|
|
|
تحضير الارواح
|
|
|
 |
قال لي معلمي :
قادني دليلي يوما في عالم المكاشفة الى جمع من الناس اجتمعوا من اجل تحضير الروح ، وكانوا يتصورون انهم يحضرون روح احد الناس ، ممن توفاهم الله ، فيسألون روحه بعض اسئلة العقيدة ، فيما الحقيقة كانت الروح التي يسألونها هي روح شريرة لشيطان حضر جمعهم ، فكان يجيبهم على خلاف العقل والعلم ويريد بذلك تضليلهم واغواءهم .
ولان الوسيط كان انسانا لا عقيدة له ولا ايمان ، بل كان من اولياء الشيطان ، فكان يردد كلمات يعدها الجاهل غيبا .
قلت لهم : ان الروح التي حضرت انما هي روح خبيثة لشيطان مريد ، وهدفه هو حرفكم عن جادة الصواب والصراط المستقيم ، فاصغوا الى كلامي ، وانفضوا عن ذلك الرجل .
وفي جمع آخر من هذه المجالس رأيت الشياطين قد حضرت ، وكانت الروح الخبيثة تتحدث لهم عن تناسخ الارواح ، وبعض المسائل الاخرى التي تفوح برائحة الضلال .
فمثلا حضرت مجلسا وقد انكشف لي ملكوت هذا المحفل ، فعندما قال احدهم : لقد قمت باحضار روح العالم الفلاني فسلوه عما يبدو لكم ؛ لكني رأيت شيطانا يجيب عن الاسلئلة .
فعندما سأل احدهم عما تبقى له في الحياة من السنين اجاب الشيطان : خمسين سنة ، وكان عمر الرجل سبعين سنة .
سألت دليلي : لِمَ يؤمله الشيطان بهذا العمر ؟ فقال : حتى يفرح ويصدق بتحضير الارواح ولا يعتقد بالاجل او يستعد للقاء الله ، فيطول امله ، وينسى اجله (1) .
وسأل آخر : هل عقائدنا صائبة وصحيحة ؟ فقال : نعم ، ولكن عليكم ان تنقطعوا الى فلان ، واعملوا بكل ما يقول .
قال دليلي : اتعرف المذكور ؟ قلت : لا اعرفه .
قال دليلي : انه رجل ضال ، وهو من اولياء الشيطان مئة بالمئة ، وهو يدعو الناس الى مذهب خاص .
سأل آخر : لقد رحل ابي عن الدنيا فكيف حاله (وكان ابوه من اعوان الظلمة ، ويضطهد الضعفاء ، وهو في العذاب) .
قال الروح (على زعمهم ، وهو في الحقيقة الشيطان) : انه في احسن حال ، وان الله غفر له ذنوبه ؛ لانها من اللمم الذي يغفره الله .
قال دليلي : أرأيت كيف يصور ظلم الضعفاء ، وقهر الناس ، بشكل عادي .
قلت لدليلي : انني اعتقد بأن الذين يقومون بتحضير الارواح دون تزكية نفوسهم ، وخاصة عندما يسألون عن القائد ، فان الارواح التي تحضر هي في الحقيقة شياطين ، وانه لا يمكن الركون الى اقوالهم ، وصادقني دليلي على ذلك (2) .
بعض الشياطين يقومون باخافة الناس من كل شيء ، والاعجب من ذلك البعض ممن يخشى الظلام ، وان كان خفيفا .
فابليس وشياطينه يؤذون البشر بحيث يسلبون منهم الاحساس بالأمن .
وفي عالم المكاشفات تتلاشى الحواجز بين الماضي السحيق والمستقبل البعيد .. حتى ان المرء يستطيع في هذا العالم مشاهدة البدايات الاولى للخلق ، ويرى الجنة والجحيم لا يخفى عليه من ذلك شيء .
|
|
(1) «يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان الا غرورا» النساء : الآية 120 .
