا تخفى عليك ، انك انت الله الملك الغفار» .
وغمرتني رحمة الله وبركاته ، وحانت مني التفاتة ، فرأيت عند مدخل الوادي المضيء سيدنا «هود» وسيدنا «صالح» .
ورأيت الشهيدين «كميل بن زياد النخعي» و«ميثم التمار» ، وقد رحب بي الجميع .
وهتفت من اعماق قلبي وقد سطعت في روحي انوار اليقين :
«الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا ان هدانا الله ، الحمد لله الذي سيّرني في بلاده ، وحملني على دوابه ، وطوى لي البعيد ، وصرف عني المحذور ، ودفع عني المكروه حتى اقدمني حرم اخي رسوله صلى الله عليه وسلم » (1) .
آه ما اروع الحياة في هذا الوادي الغارق في السلام .
ارواح المؤمنين حلقات حلقات تتجاذب اطراف الاحاديث .. احاديث الروح والحقائق العالية (2) .
وترى الملائكة تطوف في الوادي الزاخر بالنور ، ورأيت شاعرا يشدو ويترنم بالثناء على اهل البيت :
ايها الراكب المجدّ رويدا بقلوب تقلبت في جواها
ان ترائت ارض الغريين فاخضع واخلع النعل دون وادي طواها
(1) مفاتيح الجنان ـ الزيارة المطلقة .
(2) بحار الانوار 97 / 385 ـ باب فضل الكوفة .
بين يدي الاستاذ 379

واذا شِمت قبة العالَم الاعلى وانوار ربها تغشاها
فتواضع فثَمّ دارة قدس تتمنّى الافلاك لَثم ثراها
قل له والدموع سَفحُ عقيق والحشا تصطلي بنار غضاها
يابن عم النبي انت يد الله التي عمّ كل شيء نداها
انت قرآنه القديم واوصا فُك آياته التي اوحاها
خصك الله في ماثر شتى هي مثل الاعداد لا تتناهى
ليت عينا بغير رَوضك ترعى قَذيت واستمر فيها قذاها
انت بعد النبي خير البرايا والسما خير ما بها قمراها
لك ذات كذاته حيث لولا انها مثلها لما آخاها
قد تراضعتما بثدي وصال كان من جوهر التجلي غذاها
يا اخا المصطفى لدي ذنوب هي عين القذا وانت جلاها
لك في مرتقى العلى والمعالي درجات لا يرتقى ادناها
لك نفس من معدن اللطف صيغت جعل الله كل نفس فداها

وولجت قبة النور وقلت :
«الحمد لله الذي ادخلني هذه البقعة المباركة التي بارك الله فيها ، واختارها لوصي نبيه . اللهم فاجعلها شاهدة لي» .
ثم قلت :
«اللهم ببابك وقفت ، وبفنائك نزلت ، وبحبلك اعتصمت ، ولرحمتك تعرضت ، وبوليك صلواتك عليه توسلت ، فاجعلها زيارة مقبولة ، ودعاء مستجابا» .
ورأيت اضرحة الاولياء يغمرها النور ، وشعرت ان هذا المكان هو حرم الله ، ورأيت ما لا عين رأت ولم يخطر على قلب بشر ، فلا استطيع وصفه ، فلقد رأيت قصورا من ذهب ، ورأيت في ذلك القصر علماء الاسلام ، فقلت لدليلي : كيف ادخل ؟ فقال : سلم على رسول الله وقل :
«اللهم ان هذا الحرم حرمك ، والمقام مقامك ، وانا ادخل اليه ، اناجيك بما انت