(2) «ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين * وانهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون انهم مهتدون» الزخرف : الآيتان 36 و 37 .
|
لذا وعندما اراد دليلي ان يريني عاقبة الشيطان التفت جهة اليمين ، واخترق ملايين السنين ، وقال : انظر الى هناك فماذا ترى ؟
عندما نظرت باتجاه الاشارة رأيت صحراء واسعة مترامية لا حدود لها اسمها القيامة ، وكان البشر في شجار مع ابليس ، وصياحهم يملا الفضاء : لِمَ خدعتنا وضللتنا عن عبادة ربنا ؟
قال ابليس : ياللعجب منكم يا بني آدم ؟! ان الله هو الحق المبين ، ووعده الوعد الصادق ، وهؤلاء رسله ووعده ووعيده حق وصدق ، وقد وعدكم واوعدكم ، وقد جاءت رسألاته ، وحذركم رسله وانبياؤه .. لكنكم اعرضتم ، وصدقتم بوعودي الكاذبة واوهامي ، ولم يكن لي عليكم من سلطة ونفوذ سوى وعود كاذبة .. فلا تلوموني ولوموا انفسكم ..
وانقض الضعفاء على الذين غروهم من المستكبرين : ماذا فعلتم بنا ؟ من يدفع عنا العذاب الذي حاق بنا ؟ لقد كنا لكم اتباعا فماذا ستفعلون لنا ؟
قال المستكبرون : لا شيء ، لقد انتهى كل شيء ، لو هدانا الله لهديناكم :
«وبرزوا لله جميعا فقال الضعفاء للذين استكبروا انا كنا لكم تبعا فهل انتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء قالوا لو هدانا الله لهديناكم سواء علينا أجزعنا ام صبرنا ما لنا من محيص * وقال الشيطان لمّا قضي الامر ان الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان الا ان دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا انفسكم ما انا بمصرخكم وما انتم بمصرخي اني كفرت بما اشركتمون من قبل ان الظالمين لهم عذاب اليم» (1) .
ويفر الشيطان تاركا حشود البشر زائغي الاعين ، وقد احدق بهم المصير الاسود ، وكانوا يعضون اصابع الندم ، ولات حين مناص ..
الشيطان يقول للانسان اكفر ، ويكفر الانسان ، فاذا كفر تبرأ الشيطان منه ، وتركه وحيدا : «كمثل الشيطان اذ قال للانسان اكفر فلما كفر قال اني بريء منك اني اخاف
|
|
(1) ابراهيم : الآيتان 21 و 22 .
|
الله رب العالمين * فكان عاقبتهما انهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين» (1) .
«قل اوحي الي انه استمع نفر من الجن فقالوا انا سمعنا قرآنا عجبا * يهدي الى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا احدا * وانه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا * وانه كان يقول سفيهنا على الله شططا * وانا ظننا ان لن تقول الانس والجن على الله كذبا * وانه كان رجال من الانس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا * وانهم ظنوا كما ظننتم ان لن يبعث الله احدا * وانا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا * وانا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا * وانا لا ندري اشر اريد بمن في الارض ام اراد بهم ربهم رشدا * وانا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قددا * وانا ظننا ان لن نعجز الله في الارض ولن نعجزه هربا * وانا لمّا سمعنا الهدى آمنا به فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا * وانا منا المسلمون ومنا القاسطون فمن اسلم فاولئك تحروا رشدا * واما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا» (2) .
فالجن ليست له سلطة على البشر ولا نفوذ ، لا يملك سوى الوسوسة والخيالات والاوهام ، وخطأ الانسان انه يصغي للشيطان ، ولو راجع ضميره ووجدانه وفطرته وعقله لوجد طريق الله مضيئا .
|
(1) الحشر : الآيتان 16 و 17 .
(2) الجن : الآيات 1 ـ 15 .
|
|
عالم الملكوت
|
|
|
 |
قال لي معلمي :
ليلة وفي عالم المكاشفة طلبت من دليلي ان ياخذني الى عالم الملكوت ، وان يريني البُعد الثاني للشياء ما امكن ، فقد استطيع ان انقل مشاهداتي للناس عن عوالم سوف يرونها ذات يوم .
ودليلي قال كلمات ولجت قلبي ، فانفتحت بصيرتي ، فاذا انا امام الاشياء بعد الموت ، يعني بعد انفصال الروح عن البدن ، وانقطاعها عن العالم المادي .
وانفتحت عيني على الحقيقة ، ورأيت كل الاشياء ببعدها الملكوتي ، ورأيت سيرة جميع الاشياء ، وها انا انقل لك بعض مشاهداتي فاصغ :
«عالم الدنيا» .. رأيته سجنا رهيبا يعمل فيه الاولياء ، وكانهم محكومون بالاعمال الشاقة ، فهم يتأوهون من اجل الخلاص منه .
ثم رأيت «عالم الذر» حيث تعيش ارواح البشر في اجسام صغيرة هي نسخة من الاجسام في الدنيا .
رأيت مليارات البشر ، بل مئات المليارات ، في فضاء واسع لا نهائي بين السماوات والارض .. في حدائق مفعمة بالصفاء والحب الالهي وفي حياة هانئة (1) .
|
|
(1) عن ابي جعفر الباقر عليه السلام ـ في حديث طويل ـ : «... فنظر آدم الى ذريته وهم ذر قد ملأوا السماء ، قال آدم : يا رب ، ما اكثر ذريتي ولامر ما خلقتهم ، فما تريد منهم باخذك الميثاق عليه ؟ قال الله عز وجل : يعبدوني ، ولا يشركون بي شيئا ، ويؤمنون برسلي ويتبعونهم . قال آدم : يا رب ، فما لي ارى بعض الذر اعظم من بعض ، وبعضهم له
=
|
ولكن الله سبحانه ـ وحتى لا يغتروا ، وحتى يعرفوا انفسهم ولا ينسوا ميثاق العبودية ـ ارسلهم الى الدنيا لمدة قصيرة يمتحنهم بها ويبلوهم فيها .
قال لي دليلي وهو يتحدث عن عالم الذر : هلم الى روح حان سفرها الى عالم الدنيا ، هلم نرافقها لنرى ما يجري عليها .
وعندما هززت رأسي موافقا قال : ان اردت ان تدرك حقيقة الدنيا من كل ابعادها عليك ان تقوم ببعض ما يلي :
اولا : ان تعود الى الزمن الماضي قدرا من القرون فهذا يسرع في وصول مقصدنا ولن يزاحمنا الزمان حينئذ .
ثانيا : نتحرك مع بعض الارواح التي حان موعد سفرها الى الدنيا كلا على حدة لنرى كيف تتعامل مع الدنيا ، وما هي احوالها ، وما ستقوم به من اعمال ؟
قلت : لا بأس ، نفعل هذا .
فاخذ الدليل بيدي الى ما قبل اكثر من الف واربعمئة عام ، وبالضبط الى مكة ، حيث النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصدع بامر الله ، ويدعو الناس الى الهدى ودين الحق ، فهذا الزمان هو افضل زمان لمعرفة حالات الناس .
فهلم لنرى اولا احد الاشقياء من الذين فتنتهم الدنيا ببريقها الخلاب ، فسحق روحه ، وداس على فطرته .. هلم لننظر ما يقع ، وكيف يتعامل مع النبي صلى الله عليه وسلم .
لهذا رحت اتابع روح احد الذين حان سفرهم الى الدنيا ومغادرة عالم الذر .
انه احد الذين لم يعاهدوا الله على الميثاق بالوفاء فكان من الاشقياء (1) .
|
= نور كثير ، وبعضهم له نور قليل (الى ان قال) : قال الله عز وجل : ... وخلقتك وخلقت ذريتك من غير فاقة بي اليك واليهم ، وانما خلقتك وخلقتهم لأبلوك وابلوهم ايكم احسن عملا في دار الدنيا في حياتكم» بحار الانوار 64 / 116 ، الحديث 24 .