بين يدي الاستاذ 380

اعلم به مني ومن سري ونجواي ، الحمد لله الحنان المنان المتطول الذي من تطوله سهل لي زيارة مولاي باحسانه ، ولم يجعلني عن زيارته ممنوعا ، ولا عن ولايته مدفوعا ، بل تطول ومنح . اللهم كما مننت علي بمعرفته فاجعلني من شيعته ، وادخلني الجنة بشفاعته ، يا ارحم الراحمين» .
«السلام على رسول الله ، امين الله على وحيه ، وعزائم امره ، الخاتِم لما سبق ، والفاتح لما استقبل ، والمهيمن على ذلك كله ، ورحمة الله وبركاته .
السلام على صاحب السكينة ، السلام على المدفون بالمدينة ، السلام على المنصور المؤيد ، السلام على ابي القاسم محمد بن عبد الله ورحمة الله وبركاته» .
قال دليلي :
استاذن رسول الله بالدخول .
فقلت ، ودخلت جنة مفعمة بالسعادة ، فاذا انا ارى امير المؤمنين جالسا على منبر من نور ، ورأيت نبي الله آدم ونوح ، والملائكة تطوف افواجا افواجا تستقبل الزائرين وتغمرهم بالبركات .
سالت دليلي : لقد رأيت آدم ونوح من دون الانبياء في هذا المكان ، قال : لانهما دفنا هنا ، وكان نبي الله نوح يعرف بركة هذا المكان ، وقد كتب على صخرة اسم الامام (1) .
ومن هذه الجنة الوارفة انطلقنا الى جنة اخرى ، هي الكاظمين ، وهي في الظاهر بالقرب من بغداد ، ولكن في عالم الملكوت تفصلها عن بغداد المسافات الشاسعة .
وفي هذا المكان المقدس مثوى امامين هما الكاظم والجواد .
وكانت الانوار تسطع من المكان .
ورأيت في هذه الجنة علماء مثل الشيخ المفيد والطوسي والشريف الرضي
(1) جاء في زيارة الامام علي عليه السلام في يوم الاحد : «وعلى ضجيعيك آدم ونوح عليهما السلام» ـ مفاتيح الجنان .
بين يدي الاستاذ 381

وشقيقه المرتضى .. اولهما جامع نهج البلاغة ، والآخر من فقهاء الشيعة المبرزين ، وكانا يقضيان حوائج الزائرين .
ومن هذه الجنة انطلقنا الى سامراء ، حيث ضريح الامامين الهادي والعسكري ، وهناك السرداب الذي كان الامامان يتعبدان فيه ، ثم لجأ اليه فترة من الزمن الامام المهدي ، وكان المكان يزخر بالانوار اين منها انوار الشموس !
ثم عدنا الى ذات الجبل الشاهق لنطّلع على جنات اخر ، فرأيت الكثير الكثير الذي يحتاج الى تفصيل ، فكل المساجد كانت تتلألأ بالنور ، وكانت اضرحة الانبياء هي الاخرى تزهو بالخضرة والنور .
ورأيت اول مسجد بُني للناس ، وهو الكعبة العظمى ، وكانت اكثر الجنان ازدهارا وانوارا ، وكانت الملائكة والانبياء تحف بالكعبة وتطوف .
ومن هناك انطلقنا الى قم ، حيث مرقد السيدة فاطمة بنت الامام موسى الكاظم .
قال دليلي اتعلم لِمَ سميت هذه البقعة بهذا الاسم ؟ قلت : لان واحب ان اعرف .
فاخذني دليلي نحو الماضي ، الى اكثر من الف واربعمئة عام ، الى الزمن الذي عرج فيه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الى السماء .
واخذني الدليل الى رسول الله وساله عن ذلك ، فقال صلى الله عليه وسلم :
«لما اسري بي الى السماء حملني جبريل على كتفه الايمن ، فنظرت الى بقعة بارض الجبل حمراء ، احسن لونا من الزعفران ، واطيب ريحا من المسك ، فاذا فيها شيخ على رأسه برنس (قلنسوة طويلة) .
فقلت لجبريل : ما هذه البقعة الحمراء التي هي احسن لونا من الزعفران واطيب ريحا من المسك ؟
قال : بقعة شيعتك وشيعة وصيك علي .
فقلت : من الشيخ صاحب البرنس ؟
قال : ابليس .
قلت : فما يريد منهم ؟
قال : يريد ان يصدهم عن ولاية امير المؤمنين ، ويدعوهم الى الفسق والفجور .