(1) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي عليه السلام : «انت الذي احتج الله بك في ابتداء الخلق حيث اقامهم اشباحا ، فقال لهم : الست بربكم ؟ قالوا : بلى ، قال : ومحمد رسولي ؟ قالوا : بلى ، قال : وعلي امير المؤمنين ؟ فأبى اكثر الخلق جميعا الا استكبارا وعتوا عن ولايتك الا نفر=
|
في البداية ، وقبل خسمة اشهر من مجيئه الى الدنيا ، خلق الله له بدنا كالذي كان له في عالم الذر ، ووضعه في رحم امراة عاهرة (1) ، وهكذا قدر له ان يلج الدنيا من هذه البوابة ، ولذا اراد ان يرفض لانه كان قبل ذلك في عالم واسع رحب ينعم بالصفاء .
فكيف يطيق ظلمات الرحم والبطن ، وكيف يطيق هذا المكان الضيق خمسة اشهر يغتذي خلالها على دماء الحيض ، ولكن انّى له مقاومة امر الله (2) .
وهكذا حلت الروح في بدن لا حول ولا قوة ، في رحم ، مدة خمسة اشهر ليخرج من المكان الذي يخرج منه البول ويدخل عالم الدنيا ، وهو ما يزال عاجزا لا يستطيع عمل شيء ، وقد نسي كل معلوماته ، الا من بعض الادراكات البسيطة (3) ، لقد نسي كل شيء ، واصبح كما خلقه اول مرة في عالم الارواح وعالم الذر ، مع فارق واحد انه الآن يتذكر شيئا فشيئا ما نسيه من حقائق ، وهي مستودعة في فطرته (4) .
انه يريد ان يتذكر المعلومات التي نسيها فيعمل بها ويمتحن بها ، لكنه انخدع بزخرف الحياة ، واخذته الحواس الخمس الى نوم عميق ، فانتهى نومه الى موت روحه وصيرورة قلبه حجرا ، لقد عميت بصيرته ، فهو لا يسمع ولا يبصر ولا يستطيع
|
= قليل ، وهم اصحاب اليمين» بحار الانوار 64 / 127 ، الحديث 31 .
(1) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي عليه السلام : «فاذا كان يوم القيامة دعي الناس بامهاتهم ، الا شيعتك فانهم يدعون باسماء آبائهم لطيب مولدهم» بحار الانوار 64 / 126 ، الحديث 29 و 60 / 207 ، الحديث 40 و 60 / 208 ، الحديث 43 .
(2) الامام الصادق ، عن ابيه (عليهما) : «ان روح آدم عليه السلام لما امرت ان تدخل فيه كرهته ، فامرها ان تدخل كرها وتخرج كرها» بحار الانوار 58 / 30 ، الحديث 2 .
(3) «والله اخرجكم من بطون امهاتكم لا تعلمون شيئا» النحل : الآية 78 .
(4) عن زرارة ، قال : سألت ابا جعفر (الباقر) عليه السلام عن قول الله عز وجل : «واذ اخذ ربك من بني آدم ...» الآية ، قال : «ثبتت المعرفة في قلوبهم ، ونسوا الموقف وسيذكرونه يوما ، ولولا ذلك لم يدر احد من خالقه ، ولا من رازقه» بحار الانوار 5 / 243 ، الحديث 32 .
|
ان ينطق بالحق ، بل لا يستطيع ان يدرك الحقائق (1) .
لم اكن ادري انه ميت ، ولذا عندما رأيت روحه في الفلاة بدا لي نائما ، وكانت مختلف الحيوانات تنهش فيه ، حاولت ان اوقظه ولكن دون جدوى .
وكان حيوان «حب الدنيا» ينهش فيه ، ونار «الحسد» تلهبه ، وحيوانات مثل «حب الجاه» «الرياسة» و«القسوة» تتخطفه ، اما هو فقد كان غارقا في النوم .
وادركت حينئذ الا امل في حياته ، ورحت افكر في هذا المصير الذي وصل اليه .. ترى ما الذي جره الى هذا المصير ؟!
لقد كان يعاني في عالم الذر من بعض الامراض ، وظهرت عليه في مرحلة الطفولة ولم يبادر الى علاجها .
ولجهله هذا كانت حالته تتفاقم سوء ، واصبحت مستعصية على العلاج .
اخذ دليلي بيدي وقال : انتبه للامراض الروحية ، واحذر منها في دنياك .. ان امراضا مثل «حب الدنيا» ، «حب الجاه» «الرئاسة» «القسوة» هي امراض خطيرة وقاتلة .
والآن هلم الى مكة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ، انه الآن يريد هداية الناس الى طريق الله .. انظر الى هناك .. الى ذلك المرتفع .. انه رحمة لكل العالمين (2) .
انه يريد لهم الحياة الطيبة ؛ ولذاتراه يشقى من اجل الناس (3) .
الله سبحانه يشير الى ذلك الانسان الذي كنا نتحدث عنه ورأيناه نائما في الصحراء وامثاله (4) .
لقد مات هؤلاء موتا روحيا لا امل فيه ابدا ، ولذا مما يقول الله سبحانه لرسوله :
|
(1) «صم بكم عمي فهم لا يرجعون» البقرة : الآية 18 .
(2) «وما ارسلناك الا رحمة للعالمين» الانبياء : الآية 107 .
(3) «طه * ما انزلنا عليك القرآن لتشقى» طه : الآيتان 1 و 2 .
(4) «ان الذين كفروا سواء عليهم ءأنذرتهم ام لم تنذرهم لا يؤمنون * ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى ابصارهم غشاوة» البقرة : الآيتان 6 و 7 .
|
«انك لا تسمع الموتى ، ولا تسمع الصم ، وانك لا تستطيع ان تهدي العمي ، فلقد ختم على قلوبهم واسماعهم وعلى عيونهم غشاوة .. وغرقت في تأملاتي وادركت عندها ان بعض الناس الذي نعدهم احياء انما هم موتى ، فالذي لا يسمع صوت النبي ولا يصغي لكلماته ، والله سبحانه يقول لنبيه انما هم موتى ، وانك لا تسمع من في القبور» (1) .
وقال لي دليلي : انظر في سيرة هذا الشخص لترى حقيقة حاله ، وعندما نظرت لم اجد فيه سوى بقايا الحيوان !
همه بطنه ، وما يرتدي من الحلل الفاخرة وما يتحلى به من الجواهر ، ما يجعله متكبرا مغرورا .
لم يفكر يوما بهدفه من الحياة ، ولماذا خلق ؟ انه ميت بكل معنى الكلمة ، وليس في وجوده بقايا من الانسانية .
هكذا عاش حتى انفصلت روحه عن جسده ، حينئذ انفتحت رؤيته ليرى الحقائق ، ولكن بعد فوات الاوان .. سيحيا حياة البرزخ في عذاب متواصل الى يوم القيامة ، والى ما بعد ذلك .
وهنا قال دليلي : في الوقت الذي تموت فيه حيوانية الانسان لحظة الموت تنبعث انسانيته ، وسيكون آنذاك كطالب في قاعة امتحان ، شارد الذهن ، لم يحضر للامتحان لكي يؤديه ، ثم يغادر قاعة الامتحان ليرى نتيجته راسبا .. اية حالة اذن هي حالته .. انه غارق في حزن مرير .
ان حزن اولئك الناس في يوم يفوق حزن الطالب الراسب مئات المرات ، وخاصة وانه لن يكون هناك فرصة لاعادة الكرّة (2) .
قال لي معلمي :
|
(1) «صم بكم عمي فهم لا يرجعون» البقرة : الآية 18 .