بين يدي الاستاذ 381


فقلت : يا جبريل ، اهو بنا اليهم .. فاهوى بنا اليهم اسرع من البرق الخاطف ، والبصر اللامح .
فقلت : قم يا ملعون ! فشارك اعداءهم في اموالهم واولادهم ونسائهم ، فان شيعتي وشيعة علي ليس لك عليهم سلطان فسمّيت قم (1) .
ويقول الامام الصادق عليه السلام : «سميت قم لان اهلها يجتمعون مع قائم آل محمد ، ويقومون معه ، ويستقيمون عليه ، وينصرونه» (2) .
وقم حرم آل محمد ، وستكون في آخر الزمان عشا لذرية فاطمة عليها السلام وشيعة علي بن ابي طالب عليه السلام .
ورفع الستار فجأة ، فرأيت هذه البقعة المباركة ، حيث مرقد فاطمة بنت الامام موسى الكاظم عليه السلام رأيتها جنة حيث الملائكة وحور العين .
وكانت الملائكة تطوف ، وافواج تهبط ، وافواج تعرج الى السماء ، وكلما عرج الى السماء فوج من الملائكة ، هبط فوج آخر ، وقد زخر الفضاء باجنحتهم .
وقد رأيت الارض مليئة بالجنات ، ولو دقق الانسان النظر ، لاكتشف الجنة في هذه الدنيا .
قال لي معلمي :
قال لي دليلي يوما في عالم المكاشفة : لنذهب الى ذات الجبل الشاهق الذي ذهبنا اليه من قبل ورأيت العالم باسره من فوق .
هلم هذه المرة لاريك البقاع الملعونة ، واماكن الجحيم في هذا الكوكب .. سوف اريك هذه البقاع في بُعدها الملكوتي لترى كيف تكتسب الارض جحيمها .
ثم قال : انظر جهة اليسار ، واشار الى جهة في البعيد ، وعندما امعنت النظر رأيت البصرة التي ورد لعنها على لسان علي (3) .
(1) بحار الانوار 60 / 328 ، الحديث 82 و 57 / 207 .
(2) بحار الانوار 57 / 216 .
(3) بحار الانوار 60 / 204 .
بين يدي الاستاذ 383


ان هذه الارض في بُعدها الملكوتي بمثابة جحيم يعيش اهلها في عذاب دائم .
ثم اشار الى جهة اخرى ، فرأيت صحراء مد البصر ، ورأيت حضرموت هناك ، جحيم آخر حيث وادي العذاب ، ومكان ارواح الكفار (1) .
ورأيت مقابر الكفار والمشركين تستعر نارا ، وبعضها يموج بالافاعي والعقارب .
وهنا وضع الدليل يده على صدري ، فانفتحت بصيرتي حتى سمعت الجمادات والنباتات والحيوانات تسبح لله وتحمده بلغة لا يفهمها البشر (2) .
قال لي معلمي :
ذات يوم اخذني دليلي الى عالم الدنيا ، واراني البعد البرزخي للناس ، فرأيت اكثرهم حيوانات وحشية ونصف اهلية ، وكان بعضهم حشرات .
رأيت بعض الناس عقارب ، فسالت دليلي عن ذلك فقال : هؤلاء ناس اعتادوا الايذاء ، وديدنهم النميمة والتجسس ، فكانت صورهم البرزخية بهذه الهيئة (3) .
ورأيت جمعا آخر خنازير ، وقال دليلي : هؤلاء ناس خلطوا الحلال بالحرام ، حتى لم يعودوا يعرفون الفرق بينهما ، فهم كبني اسرائيل ، فكانوا ياكلون ما حرم عليهم ربهم .
ورأيت البعض يتصور نفسه كبيرا وهم موجودات لا فائدة منها ، ولا فن لهم سوى ايذاء الناس ، واخلاقهم الزنا واللواط ، فصارت هيئتهم بصورة الفيلة (4) .
ورأيت بعضهم كالبعوض ، يميلون مع كل ريح ، وهؤلاء ممن يسخرون بالانبياء والاولياء .
وبعضا رأيت ضفادع ، وهم من يشتمون اولاد الانبياء ، ويعادون الطيبين .
(1) بحار الانوار 60 / 206 ..
(2) «تسبح له السماوات السبع والارض ومن فيهن وان من شيء الا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم» الاسراء : الآية 44 .
(3) بحار الانوار 62 / 222 ، الحديث 4 .
(4) المصدر المتقدم : 221 ، الحديث 3 .
بين يدي الاستاذ 384


ورأيت نساء عناكب ، وهن من يؤذين ازواجهن ، ولا هم لهن الا بهرج بيوتهن .
ورأيت شبابا طواويس ، وهم ممن يخدعون النساء المحصنات بجمالهم واناقتهم ، فهم مغرورون بما بحظهم من الجمال (1) .
ورأيت فريقا منهم بهيئة الفئران والجرذان ، وهؤلاء كانوا يجمعون المال ، ويؤذون الناس (2) .
ورأيت حشدا بهيئة الزنابير ، وكانوا قصابين لحامين ، يلسعون الناس ويؤذونهم (3) .
وظللت مشدوها بما ارى ، كما يبهت المرء اذا راى حديقة الحيوانات لاول مرة .
وفي الاثناء قال دليلي : انظر الى هذه القردة واعتبر ، ولما نظرت رأيت العجائب ، كانت قردة بوجوه آدمية ، وهؤلاء هم من يستخدمون الحيل الشرعية للوصول الى مآربهم ، فهم عبيد الدنيا ، فاصبحت سيرتهم سيرة قردة حقيرة (4) .
وكان من بني اسرائيل من يفعل ذلك (5) .
(1) بحار الانوار 62 / 229 ، الحديث 13 .
(2) المصدر المتقدم : 221 ، الحديث 3 .
(3) المصدر المتقدم : الحديث 2 .
(4) بحار الانوار 62 / 222 ، الحديث 4 .
(5) قال تعالى : «وسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر اذ يعدون في السبت اذ تاتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تاتيهم» [الاعراف : الآية 163] ، فانها قرية كانت لبني اسرائيل قريبة من البحر ، وكان الماء يجري عليها في المد والجزر ، فيدخل انهارها وزروعهم ، ويخرج السمك من البحر حتى يبلغ آخر زروعهم ، وقد كان الله حرم عليهم الصيد يوم السبت ، فكانوا يضعون الشباك في الانهار ليلة الاحد ، ويصيدون بها السمك : وكان السمك يخرج يوم السبت ويوم الاحد لا يخرج وهو قوله تعالى : «اذ تاتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرّعا ويوم لا يسبتون لا تاتيهم» ، فنهاهم علماؤهم عن ذلك ، فلم ينتهوا ، فمُسخوا قردة وخنازير . وكان العلة في تحريم الصيد عليهم يوم السبت ان عيد جميع المسلمين ، وغيرهم ، كان يوم الجمعة ، فخالف اليهود وقالوا : عيدنا السبت ، =
بين يدي الاستاذ 385