(2) «حتى اذا جاء احدهم الموت قال رب ارجعون * لعلي اعمل صالحا فيما تركت كلا انها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ الى يوم يبعثون» المؤمنون : الآيتان 99 و 100 .
|
اخذني دليلي يوما في عالم المكاشفة الى عالم الذر ، اعادني نحو الماضي السحيق ، وعرفني على روح تتأهب للسفر الى الدنيا ، هذه الروح تختلف عن تلك ، فهذه وفية للميثاق الالهي ، من اجل هذا هيأ الله سبحانه وسائل طيبة للسفر (1) ولم يكن هذا سوى ثمرة موقف الوفاء للعهد والميثاق (2) ، فاستقرت نطفة في رحم طاهر من اب صالح (3) .
ومع هذه الوسائل لم تكن الروح مبتهجة بهذا السفر ، وكانت تشعر بالوحشة . قال دليلي بعد ان رأى دهشتي : انت لا تدرك الفرق بين العالَمَين ، الروح هنا تعيش في عالم مفعم بالصفاء ، مغمور بالنور .. انظر الى الدنيا انها مكان ضيق غارق في الظلمات . اين هذا المكان من هذا العالم المغمور بالضياء والسلام ؟!
بعض الارواح تدرك هذا الفرق ، فهي لا تحب استبدال الضوء بالظلام ، والسعة بالضيق ..
لكن الارواح عندما تلج عالم الدنيا تنسى عالم الذر ، وتستأنس شيئا فشيئا بالعالم الجديد ..
ولو انك اطلعت على سعة هذا العالم لهتفت : «وضاقت الارض» .
وفي النهاية عندما بلغ الجنين شهورا اربعة حلت به الروح ، ثم بعد خمسة اشهر يدخل عالم الدنيا ويفتح عينيه على هذا العالم الجديد ، لكنه ومنذ نعومة اظفاره لم يفكر الا بتزكية نفسه وسلوك طريق التكامل الانساني .
ولا تظن انه مجبر على ذلك ، كلا ، ولكن ظروف حياته ، وطهارة نفسه ، جعلته
|
(1) علي بن الحسين ، عن البري ، عن ابن محبوب ، عن الحسين بن نعيم الصحاف ، قال : سألت الصادق عليه السلام عن قوله : «فمنكم كافر ومنكم مؤمن» [التغابن : الآية 2] فقال : «عرف الله عز وجل ايمانهم بولايتنا ، وكفرهم بتركها يوم اخذ عليهم الميثاق وهم ذر في صلب آدم عليه السلام» .
(2) بحار الانوار 5 / 226 ، الحديث 5 .
(3) بحار الانوار 64 / 126 ، الحديث 29 و 60 / 207 ، الحديث 40 ـ باب الطينة والميثاق .
|
منسجما مع اعمال الخير ، وان يفي بعهده الذي قطعه على نفسه في عالم الذر .
وهنا اخذ الدليل بيدي الى جبل شاهق ، حيث يمكنني من رؤية جميع الاشياء ، بل وحقائقها ايضا ، ورؤية بعدها الملكوتي ..
بعض الاماكن في الدنيا ، وفي بعدها الملكوتي ، كالجنان التي وصفها القرآن الكريم ..
فمثلا ارض طوس التي تُدعى اليوم «مشهد المقدسة» من الاماكن التي تشبه الجنة ، ولذا لفتت نظرنا منذ اللحظة الاولى .
عندما القيت نظرة بعين ملكوتية على المكان رأيت الامام الرضا عليه السلام الامام الثامن للمسلمين حاكما قائدا عادلا طيبا والناس يقصدونه بحاجاتهم ، وكان يغمر الجميع بعطفه ورحمته ..
كان يشفع للمذنبين ويطهرهم من الآثام (1) .