وكان بعض تلك القردة كبيرا في الحجم ، وهؤلاء همهم في الدنيا اللعب واللهو ، وممن اتخذوا دينهم هزوا .
ورأيت بعضا منهم في اشكال اخرى ، وهؤلاء الغارقين في غفلتهم ، وقد نسوا الآخرة والمعاد ويوم القيامة .
ورأيت البعض دببة ، وهؤلاء هم البلداء ، وشغلهم كان السطو والخيانة والعدوان على اموال الناس ، وخاصة على اموال الحجاج (1) .
ورأيت ارانب ، وكانوا نساء يخن ازواجهن ، ولا يقمن بما اوجب الله عليهن من الدين .
قال لي معلمي :
اخذني دليلي في عالم المكاشفة ذات يوم الى مكان من عالم البرزخ يشبه البحر ، لارى سيرة بعض الناس من الذين تنكروا لانسانيتهم ، حتى ابغّضهم عند الناس وانفّرهم منهم .
وهؤلاء هم الانانيون ، ممن يرون انفسهم افضل العالم كله ، فهم لا يرون سوى انفسهم وذواتهم .
فوقفت مع دليلي على الساحل نراقب حياة انسان في الظاهر ، ولكنه استحال الى افعى بَحرية ، وكان هذا نماما ديوثا وكافرا برسالات الانبياء (2) .
ورأيت في هذا البحر البرزخي نساء في اشكال حيوانات بَحرية ، وكان عملهن الخداع ، وفتنة الناس الطيبين ، يراودون الرجال ! (3) .
ورأيت في البحر سلاطين الجور من الذين يثقلون شعوبهم بالضرائب ، ويقهرون
= فحرم الله عليهم الصيد يوم السبت ، ومُسخوا قردة وخنازير «ولقد علمتم الذين اعتدو منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين» الميزان 14 / 51 ـ 52 .
(1) بحار الانوار 62 / 222 ، الحديث 4 .
(2) المصدر المتقدم : 221 و 229 ، الحديث 14 .
(3) المصدر المتقدم : 223 و 224 .
بين يدي الاستاذ 386

رعيتهم ، وكانوا في شكل حيوان يدعى «سهيلا» (1) .
وقال دليلي : انك لو نظرت الارض ببُعد ملكوتي ، لرأيت اكثر اهلها بهذه الاشكال التي رأيت هنا .
قال لي معلمي :
وفي احدى مكاشفاتي اخذني الدليل الى حيوان يعبده اهل الدنيا ، واراني سيرته ..
واراد دليلي ان يربيني ويؤدبني فقال : انظر الى هذه الحيوانات في حظيرتها .
وكانت الحظيرة في ظاهرها قصرا لاحد الاعيان من اصحاب النفوذ والسطوة ، فرأيت ماضيه ومستقبله مثل شريط سينمائي ، ولم يكن في بيته ذرة من الانسانية والروح ، ورأيت في المكان حيوانات ، بل ادنى مرتبة من الحيوانات ، فالحيوانات لا تعرف مرأسم الاستقبال والتشريفات .
ليس لهم من الاخلاق شيء ، ولا من العاطفة الانسانية ، ولا يعطف كبيرهم على صغيرهم ، ولا صغيرهم يحترم كبيرهم .
وهم في نزاع دائم مع ازواجهم ، يؤذون جيرانهم ، ويحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ، ولا قيمة للمرء في اعينهم الا بمقدار ما يملك من الذهب والجواهر .
فمن يملك منهما الكثير حاز من التبجيل اكثر من غيره ، وكان كبيرهم ، وقد اجتاز السبعين ، لا هم له الا تدخين الحشيش والافيون ، واستمتاعه باللذائذ ، فهو في غفلة عما ينتظره من الموت ، وما بعد الموت ، غارقا في غفلته .
ولو انك ذهبت فرأيت ماذا تفعل القردة في اقفاضها لانطبق ما تفعله هذه الحيوانات على هذا الصنف من البشر ، فالقردة لا همّ لها ولا غم الا الاكل والشرب ، ولا يعني لهم الماضي شيئا ولا المستقبل .
لا يعرفون من اين جاءوا ، ولماذا جاءوا ، والى اين المصير ! وما حياتهم الا حياة
(1) بحار الانوار 62 / 225 .

السابق السابق الفهرس التالي التالي