وفي هذا العالم عالم المكاشفة عندما تأملت فيه رأيته خبيرا بمعادن الناس وجواهرهم ، فاذا جاءه انسان جاهل وبيده خاتم ثمين جدا لا يعرف قيمته لكثرة ما تراكم فوقه من الوسخ ، اخذه منه وصقله وخلصه مما تراكم عليه من الدرن (2) ، ثم اعاده الى صاحبه قائلا : ان هذا خاتم ثمين للغاية ، وانا اعرف له مشتريا ثريا ياخذه منك باعلى قيمة ، فان رغبت ببيعه ادلك عليه (3) .
وهنا رأى بعضهم يفهم كلامه ويصغى الى نصحه ، وبعضهم لا يفهم ، فهو معرض لا يكاد يفقه شيئا ، فالذين يصغون ويفهمون يبادرون الى البيع وقد ربحت تجارتهم .
|
(1) «ولو انهم اذ ظلموا انفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما» النساء : الآية 64 .
(2) امير المؤمنين عليه السلام : «الا فمن زاره في غربته غفر الله له ذنوبه ما تقدم منها وما تاخر ، ولو كان مثل عدد النجوم وقِطر الامطار وورق الاشجار» بحار الانوار 49 / 287 ، الحديث 11 . جامع احاديث الشيعة ـ كتاب المزار : 90 .
(3) «يا ايها الذين آمنوا هل ادلكم على تجارة تنجيكم من عذاب اليم» الصف : الآية 10 .
|
واهل المعرفة يدركون ان ذلك الخاتم ما هو الا الروح والنفس الانسانية ، وما الادران والوسخ سوى الآثام والمعاصي ، التي لا تتراكم الا بسبب الجهل ، فاذا بادر ذلك الانسان الى زيارة الامام (الرضا) غفر الله ذنوبه ، واما الذي يشتري بالثمن الجزيل فهو الله سبحانه وتعالى (1) .
وذهبت الى احد الذين لم يصغوا لكلام الامام ، وقد غفرت ذنوبه ، ولكن بصيرته لم تنفتح ، ذهبت اليه لاستطلع حاله .
فاذا به يعود الى نفس المستنقع الذي جاء منه ، وقد تلوث من جديد بما تطهر منه في زيارته ، وعندما يتلوث الفيروز بالوسخ والدرن تهبط قيمته ، وكذا روح الانسان اذا ما تراكمت عليها الآثام والمعاصي فهي تنتهي الى مصير بائس (2) .
وكانت الملائكة تحف بالمكان الطاهر وتطوف حوله ، وكانت بركات الله تغمر هذه الجنة ، وافواج من ارواح الانبياء تهبط ثم تعرج الى السماء (3) .
رأيت الامام الرضا يبتسم وهو يغمر محبيه الذين جاءوا من كل حدب وصوب لزيارته ، ويعدهم برد الزيارة في اماكن يحتاجونه فيها (4) .
قال دليلي : كانك لاتريد الخروج من هذه الجنة .. اعرف انك منشد اليها ، مبتهج فيها ، ولكن التاخر هنا يعني فوات الفرصة في متابعة ما جئنا من اجله ..
قال هذا واخذ بيدي الى جبل شاهق آخر يطل على جميع الاشياء .
قال لي : انظر الى هذه الجهة فسترى جنة اخرى اسمها الظاهري كربلاء ، حيث
|
(1) «ان الله اشترى من المؤمنين انفسهم واموالهم بان لهم الجنة» التوبة : الآية 111 .
(2) «ثم كان عاقبة الذين اساءوا السوءى ان كذّبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون» الروم : الآية 10 .
(3) جامع احاديث الشيعة ـ كتاب المزار : 90 .
(4) الامام الرضا عليه السلام : «من زارني على بُعد داري آتيه يوم القيامة في ثلاثة مواطن حتى اخلصه من اهوالها : اذا تطايرت الكتب يمينا وشمالا ، وعند الصراط ، وعند الميزان» جامع احاديث الشيعة ـ كتاب المزار : باب 90 ، الصفحة 594 ، الحديث 4994 .
|
|
|